فهرس الكتاب
للعيش في مجتمعات الثقة المرتفعة مزايا عديدة. صحيح أن التعاون ممكن في مجتمعات الثقة المتدنية، لكنه لا يتم إلا عبر آليات رسمية. حيث تتطلب الصفقات التجارية عقود مفصلة، ومقاضاة، وشرطة، وتنفيذا للقانون، لأن من المتعذر الاعتماد على وفاء الناس كلهم بتعهداتهم. فإذا عشت في حي ترتفع فيه معدلات الجريمة، فربما يجب علي حمل سلاح، أو عدم الخروج من المنزل ليلا، أو تدعيم الباب الخارجي بأقفال وأجهزة إنذار باهظة الثمن بدلا من الحراس الأمنيين الذين يجب توظيفهم لحمايتي، في كثير من البلدان الفقيرة، كما سنرى في الجزء الثاني، تضطر العائلات إلى ترك فرد منها في المنزل طوال اليوم لمنع الجيران من سرقة ممتلكاتها من الحديقة أو الاستيلاء على البيت برمته، تشكل هذه العوامل كلها ما يدعوه الاقتصاديون تكاليف التعاملات، التي يمكن توفيرها عند العيش في مجتمع الثقة المرتفعة. فضلا عن أن كثيرا من مجتمعات الثقة المتدنية لا تحقق مكاسب وفوائد التعاون على الإطلاق: الشركات لا تؤسس، والجيران لا يتبادلون المساعدة .. الخ.
الأمر ذاته ينطبق على علاقة المواطنين بحكومتهم. فمن المرجح أن يمتثل المواطنون للقانون إذا وجدوا التزاما مماثلا من الأشخاص الآخرين من حولهم. في المجلد الأول، قدمت دليلا على أن ملكات اتباع القواعد والمعايير متأصلة وراثية بوصفها جزءا من الطبيعة البشرية. في معظم المجتمعات، ليس التزام القانون سوي نتاج جزئي للدرجة التي تصل إليها الحكومة في مراقبة الامتثال له وإنزال العقوبات بمن ينتهكون حرمته. إذ إن الغالبية العظمى من السلوكيات التي تلتزم القانون مؤسسة على حقيقة أن الناس يرون غيرهم يطيعون القانون ويتصرفون وفقا للمعيار المدرك. بالمقابل، حين پري بيروقراطي زميلا يقبض رشوة ليسمح لأحدهم بتجاوز دوره في الطابور، أو عندما يدرك سياسي أن الحزب المنافس يستفيد من العمولات من العقود العامة ويلحق الضرر به، فمن المرجح أن يتصرف بطريقة مشابهة. وحين يلجأ كثير من المواطنين إلى الغش والخداع فيما يتعلق بضرائبهم (كما يحدث روتينية في اليونان وإيطاليا) ، فإن من يدفعها كاملة سوف يبدو مغقلا