السيرة النبوية بسمات عديدة منها الوضوح والشمول ومنها التداخل والامتزاج، ومراعاة السياق، ومنها عموم الخطاب، وغير ذلك من السمات التي سنبينها فيما يلي:
-فالرسالة التي يوجهها القرآنُ ويخاطب بها الناس على تباين مشاربهم وتفاوت مداركهم رسالةٌ واضحةٌ، وهذا هو سرُّ نجاحها وتأثيرها القوي؛"إذ لا يكفي لنجاح الرسالة وصولُها للناس؛ لأنها إن وصلت فلن تلقى القبول إذا كانت غامضةً أو معقدةً، لأن مصيرَها في هذه الحالة الإهمال والإعراض وقد تكون الرسالة واضحة ولكنها لا روح فيها ولا تأثير" [1] .
-وهذا الوضوح الذي نلمسُه في كتاب الله تعالى الذي يقبلُ عليه الكبيرُ والصغيرُ ويفهمُه العالمُ والعاميُّ، هذا الوضوحُ نابعٌ من تيسيرِ الله تعالى له، قال تعالى {? ? ? } (سورة يوسف) فهو كتابٌ بيِّنٌ واضحٌ وقال تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? } (سورة الشعراء) وقال سبحانه { ? ? ? ?} (سورة القمر) .
-والقرآن الكريم يجعل من حياة نبينا - صلى الله عليه وسلم - كتابا مفتوحا أمام البشرية، فهو بشرٌ رسولٌ مؤيَّدٌ عن الله متبعٌ لمنهجه الذي لا لبس فيه ولا غموض، منهجٌ بيِّنٌ وضوحَ الشمس لا يعشو عنه إلا من عمت بصيرتُه وحار فكرُه وراح عقلُه قال تعالى في سورة الأنعام { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} وقال سبحانه { ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} .
كذلك حياته - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة كتاب مفتوح، حيث عُرِفَ بينهم بالصادق الأمين، وكان لذلك أثرٌ في تقبل القلوب الصافية والأنفس الصادقة لهذه الدعوة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك قال تعالى في سورة يونس { ? ? ? ? ? ? ?} .
ثانيا: العمق والدقة في التصوير
-من روائع الأسلوب القرآني في بيان السيرة النبوية: تصوير المعاني المجردة في صور محسوسة ومشاهد ملموسة، وعرض الأحداث عرضا حيا، تستحضره الأذهان وتستظهره القلوب، عرضا مباشرا يتفاعل معه الوجدان وتعاينه البصائر، فكأنها في قلب الأحداث تتابع بشغفٍ وتطالع بلهفةٍ وشوقٍ ما يستجدُّ على الساحة وما يجري في الميدان.
-وحول هذه المعاني يقول صاحب كتاب"السيرة النبوية العطرة في آيات القرآن المسطرة في مقدمة الكتاب"تحت عنوان (الحركة التصويرية التعبيرية) :"ونعني به أن القرآن الكريم وهو يعرض بآياته للحديث عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يعرض له عرضا يجعلك تحسُّ معه إحساسا حقيقيا، أن كل جملة من آياته تفيض بالحركة، حتى إنه ليخيل إليك وأنت تقرؤها أنك ترى الرسول عليه الصلاة والسلام أمامك رأيَ العين؛ في جهاده، في سلوكه، في عبادته، وفي كل أمر من أموره، ويمتدَّ بك الخيالُ إلى ما وراء قرون، فيجمعها كلَّها في هذه الجملة التي تقرؤها أو تلك، ويطويها بكل أحداثها، ومواقعِ هذه الأحداث، فتبصر بها أمامك في كلماتٍ معدوداتٍ، وإذا ما فرغت من تلاوتها تذكرت أنك كنت مع القرآن في إعجازه الباهر القاهر، وتظلُّ هذه الأحداثُ ومواقعُها قائمةً في ذهنِكَ تنبضُ بالحركةِ والحياة؛"
(1) - وسائل الإعلام وأثرها في وحدة الأمة محمد الغلاييني ص 66 بتصرف ط دار المنارة جدة 1405 هـ 1985