الصفحة 9 من 55

وروى الترمذى أيضا من حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله قال"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ: إن في ذلك لآيات للمتوسمين"وقال الترمذى حديث غريب. [1]

فانظر كيف امتدح الله بالفراسة بعض عباده الذين يستنبطون الأمور وينعمون النظر في الأشياء فيستدلون بالظاهر على الباطن

فالآيتان تدلان على أن الفراسة غالبا ما تكون من عطاء الله للصالحين، وينص عليه أيضا حديث النبى الذى سبق الإشارة إليه"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وروى أيضا أن النبى قال:"إن لكل قوم فراسة وإنما يعرفها الأشراف" [2] "

والحديثان أيضا يؤكدان ما أشارت إليه الآيتان من قبل أنها عطاء الله للصالحين ولذا حددها النبى تارة بالمؤمن وتارة بالأشراف. وبالطبع الشرف عند النبى لا يقوم على أساس المادة بقدر ما يقوم على أساس الصلاح.

وروى أيضا عن النبى"إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم" [3] فهو نور بصيرة لمن اختصه الله بها ويسميها العلماء الفراسة الإيمانية

فأصلها هو الحياة والنور اللذان يهبهما الله تعالى لمن يشاء فيستنير القلب وبالتالى لا يكاد تخطئ له فراسة قال تعالى"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [4]

ولذا يقول شاه بن شجاع الكرمانى"من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة."

ويُرجع ابن تيمية سببَ الفراسة إلى الصلاح والالتزام بتقوى الله فينير الله القلب قال رحمه الله:"وسر هذا أن الجزاء من جنس العمل، فمن غض بصره عما حرم الله عليه، عوضه الله من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله له نور بصيرته وقلبه، فيرى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله" [5]

(1) الحديث رواه الترمذى في سننه 5/ 298 برقم 3127، الطبرانى في المعجم الكبير 8/ 1.2 برقم 7497 عن أبى أمامة، وكذا في الأوسط 3/ 312،وفى حلية الأولياء لأبى نعيم عن ابن عمر 4/ 94،وفى مسند الشاميين 3/ 183،وفى مسند الشهاب 1/ 387 برقم 433 والحديث كثرة طرقه تقوى بعضها بعضا.

(2) رواه الحاكم في مستدركه وقال عنه صحيح الإسناد وإن كان مرسلا عن عروة برقم 5767 3/ 472

(3) رواه الطبرانى في المعجم الأوسط 3/ 2.7 برقم 2935 وراه الشهاب في مسنده عن أنس 2/ 116 برقم ... 1 .. 5 وحسنه الألبانى.

(4) الأنعام 122

(5) فتاوى ابن تيمية 1/ 381

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت