وأفرزت مقاومة الاحتلال - الأمريكي أو الصهيوني - في هذه الأيام ثقافة جديدة هي ثقافة المقاومة، وضرورة مواجهة القوة بالقوة. وبدأ يتشكل منطق القوة عند"بعض"شعوب المنطقة. فالقبول بالهيمنة الاستعمارية لم يعد واردا. والمقاومة بكل صورها وأبعادها هي الخيار الأمثل الذي ترسخ في الوعي الإسلامي. [1] ولكن لم يترسخ ذلك في نفوس الجميع بعد، وإن كنا لا ننكر ارتفاع صوت المنادين بهذا الخيار إلى حد ما عن ذي قبل.
فما زالت الأمة في عمومها في حالة سبات. ففي الوقت الذي تواجه الأمة خطر الاستئصال عن طريق الخيار العسكري في كل من فلسطين والعراق ولبنان، وخطر الانهيار المعنوي عن طريق الرسوم المسيئة لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم، وخطر الاستبدال من خلال الفيضانات وغرق السفن وتفشي وباء أنفلونزا الطيور ... في هذا الوقت الذي تواجه فيه الأمة كل هذه التحديات، إذا بقطاعات عريضة منها تفرح بالفوز في مباراة!!!
والواقع إذا كنا نحاول البحث عن أسباب هذه الظاهرة الغريبة التي أصابت المجتمع في مقتل، فأدخلته في هذه الحالة من الغيبوبة الطويلة، فإننا نفعل هذا من باب محاولة وصف العلاج الذي يمكن أن يُخرجنا من محنتنا. فوصف العلاج لا يأتي إلا بعد رصد الظاهرة رصدا فعالا وحقيقيا بحيث يشمل جميع أوجهها ومظاهرها.
قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] . فإذا كان الأمر كذلك فلابد لنا من دراسة هذه الظاهرة في هذا الإطار. ومن الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة ما يلي:
1 -البعد عن كتاب الله:
تتجلى أولى أسباب حالة اللامبالاة في بُعد أفراد الأمة عن كتاب الله: هذا الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فألقيناه وراءنا ظهريا، وأصبحنا لا نتعامل معه إلا من قبيل التبرك وحسب. لقد كان القرآن مصدر عزة المسلمين في صدر الإسلام، وسبب قوتهم. استطاعوا دحر أعدائهم وقهر خصومهم بالتزامهم بالتمسك بتعاليم كتابهم والتقيد بأوامره وتلاوتهم إياه. أما الآن فقد بعدنا تماما عن كتاب الله. وأصبحنا ندرس أية ظاهرة تحدث من حولنا بمعزل عن كتاب الله. هذا البعد عن كتاب الله أورثنا قسوة في القلب وغلظة. كما أن خطورة الحلول التي تأتي بعيدة عن كتاب الله تكمن في عدم تمسك المسلمين بالالتزام بها، بل ومحاولة خرقها. فما لم يكن النهي في صورة تعاليم موجهة من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن يتمسك بها أحد، وهذا هو الواقع الذي نعيشه الآن. وهذا هو سر قول
(1) مجلة البيان، رجب 1425، ص: 5.