التمهيد
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: شرط الإمام البخاري في صحيحه.
قال ابن طاهر:» اعلم أنَّ البخاري ومسلمًا ومن ذكرنا بعدهم، لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطت أنْ أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم، فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم [1] .
واعلم أن شرط البخاري ومسلم أنْ يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته [2] إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع ... ، إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم؛ لشبهة وقعت في نفسه « [3] .
وقال أبو بكر الحازمي:» ومذهب من يخرج الصحيح أنْ يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفيمن روى عنهم وهم ثقات أثبات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لايصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم.
فلنوضح ذلك بمثال: وهو أنْ يُعْلم مثلًا أنَّ أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أنَّ الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان
(1) ينبغي التنبه إلى أنَّ ذلك في الغالب، وإلا فمن المعلوم أنَّ مِنْ الأئمة مَنْ أوضح بعضَ شرطه، وشيئًا من منهجه فيما أخرج؛ كما صنع الإمام مسلم في مقدمته، والإمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكة.
(2) تعقب بعض الأئمة الحازمي في هذه العبارة، وأجيب عن ذلك، وفي المسألة مناقشات ليس هذا موضع بسطها. ينظر: شرح العراقي لألفيته ص (21) ، وتدريب الراوي (1/ 104) .
(3) شروط الأئمة الستة ص (85 - 86) ، وينظر: هدي الساري ص (9) .