الصفحة 16 من 55

وقال الواسطى:"الفراسة شعاشع أنوار لمعت في القلوب وتمكن معرفة جملة السرائر في الغيوب، من غيب إلى غيب حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق إياها فيتكلم عن ضمير الخلق" [1]

وهكذا جعلت الفراسة هنا حالة إيمانية يعيشها من صفت نفسه وحسن تأدبها مع الله، وغالبا لا يكون للعبد جهد فيها إلا أنه ارتقى في خلقه حتى اصطفاه الله فوهبه من لدنه هذا الفضل، ولعل هذا ما عناه ابن القيم بقوله:"تهجم على القلب كهجوم الأسد على الفريسة"

وعليه فلا يبعد أن تكون كرامة لولى من الأولياء ومعلوم أن مقام الولاية لا يدعى، أى لا يدعيه الإنسان لنفسه، كذا الفراسة لا يدعيها الإنسان لنفسه بل تظهر عليه.

ولم يأمرنا النبى بأن نتفرس بل أمرنا أن نتقى فراسة الغير فلم يقل تفرسوا وإنما قال"اتقوا فراسة المؤمن"

فلا يدعيها الإنسان بل ينظرها في غيره ويستفيد منها وهذا هو الأليق بمقام الولاية

2_ فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلى فإن النفس إذا تجردت من العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية وكثير من الجهال يغتر بها، فللأطباء -مثلا - فراسة معروفة من حذقهم في صناعتهم.

وإذا استحضرنا ما سبق ذكره من تقسيم الفراسة إلى قسمين فلا نكاد نجد فارقا بينهما يذكر وهكذا كانت إشارتنا من قبل أن الخلاف لفظى والكل في النهاية يصب في معين واحد.

3 -الفراسة الخِلقِية: وهى التى صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخِلق على الخٌلق لما بينهما من الارتباط الذى اقتضته حكمة الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل وبكبره على كبر العقل وبسعة الصدر وبعد ما بين جانبيه على سعة خلق صاحبه واحتماله وبسطته، وبخمود العين وكلال نظرهما على بلادة صاحبها، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه

(1) مدارج السالكين 2/ 485

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت