من ذلك مخاطبته لجميع الناس على اختلاف مداركهم، مع الجمع بين الوضوح والبيان والدقة والإتقان، فتراه متلائما متوافقا مع تفاوت العقول وتعدد الثقافات وتنوع الاهتمامات واختلاف المواهب والملكات، مع ذلك لا تلقى فيه تعارضا أو تناقضا أو تفاوتا في روعة الأساليب ورفعتها وجلالها ودقتها.
والمتأمل في البيان القرآني للسيرة النبوية يلحظ التنوع في الحوار والتفنن في الأساليب بما يتلاءم مع تنوع الناس وتفاوت مداركهم ففيهم العامي وفيهم العالم، وفيهم من له عناية بعلم من العلوم أو فن من الفنون، فتجد التنوع العجيب في عرض السيرة بما يتناسب مع جميع العقول والثقافات، ويتواكب مع سائر العصور والأجيال. [1] .
سادسا: الشمول
حيث استوعب القرآن الكريم جميع مراحل السيرة العطرة، فكان حديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة وبعدها، وعن أحوال العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، كما تحدث"عن الحضارات القديمة التي كانت في الجزيرة العربية وما جاورها، مما يلقي الضوء على المجتمعات الإنسانية قبل وحين ظهور الإسلام" [2] .
وحدَّثنا القرآن عن الدعوة في العهد المكي والعهد المدني كما عرضَ كثيرا من الأحداث المهمة في العهد النبوي، مع ربط ذلك العرض بجميع جوانب الدين من عقيدة وشريعة وأخلاق ومعاملاتٍ، ومع توجيه الخطاب إلى النفس البشرية بكل كيانها وسائر مداركها ومراكز التأثير فيها.
(1) - يراجع ما ذكره الشيخ عبد العظيم الزرقاني في مناهل العرفان رحمه الله 2/ 225
(2) - يراجع مصادر السيرة النبوية وتقويمها للدكتور فاروق حمادة ص 34، 35 كما يراجع السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية دراسة تحليلية د. مهدي رزق الله أحمد ص 11