الصفحة 110 من 122

للعدل أنصار للجور، وهذا هو مقصد الأسياد من إيجادهم بجانبهم والإكثار من أمثالهم، ليتمكنوا من التغرير بمن يسودنهم وإلحاق الضرر بهم تحت مسمى نفعهم، لأنهم في الواقع لا ينفعون إلا أنفسهم.

ومن هذه الصفات الطاعة العمياء للسيد، فلا يُظهر الأتباع أي بادرة اعتراض تجاه أي أمر للسيد، حتى ولو كان جائرا. بل يعملون على تنفيذه بحذافيره وفي دأب وتفانٍ شديدين. ذلك أن أهم ما يميز هؤلاء الأتباع هو الذلة والانكسار أمام السيد صاحب الجاه، وإظهار مقدرة فائقة على تنفيذ كل ما يطلبه منه، بل وحتى ما لم يطلبه منه. ليس من المهم أن تكون هذه الأوامر في صالح البلاد، أو أن تكون موافقة لمصالح المرؤوسين. كل ما يهم أن يظل السيد راضيا عن الأتباع، وهو يرى أوامره محل احترام وتوقير.

وهذا ما يجعل العامة تميل هي أيضا لمزيد من التقوقع الداخلي، ولعدم الاهتمام بالمصلحة العامة. فهي ترى أن ما يشغل الأسياد وأتباعهم هو تحقيق مصالحهم الشخصية، وهي تشتم عطن العلاقة العفنة بين الطرفين. فتميل العامة والحال هكذا للعمل لصالحها الخاص هي أيضا، معرّضة البلاد لمخاطر الهلكة والدمار.

ومما يميز الأتباع أيضا، التزامهم جانب الصمت والتكتم الشديد. فهم يعملون في صمت وفي حذر، يخافون انقلاب الأوضاع عليهم إذا ما تكشفت الأمور وتبينت الحقائق. ترى الأمر وكأنهم يديرون خططا حربية لا يجوز لأحد الإطلاع عليها. وفي واقع الأمر، فإن الالتزام بهذه السرية والتكتم الشديدين هو الذي يسمح لهؤلاء الأتباع بتمرير الأمور ببساطة، حتى يُفاجأ بها العامة وكأنها أمر واقع لا يستطيعون منه فكاكا.

ويلتزم الأتباع جانب الموافقة دائما لما يقوله الأسياد، حتى ولو كانوا في دخيلة أنفسهم رافضون له. ويراقبون من الأسياد الشاردة والواردة كالكلب الأمين الذي يتبع صاحبه، حتى يصبح التابع منهم لازمة من لوازم سيده ووهما مسلطا عليه لا يتخيل إمكان الاستغناء عنه.

كما يمتازون بالنفاق وتزيين الباطل للسادة. فهم بمجرد أن يشعروا بميل الأسياد لأمر من الأمور، حتى يبدأوا في تزيين هذا الأمر لهم، حتى ولو كان باطلا. ولا تخضع الأمور - هكذا - لمعيار الحلال والحرام، وإنما لمعيار هوى السيد وما يريد.

ومن صفاتهم التظاهر بالتفاني في خدمة الأسياد والإخلاص في خدمتهم، فيلازمونهم ملازمة الظل لا يغادرونهم طرفة عين. وهم في الواقع لا يعملون إلا لمصلحتهم. ويدلك على هذا، ما يحدث إذا ما انقلب الزمان وأدار ظهره لأحد الأسياد. فما يكون من الأتباع إلا رميه بكل نقيصة وعيب، والتشفي منه ومن أعماله التي كانوا منذ عهد قريب يشيدون بها ويمجدونها. ولا ينسون بالطبع إظهار عظيم الولاء للسيد الجديد، الذي آلت إليه مقاليد الأمور، واضعين في روعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت