الصفحة 61 من 95

بعد حياتهم هذه، وأن يستيقنوا ضآلة هذه الحياة بالنسبة لتلك، في كل من خيرها وشرها وسعادتها وشقائها" [1] ."

فتلقى هذا المعنى الذي قصد إليه القرآن مبثوثا في معظم آياته ممزوجا بما جاء في القرآن من أحكام وقصص وأخبار وحِكَمٍ وأمثالٍ، ووعدٍ ووعيدٍ.

ولو أن القرآن اتبع في عرض معانيه، هذا الأسلوب الذي يسلكه الناس في تآليفهم وبحوثهم فأفرد فصولا للسيرة وأخرى للعقيدة وثالثة للأحكام، ورابعة لقصص السابقين، وخامسة للأمثال وسادسة للوعد والوعيد إلى آخره ... لو سلك القرآنُ هذا المسلكَ لمَاَ وجد هذا الاتساقَ العجيبَ، وهذا التناسق البديع بين المقاصد والمعاني.

لكن القرآنَ الكريمَ سلك منهجا فريدا في بيان الأحكام: حيث لم ترد معظمُها جملةً واحدةً أو في سورة واحدة بل جاءت منثورةً في سورِ القرآن، متناسبةً مع سياقِ كلِّ سورة وأهدافِها، يجمعها نسقٌ واحد ويضُمُّها سياقٌ واحد فتجدُ الترابطَ والتناسقَ بينها مع تنوُّعها، فتلقى أحداث السيرة العطرة ممتزجةً بقصص الأنبياء عليهم السلام متسقةً مع آيات العقيدة والأحكام مقترنةً بالعبر والعظاتِ والحكم والأمثالِ ... كل ذلك في تناسق بديع وتناسبٍ لطيفٍ.

ثامنا: الإيجاز مع ثراء المعنى

المتأمل في البيان القرآني للسيرة النبوية يلمسُ: كيف يستوعبُ النصُّ القرآنيُّ كثيرا من المعاني، فضلا عن تنوع القراءاتِ التي يتنوعُ بها المعنى ويتشعبُ، فترى الإيجازَ بأبهى صُورِه والبلاغةَ بأروعِ أساليبها تتدفَّقُ من ثنايا النصوصِ وتتألقُ من سَنَا التعبيرات القرآنيةِ الجامعةِ.

تقرأُ النصَّ القرآني: فتلقَى فيه ثراءً ووفاءً بالمعنى المرادِ: كأنَّك ترى صُوَرًا وحقائقَ ماثلةً، ومشاهدَ حيَّةً، فهو رسالةُ كلِّ العصورِ وخطابٌ صالح لجميع

(1) - من روائع القرآن تأملات علمية وأدبية في كتاب الله عز وجل للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي 144: 146

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت