ولكن مما يجدر الإشارة إليه هنا أن هذه الفئة الحاقدة التى أعمى الحنق والغل بصيرتها، لم يكن لها وجود في عصر نزول القرآن الكريم، ولا العصر الذى تلاه، مع أن الأعداء عندئذ كانوا للقرآن بالمرصاد، ولم يدعوا شيئا يعاب به القرآن - في زعمهم - إلا سجلوه وتناقلوه، ولو قالوه لتواتر النقل عنهم ولكن لم يحدث، لأن أعداء القرآن في هذه الفترة كانوا أعلم الناس بقوة القرآن وبلاغته حتى أنهم شهدوا، وهذا هو الوليد بن المغيرة زعيم المشركين سجل عليه التاريخ كلمات صارت شهادة للقرآن من أعدائه، والحق ما شهدت به الأعداء، حيث قال:"إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته " [1] هذا كله بعد أن نزهه عن السحر وشعر الكهان 0
فالملاحظ أن هذه الفئة، وهذه الشبهة التى رُمى بها القرآن الكريم زورا وحقدا وحسدا لم تظهر مبكرا ولكنها ظهرت بعد فترة من الزمن، ريثما فسد الذوق البلاغى والبيانى، وضعفت السليقة العربية، والعجيب المجمع عليه أن هؤلاء الناشطين لهذه الشبهة لم يصلوا بحال من الأحوال إلى درجة فصاحة ولا بلاغة الذين سكتوا عنها قديما 0
وفى هذا أبلغ رد عليهم، وبان أن دافعهم هو الحنق والحقد على دين الله تعالى وعلى المسلمين:"مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" [2]
ومن هؤلاء الذين فسد ذوقهم اللغوى لافتنانهم بالعجمة والدراسات المادية البحتة د. محمد أحمد خلف الله في رسالته الجامعية بكلية الآداب وعنوانها"الفن القصصى في القرآن"وهى رسالة عرض فيها لعدة آراء في القصص القرآنى منها: عدم تحريه الصدق في أخباره ومنها نقد التكرار، ونحن نقف معه فقط في قضية التكرار حيث قال فيها:"سؤال سأله العقل الإسلامى نفسه فيما يخص هذا التكرار، وهو أنه على فرض قدرته على الوقوف على الأسرار التى من أجلها كان التكرار فلماذا هذا الاختلاف؟ لماذا اختلف إيراد القصة الواحدة في موطن عنه في آخر؟ لماذا اختلف وصف القرآن لموقف موسى من ربه في سورة طه عنه في غيره من السور، مع أن هذا الموقف واحد، والحادثة واحدة؟" [3]
وبقليل تدبر نلاحظ خبث هذه الأسئلة والتى تشير بأصابع الاتهام إلى القرآن الكريم وتقدح فيما عده العلماء وجها لإعجاز القرآن، والملاحظ أيضا أن خلف الله قد أُشربَ حب المدرسة الأمينية [4] ، وتأثر
(1) السيرة النبوية لابن كثير 1/ 499، وانظر دلائل النبوة للبيهقى 2/ 75 برقم 505
(2) البقرة 105
(3) الفن القصصى في القرآن رسالة جامعية بمكتبة كلية الآداب بالقاهرة ص 32
(4) أى التى أرسى قواعدها الأستاذ أمين الخولى وآخرون 0