فهرس الكتاب
قَالَ ابنُ أبي حَاتم: (( سمعتُ أبي يقولُ: بَقِيتُ بالبصرةِ في سنةِ أربعَ عشرةَ ومائتين ثمانيةَ أشهرٍ، وَكَانَ في نفسِي أنْ أُقيمَ سنةً فانقطعَ نَفَقَتي، فَجَعلتُ أبيعُ ثيابَ بَدَني شيئًا بعدَ شيء حَتى بقيتُ بلا نفقةٍ، ومضيتُ أطوفُ مَعَ صديقٍ لي إلى المشيخةِ وأسمعُ منهمْ إلى المساءِ فانصرفَ رفيقي ورجعتُ إلى بيت خالٍ، فَجَعلتُ أشربُ الماءَ من الجوع.
ثمّ أصبحتُ من الغد، وغدا عليّ رفيقي، فجعلتُ أطوفُ مَعَهُ في سماعِ الحديثِ على جوعٍ شديدٍ، فانصرفَ عني وانصرفت جائعًا، فلمّا كَانَ مِنْ الغد غَدَا عليّ فَقَالَ: مُرّ بِنَا إلى المشايخِ، قلتُ: أنا ضعيفٌ، لا يمكنني قَالَ: مَا ضَعْفُكَ؟، قلتُ: لا أكتُمكَ أمري قد مَضَى يومانِ مَا طعمتُ فيهما شيئًا، فَقَالَ: قدْ بقي معي دينار فأنا أواسِيك بنصفهِ، ونجعلُ النصفَ الآخرَ في الكِراء، فخرجنا من البصرةِ وقبضتُ منه النصفَ دِينار )) [1] .
وَقَالَ أيضًا: (( ما ذُكر من رِحلةِ أبى في طَلَبِ العلم .. سمعت أبى يقول: أوَّلُ سنةٍ خرجتُ في طلب الحَدِيث أقمتُ سبعَ سنين، أحصيتُ ما مشيتُ على قدميَّ زيادةً على ألْف فرسخ، لم أزل أُحصى حتى لما زاد على ألْف فرسخ تركتُهُ.
أمَّا مَا كنتُ سِرْتُ أنَا مِنْ الكوفة إلى بغدادَ فَمَا لا أُحصي كَمْ مَرّة، ومن مكة إلى المدينة مراتٍ كثيرة.
(1) تقدمة الجرح والتعديل (ص 363 - 364) .