ومن ثم تعتمد جودة الحكومة اعتيادة حاسي على الثقة أو رأس المال الأجتماعي فإذا فشلت الحكومة في أداء بعض الوظائف الحاسمة في أهميتها للمواطنين - إذا عجزت مثلا عن كسب الثقة لحماية حقوق الملكية، أو إذا أخفقت في الدفاع عنهم ضد المجرمين أو الأخطار العامة مثل النفايات السامة فسوف يتولون بأيديهم مهمة تأمين مصالحهم. ومثلما رأينا في حالة صقلية، تعود جذور المافيا إلى فشل آل بوربون ثم الدولة الإيطالية في القيام بهذه المهمة بالضبط، ولهذا السبب بدأ الأفراد استئجار درجال شرفاءا لتوفير الحماية لهم، لكن نظرا لأن معظم أعضاء المافيا ليسوا أهلا للثقة، تحول الشك في الحكومة إلى أرتياب شامل بالجميع
يجسد مجتمع الثقة المتدنية ما يدعوه الاقتصاديون مشكلة العمل الجماعي، إذ إن الشك يفرز نتائج سلبية اجتماعية، وسيكون الجميع أفضل حالا لو تصرفوا بطريقة جديرة بالثقة، لكن الفرد لا يريد أن يكون أول من يرفض الرشوة أو بدفع الضريبة. ولأن الشك يتغذى على ذاته، يسقط الكل في شرك ما يعرف بالتوازن متدني المستوى، حيث الجميع في وضع سيئ لكنهم عاجزون عن الإفلات. بالمقابل، إذا كانت الحكومة نظيفة اليد، ونزيهة، وكفؤة، سوف يكون الناس على أتم الاستعداد للثقة بها والسير على هديها.
كانت الحكومة في كل من اليونان وإيطاليا الجنوبية في القرنين التاسع عشر والعشرين كبيرة في الحجم والمدى وضعيفة في القدرة، وفق المصطلحات الواردة في الفصل الثالث. ولم ترث أي منها عند دخول الحقبة الديمقراطية الحديثة بيروقراطية مستقلة ذاتية على الطراز البروسي، بينما تلطخت شرعية الحكومة بالارتباطات مع الأجانب: حکمت کلا منها قوى خارجية قبل القرن التاسع عشر، وحتى بعد الاستقلال الاسمي تأثرت المؤسسات والأحزاب السياسية اليونانية تأثر شديدة القوى الخارجية، أما في إيطاليا الجنوبية فقد تعلقت القضية بالاستعمار الداخلي، حيث رسمت الحكومة المركزية الخاضعة لهيمنة الشمال السياسة في الجنوب، في اليونان وإيطاليا كلتيها، غدت الحكومة مصدرا مبكرا للمحسوبية، ثم الزبائنية السافرة وذلك مع دمقرطة النظام والانتقال إلى المشاركة السياسية الجماهيرية