الصفحة 68 من 122

-فمنها ما يصيبه هو: كاغتصاب حق التشريع الذي لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. وذلك مثل قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ] التوبة: 31 [. فقد روى الترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. قال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم.[1] وهذا بعينه ما يقوم به المبتدع من تحليل شيء جديد وإدخاله للعمل به كشعيرة من شعائر الدين، من غير سند شرعي من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا قال الإمام مالك: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ]المائدة: 3 [. فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا.[2]

ولهذا كان المبتدع في هذه الناحية واضعا نفسه موضع المغتصب لحق التشريع الذي لا يكون إلا لله، وواضعا نفسه موضع من يرى أن الحدود التي رسمها الله ليتقرب بها العباد إليه إما ناقصة وهو بابتداعه يستدرك ذلك النقص، وإما أن محمدا صلى الله عليه وسلم قصّر - حاشا لله - في التبليغ وحجز عن أمته بعض ما يقربها إلى الله. [3]

-ومنها ما يصيب أتباعه في العمل بالبدعة: وذلك بجعل الناس تعتقد أن ما ليس في الدين هو دين يجب عمله، وهو بذلك يشبه التلبيس الذي وقع فيه أهل الكتاب. قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ]آل عمران: 71 [.

-ومنها ما يصيب الدين نفسه: فما قامت بدعة إلا وماتت في مقابلها سنة، ذلك أن من السنة ترك البدعة، فلا يمكن تعايش إحداهما جنبا إلى جنب مع الأخرى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن. [4] وبذلك تخفى كثير من أحكام الدين وتندرس، وتتشوه صورة حاملي هذا الدين، ويوصف بأنه دين دجل وأتباعه متخلفون.

-ومنها ما يصيب الأمة التي وقع فيها الابتداع في دينها: وهو إلقاء العداوة والبغضاء في النفوس، لأن صاحب كل بدعة يحاول هو وأتباعه الانتصار لبدعتهم، وأن تكون بدعتهم

(1) حسن / صحيح سنن الترمذي للألباني، 3095.

(2) أبو إسحاق الشاطبي، الاعتصام، ص: 37.

(3) محمود شلتوت، أسباب البدع وأضرارها، ص: 41.

(4) الاعتصام، ص: 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت