الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه، وآله، وصحبه، ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أما بعد:
فمما لا شك فيه عند عامة المسلمين - بله أهل العلم - عظيم المكانة، ورفعة الدرجة، وهيبة المنزلة لمصدري الوحي بعد القرآن - صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم - فهما مصدر الشرع ومورده، وأصل هذا الشَّأْن وأساسُهُ.
وقد بذل الإمامان - رحمهما الله تعالى ورضي عنهما - جُهْدًا عظيمًا، وتحملا جَهْدًا ثقيلًا في سبيل تصنيف الكتابين، والعناية بتدوين أحاديثهما، فأكرمهما الله تعالى - وهو الذي وفَّقهما أولًا - بتلقي الأمة لكتابيهما بالقبول، وإجماع العام والخاص عليهما في الجملة، وقد تعددت جهود أهل العلم حول الكتابين = إسنادًا ومتنًا.
وفي سياق هذا الاهتمام كُتِبَ العديد من المصنفات في بيان أحوال رجال الشيخين.
وإنَّ من هذه الكتب التي استوقفتني كثيرًا، ونظرتُ فيها طويلًا كتاب (البيان والتوضيح لمن أُخْرِج له في الصحيح ومُسَّ بضرب من التجريح، لأبي زرعة العراقي) [1] ، ولفت نظري جملة من الرواة قد جرحهم الإمام البخاري - رحمه الله - وهم من رجاله، فانقدحت في الذهن فكرة هذا الموضوع؛ دفاعًا عن الإمام وكتابه، ونفيًا لما قد يفهمه بعض الأغرار تناقضًا، ويتوهمه اضطرابًا، وقد كان ذلك = فبينما البحث في مرحلته الأخيرة إذ بي أنظر في أحد مواقع الرافضة - قبَّحهم الله وخيَّبهم - على ذات الموضوع، وجعلوا هذا التصرف من الإمام سببًا كبيرًا للنيل منه ومن كتابه الجليل العظيم.
(1) له طبعة فريدة - فيما أعلم - بتحقيق كمال الحوت، أصدرته دار الجنان في بيروت، وهي طبعة سيئة فيها تحريف وسقط، ويعمل أحد طلاب العلم الفضلاء على تحقيقه.