يسبق البيان القرآني بعض الأحداث؛ يستشرفُها من منظور الغيب الذي لا يحيط بعلمه إلا الله، من ذلك ما نزل في شأن تحويل القبلة، والمبادرة لكشف موقف أعداء الإسلام المرتقب، ومن ثَمَّ إثبات صدق نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، حيثُ تحدي أعداءِ الإسلامِ أن يثبتوا من أنفسهم خلاف ما سجله القرآن عليهم قبل أن يتبادرَ منهم، مع توطينِ النفوسِ المؤمنة وتهيئتها للمواجهة والصمود أمام هجماتِ أعداء الدين الذين لا يتوقفون عن الطعن واللمز، قال تعالى {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?-? ? } . (سورة البقرة)
قال البيضاوي:"وفائدةُ تقديمِ الإِخبارِ بِهِ: توطينُ النفسِ وإعدادُ الجوابِ وإظهار المعجزة" [1] .
وقال الألوسي:"وتقديم الإخبار بالقول على الوقوع لتوطين النفس به؛ فإن مفاجأةَ المكروه أشدُّ إيلامًا؛ والعلم به قبل الوقوع أبعد من الاضطراب، ولما أن فيه إعداد الجواب، والجواب المعدُّ قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وفي المثل قبل الرمي يراش السهم، وليكون الوقوع بعد الإخبار معجزة له - صلى الله عليه وسلم - ..." [2] .
-ويمثل لهذا النوع أيضا بما نزل في شان أبي لهب وأم جميل"سورة المسد"فمع نزولها المبكر، وحكمها عليهما بهذا المصير المرتقب، إلا أنهما لم يتمكنا من تحويل مسارهما رغم طولِ ما لبثا بعد نزولِ هذه السورة:"ولو أن أبا لهب أسلم أو أسلمت زوجته لأقاما الحجة على خلاف ما جاء به القرآن ولكنهما ظلا على كفرهما"
(1) - أنوار التنزيل وأسرار التأويل للإمام البيضاوي 1/ 179
(2) - روح المعاني للإمام الألوسي 2/ 36 وقولهم:"قبل الرمي يراش السهم"،مثل قولهم"قبل الرماء تملأ الكنائن": يضرب مثلا في الاستعداد للأمر قبل حلوله والكنانة الجعبة كتاب جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري 2/ 122 برقم 1370، 1371، ويمثل لهذا النوع أيضا بما نزل في شان أبي لهب وأم جميل"سورة المسد"فمع نزولها المبكر، وحكمها عليهما بهذا المصير المرتقب الترتب على سوء الخاتمة، ومع مرور عشر سنواتٍ تقريبا قضاها أبو لهب في حرب الدعوة قبل أن يهلك