الصفحة 37 من 55

سلطان من خزائن معدودة لنوائب بلاده لا الخزائن التي زيدت من بعد لخزن الأقوات استعدادا للسنوات المعبر عنها بقوله مما تحصنون""

واقتراح يوسف"عليه السلام"ذلك إعداد لنفسه للقيام بمصالح الأمة على سنة أهل الفضل والكمال من ارتياح نفوسهم للعمل في المصالح، ولذلك لم يسأل ملكا لنفسه ولا عرضا من متاع الدنيا ولكن سأل أن يوليه خزائن المملكة ليحفظ الأموال ويعدل في توزيعها ويرفق بالأمة في جمعها وإبلاغها لمحالها صلى الله عليه وسلم وعلل طلبه ذلك بقوله"إني حفيظ عليم"المفيد تعليل ما قبلها لوقوع"إن"في صدر الجملة فإنه علم أنه اتصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في الناس بله كلتيهما.

وهما: الحفظ لما يليه والعلم بتدبير ما يتولاه ليعلم الملك أن مكانته لديه وائتمانه إياه قد صادفا محلهما وأهلهما وأنه حقيق بهما لأنه متصف بما يفي بواجبهما وذلك صفة الحفظ المحقق للائتمان وصفة العلم المحقق للمكانة وفي هذا تعريف بفضله ليهتدي الناس إلى اتباعه. وهذا من قبيل الحسبة.

وشبه ابن عطية مقام ابى بكر رضى الله عنه بمقام يوسف عليه السلام في دخوله في الخلافة مع نهيه المستشير له من الأنصار من أن يتأمر على اثنين. قلت: وهو تشبيه رشيق إذ كلاهما صديق، وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره

لأن ذلك من النصح للأمة وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعته على مصلحة الأمة، وقد علم يوسف"عليه السلام"أنه أفضل الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر.

فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب"عليهم السلام"فلا يعارض هذا ما جاء في صحيح مسلم [1] عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم"يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها". لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردا بالفضل من بين أمثاله ولا راجحا على جميعهم

(1) مسلم 8/ 453 برقم 312.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت