الصفحة 85 من 122

قال: قد وجدت ثانيًا، قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثًا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعًا.

فذهب إلى أبي البخترى بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدى، وأنا معك، قال: ابغنا خامسًا.

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم. فاجتمعوا عند الحَجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة. وقال زهير: أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم.

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق. فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كُتبت. قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نقر به. قال المطعم بن عدى: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك. فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، وتُشُووِر فيه بغير هذا المكان.

وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: قد أنصفت.

وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا (باسمك اللهم) ، وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله. ثم نقض الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأي المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم - كما أخبر الله عنهم: {وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] - أعرضوا عن هذه الآية وازدادوا كفرًا إلى كفرهم. [1]

لقد كان للصمود الإسلامي، ثم الصمود القبلي أثر على معسكر الجاهلية والشرك يفوق أثر معركة حامية الوطيس يخوضها المسلمون فينتصرون بها على أعدائهم. وكان هذا الصمود

(1) الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، ص: 100 - 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت