لذا قالوا إن من فوائد غض البصر أنه يورث نور القلب والفراسة وقد ذكر الله تعالى آية النور عقيب آية غض البصر في سورة النور"الله نور السماوات والأرض"بعد قوله تعالى"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم"
ومعلوم أن ثمة فرق بين الفراسة وبين الظن عموما. لذا قيدت الفراسة بأنها ظن صائب.
أما الظن فيصيب ويخطئ، كما أن الظن يكون مع الطاعة ومع المعصية بل يكون مع حياة القلب أو مرضه أو حتى موته ومنه ما هو حرام لذا قال تعالى ناصحا عباده المؤمنين بتحاشى هذا النوع من الظن لأنه مذموم فقال"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا" [1]
أما الفراسة والإلهام فهما يتجاذبان مرتبة واحدة إذا كانت من النوع الأول والذى سبقت الإشارة إليه.
بينما يقدم بعض العلماء الإلهام على الفراسة من وجه فيقول صاحب المنازل ما رواه عنه ابن القيم في كتابه القيم مدارج السالكين:"وقال صاحب المنازل: الإلهام هو مقام المحدثين وهو فوق مقام الفراسة لأن الفراسة ربما وقعت نادرة واستصعبت على صاحبها وقتا أو استعصت عليه والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد " [2]
فانظر كيف تقترب الفراسة من الإلهام إن لم تساوها فهى على أقل تقدير مقام من المقامات المعتبرة وهذا على حد تعبير ابن القيم في النص الذى سقناه إليك.
ومع هذا فقد وجدنا من العلماء من يجعل الفراسة صفة لازمة لا تنفك عن صاحبها لا يخلو منها وقتا من الأوقات.
سئل الإمام الجنيد رحمه الله عن الفراسة فقال هى مصادفة الإصابة، فقيل له هى للمتفرس في وقت المصادفة أو على الأوقات؟ قال لا بل على الأوقات لأنها مُوهَبة فهى معه كائنة دائمة" [3] "
(1) الحجرات 12
(2) مدارج السالكين 1/ 44
(3) التعرف لمذهب التصوف 1/ 132