الصفحة 23 من 95

ولا شكَّ أن نزول هذه الآيات في قلب الحدث رحمةٌ بالغةٌ، ونعمةٌ سابغةٌ، فلقد سمع الله كلامها، ورَحِمَ ضعفَهَا، وفرَّجَ كربَها، وأغاثَ لهفَتَها، وجَعَلَ لها ولزوجِها مخرجًا.

ثانيا: نزول الآيات عقب الأحداث

تنزل الآيات إثر الحادثة تعقيبا عليها وتقويما لها، واستخلاصا لعبرها وتقريرا لما يترتب عليها ويرتبط بها من أحكامٍ، كما في الآيات التي نزلت إثر غزوة بدر في سورة الأنفال، وعقب غزوة أحد في سورة آل عمران، وغزوة تبوك في سورة التوبة، وما نزل في سورة الفتح في شأن صلح الحديبية وقد سماه الله تعالى فتحا مبينا.

يُعَقِّبُ القرآنُ الكريمُ على تلك الوقائعِ: فيُسَجِّل أحداثَها، ويُصَوِّرُ مشاهدَها، ويستحضرُ مواقفَهَا، ويقفُ على مواطنِها، ويُشِيدُ بالمواقفِ الإيجابيةِ المضيئة، ويكشفُ عن مواضعِ الخللِ ومواطنِ العللِ، وتتنزَّلُ الآياتُ بالمنهج الربانيِّ الذي يُقوِّم المُعْوَجَّ، ويسُدُّ الخلل، ويُداوِي العِلَلَ، ويُطبِّبُ القُلُوبَ، ويُطيِّبُ الخواطرَ، ويُنقِّي الصفوفَ، ويُزكِِّي النفوسَ، ويُحفِّزُ الهمم، وينهضُ بالشخصيةِ المسلمةِ، ويصلُ بها إلى أعلى مراتبِ النُّضجِ، وَيرْقَى بِهَا إلى مُستَوى المسئوليةِ في إِدَارَةِ الأزَمَاتِ، ويربِطُ ماضِيَها بحاضِرِها، ويضعُ لها القواعدَ والأصولَ لاستشرافِ مستقبلِهَا، فيجعل من هذه الأحداثِ المنصرمة: رصيدًا زاخرًا، وكتابا مسطورًا، ومشاهدَ حيَّةً، وصورًا نابضةً.

يقولُ صاحبُ الظلال:"كانت هذه الشخصيةُ تنضجُ وتنمو، وتتضحُ سماتُها، وكانت الجماعةُ المسلمةُ التي تتكونُ من تلكَ الشخصياتِ تبرزُ إلى الوجودِ بمقوماتِها الخاصةِ، وَقِيَمِهَا الأصيلة، وطابِعِها المميزِ بين سائرِ الجماعات."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت