فَقُلتُ: لا ضَيْرَ، أنا أكتَرِي فيُجَاءُ بِها إليّ، فَأوجه إلى بيتِ المقدِسِ، واكتبْ إلىّ مِنْ كُتُبكَ مَعَهُ حتى يوجهَهَا.
فَبَقي وَلم يكنْ لهُ جَوابٌ.
فَقُلتُ له:
وَيْحَكَ! أمَا تتقي الله؟
مَا وَجَدتَ لأبيكَ ما تَفقهُ بهِ سِوَى هذا؟
أبوكَ عِنْدَ النّاسِ مَستورٌ وتَكْذبُ عليه!
أما تَتّقي اللهَ؟
فَلمْ أزَل أكلّمهُ بكَلامٍ مِنْ نحو هذا، ولا يقدرُ لي عَلى جَواب )) [1] .
وَقريبٌ مِنْ هذا ما ذكرهُ أبو مُحمّد ابنُ أبي حَاتم قَالَ:
(( سمعتُ أبا زُرْعةَ يقولُ:
سَمعتُ مِنْ بعضِ المشايخِ أحَادِيثَ فَسَألني رَجُلٌ مِنْ أصحابِ الحَدِيثِ فَأعطيتُهُ كِتَابي فردَّ علىّ الكِتابَ بَعدَ ستةِ أشهرٍ فَأنظرُ في الكِتابِ فَإذا إنّهُ قدْ غَيّرَ سبعةَ مَوَاضع.
قَالَ أبو زُرْعةَ: فَأخذتُ الكِتابَ وَصرتُ إلى عندهِ، فَقلتُ: ألا تَتَقى اللهَ تَفْعلُ مِثلَ هذا!.
قَالَ أبو زُرْعةَ: فَأوْقفتُه عَلى مَوْضعٍ مَوْضعٍ، وَأخبرتُهُ، وَقلتُ لهُ:
(1) سؤالات البرذعي (2/ 389) .
قلتُ: تأملْ كيفَ عَرَفَ أبوزُرْعةَ الحديثَ مباشرةً بعدَما ذُكِرَ لهُ طرفٌ منْ الإسناد، ثم ذَكَرَ حُكمه، ثم دلل عَلى ذلكَ من خلالِ مباشرتهِ العلةَ نفسها بقصةٍ عجيبة يتجلى فيها دقة النقد، والجرأة في ذلك، وعدم الاغترار بالمظاهر- فَرَحمَ اللهُ أبازُرْعةَ رحمةً واسعةً -.