قال في عون المعبود: أي يقرب أن تتداعى عليكم فرق الكفر وأمم الضلالة، أي يدعو بعضهم بعضا إلى الاجتماع لقتالكم وكسر شوكتكم ليغلبوا على ما ملكتموه من الديار. كما أن الفئة الآكلة يتداعى بعضهم بعضا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع، فيأكلونها صفوا من غير تعب. فما سبب هذه المصيبة؟! هل هي قلة العدد أو العدة؟! ولكن جاء الجواب من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:"بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ"! فما العلة إذن؟ العلة في الكيفية وليست في العدد!! هذا العدد الضخم مثله مثل ما يحمله السيل من زبد ووسخ، شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم. والأنكى أن الله سوف يرمين الله الضعف في قلوبنا!! وما موجب هذا الوهن وما سببه؟ فسره صلى الله عليه وسلم: بحب الدنيا وكراهة الموت. وهما متلازمان. فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين, ونسأل الله العافية من ذلك. [1]
ونختم هذا الموضوع بمثال من التاريخ يدلنا على أهمية التحرك المدروس، وأثره في مواجهة صمت الأغلبية النائمة!! ذلك أنه لما حالت بنو هاشم وبنو المطلب دون قريش والنبي صلى الله عليه وسلم، وأبوا أن يسلموه لهم، فلما رأت قريش ذلك، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ... وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم إلى أبي طالب، ودخلوا معه شعبه. [2]
مر عامان أو ثلاثة أعوام والأمر على ذلك. وفي المحرم سنة عشر من النبوة نُقضت الصحيفة وفُك الحصار، وذلك أن قريشًا كانوا بين راضٍ بهذا الميثاق وكارهٍ له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها.
وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤى. وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيًا بالليل بالطعام، فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومى ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ وقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم؟ فقال: ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، قال: قد وجدت رجلًا. قال: فمن هو؟ قال: أنا. قال له زهير: ابغنا رجلًا ثالثًا.
فذهب إلى المطعم بن عدى، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم: ويحك، ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد،
(1) عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي، المجلد السابع، ص: 366 - 367. بتصرف كبير.
(2) دلائل النبوة، البيهقي، المجلد الثاني: ص: 314 - 315.