ومن واقعية المنهج القرآني نزوله منجما حسب الوقائع والأحداث، ومتابعته لكل ما يستجد على ساحة الدعوة على مدار مرحلتيها المكية والمدنية.
"منهج واقعي جاد، يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية. . مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقًا كاملًا دقيقًا" [1]
ولا أدلَّ على واقعيةِ القرآنِ من قولِ عائشةِ رضي الله عنها:"فَإنّ خُلُقَ نَبِيّ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرْآنَ" [2]
حيث يُقَدِّمُ لنا نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - تفسيرًا واقعيًّا للقرآن الكريم: من خلالِ أقوالِهِ وأفعالِهِ وحِلِّهِ وتِرْحَالِهِ، وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وإيمَاءَاتِهِ، وأحاسيسِهِ وانفعالاتِهِ، كان خُلُقُهُ القرآنَ في تعاملاته اليوميَّة مع أهلِ بيتِهِ وجيرانِهِ وخِلَّانِهِ، في هديِهِ وفي سُوقِهِ وفي طريقِهِ، في سِلْمِهِ وَحَرْبِهِ، كان نبيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - مثلا أعلى للمنهجِ القرآنيِّ الذي صاغَ منه أسلوبًا رائعًا للحياة.
-وتنزيلُ الآياتِ على الواقعِ يحتاجُ إِلى جانبِ معرفةِ أصولِ التفسيرِ وقواعِدِهِ: الدرايةُ بالواقعِ المعاصِرِ ومتابعَةِ أحداثِهِ ومعايشَةِ هُمُومِهِ: فكتاب الله هو الهادي إلى كل خير.
-تحليل طبيعة المجتمع اليهودي؛ فإنه وإن ظهر لنا على صورةِ كيانٍ متماسكٍ إلا أنَّهُ في الحقيقةِ مجتمعٌ مُمَزَّقٌ مشتَّتٌ، ويُرجع في ذلك إلى الآيات الواردة في سورة الحشر.
-التحذير منهم ومن كيدهم وغدرهم، وسورة البقرة من أبرز السور التي جلَّت لنا حقيقة اليهود وحذرتنا منهم، أيضا تحذير اليهود من سوء العاقبة، وأن يعتبروا بمن قبلهم: أن يصيبهم مثلُ ما أصابهم، وترهيبهم من عقاب الله تعالى الذي ينتظر الظلمة والطغاة، كذلك تحذيرنا من نتبع سَنَنَهم، وننخدع بمعسولِ كلامهم وبريق شعاراتهم.
وهكذا نجد البيانَ القرآنيَّ: يُبَصِّّرُنَا بِقِصَّةِ الصِّراعِ المستمرِّ بين الحقِّ والباطلِ، بين قوى الكفر التي اجتمعت مع اختلافِ مِللها ونِحَلِهَا واحتشدتْ مع تعددِ لُغَاتِهَا وأجناسِها، وتنوُّعِ أساليبِهِمْ وَخُطَطِهِمْ مِنْ أَجْلِ الكيدِ لهذا الدينِ والتربُّصِ بهذه الأمة، ويرشدنا القرآنُ إلى الأسلوب الأمثل في التصدِّي لهم والوقايةِ من شرورهم ومكرهم، وتأمل معي في قوله تعالى في سورة النساء { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} ؛ فالقرآن الكريم هو المعين الذي لا ينضب، والمورد العذب الذي لا يصيبه كدرٌ، فيه خبر من قبلنا، ونبأ ما بعدنا، وفصلُ ما بيننا {? ? ? ? ? ? ?} (سورة الأنعام: 55) أي لِتُعْلَمَ مكائدُ الأعداءِ وتستَبِينَ حقيقتُهُم وتنكشف خفاياهُم ونواياهُم.
كذلك لو تأملنا في مكائدِ أعداءِ الله ومفاسدهم التي تحدث عنها القرآن الكريم وتأملنا في واقعنا المعاصر وفي مكائد أولئك العِدى ومفاسدهم، لوجدنا تشابها كبيرا بين أعداء الأمسِ وأعداء اليوم، تأمل على سبيل المثال في غزوة الأحزاب حيث تحزَّبت قوى الكفر وانضوت تحت رايةٍ واحدة هي رايةُ قريشٍ أكبر القوى المناوئةِ لدعوة الإسلام، ومعها حلفاؤها الذين تربطهم بها مصالح مشتركة، ويجتمعون جميعا على عداوة الإسلام ولقد أجَّج نيرانَ هذه المعركة وأدار رحاها اليهود وزاد الموقفَ صعوبةً موقف المنافقينَ المتخاذل واستعدادهم الكامن للغدرِ والخيانةِ والتحالف مع أعداء الله، ثم اجتماع هذه القوى وتحركها إلى
(1) - في ظلال القرآن 2/ 445 ويراجع خصائص القرآن الكريم للشيخ الدكتور فهد الرومي حفظه الله ص 81، 82 ط مؤسسة الرسالة بيروت ط 8 كما يراجع بحث نحو منهج أمثل لتفسير القرآن للمؤلف.
(2) - سبق تخريجه.