الصفحة 35 من 122

من هؤلاء تارة ومن هؤلاء تارة, فإن كان على حد سواء فلم يعترض له في الحديث لوضوح الحال فيه، وإن كان الأغلب عليه القبول من أحدهما فهو ملحق به إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

قال ابن التين:"يحتمل أن يكون المراد بالبطانتين الوزيرين، ويحتمل أن يكون الملك والشيطان". وقال الكرماني:"يحتمل أن يكون المراد بالبطانتين: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة المحرضة على الخير"، إذ لكل منهما قوة ملكية وقوة حيوانية انتهى. والحمل على الجميع أولى إلا أنه جائز أن لا يكون لبعضهم إلا البعض.

وقد استشكل هذا التقسيم بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم. لأنه وإن جاز عقلا, أن يكون فيمن يداخله من يكون من أهل الشر لكنه لا يتصور منه أن يصغى إليه, ولا يعمل بقوله لوجود العصمة. وأجيب بأن في بقية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، بقوله:"فالمعصوم من عصم الله تعالى". فلا يلزم من وجود من يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بالشر، أن يقبل منه. وقيل:"المراد بالبطانتين في حق النبي: الملك والشيطان"، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:"ولكن الله أعانني عليه فأسلم".

وفي معنى الحديث السابق، الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ولي منكم عملا، فأراد الله به خيرا، جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه.] صحيح / صحيح سنن النسائي للألباني، 4215 [.

ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن التين قوله، أنه"ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس في السر, وليكن ثقة مأمونا فطنا عاقلا"، لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به إذا كان هو حسن الظن به. فيجب عليه أن يتثبت في مثل ذلك.

وفي أيامنا هذه، نجد أنه بمجرد تولي المسئول لمهام منصبه يكون أمامه خياران عند اختيار أفراد حاشيته، فإما أن يختارها من أهل الثقة، وإما أن تكون من أهل الخبرة. فأهل الثقة يضمن بهم المسئول استمراره في كرسيه، حتى ولو لم يؤدِ المهام المنوطة به. أما أهل الخبرة فيؤدي بهم المسئول عمله على أكمل وجه، ولكن يكون استمراره في منصبه محل شك كبير.

ولذلك يفضل الكثير من المسئولين إحاطة أنفسهم بحاشية من أهل الثقة، لضمان بقائهم واستمرارهم في مناصبهم لأطول وقت ممكن، بغض النظر عن اعتبارات مصلحة البلاد أو العباد. فالمصلحة الشخصية عندهم أهم من أي شيء آخر.

ويشيع بين الناس مقولة، مفادها"إن الوزير إذا دخل الوزارة فقد نصف عقله، فإذا خرج منها، فقد عقله كله". وذلك مما يجده أثناء توليه لمهام منصبه من صلاحيات وامتيازات. فهو سيد مطاع، يخضع له الجميع بتنفيذ الأوامر، ويدين له الكل بالطاعة. فإذا خرج من الوزارة طاش لبه من فقدانه لكل ذلك النعيم الذي كان فيه، ومن تغير الناس له، وتنكرهم لشخصه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت