فالآية خطاب لسيدنا محمد رسول الله وفيها يمن الله على رسوله بهذا العطاء عطاء التفرس وعطاء الاستدلال بالظاهر على الباطن فهى هبة من الله أن يستدل النبى على خبث طوية اليهود والمنافقين وما يكنوه من حقد دفين وعداء ظاهر وباطن لدين الله وأتباعه وذلك كله من خلال لحن القول وهو أمر ظاهر.
بل الأكثر من هذا أن القرآن ذاته قد دعى الى التفرس والتوسم والاستدلال بالظاهر على الباطن كلَ ذى لب فقال تعالى"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ" [1]
روى الترمذى [2] من حديث أبى سعيد الخدرى عن رسول الله أنه قال"للمتوسمين أى للمتفرسين"وهو أيضا مروى عن مجاهد
والتوسم هو الفعل من الوسم وهى العلامة التى يستدل بها على مطلوب غيرها
يقال توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسم ذلك فيه ومنه قول عبد الله بن رواحة للنبى"إنى توسمت فيك الخير أعرفه، والله يعلم إنى ثابت البصر"على حد قول الشاعر
توسمته لما رأيت مهابة عليه ... وقلت المرء من آل هاشم
واتسم الرجل إذا جعل لنفسه علامة يعرف بها وانشدوا:
وأصبحن كالدوم النواعم غدوة ... على وجهة من ظاعن متوسم
وقال ثعلب:"الواسم: الناظر إليك من فرقك الى قدمك"
وأصل التوسم التثبت والتفكر، وذاك يكون بجودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر وتفريغ القلب من حشو الدنيا، وتطهيره من أدناس المعاصى وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا، روى نهشل عن ابن عباس"للمتوسمين: قال لأهل الصلاح والخير وزعمت الصوفية أنها كرامة."
قال الحسن: المتوسمون هم الذين يتوسمون الأمور فيعلمون أن الذى أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك الكفار فهذا من الدلائل الظاهرة.
(1) الحجر 75
(2) سنن الترمذى 1./399 برقم 3.52 عن أبى سعيد الخدرى.