الصفحة 32 من 122

الاقتصاد في الأكل. وأسوتنا في هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام من بعده. فقد كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، ولا يوقد في بيته الشريف نار لعمل طعام. كما كان يربط صلى الله عليه وسلم على بطنه الحجر والحجرين لسد نهمة الجوع التي تعصف به. والقصص في هذا الشأن كثيرة ولا تحصى. وقد قيل إن المرء الذي يهتم بما يأكله، فقيمته ما يخرج منه!!

كما كانت هذه المواسم مناسبات يغتنمونها لفعل كل أنواع البر الممكنة من إطعام الفقراء وتقديم الصدقات. أما نحن فنوجه كل ما معنا لشراء المأكولات، التي أصبحت هي سمة الاحتفال بهذه المناسبات، وإذا لم يفِ ذلك بالمطلوب فإننا نستدين! إن الطقوس المبتدعة التي أصبحت هي الصفة الملازمة لهذه المواسم في غاية الخطورة، ولها تأثيرات سلبية عديدة. وتتمثل أهم هذه المخاطر في شقين: شق ديني وشق اقتصادي. أما الشق الديني: فيتمثل في تفريغ المناسبة من مضمونها الديني تماما، وتحويلها لمجرد مناسبة اجتماعية يختفي منها غرض العبادة المفروض من أجله هذه الشعيرة.

وأما الشق الاقتصادي، فهو إهدار الموارد الاقتصادية لبلدان تعد من الدول النامية التي تحتاج لتخصيص جميع مواردها بطريقة مثلى حتى تستطيع تحقيق الانطلاقة الاقتصادية المرجوة. فلك أن تتخيل كميات السكر التي يتم استيرادها قرب مناسبة المولد حتى يتم عمل حلوى المولد. وكميات الياميش والمكسرات التي يتم استيرادها قرب رمضان لعمل المشمشية وأصناف المأكولات الخاصة بليالي رمضان وبعيد الفطر. وما يحتاجه كل ذلك من تدبير للعملات الأجنبية اللازمة لشرائها من الخارج.

ناهيك عما يسببه ذلك من تنافس بين المسلمين على متاع الدنيا التي نحن مأمورين بترك التنافس فيها. قال الحسن البصري: إذا جاءك من ينافسك في دينك فنافسه، وإذا جاءك من ينافسك في دنياك فألقها في نحره. فالكل أصبح يتسابق في شراء مستلزمات هذه المواسم، والكل يحرص على حضور تلك المآدب. وهكذا فإن من يفعل ذلك يصبح من الوجهاء!! أما من يجهلون فحجتهم التسلي وإدخال الفرحة على صغارهم!!

ولا أريد أن أُنهي الحديث في هذا الموضوع قبل الإشارة إلى مناسبتين ما أنزل الله بهما من سلطان، وهما المولد النبوي وشم النسيم. فيحتفلون بالمولد النبوي الشريف بشراء حلوى المولد وحصان المولد للولد وعروس المولد للبنت. وسبحان الله!! فمن المضحك أن يكون الاحتفال بمولد الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه الذي أنهى عبادة الأوثان من الدنيا بوضع وثنين كبيرين في المنزل أحدهما حصان المولد والآخر عروس المولد. ويكون الاحتفال بشم النسيم بأكل الفسيخ والملوحة والرنجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت