فَمَا زَالَ قُرّة يَجتهدُ وَيحتجُ عَليها في الخروجِ وَهي تمنعُهُ، وَتحتجُ عَليه في تركِ الخروجِ إلى أنْ يجيء عَلي بنُ قُرّة حَتى غَلَبت عَليهِ وَلمْ تَدعهُ.
قَالَ أبو زُرْعةَ: فَانصرفنَا وَقَعدنَا حَتى وافى ابنُهُ عَلي.
قَالَ أبو زُرْعةَ: فَجَعَلتُ أعجبُ مِنْ صَرامتِهَا وَصيانتها أباها )) [1] .
(1) سؤالات البرذعي (2/ 575) ، هذا النّص النفيس الذي يفيد في دراسة حال قرة بن حبيب لم يذكره المزيّ ولا مغلطاي ولا ابنُ حجر ولا الذهبيّ في رجال الكتب الستة.
وهذا مما يؤكد أنّ على الباحثِ عند دراسة راوٍ مختلف فيه- وربما كان تحرير الكلام على هذا الراوي يترتب عليه أحكاما عملية هامة كقوة روايةٍ أوضعفها ونحو ذلك - أن لا يكتفي بالرجوع إلى المختصرات و الكتب المتأخرة-كما هو الجاري في كثير من الأحيان في هذا الوقت طالبًا للراحة وسهولة المعلومة! -، بل لا بدَّ من الرجوع إلى المصادر الأصلية المتقدمة من تواريخ وسؤالات وعلل وغيرها-وكلما كان البحث أخطر كان الرجوع إلى هذه المصادر ألزم وأوجب.
ومن هنا ينبغي التنبه إلى أنَّ دراسة حال الراوي-المختلف فيه- ليست بالأمر الهيّن -كما يظن البعض- بل ربما راجع الباحث عشرات الكتب، ودرس عشرات الأسانيد للبحث عَنْ فائدة معينة، أو التحقق منها، وربما بدأ بدراسة حال الراوي من مولده ونشأته إلى وفاته لاستخلاص حكم دقيق لحاله، وتأمل حال النقاد في هذا الباب: قال أبو زرعة: (( نظرتُ في نحو ثمانين ألْف حديث من حديث ابن وهب بمصر فلا أعلمُ أنى رأيتُ حديثًا له لا أصل له وهو ثقة ) )الجرح (5/ 189) .
وقال محمدُ بنُ إبراهيم بن أبي شيخ: (( جاء يحيى بنُ معين إلى عفّان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: أما سمعتها من أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفسا عَنْ حماد، فقال: والله لا حدثتك، فقال: إنما هو درهم، وأنحدرُ إلى البصرة فأسمع من التبوذكيّ فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة وجاء إلى التبوذكي فقال له: أما سمعتها من أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر وأنت الثامن عشر، قال: وما تصنع بهذا؟ قال: إنّ حماد بن سلمة كان يخطئ فأردت أن أميّزَ خطأه من خطأ غيره فإذا رأيتُ أصحابه اجتمعوا على شيء علمتُ أنّ الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافه، علمتُ أنّ الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أخطئ عليه ) )المجروحين (1/ 32) .
قال ابن حبان: (( ولقد دخلتُ حمص وأكثر همي شأن بقية فتتبعت حديثه وكتبت النسخ على الوجه وتتبعت ما لم أجد بعلو من رواية القدماء عنه فرأيته ثقة مأمونا ولكنه كان مدلسا .. ) )المجروحين (1/ 200) .
فالمطلوب من الباحث بذل الوسع والجهد عند دراسة حال راوٍ، والله الموفق.
وفي قصة هذه البنت من الفوائد:
فقه هذه البنت، وَحُسْنُ معرفتها بخطرِ المُحَدّثين. فياليت شباب وفتيات المسلمين يلتفتون إلى مثل هذه السير الرائعة، وما فيها من فوائد تربوية فيعملوا بها.
وفي هذه القصة نكت علمية تتعلق بأحكام المختلطين، وكيفية معرفة النقاد لضبط الرواة واختبارهم، وجلالة أصحاب الحديث وهيبتهم في القلوب، وأنّ لهم حركة وأثرًا في المجتمع.