لماذا نعتذر عن القرآن الكريم لوجود التكرار فيه، والتكرار أسلوب بلاغى، وقد أجاد القرآن الكريم في توظيفه وعرضه، وعظمة القرآن لن يضرها قول المتقولين عليه، ولن يرفعها قول من سانده، وذلك لأنها عظمة مستمدة من عظمة منزله وهو الله تعالى 0
4)القول الثالث: وهم جماعة من العلماء رفضوا أن يعترفوا بالتكرار في القرآن الكريم، وهم يختلفون عن أصحاب القسم الثالث في أنهم لم يسموه بغير اسمه، ولكن اجتهدوا في تخريج كل ما جاء في القرآن الكريم مما يوهم التكرار، ولقد أبدع الإمام الزمخشرى في هذا المجال متأثرا بالقاضى عبد الجبار، وشيخه أبى على الجبائى، حيث يقول في قوله تعالى من سورة الشعراء"وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ"حيث تكررت هذه الفاصلة ثمان مرات:"فإن قلت: كيف كرّر في هذه السورة في أوّل كل قصة وآخرها ما كرّر؟ قلت: كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به" [1]
وفى قوله تعالى:"قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ" [2]
يقول الزمخشرى:"فإن قلت: لم كرّر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت: الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون؟ والثانية: ذمّ لهم، وتخطئة لرأيهم، ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر" [3]
وفى قوله تعالى:"وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" [4] يقول:"فإن قلت: كيف كرّر ذكر الصلاة أوّلًا وآخرًا؟ قلت: هما ذكران مختلفان فليس بتكرير، وصفوا أَوّلًا بالخشوع في صلاتهم، وآخرًا بالمحافظة عليها 0" [5]
وليس الزمخشرى وحسب هو من تبنى هذا المذهب، ولكن هو ممن أبدع في عرضه 0
3)القول الرابع [6] : وهم جماعة تسلل الحقد إلى قلوبهم حتى تمكن منها فعميت تلك القلوب، وطُمست تلك الأفئدة، وباتوا يقدحون في التكرار خاصة في القرآن الكريم، وهو عندهم نقيصة ومطعنة في كتاب الله تعالى 0
(1) تفسير الكشاف للزمخشرى 3/ 142
(2) الأنعام 130
(3) تفسير الزمخشرى 2/ 174
(4) المؤمنون 9
(5) تفسير الزمخشرى 3/ 67
(6) هذا القول ينفى العلم عن صاحبه، وذكرناه في زمرة أقوال العلماء تجوزا على استحياء 0