الصفحة 36 من 122

ومن ناحية أخرى، بمجرد تولي الوزير لمهام منصبه، يلتف حوله حاشية من المسئولين، هدفها إحباطه عن أداء دوره، أو محاولة حبسه داخل مكتبه. وتعتبر هذه الحاشية من أهم أسباب فشل الوزراء. ويكون أفراد تلك الحاشية ممن يقلبون الأمور والصور، ليجعلوا من الصورة المضيئة صورة معتمة، أو من الصورة المعتمة صورة مضيئة، حتى تنقلب الموازين أمام الوزير. وهناك من الوزراء من يستسلم ويذعن، إلا أن هناك منهم من يرفض كل القيود المفروضة حوله، ويصر على نزع جدران مكتبه والانطلاق إلى مكاتب أفراد وزارته للتعرف بنفسه على المشاكل دون وسيط قد يغير من الصورة.

وتتنوع أهداف بطانة السوء من حجب الناس عن المسئول. فمنهم من يريد أن يقوى نفوذه ويكون هو صاحب الأمر والنهي. فالمسئول لا يعرف غيره، ومن ثم ينقل أوامره إليه. ويكون عليه هو إبلاغ تلك الأوامر إلى بقية المرؤوسين. فيبلغها إليهم وكأنه هو من أصدر تلك الأوامر.

ومنهم من يحاول استغلال قربه من المسئول في تحقيق المكاسب الخاصة من جراء علاقته به. فهو يلهث ورائه لانتزاع توقيعاته بالموافقة على أسفار واجتماعات ومقابلات يقوم بها، ليجمع من ورائها من الأموال التي ما كان يحلم أن يجمعها في حياته بعيدا عن ذلك المسئول.

ولذلك فهذه النوعية من بطانة السوء لا تطيق أن ترى أحدا غيرها في مكتب المسئول. ذلك أن دخول أي فرد إلى المسئول، إذا أثبت كفاءة ما، ففي ظن تلك البطانة أنها ستُحرم من مكانها بقرب هذا المسئول، ومن ثم فستُحرم من النعيم الذي تعيش فيه.

قال ابن قيم الجوزية في كتابه الماتع: الفوائد: قول الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إَِّلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} ] الحجر: 21 [، متضمن لكنز من الكنوز وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه. وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه. وقوله: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} ] النجم: 42 [، متضمن لكنز عظيم، وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع، فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يُحب لأجله فمحبته عناء وعذاب، وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه، فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إَِّلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} ، واجتمع ما يراد له كله في قوله: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} . فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى[1] .

(1) الإمام ابن قيم الجوزية، كتاب الفوائد، دار التقوى، دون تاريخ. ص: 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت