ترتبط ظاهرتا السياسة غير المستقرة والأداء الاقتصادي الهزيل على المدى الطويل ارتباطا وثيقا بالمشكلة الأساسية المتمثلة في غياب المساواة. فقد أوجدت البنية الطبقية والتوزيع غير العادل للموارد استقطابات سياسية حادة، بين الليبراليين والمحافظين في القرن التاسع عشر، وبين الحكومات المحافظة وتشكيلة متنوعة من الخصوم الماركسيين أو الشعبويين في القرن العشرين. حدث النمو الاقتصادي في أميركا اللاتينية على مدى حقب مختلفة، ولاسيما في أواخر القرن التاسع عشر و منتصف القرن العشرين، حين تمكن عدد من البلدان من ردم الفجوة مع العالم المتقدم إلى حد ما، لكنها فغرت مرة أخرى نتيجة لحالة عدم الاستقرار السياسي الذي أوقع الاضطراب والفوضى في الحياة الاقتصادية الطبيعية وأدى إلى خسارة المكاسب السياسية التي تحققت في حقب سابقة. تمكنت التخب الاقتصادية من الهيمنة على الأنظمة السياسية الديمقراطية إسميا للحفاظ على مكانتها الاجتماعية، ومن ثم منع إتاحة الفرص الاقتصادية بطريقة أكثر ديمقراطية (17) .
يمكن رؤية تأثير هذه التركة التاريخية بأوضح صورة في المكسيك، أحد مرکزي إمبراطورية هابسبورغ الإسبانية في العالم الجديد. فقد أدت المساعي المبذولة للبرلة الاقتصاد في عهد ملوك البوربون في القرن الثامن عشر إلى نتائج محدودة، حيث قاتلت النخب الاقتصادية في مكسيكو سيتي لحماية مواقعها ضد المتطفلين الجدد. کالم يتجذر نظام من العمالة المأجورة المتنقلة في الأرياف، كحاله في الأراضي التي فتحت حديثة في الأرجنتين، بل تمكن كبار ملاك الأراضي من السيطرة على جماهير الفلاحين عبر استرقاق الاستدانة وغيره من الوسائل شبه الإجبارية (20)
تباطأ ازدهار التعدين الذي حدث في القرن الثامن عشر حتى قبل اندلاع حرب استقلال المكسيك عام 1810؛ التي بدأت، کيا ستسهب في الفصل اللاحق، على شكل ثورة اجتماعية بقيادة كاهنين وجيشها من الأتباع الفقراء، لكنها طالت إلى حد استثنائي واتسمت بالعنف. دامت الحرب حتى منتصف عشرينيات القرن ودمرت صناعة التعدين، المورد الرئيسي لصادرات المكسيك (21) . وفي أعقاب هذه الاضطراب الهائل، افتقدت المكسيك الاستقرار السياسي إلى درجة غير عادية،