المؤسسات مقررة سلفا بالميراث التاريخي، أو مصممة بواسطة القوى الخارجية. لقد تمكنت مجتمعات فقيرة عديدة في العالم النامي من إقامة دول سلطوية بقيت في الحكم عبر توليفة جمعت القمع والفم والاستيعاب، لكن لأسباب عرفناها، لم تتمكن إلا فيما ندر من إيجاد طبقة الماندرين (الإدارية الممركزة) الصينية أو دولة القانون (Rechtsstant) البروسية، حيث تتجسد السلطة الاستبدادية في بيروقراطية على درجة عالية من المأسسة وتشتغل اعتمادا على قوانين واضحة وقواعد معلنة. تنخر المحسوبية والفساد المستشري كثير من الدول الاستبدادية المعاصرة. ولم يقترب من القضاء عليها في العالم المعاصر سوى بعض من دول الخليج العربي، إضافة إلى سنغافورة، التي جعلت منها ظروفها الفريدة نماذج يصعب على الجميع محاكاتها. وفي ظل مثل هذه الظروف، ما هي الفائدة من تأجيل الدمقرطة، لصالح ديکتاتورية وحشية أو فاسدة أو عاجزة تفتقد الكفاءة، أو تجمع هذه الصفات كلها معا؟
السبب الأخير الذي يجعل الجهد المبذول لترتيب إدخال المؤسسات السياسية بالتسلسل إشكالية أخلاقي أو معياري. إذ تعد المحاسبة عبر انتخابات دورية نزيهة وحرة تمارسة جيدة في حد ذاتها، بغض النظر عن أي تأثيرات قد تتركها في جودة الحكومة أو النمو الاقتصادي. إن الحق في المشاركة سياسيا يمنح المواطن أعترافا بشخصيته الأخلاقية، بينما تعطي ممارسة هذا الحق للشخص ذاته درجة من السلطة على الحياة المشتركة للمجتمع، ربا يتخذ المواطن قرارات سيئة أو لا تعتمد على معلومات كافية، لكن ممارسة الخيار السياسي في حد ذاتها جزء مهم من الازدهار البشري. ليس هذا رأي شخصي؛ إذ تعبأ الآن في شتى أرجاء العالم حشود ضخمة من الناس للدفاع عن الحق في المشاركة السياسية. وتجسدت آخر مظهرات قوة فكرة الديمقراطية في الربيع العربي الذي انطلق عام 2011 في جزء من العالم افترض كثيرون وجود قبول ثقافي بالديكتاتورية فيه.
في البلدان التي لم تختبر إدخالا تسلسلية للمؤسسات السياسية الحديثة، مثل بروسيا وبريطانيا، تمثلت أنظمة الحكم القديمة غير الديمقراطية في الملكيات التقليدية التي حظيت بمصادر للشرعية خاصة بها. لا يصدق ذلك على الأغلبية