الأجيالٍ؛ ولا غرو فهو المعجزة الخالدة والرسالة المتجددة والنبع الفياض والنهرُ المُطَّرِد والبحر الزاخر الذي لا ساحلَ له: وصدقَ المولى عز وجل إذ يقول في سورة الكهف { ? ? ? ? ? ? ? ? ? } .
وحول هذا المعنى يُدندِنُ أمير الشعراء فاسمع إلى قولِه:
جاءَ النبيُّون بالآياتِ فانصرمتْ ... وجئتَنَا بكتابٍ غيرِ مُنصرمِ
آياتُهُ كلمَا طَالَ المدَى جُدُدٌ ... يَزِينُهُنَّ جمالُ العِتْقِ والقِدَمِ
كالدُّرِ يزدادُ حُسنًا وَهْوَ منتظمٌ ... وليسَ ينقُصُ حسنًا غيرَ مُنتظمِ
فكلَّما أمعنْتَ النظرَ وأطلتَ التدبُّر وأجلْتَ الفِكرَ: وجدتَ نفسَك أمام معنى جديدٍ، غير الذي سبق إِلى فهمك أولَ مرَّةٍ، وكذلك حتى ترى للجملةِ الواحدةِ أو للكلمةِ الواحدةِ وُجُوهًا عدة، كُلُّهَا يحتملُها النصُّ وتستوعبُهَا العبارةُ القرآنيةُ، كأنما هي دُرَّةٌ يتيمةٌ تُبهِر الأبصارَ كلَّما نظرتَ إليها من أيِّ ناحيةٍ وجدتَ حسنًا وجمالًا، وروعةً وبهاءً، ولمعةً وضياءً، أو كروضةٍ غَنَّاء في واحةٍ فيحاء قدْ هبَّتْ نسائمُها، فتمايلَتْ أغصانُها، وتضَوَّعَتْ رياحينُها، وغرَّدتْ أطيارُها، وتبسمتْ أزهارُها، وتضاحكتْ جداولُها، وتفتَّقتْ ثمارُها، وَأينعَتْ قِطافُها: إنها رياضُ القرآن الكريمِ، وواحةُ الذِّكر الحكيم، وحديقةُ الفرقانِ التي أبدع أميرُ الشعراء حين وصفها في بيتين ما أروعَهُما:
وحديقةُ الفرقانِ ضاحكةُ الرُّبَا ... بالتُّرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنَّاءُ
والوحيُ يقْطُرُ سَلْسَلا من سَلْسَلٍ ... واللَّوْحُ والقلمُ البديعُ رَوَاءُ
وفي هذا المعنى يقول صاحبُ المناهلِ تحتَ عنوان (قصد القرآن في اللفظ مع وفائه بالمعنى) :"ومعنى هذا أنك في كلٍّ من جمل القرآن تجدُ بيانًا قاصدا مقدرا على حاجة النفوس البشرية من الهداية الإلهية دون أن يزيد اللفظ على المعنى أو يقصر عن الوفاء بحاجات الخلق من هداية الخالق ومع هذا القصد اللفظي البريء من الإسراف والتقتير تجده قد جلَّى لك المعنى"