محجوبون عن الحق تعالى فلا تصعد فراستهم الى التمييز بين أوليائه وأعدائه وطريق هؤلاء وهؤلاء
ومن خلال كلام ابن القيم عن هذا النوع الأول نجد أنه جعله قسما مشتركا بين المؤمن والكافر فلم يشترط فيه دينا ولا خلقا، وقصر فقط على الأمور السفلية لأنه في هذه الحالة عطاء بشرى مادى يتوصل إليه بأسبابه ومقدماته، ولا شك أن هناك فارقا بين عطاء البشر وبين عطاء رب البشر كالفارق بين الخالق والمخلوق
وعليه فسوف نجد أن النوع الثانى من الفراسة والذى هو عطاء الله لمن اصطفاه من خلقه لا تحده حدود ولا يقف عند مستوىًَ بعينه فهو عطاء خالق القوى والقدر لذا قال عنها ابن القيم: وأما فراسة الصادقين العارفين بالله وأمره فإن همتهم لما تعلقت بمحبة الله ومعرفته وعبوديته ودعوة الخلق إليه على بصيرة كانت فراستهم متصلة بالله، ومتعلقة بنور الوحى مع نور الإيمان فميزت بين ما يحبه الله وما يبغضه، وميزت بين الخبيث والطيب، ففراسة هؤلاء دائما حائمة حول كشف طرق الرسول وتعرفها وتخليصها من بين سائر الطرق .... فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده" [1] "
وهكذا فرق الإمام بين ما هو عطاء الله وبين ما يتوصل إليه الإنسان بأسبابه ومقدماته والذى يشترك فيه المؤمن مع الكافر والمطيع مع العاصى.
كان هذا تقسيما للفراسة من حيث المصدر لكن إذا نظرنا إليها باعتبار من يمارسها أى المتفرس فهى على ثلاثة أقسام:
1_ فراسة إيمانية: وهى نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل، وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب كوثوب الأسد على الفريسة وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدُ فراسة
قال أبو سعيد الخراز:"من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق فتكون مواد علمه مع الحق بلا سهو ولا غفلة بل حكم حق جرى على لسان عبده"
(1) مدارج السالكين 1/ 131