آدم ونوح عليهما السلام. فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى بن محمد بن قيس:"ويعوق ونسرا"قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم [1] . قال قتادة وغيره:"كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك" [2] .
وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي [3] أوقعت كثيرا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب [4] ونحو ذلك.
فإن [5] يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. ولهذا نجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها، ويخشعون [6] ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها [7] في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال.
فهذه المفسدة -التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره- هي التي حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد
(1) تفسير ابن جرير (29 / 62) .
(2) تفسير ابن جرير (29 / 62) .
(3) في المطبوعة: هي التي.
(4) في (ط) : الكواكب.
(5) في المطبوعة: فلأن.
(6) في المطبوعة: ويتخشعون.
(7) في المطبوعة: لا يعبدونها.