إن كتب السيرة في مجملها وقفت عند حد تسجيل الوقائع والأحداث، بحيث بات لدينا سجِلٌّ حافل بكل ما نحتاج إليه لتتبع مراحل الدعوة وتفاصيل أحداثها، .. لكن تقييم الأحداث وتقديرها والحكم عليها: هو مما ركَّزَ عليهِ القرآنُ الكريم؛ ذلك أن القرآن الكريم كتاب هدايةٍ وإرشاد وتوجيهٍ وتقويم.
وبهذا التقييم الدقيق والحكم المنصف يتمُّ التكاملُ بين مصادر السيرة العطرة، وتكتمل لنا الصورة حين نجمع في دراستنا بين جميع هذه المصادر، فالبيانُ القرآنيُّ لا يقف عند مجرد سرد الأحداث بل يحللها ويقيمها ويستخلص منها العبر والعظات، ويخاطب بها العقل والوجدان، ويقدمها لسائر الأجيال في كل زمان، وإذا كانت كتب السيرة تقف عند الأحداث فإن القرآن الكريم يسبر لنا أغوارها ويكشف لنا أبعادها ويحكمُ ويقيِّمُ ويُعقِّبُ ويُحللُ ويُربِّي بهذه المواقفِ والأحداثِ أجيالا تتبع أجيالًا، فتلقى في هذه الأحداث مادةً ثرَّةً، يستقي منها الدعاةُ والمصلحون والمربُّون مشاهد وصورا ودروسا وعبرا.