أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه (قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. [1] ووسد بمعنى أسند.
وجاء عن ابن حجر العسقلاني في تفسيره لهذا الحديث: أجاب عن كيفية الإضاعة بما يدل على الزمان لأنه يتضمن الجواب، لأنه يلزم منه بيان أن كيفيتها هي الإسناد المذكور. والمراد من"الأمر"جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك ... وقيل: معنى"أسند الأمر إلى غير أهله"أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها.
وفي الوقت الراهن، نجد أن الأمة تسند الأمور لغير أهلها على صعيد الأمور الدينية، بل وتعدى الأمر هذا إلى الأمور الدنيوية كذلك. إن تضييع الأمانة يضرب بمعوله في الأمة من جهتين: فهو يؤدي بمن كان صاحب الحق في تولي المنصب للشعور بالنقمة على المجتمع لأنه اختار من هو أقل منه علما وكفاءة ويؤدي به للإحباط وعدم التفاعل مع المجتمع بل والانعزال عنه بما يحرم المجتمع من جهوده التي كان مؤهلا لأدائها.
ومن ناحية أخرى، فإن الأفراد الذين يرون حدوث ذلك يصابون بحالة كبرى من اللامبالاة واليأس والإحباط، وينعدم داخلهم الأمل في التعلم والتدريب، لأنهم يرون ارتفاع قيم الفهلوة واللباقة على معايير الكفاءة في الاختيار.
ولقد كان هذا العامل هو السبب الرئيسي وراء انهيار المجتمع الروسي. فلقد قال أحد ضباط المخابرات السوفيتية - بعد تجنيده للمخابرات الأمريكية - معللا السبب وراء انهيار الاتحاد السوفيتي، إنهم كانوا يرشحون ذوي الكفاءات المنخفضة والمعدمة لتولي المناصب الحساسة والهامة في البلد، وهذا ما أصاب البلد ككل في مقتل وأدى إلى انهيارها واندحارها.
8 -الخوف من الأنظمة البوليسية
لاشك أن ما يلقاه المرء في سجون بلاده من ذل وهوان، وهو ما يتم الكشف عنه في شكل المذكرات التي يكتبها من يتعرضون للاعتقال، لا شك أن ذلك قد أثر كثيرا في إضفاء شعور اللامبالاة على سلوكه. ولقد أصبحت الممارسات البوليسية من الظواهر المزعجة التي تميز نظم الحكم في البلاد الإسلامية. ولذا لم يكن عجيبا أن نسمع الرد الأمريكي على الأصوات العربية التي تأذت من ممارسات الجنود الأمريكيين مع المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب المتمثل في قولهم بأن ما فعلناه ليس بأكثر مما يجري عندكم في بلادكم. وهذا حق!!!! فما فعلوه
(1) صحيح. رواه البخاري 57 و 6015 وأحمد في مسنده، وراجع جامع الأصول 103.