الصفحة 72 من 95

فيها؛ كما ردهم إلى تقواه وطاعته وطاعة رسوله؛ واستجاش في قلوبهم وجدان الإيمان والتقوى" [1] ."

عاشرا: حُسْنُ الختام

كما أن لحسن المطلع وبراعة الاستهلال روعته ووقعه كذلك للخاتمة وقعُها في النفوس وأثرها الذي يبقى في الأذهان فهي آخر عهد المستمع بالمتكلم، قال ابن أبي الأصبع في كتابه بديع القرآن:"يجب على المتكلم شاعرا كان أو ناثرا أن يختمَ كلامَهُ بأحسنِ خاتمةٍ، فإنها آخرُ ما يبقى في السماع، ولأنها ربما حفظت من دون سائر الكلام في غالب الأحوال، فيجبُ أن يجتهد في رشاقتها ونضجها وحلاوتها" [2] .

نلمسُ ذلك ونتذوقُ هذه العذوبةَ والبلاغةَ في كل ما ورد ختاما لحادثةٍ ونهايةً لواقعةٍ، حيث يأتي السياق معقِّبا أحسن تعقيب، فيأتي بتمام الموضع واكتماله، ويسوق نتائجه ويبرزُ أبعاده كما يُجَلِّي عبره وعظاته.

ولنتأمل على سبيل المثال: ختامَ حديث الآيات عن غزوة الأحزاب وما تحمله من معانٍ وما تقدمه من عبرٍ وعظاتٍ: قال تعالى {? ? ? ? ? ? ? ? ?} .

ردَّ الله الأحزاب بالخيبة والحسرة، فلم ينالوا من المؤمنين شيئا مع كثرة عددهم وقوة عتادهم، بل عادوا بغيظهم وحنقهم، كما جاءوا {? } ، لم ينالوا خيرا أي بحسب ما يتوهمون وهو الظِّفرُ بالمسلمين، بل رجعوا خاسرين غارمين مُنْهَكين، وفي التعبير بـ {? } وهم ما جاءوا إلا للنيلِ من المسلمينِ وهو مِحورُ الشرِّ: استخفافٌ بهم وتهكمٌ بحالهم.

{ ? ? } : بما أرسله من الجنود وهم الملائكة والريح والبرد القارص والرعب الشديد وغيرها، فلم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده ? { ? } : قويا على كل ما يريد فلا يُعجزه شيء، عزيزا: قاهرا غالبا لا يغالبه أحد ولا يعارضه معارض في ملكه وسلطانه، المعزُّ لأوليائه والمذلُّ لأعدائه.

أي أنزل يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد وتآمروا مع جموع الأحزاب، وناصروهم وأيدوهم {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي من حصونهم [3] ، فلما تفرقت الجموع وعادتْ من حيث جاءت، أدرك يهودُ بني قريظة فداحةَ ما ارتكبوه من غدرٍ وخيانةٍ، فلاذوا إلى جحورهم ودخلوا حصونهم، وانطلقَ جندُ الإسلام بأمرٍ من الله تعالى إلى أولئك اليهود فوجدوهم وقد دخلوا الحصونَ وأغلقوها فحاصروهم، وألقى الله الرعب في قلوبهم فاستسلموا صاغرين ورضوا بحكم سعد بن معاذ سيد الأوس لأنهم كانوا حلفاءهم.

وقوله تعالى {? ?} تبكيتٌ لهم وتهكمٌ بهم؛ فهم وإن كانوا أهل كتاب ويَمُتُّونَ بصلةٍ إلى الوحي الإلهي بما بين أيديهم من كتابٍ يشهد بصدق النبيِّ الخاتمِ، ويدعوهم إلى الإيمان به إلا أنهم مدّوا أيديَهم إلى عُبَّادِ الأوثان، بل وأيدوهم وأقروهم على كفرهم وفضَّلوهم على أهل الإسلام إرضاءً لهم وكسبا لودِّهم.

? { ? ? } : والمراد بأرضهم مزارعهم، وقدمت لكثرة المنفعة بها من النخيل والزروع، () أي حصونهم ( ) نقودهم ومواشيهم وأثاثهم التي اشتملت عليها أرضهم وديارهم.

? {? } : قال مقاتل وابن زيد: هي خيبر فتحت بعد بني قريظة، وقال قتادة: كان يتحدث أنها مكة، وقال الحسن: هي أرض الروم وفارس، وقال عكرمة: هي ما ظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة، وقال عروة: لا أحسبها إلا كلَّ أرضٍ فتحها الله تعالى على المسلمين أو هو عز وجل فاتحها إلى يوم القيامة، وهو الراجح والله أعلم.

? { ? ? ?} : فهو تعالى إذا وعد وفَّى وإذا أراد فَعَلَ وإذا شاء قَضَى، وفي البحر المحيط:"وختم تعالى: هذه الآية بقدرته على كل شيء، فلا يعجزُهُ شيء، وكان في ذلك إشارةٌ إلى فتحه على المسلمين الفتوح الكثيرة، وأنه لا يستبعد ذلك، فكما ملَّكَهُم هذه، فكذلك هو قادر على أن يملِّكَهُم غيرَها من البلادِ."

وفي اللطائف:"إنّ الحقَّ - سبحانه - إذا أجمل أكمل، وإذا شفى كفى، وإذا وفَّى أوفى. فأظفر المسلمين عليهم، وأورثهم معاقلَهم، وأذلّ مُتعزِّزَهم، وكفاهم بكلِّ وجهٍ أمرهم، ومكَّنهم من قَتْلِهم وأسرِهم ونهْبِ أَموالهم، وسَبى ذراريهم" [4] .

حادي عشر: التركيز على استخلاص الدروس والعبر

لم يُعنَ القرآنُ كثيرًا بتعيين المبهماتِ من الأشخاصِ والأماكن أو الأعداد والتواريخ، وإنما ترك بيان ذلك لباقي مصادر السيرة، انظر على سبيل المثال في ذكره لأحوال المنافقين وكشفه خباياهم دون ذكر أسمائهم، ولعلَّ الحكمةَ من ذلك أن من بين أولئك المنافقينَ الذين ذُكروا بأفعالهم لا بأعيانهم: من تاب

(1) - في ظلال القرآن 3/ 357

(2) - بديع القرآن لابن أبي الأصبع المصري ص 343

(3) - جمع صيصية: وهي كل ما يمتنع به ويقال لقرن الثور والظباء ولشوكة الديك التي في رجله كالقرن الصغير، وتطلق الصياصي على الشوك الذي للنساجين ويتخذ من حديد

(4) - لطائف الإشارات للقشيري - 3/ 157

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت