نتائج البحث عن (الدولة) 50 نتيجة

(الدولة) الِاسْتِيلَاء وَالْغَلَبَة وَالشَّيْء المتداول ومجموع كَبِير من الْأَفْرَاد يقطن بِصفة دائمة إقليما معينا ويتمتع بالشخصية المعنوية وبنظام حكومي وبالاستقلال السياسي (مج) وَفِي الْحَرْب بَين الفئتين أَن تهزم هَذِه مرّة وَهَذِه مرّة والحوصلة والقانصة والشقشقة وَمن الْبَطن جَانِبه والسرة (ج) دوَل

(الدولة) الْغَلَبَة وَالشَّيْء المتداول من مَال أَو نَحْو ذَلِك
فَارُوقُ الدَّوْلَة
من (ف ر ق) ومن (د و ل) مجموعة الحكومة والشعب المتمتعان بالنظام الحكومي والاستقلال السياسي، فيكون المعنى حاكم الدولة وقاضيها المفرق بين الحق والباطل.
سِرَاج الدوْلَة
ضياء الدولة.
قَمر الدولة
من (ق م ر) ومن (د و ل) بمعنى القطر أو الإقليم الكبير، أو الإستيلاء والغلبة.
عز الدّوْلَة
مركب من عز والدولة بمعنى من تقوى به الدولة.
الدَّوْلَةُ: انْقِلابُ الزمانِ، والعُقْبَةُ في المالِ، ويُضَمُّ، أو الضمُّ: فيه، والفتْحُ: في الحَرْبِ، أو هما سواءٌ، أو الضمُّ: في الآخرةِ، والفتْحُ: في الدنيا، ج: دُوَلٌ، مُثَلَّثَةً، وقد أدالَهُ.وتَداوَلوهُ: أخَذوهُ بالدُّوَلِ.ودَوَلَيْكَ، أي: مداوَلَةً على الأمرِ، أو تَداوُلٌ بعدَ تَداوُلٍ، وقد تَدْخُلُه ألْ فَيُجْعَلُ اسماً مع الكافِ، يقالُ: الدَّوالَيْكَ، وأن يَتَحَفَّزَ في مِشْيَتِه إذا جالَ.وانْدالَ ما في بَطْنِه: خَرَجَ،وـ البَطْنُ: اتَّسَعَ ودَنَا من الأرْضِ،وـ الشيءُ: ناسَ وتَعَلَّقَ. وكهُمَزَةٍ: الداهِيَةُ.والدَّويلُ، كأَميرٍ: النَّبْتُ اليابِسُ العامِيُّ، أو أتى عليه سَنَتان، أو يَخُصُّ النَّصِيَّ والسَّبَطَ.والدَّوالي: عنبٌ طائِفِيٌّ.والدُّولُ، بالضم: رجُلٌ من بني حَنيفَةَ بنِ لُحَيْمٍ، وحَيُّ من بَكرِ بنِ وائِلٍ، منهم: فَرْوَةُ بنُ نَعامَةَ الذي مَلَكَ الشامَ في الجاهِلِيَّةِ، وفي الأزْدِ:الدولُ بنُ سَعْدِ مَناةَ بنِ غامِدٍ، وفي الرَّبابِ: الدولُ بنُ حِلِّ بنِ عَدِيٍّ.والديلُ، بالكسر: حَيٌّ من عبدِ القَيْسِ، أو هما ديلانِ: ديلُ بنُ شَنِّ بنِ أفْصَى بنِ عبدِ القَيْسِ، وديلُ بنُ عَمْرِو بنِ وديعَةَ بنِ أفْصَى بنِ عبدِ القَيْسِ،وع بِبلادِ فَزارَةَ، وفي الأَزْدِ: الديلُ بنُ زَيْدٍ، وابنُ عَمْرٍو، وفي إِيادٍ: الديلُ بنُ أُمَيَّةَ.وبَنو الديلِ أيضاً: من بني بَكْرِ بنِ عبدِ مَناةَ.وبَنُو دَالانَ: بَطْنٌ بالكوفَةِ، منهم: يَزيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ أبو خالِدٍ المحدِّثُ. ودالانُ بنُ سابِقَةَ: في هَمْدانَ.والدالَةُ: الشُّهْرَةُ، ج: دالٌ.دَالَ يَدولُ دَوْلاً ودالَةً: صارَ شُهْرَةً.والدَّوْلَةُ: الحَوْصَلَةُ لانْدِيالها، والشِّقْشِقَةُ، وشيءٌ مِثلُ المَزادَةِ ضَيِّقَةُ الفَمِ، والقانِصَةُ،وـ من البَطْنِ: جانبُهُ.ودالَ بَطْنُه: اسْتَرْخَى،كانْدالَ.ودُولانُ، بالضم: ع.وجاءَ بِدُولاهُ وتُولاهُ، بضَمِّهِما: بالدَّواهي.وأدالَنا اللهُ تعالى من عَدُوِّنا: من الدَّوْلَةِ.والإِدالَةُ: الغَلَبَةُ.ودالَتِ الأيَّامُ: دارَتْ، واللهُ تعالى يُداوِلها بينَ الناسِ. والدَّوْلُ: لُغَةٌ في الدَّلْوِ، وانْقِلابُ الدَّهْرِ من حالٍ إلى حالٍ، وبالتحريكِ: النَّبْلُ المُتَداوَلُ.
أخبار الدولة
يعني: دولة أبي محمد: عبد الله (عبيد الله) المهدي.
لأبي جعفر: أحمد بن إبراهيم بن الجزار الإفريقي.

التاجي، في أخبار الدولة الديلمية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

التاجي، في أخبار الدولة الديلمية
لأبي إسحاق: إبراهيم بن هلال الصابي.
المتوفى: سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
ألفه: بأمر عضد الدولة.
وسماه: بالنسبة إلى لقبه: تاج الملة.
وهو: كتاب بليغ، سهل العبارة، على ما ذكره ابن خلكان.

تيسير الكواكب السمائية، لسعد الدولة الشريفة السليمانية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تيسير الكواكب السمائية، لسعد الدولة الشريفة السليمانية
في فن الميقات.
تركي.
لمصطفى بن علي، الموقت بالجامع السليمي.
كتبه: سنة 946، خمس وأربعين وتسعمائة.
أوله: (الحمد لله، الذي جعل في السماء بروجاً 000 الخ)
ذكر فيه: غرر الشهور العربية، والرومية، والسنة الشمسية، والقمرية، وأوقات تحاويل الشمس في البروج، مجدولاً إلى سنة 1000 ألف.
الدُّولَة: سَعَادَة دنيوية لَا يعْتَبر فِيهَا الْعَاقِبَة.
3070- عِمَادُ الدَّوْلَة 1:
السُّلْطَان الكَبِيْرُ عمَادُ الدَّوْلَة, أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ بُوَيْه بن فَنَّاخِسْرُو الدَّيْلَمِي.
صَاحِبُ ممَالِكِ فَارس, وَأَخُو الْملكَيْنِ معزّ الدَّوْلَة أَحْمَدَ، وَركن الدَّوْلَة الحَسَن, فَكَانَ عمَادُ الدَّوْلَة أَوَّلَ مَنْ تملَّك البِلاَد بَعْدَ أَنْ كَانَ قَائِداً كَبِيْراً مِنْ قوَّاد الدَّيْلم.
وَكَانَ أَبوهُم بُوَيه يصطَاد السَّمَك, ثُمَّ آل بِأَوْلاَده الأَمْر إِلَى مُلْك البِلاَد, ثُمَّ تملَّك مِنْ بَعْد العمَاد وَلَدُ أخيه عضد الدولة بن ركن الدولة.
وكَانَتْ دَوْلَةُ العمَاد سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَاشَ بِضْعاً وَخَمْسِيْنَ سنَةً، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى, وَقِيْلَ: سَنَةَ تِسْعٍ.
وَلَمَّا تملَّك شيرَاز, طَالَبَه قُوَّاده بِالأَمْوَال، وَثَارُوا عَلَيْهِ, فاغْتَمَّ لذلك, واستقلى فَرَأَى حَيَّة فِي السَّقْف فَفَزِعَ، وَدَعَا الفرَّاشين فنصبُوا سُلَّماً, فَوَجَدُوا غُرْفَةً يُدخل إِلَيْهَا, فَأَمرهُم بفتحهَا فَفُتِحت, فَوَجَدُوا فِيْهَا صنَادِيقَ فِيْهَا قدر خَمْس مائَة أَلْف دِيْنَار, فَأُنْزلت, فَفَرِح, وَأَنفق فِي الجَيْش.
ثمَّ إِنَّهُ طلب خَيَّاطاً ليفصِّل لَهُ، وَكَانَ أُطْروشاً, فَفَزِعَ وَجَاوَبَه عمَّا لَمْ يُسأَلْ عَنْهُ، وَحَلَف أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ سِوَى اثْنَيْ عَشَرَ صُنْدُوقاً وَديعَةً, فتعجَّب عمَادُ الدَّوْلَة، وَأُحضرت إِلَيْهِ, فَإِذَا فِيْهَا أَمْوَال وَثِيَاب دِيْبَاج, فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ سعَادته المقبلَة، وَلاَ عَقِبَ له.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "6/ 365"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "3/ ترجمة 480"، والعبر "2/ 247"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "3/ 299"، وشذرات الذهب لابن العماد "2/ 346".
3332- ناصر الدولة 1:
صَاحِبُ المَوْصِلِ, المَلِكُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ, الحَسَنُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَمْدَانَ بنِ حَمْدُوْنَ بنِ الحَارِثِ بنِ لُقْمَانَ التَّغْلِبِيُّ, أَخُو الملكِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ, ابْنَا الأَمِيْرِ أَبِي الهَيْجَاءِ.
وَكَانَ أَكبرَ مِنْ أَخِيْهِ سِنّاً وَقَدْراً, وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدَ بنَ رَائِقٍ الَّذِي تملَّكَ, وَلَمَّا مَاتَ أَخُوْهُ تأسَّف عَلَيْهِ، وَسَاءَ مزَاجُهُ وَتَسَوْدَنَ, فَحَجَرَ عَلَيْهِ بَنُوهُ، وَتملَّكَ ابنُهُ أَبُو تَغْلِبٍ الغَضَنْفَرُ، وَجَعَلَهُ فِي قَلْعَةٍ مرَفَّهًا معزَّزًا، وَلَهُ حُرُوبٌ ومواقف مشهودة.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: مَاتَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ, وأَمَّا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ الشِّمشَاطيُّ فَقَالَ: مَاتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثَانِيَ عشرَ ربيعٍ الأَوَّلِ سنَةَ سَبعٍ, مَاتَ بِالقُولَنْجِ ثُمَّ بِذَرَبٍ، وَكَانَ أَخُوْهُ يتأدَّب مَعَهُ, فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
رَضِيْتُ لَكَ العَلْيَا وَقَدْ كُنْتَ أَهْلَهَا ... وَقُلْتُ لَهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي فَرْقُ
وَلَمْ يَكُ بِي عَنْهَا نُكُولٌ وَإِنَّمَا ... تَجَافَيْتُ عَنْ حَقِّي فتمَّ لَكَ الحَقُّ
وَلاَ بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَكُونَ مُصَلِّياً ... وَإِذَا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ يَكُوْنَ لَكَ السَّبْقُ
وكَانَتْ دَوْلَةُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بضعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً, وَكَانَ يُدَارِي بَنِي بُوَيْه.
وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ التَقَى الغَضَنْفَرُ وَعسكرُ المِصْرِيِّينَ بِالرَّمْلَةِ, فانكسر جمعه وأُسِرَ وذُبِحَ صبرًا.
__________
1 ترجمته في وفيات الأعيان "2/ ترجمة 175"، والعبر "2/ 311"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 27"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 27".
3333- سَيْفُ الدَّوْلَةِ 1:
أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَمْدَانَ, صَاحِبُ حَلَبَ, مقصدُ الوفودِ، وَكعبَةُ الجُودِ, وَفَارسُ الإِسْلاَمِ، وَحَاملُ لوَاءِ الجِهَادِ. كان أديبًا مليح النظم, فيه تشيع.
وَيُقَالُ: مَا اجتمَعَ بِبَابِ ملكٍ مِنَ الشُّعَرَاء مَا اجتمَعَ ببَابِهِ.
وَكَانَ يَقُوْلُ: عَطَاءُ الشُّعَرَاءِ مِنْ فَرَائِضِ الأُمَرَاءِ.
وَقَدْ جُمِعَ لَهُ مِنَ المدَائِحِ مجلَّدَان.
أَخَذَ حَلَبَ مِنَ الكِلاَبِيِّ نَائِبَ الإِخشيذِ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ، وَقَبْلَهَا أَخَذَ وَاسِطَ، وتنقَّلت بِهِ الأَحوَالُ, وتملَّك دِمَشْقَ مُدَّةً, ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الإِخشيذيَّةِ، وَهَزَمَ العَدُوَّ مَرَّاتٍ كَثِيْرَةٍ.
يُقَالُ: تَمَّ لَهُ مِنَ الرُّوْمِ أَرْبَعُوْنَ وَقعَةً, أَكثرُهَا يَنْصُرُهُ اللهُ عَلَيْهِمْ.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ فِي عِيْدٍ نَفَّذَ إِلَى النَّاسِ ضَحَايَا لاَ تُعَدُّ كَثْرَةً, فَبَعَثَ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلفَ إِنسَانٍ, فَكَانَ أَكثرَ مَا يبعثُ إِلَى الكثيرِ مِنْهُمْ مائَةَ رَأْسٍ.
وَتُوُفِّيَتْ أُخْتُهُ فخلَّفت لَهُ خَمْسَ مائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ, فافتكَّ بجمِيعِهَا أَسْرَى.
التَقَاهُ كَافورٌ, فَنُصِرَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِظَاهِرِ حِمْصَ، وَنَازَلَ دِمَشْقَ, ثُمَّ التَقَاهُ الإِخْشِيْذُ, فَهَزَمَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ, وَأَدركَ الإِخْشِيْذَ الأَجلُ بِدِمَشْقَ, فَوَثَبَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُنْصِفْ أَهْلَهَا, وَاسْتَوْلَى عَلَى بَعْضِ أَرْضِهِمْ, فَكَاتَبَ العَقِيْقيُّ وَالكُبَرَاءُ بَعْدَ سنَةٍ صاحب مصر, فجاء إليهم كافور.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "7/ 41"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "3/ ترجمة 481"، والعبر "2/ 305"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 16"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 20".
3334- معز الدولة 1:
السُّلْطَانُ أَبُو الحُسَيْنِ, أَحْمَدُ بنُ بُوَيْه بنِ فَنَّا خُسْرُو بنِ تَمَّامِ بنِ كُوْهِي الدَّيْلَمِيُّ الفَارِسِيُّ, قَدْ سَاقَ نسبَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ إِلَى كِسْرَى بَهْرَامَ جُور, فَاللهُ أَعلمُ.
كَانَ أَبُوْهُ سمَّاكًا, وَهَذَا رُبَّمَا احتَطَبَ. تملَّك العِرَاقَ نَيِّفاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً, وَكَانَ الخَلِيْفَةَ مقهوراً مَعَهُ، وَمَاتَ مبطونًا, فعهد إلى ابنه عز الدولة بَخْتِيَارَ وَكَانَ يَتَشَيَّعُ, فَقِيْلَ: تَابَ فِي مَرَضِهِ وترضَّى عَنِ الصَّحَابَةِ, وتصدَّق، وَأَعْتَقَ, وَأَرَاقَ الخُمُورَ, وَنَدِمَ عَلَى مَا ظَلَمَ, ورَدَّ الموَاريثَ إِلَى ذَوِي الأَرحَامِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الأَقطعُ, طَارَتْ يَسَارُهُ فِي حَرْبٍ، وَطَارَتْ بَعْضُ اليُمْنَى, وَسَقَطَ بَيْنَ القَتْلَى ثُمَّ نَجَا, وتملَّك بَغْدَادَ بِلاَ كلفَةٍ، وَدَانَتْ لَهُ الأُمَمُ, وَكَانَ فِي الاِبْتِدَاءِ تبعاً لأَخِيهِ الملكِ عمَادِ الدَّوْلَةِ.
مَاتَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ, وَلَهُ ثَلاَثٌ وَخمسُوْنَ سَنَةً.
وَقَدْ أَنشَأَ دَاراً غَرِمَ عَلَيْهَا أَرْبَعينَ أَلفَ أَلفِ دِرْهَمٍ, فَبَقِيَتْ إِلَى بَعْدِ الأَرْبَعِ مائَةٍ وَنُقِضَتْ, فَاشتَرَوا جَردَ مَا فِي سُقُوفِهَا مِنَ الذَّهَبِ بِثَمَانيَةِ آلاَفِ دينار.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزيّ "7/ 38"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "1/ ترجمة 72"، والعبر "2/ 303"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 14"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 18".

ركن الدولة، والخيام، والذهلي

سير أعلام النبلاء

ركن الدولة، والخيام، والذهلي:
3342- رُكْنُ الدولة 1:
السُّلْطَانُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ, أَبُو عَلِيٍّ, الحَسَنُ بنُ بُوَيْه الدَّيْلَمِيُّ, صَاحِبُ أَصْبَهَانَ وَبلاَدِ العَجَمِ, وَوَالدُ السُّلْطَانِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ, وَهُوَ أَحدُ الإِخوةِ الثَّلاَثَةِ الَّذِيْنَ ملَكُوا البِلاَدَ بَعْدَ الفَقْرِ.
وَكَانَ هَذَا ملِكاً سَعيداً, قسمَ ممَالِكَهُ عَلَى أَولاَدِهِ, فَقَامُوا بِهَا أَمثلَ قيَامٍ, وَامتدَّتْ أَيَّامُهُ، وَخضعَتْ لَهُ الرَّعِيَّةُ, وَولِي خمساً وَأَرْبَعينَ سَنَةً.
وَوَزَرَ لَهُ الوَزِيْرُ الأَوحدُ, لِسَانُ البُلَغَاءِ, أَبُوَ الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ العَمِيْدِ, ثُمَّ ابنُهُ أَبُو الفَتْحِ بنُ العَمِيْدِ، وَوَزَرَ لِوَلَدَيْهِ مؤيِّد الدَّوْلَةِ, وَفَخْرُ الدَّوْلَةِ الصَّاحِبُ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عبَّاد.
مَاتَ فِي المحرَّم بِالقُولَنجِ, سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَلَهُ ثمانون سنة, وكان لا بأس بدولته.
وَمَاتَ قَبْلَهُ بزمانٍ أَخُوْهُ عِمَادُ الدَّوْلَةِ.
3343- الخَيَّام 2:
المحدِّث المكثِر, مُسْنِدُ بُخَارَى, أَبُو صَالِحٍ خَلَفُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيُّ الخَيمِيُّ.
حَدَّثَ عَنْ: صَالِحٍ جَزَرَةَ، وَمُوْسَى بنِ أَفلحَ, وَنَصْرِ بنِ أَحْمَدَ الكِنْدِيِّ، وَعُمَرَ بنِ هنَّادٍ, وَفَرَجِ بنِ أَيُّوْبَ, وَخَلْقٍ.
وَعَنْهُ: الحَاكِمُ, وَأَبُو عَبْدِ اللهِ غُنْجَار، وَأَبو سَعْدٍ الإِدْرِيْسِيُّ, ولَيِّنَه أَبُو سَعْدٍ.
قَالَ الخَلِيلِيُّ: كَانَ لَهُ حفظٌ وَمَعْرِفَةٌ, وَهُوَ ضَعِيْفٌ جِدّاً, رَوَى مُتوناً لاَ تُعرفُ, سَمِعْتُ الحَاكِمَ وَابنَ أَبِي زُرْعَةَ يَقُوْلاَنِ: كَتَبْنَا عَنْهُ الكثيرَ، وَنبرأُ مِنْ عهدَتِهِ.
قُلْتُ: عَاشَ سِتاً وثمَانِينَ سنَةً, تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.
وَفِيْهَا توفِّي الحَسَنُ بنُ الخَضِرِ الأُسْيوطِيُّ، وَعُثْمَانُ بنُ عُمَرَ بن خفيف الدراج.
3344- الذُّهْلي 3:
الإِمَامُ العَالِمُ المُسْنِدُ المحدِّث, قَاضِي القُضَاةِ, أَبُو الطَّاهِرِ, مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ نَصْرِ بنِ بُجَيْرٍ الذُّهْلِيُّ البَغْدَادِيُّ المَالِكِيُّ, قَاضِي الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ.
وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ, وَسَمِعَ وَهُوَ ابْنُ تسعِ سِنِيْنَ.
حدَّث عَنْ بِشْرِ بنِ مُوْسَى الأَسَدِيِّ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الكَجِّيِّ، وَأَبِي شُعَيْبٍ الحَرَّانِيِّ, وَيُوْسُفَ بنِ يَعْقُوْبَ القَاضِي, وَعُمَرَ بنِ حَفْصٍ السَّدُوْسِيِّ، وَأَبِي خَلِيْفَةَ الفَضْلِ بنِ الحُبَابِ الجُمَحِيِّ، وَخَلَفِ بنِ عَمْرٍو العُكْبَرِيِّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عُثْمَانَ بنِ أَبِي شَيْبَةَ, وَمُوْسَى بنِ هَارُوْنَ الحمَّال، وَمُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى المَرْوَزِيِّ, وَمُحَمَّدِ بنِ عَبْدوسِ بنِ كَامِلٍ، وَجَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ الفِرْيَابِيِّ, وَالحَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ الوَلِيْدِ الفَسَوِيِّ، وَأَحْمَدَ بنِ أَبِي عَوْفٍ البزورِيِّ, وَأَحْمَدَ بنِ عَمْرٍو القَطِرَاني، وَمُوْسَى بنِ زَكَرِيَّا, وَأَبِي العَبَّاسِ ثَعْلبٍ, وَأَمثَالِهِمْ.
وَكَانَ ثِقَةً فِي الحديث.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "7/ 85"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "2/ ترجمة 176"، والعبر "2/ 341", والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 127"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 55".
2 تقدمت: ترجمتنا له بتعليقنا رقم "223" في هذا الجزء. وبرقم ترجمة عام "3249".
3 ترجمته في تاريخ بغداد "1/ 313"، والمنتظم لابن الجوزي "7/ 90"، والعبر "2/ 344"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 130"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 60".

عز الدولة، والصكوكي، وابن حرارة

سير أعلام النبلاء

عز الدولة، والصكوكي، وابن حرارة:
3366- عزّ الدَّوْلَة 1:
صَاحِبُ العِرَاقِ, المَلِكُ أَبُو مَنْصُوْرٍ بُخْتِيَارُ, ابْنُ الملك معز الدولة أَحْمَدَ بنِ بُوَيْه بنِ فَنَّا خسْرُو الدَّيْلَمِيُّ.
تَزَوَّجَ الطَّائِعُ للهِ بِبِنْتِهِ شَهْنَازَ عَلَى مائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ.
وَكَانَ شَدِيدَ البَأْسِ, يُمْسِكُ ثَوْراً بِقَرنَيْهِ فَيَصرَعهُ.
وَكَانَ مُسْرِفاً مبذِّرًا.
تَسَلطَنَ بَعْدَ أَبِيهِ, وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ عمِّه عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ، وَأُسرَ مَمْلُوْكٌ بَدِيْعُ الجَمَالِ لعزِّ الدَّوْلَةِ, فتجنَّن عَلَيْهِ, وَتركَ الأَكْلَ وَبَكَى, وافتُضِحَ, وَكَتَبَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ, وَخَضَعَ وَبَذَلَ فِي فِدَائِهِ عوديَّتين؛ ثمنُ إِحدَاهُمَا مائَةُ أَلْفٍ, وَقَالَ: رَضِيْتُ بردِّه, وَأَدَعُ المُلكَ, فَرَدَّهُ.
وَقِيْلَ: كَانَ رَاتِبُهُ مِنَ الشَّمعِ فِي الشَهْرِ عِدَّةُ قنَاطيرٍ.
التَقَى هُوَ وَعَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ, فَقُتِلَ فِي المَصَافِّ, فَنَدِمَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَبَكَى لَمَّا جِيْءَ بِرَأْسِهِ.
عَاشَ سِتّاً وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً.
وَضَاعَ أَمرُ الإِسلاَمِ بِدولَةِ بَنِي بُوَيْه، وَبَنِي عُبَيْدٍ الرافضة, وتركو الجِهَادَ, وَهَاجَتْ نَصَارَى الرُّوْمِ، وَأَخَذُوا المَدَائِنَ, وَقَتَلُوا وسبوا.
3367- الصُّكوكي 2:
الإِمَامُ الحَافِظُ المُتْقِنُ, أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ زَكَرِيَّا بنِ حُسَيْنٍ النَّسَفِيُّ الصُّكوكي.
حَدَّثَ عَنْ: مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وَصَالِحِ بنِ مُحَمَّدٍ جَزَرَةَ، وَمُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ البُوْشَنْجِيِّ, وَطَبَقَتِهِم.
ذكرَهُ جَعْفَرُ المُسْتَغْفِرِيُّ فِي "تَاريخِ نَسَفٍ" فَقَالَ: كَانَ حَافِظاً مُؤَلِّفاً لِلأَبْوَابِ, عَارِفاً بِحَدِيْثِ أَهْلِ بلدِهِ, تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.
قُلْتُ: مَا وَقَعَ لِي حَدِيْثُهُ, ولا أكاد أعرفه.
3368- ابن حرارة 3:
الإِمَامُ الحَافِظُ الرحَّال, أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ أَسَدٍ, الأَسَدِيُّ البَرْدَعِيّ.
ارْتَحَلَ إِلَى العِرَاقِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ, سَمِعَ حَامِدَ بنَ شُعَيْبٍ، وَأَبَا القَاسِمِ البَغَوِيَّ, وَعَبْدَ اللهِ بنَ وَهْبٍ الدِّيْنَوَرِيَّ، وَابنَ جَوْصَا, وَعِدَّةً.
حدَّث عَنْهُ: حسنُ بنُ جَعْفَرٍ الطَّيِّبِيُّ شيخٌ لِلْخَلِيْلِيِّ.
قَالَ الخليلِيّ: يُعْرَف أَبُوْهُ بِحَرَارَةَ, قَالَ: وَقَدْ رَوَى مِنْ حِفْظِهِ زيَادَةً عَلَى ثَلاَثِيْنَ أَلفَ حَدِيْثٍ بِقَزْوِينَ وَالرَّيِّ, وَمَا كَانَ مَعَهُ وَرقَةً, وفي أماليه غَرَائِب وَكلاَمٌ يُسْتَفَادُ, حدَّث عَنْهُ شُيُوخُنَا, تُوُفِّيَ بقزوين سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "7/ 89-90"، والعبر "2/ 343"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 129"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 59".
2 ترجمته في تذكرة الحفاظ "3/ ترجمة 883"، وشذرات الذهب لابن العماد "2/ 369".
3 ترجمته في تذكرة الحفاظ "3/ ترجمة 911"، وشذرات الذهب لابن العماد "2/ 379".
3377- عَضُدُ الدَّوْلَة 1:
السُّلْطَانُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ, أَبُو شُجَاعٍ, فَنَّاخِسْرُو, صَاحبُ العِرَاقِ وَفَارِسَ, ابْنُ السُّلْطَانِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ حسنِ بنِ بُوَيْه الدَّيْلَمِيّ.
تملَّك بِفَارِسَ بَعْدَ عمِّه عِمَادُ الدَّوْلَةِ, ثُمَّ كَثُرَثْ بلاَدُهُ, وَاتسعَتْ ممَالِكُهُ, وَسَارَ إِلَيْهِ المُتَنَبِّي وَمدحَهُ, وَأَخَذَ صِلاَتِهِ.
قصدَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ العِرَاقَ، وَالتَقَى ابنَ عَمِّهِ عزَّ الدَّوْلَةِ وَقَتَلَهُ, وتملَّك, وَدَانَتْ لَهُ الأُمَمُ.
وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً مَهِيْباً, نَحْوِيّاً أَديباً عَالِماً, جبَّارًا عَسُوْفاً, شَدِيدَ الوطأَةِ.
وَله صنَّف أَبُو عَلِيٍّ الفارسي كتابي "الإيضاح", و"التكملة".
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "7/ 113"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "4/ ترجمة 532"، والعبر "2/ 361"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 142"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 78".
3731- بهاء الدولة 1:
أبو نصر، أحمد بن عضد الدَّوْلَةِ ابْنِ بُوَيْه، مَلِكُ العِرَاقِ.
مَاتَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَع مائَة بعلَّة الصَّرْع المُتَتَابع كَأَبِيهِ، تُوُفِّيَ بِأَرَّجَان فِي سنّ اثنتين وأربعين سنة وَتِسْعَة أَشهر.
وكَانَتْ أَيَّامُهُ أَرْبَعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَتملَّك ابْنُهُ سُلْطَانُ الدَّوْلَة أَبُو شُجَاعٍ.
وَكَانَ بَهَاءُ الدَّوْلَة خَاضِعاً لِلْسُلْطَان مَحْمُوْد بن سُبُكْتِكِيْن، مداريًا له.
وقَام ابْنُهُ بَعْدَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَخذت الدَّوْلَةُ البُوَيْهِيَّةُ تَتَنَاقص.
وَقِيْلَ: بَلْ كَانَ مُلْكُ بهاء الدولة اثنتين وعشرين سنة ويومين.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "7/ 264"، والعبر "3/ 83"، وتاريخ ابن خلدون "4/ 461-462-463"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 166".

سلطان الدولة

سير أعلام النبلاء

3841- سلطان الدولة 1:
مَلِكُ العِرَاقِ وَفَارس، سُلْطَانُ الدَّوْلَة، أَبُو شُجَاعٍ، فناخسرو بن الملك بهاء الدولة خره فيروز بن الملك عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة حسن بن بويه الديلمي.
تملك بَعْد أَبِيهِ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَع مائَة، فَكَانَتْ أَيَّامُه اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَزَرَ لَهُ فَخرُ الملك أبو غالب، فقرىء عهدُ سُلْطَانِ الدَّوْلَة مِنَ القَادِرِ بِاللهِ، وَالأَلقَابُ كَانَتْ: عمَادَ الدِّيْنِ، مُشَرِّفَ الدَّوْلَة، مُؤَيِّد المِلَّة، مُغِيْثَ الأُمَّة، صَفِيَّ أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ. ثُمَّ أُحضرتِ الخِلَعُ وَهِيَ سبعٌ عَلَى العَادَة، وَعِمَامَةٌ سَوْدَاء، وتاج مرصع، وسيف، وسواران، وطوق، وَفَرَسَان، وَلوَاءان عقدهُمَا القَادِر بِيَدِهِ، وَتَلَفَّظَ بِالحلفِ لَهُ بِمسمع: مِنَ الوَزِيْر أَبِي غَالِب وَالكِبَار وَنُفِّذَ ذَلِكَ مَعَ القَاضِي أَبِي خَازمٍ مُحَمَّدِ بن الحُسَيْنِ وَخَادمِين إِلَى فَارس، أَوّلُ العَهْدِ: مِنْ عَبْدِ اللهِ أَحْمَد الإِمَامِ القَادِر بِاللهِ أمير المؤمنين إلى فناخسرو بن بَهَاءِ الدَّوْلَة مَوْلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ: سَلاَمٌ عَلَيْك ... فَإِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ يَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ. وَمِنْهُ: أَمَّا بَعْدُ -أَطَال اللهُ بَقَاءَك- إِلَى أَنْ قَالَ: وَكُتِبَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَع مائَة.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ فِي "تَاريخه": لمَا صَارَ الأَمْرُ إِلَى سُلْطَان الدَّوْلَة، اسْتخلَف بِبَغْدَادَ أَخَاهُ مُشَرِّف الدَّوْلَة أَبَا عَلِيّ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ إِمَارَةَ الأَترَاكِ خَاصّةً، فَحَسَّنُوا لَهُ العصيَانَ، فَاسْتولَى عَلَى بَغْدَاد وَواسط، وَتردَّد الأَترَاكُ إِلَى الدِّيْوَان، فَأَمر بِقطع خُطبَة سُلْطَانِ الدَّوْلَة، وَأَنَّ يُخْطَبَ لمُشَرِّف الدَّوْلَة.
وَكَانَ دخولُ سُلْطَانِ الدَّوْلَة بَغْدَاد سَنَة تِسْعٍ، وَتلقَّاهُ الخَلِيْفَةُ، وضُربت لَهُ النَّوبَةُ فِي أَوقَات الصَّلواتِ الْخمس، فَأُوحش القَادِرُ، وَكَانَتِ العَادَةُ جَارِيَةً مِنْ أَيَّام عضد الدولة بضرب النَّوبَة ثَلاَثَ أَوقَات.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَلَمَّا تَمَكَّنَ مُشَرِّف الدَّوْلَة، انحَاز أَخُوْهُ إِلَى أَرَّجَان، وَتنَاقضت أَمورُه، وَكَانَ يُوَاصِلُ الشُّرب حَتَّى فسد خلقه، وطلب طبيبًا لفصده، فَفَصده بِحضرَةِ الأَوْحَد، وَنفذَ قَضَاءُ الله فِيْهِ بشيرَاز فِي شَوَّالٍ سَنَة خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَع مائَة عَنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً وَخمسَة أَشهر. وَلَمَّا مَاتَ، نهبت الدَّيْلَمُ مَا قدرُوا عَلَيْهِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِم الأَوْحَدُ بَابنه أَبِي كَالِيْجَارَ، فَخُطِبَ لَهُ بخُوِزسْتَان. وَظَهَرَ الْملك أَبُو جَعْفَرٍ بنُ كَاكويه فَتَمَلَّكَ هَمَذَان، وَقهر بنِي بُويه، وافتتح الدينور وشابور خواست، وعظمت هيبته.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 17".

مشرف الدولة، الطرازي

سير أعلام النبلاء

مشرف الدولة، الطرازي:
3895- مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ 1:
أَبُو عَلِيٍّ بنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بنِ بُوَيْه.
مَاتَ فِي ربيع الأول سنة ست عشرة وأربع مائة، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُوْنَ سَنَةً.
كَانَتْ دَوْلَتُهُ خَمْسَ سِنِيْنَ، وَكَانَ فِيْهِ عدلٌ فِي الجُمْلَةِ. وَكَانَ لَهُ العِرَاقُ فِي وَقت وَشيرَاز وَكَرْمَان، وَلأَخِيهِ سُلْطَان الدَّوْلَة صَاحِب فَارس وَبُخَارَى ثُمَّ اصطلحَا.
وَتَمَلَّكَ بَعْد مُشَرِّف الدَّوْلَة أَخُوْهُ جَلاَلُ الدَّوْلَة ببغداد.
3896- الطرازي 2:
الشَّيْخُ الكَبِيْرُ، مُسْنِدُ خُرَاسَان، أَبُو الحَسَنِ، عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ، البَغْدَادِيُّ الطِّرَازِي، الحَنْبَلِيُّ الأَدِيْبُ، مِنْ كِبَارِ النِّيسَابوريين.
حَدَّثَ عَنْ: أَبِي العَبَّاسِ الأَصَمِّ، وَأَبِي حَامِدٍ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ حَسْنُوَيْه، وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ المُؤَمَّل، وَأَبِي عَمْرٍو بنِ مَطَر، وَطَائِفَة.
حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَصَاعدُ بنُ سَيَّار، وَأَبُو سَعْدٍ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي صَادِق، وَجَمَاعَةٌ، وَهُوَ آخر مَنْ حَدَّثَ عَنِ الأَصَمِّ بِالسَّمَاع، وَبَقِيَ بَعْدَهُ يَرْوِي بِالأَجَازَة أَبُو نُعَيْمٍ الحَافِظُ عَنْهُ.
مَاتَ فِي الرَّابِع وَالعِشْرِيْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَمَاتَ أَبُوْهُ بَعْد الثَّمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَكَانَ يَرْوِي عَنْ أَبِي القَاسِمِ البَغَوِيّ. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو سَعْدٍ الكَنْجَرْوَذِيُّ، وَطَائِفَة.
وَفِيْهَا مَاتَ قَبْلَ أَبِي الحَسَنِ الطِّرَازِيِّ بِأَشهرٍ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ مَنْصُوْرُ بنُ الحُسَيْنِ النَّيْسَابُوْرِيُّ المُفَسِّر يَرْوِي أَيْضاً عَنِ الأَصَمِّ، حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو إِسْمَاعِيْلَ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَعَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أَبِي القَاسِمِ القُشَيْرِيّ. وَعَاشَ خَمْساً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً. وَتُوُفِّيَ الخَلِيْفَةُ القَادِر بِاللهِ أَحْمَدَ بنِ إِسْحَاقَ بنِ المُقتدر العَبَّاسِيُّ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ سَنَةً، وَطَلْحَةُ بنُ الصَّقْر الكَتَّانِيّ، وَعَلِيُّ بنُ عَبْدَكُويه الإِمَام، وَأَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ المُعَلِّم سَمِعَ: العَسَّالَ، وَالحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ فِرَاس بِمَكَّةَ، وَالقَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ شَيْخُ المَالِكِيَّة، وَمُحَمَّدُ بنُ يُوْسُفَ القَطَّان المُحَدِّث، وَيَحْيَى بنُ عَمَّار الوَاعِظ، وَأَبُو الحَسَنِ يَحْيَى بن نجاح القرطبي مؤلف "سبل الخيرات".
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 24"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 262".
2 ترجمته في الأنساب للسمعاني "8/ 225"، والعبر "3/ 150"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 225".

جلال الدولة، الأزهري

سير أعلام النبلاء

جلال الدولة، الأزهري:
4014- جلال الدولة 1:
صَاحِبُ العِرَاقِ، المَلِكُ جَلاَلُ الدَّوْلَةِ، أَبُو طَاهِرٍ؛ فيروزجرد بن الملك بهاء الدولة أبي نصر بن السُّلْطَانِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بنِ رُكنِ الدَّوْلَةِ بنِ بُوَيه، الدَّيْلَمِيُّ.
تَمَلَّكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ لَيِّنَةً، وَتَمَلَّكَ بَعْدَهُ ابْنُه المَلِكُ العَزِيْزُ أَبُو مَنْصُوْرٍ، فَكَانَتْ أَمورُه وَاهيَةً كَأَبِيهِ.
وَكَانَ جَلاَلُ الدَّوْلَة شِيْعِيّاً كَأَهْل بَيْتِه وَفِيْهِ جُبْنٌ، وَعسكَرُهُ مَعَ قلَّتِهم طَامعُوْنَ فِيْهِ.
عَاشَ نَيِّفاً وخمسون سَنَةً، وَذَاق نكداً كَثِيْراً كَمَا ذكرنَاهُ فِي "تاريخنا" في الحوادث.
تُوُفِّيَ سَنَةَ 435. وَإِنَّمَا كَانَ سُلْطَانَ العَصْر ابْنُ سبكتكين.
4015- الأزهري 2:
المحدث الحجة المقرىء، أَبُو القَاسِمِ؛ عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ، الأَزْهَرِيُّ البَغْدَادِيُّ الصَّيْرَفِيُّ، ابْنُ السَّوَادِي، وَهُوَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَبِي الفَتْحِ.
مَوْلِدُهُ فِي سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.
وَحَدَّثَ عَنْ: أَبِي بَكْرٍ القَطِيْعِيّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ بنِ مَاسِي، وَأَبِي سَعِيْدٍ الحُرْفِيّ، وَابنِ عُبَيْد العَسْكَرِي، وَعَلِيِّ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ البَكَّائِيّ، وَعِدَّة.
وَكَانَ مِنْ بحور الرِّوَايَة.
قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ أَحَدَ المَعْنِيِّين بِالحَدِيْثِ وَالجَامعين لَهُ، مَعَ صدقٍ وَاسْتقَامَةٍ وَدوَام تلاوة. سمع: نا مِنْهُ المُصَنَّفَاتِ الكِبَار، وَكَمَّل الثَّمَانِيْنَ. مَاتَ فِي صفر سنة خمس وثلاثين وأربع مائة.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 118"، والعبر "3/ 183"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 37"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 255".
2 ترجمته في تاريخ بغداد "10/ 385"، والمنتظم لابن الجوزي "8/ 117"، والعبر "3/ 183"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 37"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 255".

الإسكاف، نصر الدولة

سير أعلام النبلاء

الإسكاف، نصر الدولة:
4148- الإسكاف 1:
العَلاَّمَةُ الأُسْتَاذُ أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الجَبَّارِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَسْكَانَ الإِسْفَرَايينِيُّ الأَصَمُّ المُتَكَلِّمُ. عُرِفَ بِالإِسكَاف.
أَخَذَ عَنِ: الأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاقَ الإِسفرَايينِي وَغَيْرِهِ وَسَمِعَ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ يُوْسُفَ الأَصْبَهَانِيّ وَطَائِفَة.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو سَعِيْدٍ بنُ أَبِي نَاصِر وَغَيْرهُ. وَقرَأَ عَلَيْهِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ فَنَّ الأُصُوْل.
وَكَانَ وَرِعاً قَانِتاً عَابِداً زَاهِداً مُفْتِياً مُتَبَحِّراً مُبَرِّزاً فِي رَأْي أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيّ.
تُوُفِّيَ فِي الثَّامن وَالعِشْرِيْنَ مِنْ صفر سَنَة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ذكره ابْن عَسَاكِرَ فِي طَبَقَات العُلَمَاء الأَشعرِيَّة.
4139- نصر الدولة 2:
صَاحِبُ دِيَارِ بَكْرٍ وَمَيَّافَارِقين المَلِكُ نَصْرُ الدَّوْلَةِ أحمد بن مروان ابن دوسْتك الكُرْدِيُّ.
قَتَلَ أَخَاهُ مَنْصُوْراً بِقَلْعَة الهَتَّاخ وَتَمَكَّنَ وَكَانَتْ دَوْلَتُه إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ سَنَةً.
وَكَانَ رَئِيْساً حَازِماً عَادِلاً مُكِبّاً عَلَى اللَّهْو وَمَعَ ذَا فَلَمْ تَفُتْهُ صَلاَةُ الصُّبْح فِيْمَا قِيْلَ وَكَانَ لَهُ ثَلاَثُ مائَةٍ وَسِتُّوْنَ سُرِّيَّة يَخلو كُلّ لَيْلَةٍ بوَاحِدَة خَلَّفَ عِدَّة أَوْلاَد مَدَحَتْهُ الشُّعَرَاء وَوزر لَهُ الوَزِيْرُ أَبُو القَاسِمِ ابْن المَغْرِبِيّ صَاحِب الأَدب مرَّتين ثُمَّ وَزر لَهُ فخر الدولة بن
__________
1 ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي "5/ 99".
2 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 222"، والعبر "3/ 229"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "1/ 177" والوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي "8/ 176"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 290".

ابن الفرات، قسيم الدولة

سير أعلام النبلاء

ابن الفرات، قسيم الدولة:
4489- ابن الفرات 1:
الشَّيْخُ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَضْلِ بنِ طَاهِرِ بن الفُرَاتِ الدِّمَشْقِيّ، يَنْتمِي إلى ابن الفرات الوزير.
وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مائَة.
سَمِعَ أَبَاهُ، وَعبدَ الرَّحْمَن بن أَبِي نَصْرٍ، وَمَنْصُوْر بن رَامش، وَالعَتِيْقِيّ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِر: حَدَّثَنَا عنه هبة الله بن طاوس، ونصر بن أحمد بن مُقَاتل، وَعَلِيُّ بن أَشليهَا، وَأَحْمَدُ بنُ سَلاَمَةَ، وَعبدُ الرَّحْمَن بن أَبِي الحَسَنِ الدَّارَانِيّ، وَكَانَ مِنَ الأُدبَاء، لَكنه رافضيٌّ رقيقُ الدِّين، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
4490- قسيم الدولة 2:
الأَمِيْرُ الكَبِيْرُ، قَسِيمُ الدَّوْلَة أَبُو الفَتْحِ آقْسُنْقُر التُّركِيُّ الحَاجِبُ، مَمْلُوْكُ السُّلْطَان مَلِكْشَاه السَّلْجوقِي، وَهُوَ جدُّ نُور الدّين الشَّهِيْد، وَقِيْلَ: لاَ، بَلْ هُوَ لَصِيق بِمَلِكْشَاه، فَيُقَالُ: اسْم أَبِيْهِ آل تُرغَان كَانَ رَفِيعَ الرُّتبَة عِنْد السُّلْطَانِ، وَتَزَوَّجَ بِدَايَةِ المَلك إِدْرِيْس بن طُغَان، وَقَدِمَ مَعَ السُّلْطَان حلب حِيْنَ حَاربَ أَخَاهُ تَاجَ الدَّوْلَة، فَفَرَّ، وَتَمَلَّكهَا مَلِكْشَاه سَنَة تسعٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، فَقرَّر نِيَابَتهَا لآقْسُنْقُر، فَأَحْسَنَ السِّيَاسَةَ، وَأَبَاد الدُّعَّار، وَعُمرت حلبُ، وَقَصَدَهَا التُّجَّارُ، وَأَنشَأَ منَارَةَ جَامِعهَا، فَاسْمُه مَنْقُوْش عَلَيْهَا، وَبَنَى مشْهد قرنبيا، وَمشهدَ الذِّكر، وَصَارَ دَخْلُ البلدِ فِي اليَوْمِ ألفًا وخمس مائة دينار.
وَأَمَّا تَاج الدَّوْلَة، فَاسْتولَى عَلَى دِمَشْقَ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ سبعٍ وَثَمَانِيْنَ، تَحَارَبَ هُوَ وَآقْسُنْقُر، وَعرض آقْسُنْقُر عِشْرِيْنَ أَلْفَ فَارِس، وَالْتَقَى الجمعَانِ، فَبرز آقْسُنْقُر بِنَفْسِهِ، وَحَمِيَ الوَطيسُ، ثُمَّ تَفلَّلَ جَمعُه، وَثبت آقْسُنْقُر فَأُسِرَ فِي طَائِفَةٍ فِي فُرْسَانه، فَأَمر تَاجُ الدَّوْلَة بِضَرْب عُنُقه وَأَعْنَاقِ أَصْحَابه، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى مِنَ السّنَةِ -رَحِمَهُ اللهُ-، ثُمَّ دُفِنَ بِالمدرسَة الزجَاجيَة بِحَلَبَ بَعْدَ أَنْ دُفِنَ مُدَّة بِمشهد قرنبيا، نَقله وَلَدُهُ الأَتَابك زَنْكِي، وَأَنشَأَ عَلَيْهِ قُبَّةً، وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ وَلده زَنْكِي صَبِيّاً، وَتَنَقَّلَتْ به الأيام، ثم صار ملكًا.
__________
1 ترجمته في العبر "3/ 339"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 400".
2 ترجمته في وفيات الأعيان "1/ 241"، والعبر "3/ 315"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 141"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 380".

عماد الدولة بن هود

سير أعلام النبلاء

4817- عِمَادُ الدَّوْلَةِ بنُ هُودٍ 1:
كَانَ أَحَدَ مُلُوْكِ الأَنْدَلُسِ فِي حُدُوْدِ الخَمْسِ مائَةِ، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ مَمْلَكَةٍ تَملَّكُوا شرقَ الأَنْدَلُسِ، فَلَمَّا اسْتولَى المُلَثَّمُوْنَ عَلَى الأَنْدَلُسِ، أَبقَى يُوْسُفُ بنُ تَاشفِيْنَ عَلَى ابْنِ هودٍ، فَلَمَّا تَملَّكَ عَلِيُّ بنُ يُوْسُفَ بَعْدَ أَبِيْهِ كَانَ فِيْهِ سلاَمَةُ باطنٍ، فَحَسَّنَ لَهُ وُزَرَاؤُهُ أَخْذَ المُلكِ مِنِ ابْنِ هُودٍ، حَتَّى قَالُوا لَهُ: إِن أَمْوَالَ المُسْتَنْصِرِ العُبيديِّ صَارَت فِي غلاَء مِصْرَ المُفرِطِ تَحَوَّلَتْ كُلُّهَا إِلَى بنِي هُودٍ، وَقَالُوا: الشَّرْعُ يَأْمرُكَ أَنْ تَسْعَى فِي خلعهِم لِكَوْنِهِم مُسَالِمِينَ الرُّوْمَ، فَجَهَّزَ لَهُم الأَمِيْرَ أَبَا بَكْرٍ بنَ تيفلوت، فَتحصَّنَ عمَادُ الدَّوْلَةِ بِرُوْطَةَ، وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بنِ تَاشفِيْنَ يَسْتَعطِفُهُ فِي المُسَالَمَةِ، وَيَقُوْلُ: لَكُم فيما فعله أبوكم أسوة حَسَنَةٌ، وَسيعلمُ مُبْرِمُ هَذَا الرَّأْي عِنْدكُم سوءَ مَغَبَّتِهِ، وَاللهُ حسيبُ مَنْ مَعِي، وَحسبنَا اللهُ وَكَفَى. فَأَمرَ عَلِيُّ بنُ يُوْسُفَ بِالكَفِّ، وَأَنَّى ذَلِكَ وَقَدْ أَدْخَلته الرعيَّةُ سَرَقُسْطَة، وَكَانَ ابْنُ رُذمِيْر اللعينُ صَاحِبُ مَمْلَكَةِ أَرَغُوْنَة مِنْ شرقِ الأَنْدَلُسِ قِسِّيْساً مُجَرَّباً دَاهِيَةً مترهِّباً، فَقوِيَ عَلَى بِلاَدِ ابْنِ هودٍ، وَطوَاهَا، وَقنعَ عمَادُ الدَّوْلَةِ بن هود بِدَارِ سُكْنَاهُ، وَكَانَ ابْنُ رُذمِيْر لاَ يَتَجَهَّزُ إلَّا فِي عَسْكَرٍ قَلِيْلٍ كَامِلِ العدة، فيلقى بالألف آلافًا.
__________
1 ترجمته في تاريخ ابن خلدون "4/ 163"، ونفح الطيب للتلمساني "1/ 441".

الجواد، ابنه جلال الدين علي، سديد الدولة

سير أعلام النبلاء

الجواد، ابنه جلال الدين علي، سديد الدولة:
5037- الجواد 1:
الوَزِيْرُ الصَّاحبُ، المُلَقَّبُ بِالجَوَادِ، أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي مَنْصُوْرٍ الأَصْبَهَانِيُّ، وَزِيْرُ صَاحِبِ المَوْصِلِ زِنْكِي الأَتَابَكِ.
وَلاَّهُ زِنْكِي نِيَابَةَ الرَّحبَةِ وَنَصِيْبِيْن، وَاعتمدَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ كَرِيْماً نَبِيلاً، مُحبَّباً إِلَى الرَّعِيَّةِ، دَمِثَ الأَخلاَقِ، كَامِلَ الرِّئَاسَةِ، امْتَدَحَهُ القَيْسَرَانِيُّ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ:
سَقَى اللهُ بِالزَّوْرَاءِ مِنْ جَانبِ الغَرْبِ ... مَهاً وَرَدَتْ مَاءَ الحَيَاةِ مِنَ القَلْبِ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ يُنفِّذُ فِي السَّنَةِ إِلَى الحَرَمَيْنِ مَا يَكفِي الفُقَرَاءَ، وَوَاسَى النَّاسَ فِي قَحطٍ حَتَّى افْتَقَرَ وَبَاعَ بَقْيَارَهُ، وَأَجرَى المَاءَ إِلَى عرفَاتَ أَيَّامَ المَوْسِمِ، وَأَنشَأَ مَدْرَسَةً بِالمَدِيْنَةِ، ثُمَّ وَزَرَ لغَازِي بنِ زنكي، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لأَخِيهِ مَوْدُوْدٍ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتكثَرَ إِقطَاعَهُ، وَثقُلَ عَلَيْهِ، فَسَجَنَهُ فِي سَنَةِ558، فَمَاتَ مُضَيَّقاً عَلَيْهِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ مَشْهُوْدَةً مِنْ ضجيجِ الضُّعَفَاءِ وَالأَيْتَامِ، وَدُفِنَ بِالمَوْصِلِ، ثُمَّ نُقِلَ بَعْدَ عَامٍ، فَدُفِنَ بِالمَدِيْنَةِ النَّبَوِيَّةِ.
5038- ابْنُهُ جَلاَلُ الدِّينِ عَلِيٌّ 2:
وَكَانَ ابْنُهُ جَلاَلٌ عَلِيٌّ أَحَدَ البُلَغَاءِ، دُوِّنَتْ رَسَائِلُهُ، وَعَنْهُ أَخَذَ مَجدُ الدِّينِ المُبَارَكُ بنُ الأَثِيْرِ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَقَدْ وَزَرَ أيضًا.
5039- سديد الدولة 3:
كَاتِبُ السِّرِّ لِلْخِلاَفَةِ، سَدِيدُ الدَّوْلَةِ، مُحَمَّدُ بنُ عبد الكريم بن إبراهيم ابن رِفَاعَةَ الشَّيْبَانِيُّ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ.
أَقَامَ فِي كِتَابَةِ الإِنشَاءِ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَنَابَ فِي الوزَارَةِ، وَنُفِّذَ رسولًا إلى الشام وإلى خراسان.
__________
1 ترجمته في المنتظم "10/ ترجمة 301"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "5/ ترجمة 704"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 365"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 185".
2 ترجمته في وفيات الأعيان "5/ 146".
3 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "10/ ترجمة 299"، وشذرات الذهب "4/ 184".

أخو ابن دحية، ابن سني الدولة

سير أعلام النبلاء

أخو ابن دحية، ابن سني الدولة:
5712- أخو ابن دحية 1:
اللُّغَوِيُّ العَلاَّمَة المُحَدِّثُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَان بن حَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ فَرْح الجُمَيّلُ، السَّبْتِيُّ.
سَمِعَ مَعَ أَخِيْهِ أَبِي الخَطَّابِ المَذْكُوْر، وَمُنْفَرِداً الكَثِيْرَ مِنِ: ابْنِ بَشْكُوَالَ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ الجَدِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ زَرْقُوْنَ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ خَيْر، وَأَبِي القَاسِمِ السُّهَيْلِيّ، -لَكِنَّهُ أَبَى أَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَذمَّهُ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ بنِ بُوْنُهْ، وَعَبْد المُنْعِمِ بن الخَلُوْف. وَحَجّ، وَنَزَلَ عَلَى أَخِيْهِ بِمِصْرَ، ثُمَّ ولي مَشْيَخَة الكَامِليَة، وَكَانَ يَتَقَعَّرُ فِي رَسَائِله، وَيُلْهِج بوحشِي اللُّغَة كَأَخِيْهِ.
سَمِعَ مِنْهُ: الجَمَال أَبُو مُحَمَّدٍ الجَزَائِرِيّ كِتَاب "المُلَخَّص" لِلْقَابسِيِّ. قَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: رَأَيْتُهُ بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَمَّا قَدِمَ وَهُمْ يَسْمَعُوْنَ مِنْهُ "التِّرْمِذِيّ" فَقُلْتُ لِرَجُلٍ: أَمن أَصل? فَقَالَ: قَدْ قَالَ الشَّيْخُ: لاَ أَحتَاج إِلَى أَصلٍ، اقرأوا فَإِنِّي أَحْفَظُه. ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ كَلاَم قَبِيْحٌ فِي ذَمِّ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَتَرَكْتُ الاجتمَاعَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْدِيٍّ: أَرْبَى عَلَى أَخِيْهِ بِكَثْرَة السَّمَاع، كَمَا أَرْبَى أَخُوْهُ عَلَيْهِ بِالفِطْنَة وَكَرَمَ الطِّبَاع، وَكَانَ مُتَزَهِّداً، لَمْ يَكُنْ لَهُ أُصُوْل، وَكَانَ شَيْخُه ابْن الجَدِّ يَصِلُهُ وَيُعْطِيه، ثُمَّ نَهَدَ إِلَى أَخِيْهِ فَنَزَلَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ خَرِفَ أَخُوْهُ فِيمَا أُنْهِيَ إِلَى الكَامِلِ فَجَعَله عوضه. أَلَّفَ "مُنْتَخَباً" فِي الأَحكَام.
وَمَاتَ في جمادى الأولى، سنة أربع وثلاثين وست مائَةٍ، عَنْ ثَمَان وَثَمَانِيْنَ سَنَةً.
5713- ابْنُ سَنِيِّ الدولة 2:
قَاضِي القُضَاةِ شَمْسُ الدِّيْنِ أَبُو البَرَكَاتِ يَحْيَى ابْن سَنِيّ الدَّوْلَةِ هِبَة اللهِ بن يَحْيَى الدِّمَشْقِيُّ، الشَّافِعِيُّ، مِنْ أَوْلاَد الخَيَّاطِ الشَّاعِرِ صَاحِبِ "الديوان".
وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَتَفَقَّهَ بِالقَاضِي شَرَف الدِّيْنِ بن أَبِي عَصْرُوْنَ، وَأَخَذَ الخلاَف عَنِ القُطْب النَّيْسَابُوْرِيّ. وَسَمِعَ مِنْ: أَحْمَد بن حَمْزَةَ بن المَوَازِيْنِيّ، وَيَحْيَى الثَّقَفِيّ، وَجَمَاعَةٍ. وَأَسْمَعَ وَلَدَهُ قَاضِي القُضَاةِ صَدْر الدِّيْنِ أَحْمَدَ مِنَ الخُشُوْعِيّ. وَكَانَ وَقُوْراً، مَهِيْباً، إِمَاماً، حَمِيدَ الأَحكَامِ.
حَدَّثَ بِالشَّامِ وَبِمَكَّةَ. رَوَى عَنْهُ أَبُو الفَضْلِ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَابْنُ عَمِّهِ الفَخْر إِسْمَاعِيْل، وَالبَهَاء الطَّبِيْب.
مَاتَ فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ خمس وثلاثين وست مائة.
__________
1 ترجمته في تذكرة الحفاظ "4/ 1422".
2 ترجمته في النجوم الزاهرة "6/ 301"، وشذرات الذهب "5/ 177، 178".

ابن عين الدولة، عبد الحق

سير أعلام النبلاء

ابن عين الدولة، عبد الحق:
5773- ابن عين الدولة 1:
قَاضِي القُضَاةِ شَرَفُ الدِّيْنِ أَبُو المَكَارِمِ مُحَمَّدُ ابن القاضي الرشيد عَبْدِ اللهِ بنِ الحَسَنِ بن عَلِيِّ بنِ أبي القاسم بن صدقة الصَّفْرَاوِيِّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، ثُمَّ المِصْرِيُّ، الشَّافِعِيُّ، عُرِفَ بِابْنِ عَيْنِ الدَّوْلَةِ.
مَوْلِدُهُ بِالثَّغْرِ، سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ.
وَقَدِمَ القَاهِرَةَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ، فَنَابَ عَنِ ابْنِ درْبَاسٍ، وَقَدْ وَلِيَ قَضَاءَ الثَّغْرِ مِنْ أَقَاربهِ ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ اسْتَقلَّ بِقَضَاءِ القَاهِرَةِ سَنَةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، ثُمَّ وَلِي قَضَاءَ الإِقْلِيْمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَلَهُ فَقهٌ وَفَضَائِلُ وَنَظمٌ وَنَثرٌ مَعَ العِفَّةِ وَالنَّزَاهَةِ.
مَاتَ فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
5774- عَبْدُ الحَقِّ 2:
ابن خلف بن عبد الحق، الفَقِيْهُ، ضِيَاءُ الدِّيْنِ أَبُو مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، الصَّالِحيُّ، الحَنْبَلِيُّ، المُغَسِّلُ، إِمَامَ مَسْجِدِ الأَرْزَةِ، الَّذِي بِطرِيقِ الصَّالِحيَّةِ.
وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ تَقْرِيْباً.
وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي الفَهْمِ بنِ أَبِي العَجَائِزِ، وَأَبِي الغَنَائِمِ بنِ صَصْرَى، وَأَحْمَدَ بن أَبِي الوَفَاءِ، وَأَبِي المَعَالِي بنِ صَابرٍ، وَعِدَّةٍ. وَلَهُ "مَشْيَخَةٌ".
رَوَى عَنْهُ: حَفِيْدُهُ العَدْلُ عِزُّ الدِّيْنِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدٍ، وَسِبْطُهُ القَاضِي كَمَالُ الدِّيْنِ علي ابن أَحْمَدَ الحَنَفِيُّ، وَالبِرْزَالِيُّ، وَالضِّيَاءُ، وَأَبُو عَلِيٍّ ابْنُ الخَلاَّلِ، وَالنَّجمُ ابْنُ الخَبَّازِ، وَالعزُّ أَحْمَدُ ابْنُ العِمَادِ، وَبِالحُضُوْرِ القَاضِي تَقِيُّ الدِّيْنِ.
قَالَ الضِّيَاءُ: دَيِّنٌ خَيِّرٌ.
وَقَالَ المُنْذِرِيّ: مَشْهُوْرٌ بِالصَّلاَحِ وَالخَيْرِ، عَجَزَ وَانقطَعَ.
تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ، سَنَةَ إِحْدَى وأربعين وست مائة.
__________
1 ترجمته في شذرات الذهب "5/ 181، 182".
2 ترجمته في النجوم الزاهرة "6/ 349"، وشذرات الذهب لابن العماد "5/ 211".
المفسر: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، علاء الدولة البيابانكي، علاء الدين أبو المكارم، وقيل: ركن الدين السمناني.
ولد: سنة (659 هـ) تسع وخمسين وستمائة.
كلام العلماء فيه:
• الوافي: "بنى خانقاه للصوفية ووقف عليها وقفًا، وكان أبوه وعمه من الوزراء" أ. هـ
• طبقات المفسرين للداودي: "له كرامات وتصانيف كثيرة في التصوف والتفسير" أ. هـ
• معجم المفسرين: "فقيه شافعي محدّث مفسر من علماء الصوفية ... وداخل التتار أول أمرهم، ثم رجع وأقبل على شأنه ... قال الذهبي: كان إمامًا جامعًا كثير التلاوة، حدث بصحيح مسلم وبعدة كتب ألفها وهي كثيرة، وكان يحط على
¬__________
* المقفى الكبير (1/ 685)، الوافي (7/ 319)، طبقات المفسرين للداودي (1/ 67)، الدرر (1/ 256)، غاية النهاية (1/ 100)، شذات (8/ 196)، الأعلام (1/ 223)، معجم المفسرين (1/ 68)، ذيول العبر للحسني (191) السلوك (2/ 2 / 404)، معجم المؤلفين (1/ 239).
(¬1) قلت: خلط بعض المؤرخين بينه وبين أحمد بن محمّد بن أبي الخليل مفرج المعروف بابن الرومية انظر الأعلام للزركلي.
* الوافي (7/ 356)، طبقات الشافعية للأسنوي (1/ 349)، الدرر (1/ 266)، الشذرات (8/ 221)، أعيان الشيعة (9/ 223)، الأعلام (1/ 223)، معجم المؤلفين (1/ 243)، معجم المفسرين (1/ 69).

ابن عربي وعلى كتبه ويكفره ... وكان كثير البر .. "
أ. هـ.
• طبقات الشافعية للإسنوي: "وقال: كان إمامًا عالمًا مرشدًا، له مصنفات كثيرة في التفسير والتصوف" أ. هـ.
* قلت: وجعل العاملي في كتابه "أعيان الشيعة" صاحب الترجمة في الشيعة، ولا عبرة بما ذكره العاملي في أعيان الشعة (9/ 223)، حيث ذكر سب تشيعه بحجج واهية لا ترقى بالعاملي إلى ما يصبو إليه، ولا أدنى من ذلك من انتساب صاحب الترجمة إلى الشيعة نسأل الله السلامة ..
وفاته: في حدود سنة (740 هـ) وقيل (736 هـ) أربعين وقيل ست وثلاثين وسبعمائة.
من مصنفاته: له مصنفات قيل تزيد على (300) منها "تفسير القرآن" في ثلاثة عشر مجلدًا و"نجم القرآن في تأويلات القرآن" و"آداب الخلوة" و"المكاشفات".

النحوي: فَنّا خُسْرو بن ركن الدولة حسن بن بويه الديلمي أبو شجاع، صاحب العراق وفارس.
كلام العلماء فيه:
• السير: "الشيعي الجلد، المعتزلي، الظالم القذر.
كان بطلًا شجاعًا مهيبًا نحويًّا أديبًا عالمًا، جبارًا عسوفًا شديد الوطاة. وكان شيعيًا جلدًا أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي وبنى عليه المشهد وأقام شعار الرفض ومأتم عاشوراء والاعتزال وبنى ببغداد البيمارستان العضدي"
أ. هـ.
• البداية والنهاية: "هو أول من تسمى بشاهنشاه ومعناه ملك الملوك وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (أوضح -وفي رواية أخنع اسم- عند الله تسمى ملك الملوك) ".
• الشذرات: "وكان في التشيع وهو الذي أظهر قبر الإمام علي رضي الله عنه بالكوفة وبنى عليه المشهد الذي هناك" أ. هـ.
من أقواله: قال الذهبي: وكان يقول الشعر فقال أبياتًا كفرية:
ليس شرب الراح إلا في المطر .. وغناء من جوار في السَّحر
غانيات سالبات للنهى ... ناعمات في تضاعيف الوتر
راقصات زاهرات نجل ... رافلات في أفانين الحبر
مطربات غنجات لحسن ... رافضات الهم أمثال الكفر
مبرزات الكأس من مطلعها ... مسقيات الخمر من فاق البشر
عضد الدولة بأني ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر
سهل الله إليه عسره ... في ملوك الأرض ما دام الفخر
وأدام الخير في أولاده ... ولباس الملك فيهم بالغرر
قال ابن كثير: "قبحه الله وقبح شعره وقبح أولاده، فإنه قد أقرأ أبياته هذه فلم يفلح بعدها. فيقال: إنه حين أنشد قوله غلاب القدر أخذه الله فأهلكه.
ويقال: إن هذه الأبيات إنما أنشدت بين يديه ثم هلك عقبها"
أ. هـ.
وقال الذهبي في تاريخه: "وقال الثعالبي في (يتيمة
¬__________
* المنتظم (14/ 290)
، الكامل (8/ 584)، وفيات الأعيان (4/ 50)، العبر (2/ 361)، السير (16/ 249)، تاريخ الإسلام (وفيات 372) ط. تدمري، البداية والنهاية (11/ 319)، النجوم (4/ 142)، السلوك (1/ 1 / 23)، بغية الوعاة (2/ 247)، الشذرات (4/ 389).

الدهر): لعضد الدولة قصيدة فيها بيت لم يفلح بعده -أي يقصد بيت غلاب القدر- فقيل إنه لما احتضر لم ينطق إلا ... وتوفي بعلة الصرع"
أ. هـ.
وفاته: سنة (372 هـ) اثنتين وسبعين وثلاثمائة عن (48 سنة).

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم - الدولة العثمانية وفارس بعد انتشار الإسلام

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الدولة العثمانية
‏The Ottoman State
قام العثمانيون، وهم مجموعة من القبائل التركية، بقيادة زعميها عثمان الأول (1293 ـ 1326) ، بتأسيس الدولة العثمانية. بدأ العثمانيون بتوحيد الإمارات التركية في آسيا الصغرى التي مدت سلطانها إلى جنوب أوربا والشرق الأدنى القديم. ومع حلول منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، كانت الدولة العثمانية الناشئة قد ضمت مناطق كبيرة من البلقان واليونان، وفتحت القسطنطينية عام 1453. وقد استولى العثمانيون على سوريا وفلسطين ومصر (1516 ـ 1517) ومعظم المجر (1526) والعراق (1530) . ومع منتصف القرن السادس عشر الميلادي، حيث وصلت الإمبراطورية إلى أعلى قمة نفوذها، بسط العثمانيون نفوذهم على شبه الجزيرة العربية وضموا معظم شمال أفريقيا وكثيراً من الجزر في البحر الأبيض المتوسط. وكانت تحكم الإمبراطورية العثمانية نخبة عسكرية تركية مسلمة. وقد بدأ مد العثمانيين في التوقف عام 1683 حينما فشلوا للمرة الثانية في الاستيلاء على فيينا. وبعد ثلاثة أعوام فقدوا بودا (بودابست) ووقعوا أول معاهدة يقرون فيها بهزيمتهم. وبالتدريج، أخذ النفوذ العثماني في الانحسار، إذ بدأت روسيا في الزحف من الشمال، وظهرت الدولة الصفوية (الشيعية) التي ناصبت الدولة العثمانية العداء، وظهرت دول أوربا البحرية ومن بينها إسبانيا والبرتغال، ثم إنجلترا وفرنسا اللتان قلصتا نفوذ الدولة العثمانية واستولتا على بعض أرضها وعلى أجزاء من العالم الإسلامي إلى أن سقطت الخلافة العثمانية على يد ثورة تركيا الفتاة. وتمزقت الإمبراطورية....

العثمانية تماماً مع الحرب العالمية الأولى، واستقلت كل الدول التي كانت تابعة لها.
وتاريخ يهود العالم الإسلامي (ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي) هو تقريباً تاريخهم داخل الدولة العثمانية، فقد ضمت الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف جماعات يهودية عديدة تتحدث لغات مختلفة ولها انتماءات إثنية ودينية متنوعة.
1 ـ الرومانيوت: حينما فتح العثمانيون آسيا الصغرى واليونان والبلقان، وجدوا يهود الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) الذين كانوا يتحدثون اليونانية، وكان يُطلَق عليهم أيضاً «الجريجوس» ، أي «اليونانيون» .
2 ـ الإشكناز: مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي، هاجرت جماعات من اليهود الإشكناز من ألمانيا وفرنسا إلى الدولة العثمانية.
3 ـ السفارد: مع طرد يهود شبه جزيرة أيبريا الذين كانوا يتحدثون اللادينو، هاجرت أعداد منهم إلى الدولة العثمانية، وكانت هجرتهم تفوق في أعدادها الهجرة الإشكنازية. وقد أصبح السفارد أهم العناصر اليهودية وطبعوا بقية الجماعات بطابعهم، حتى أن اللادينو أصبحت هي لغة اليهود الأساسية، تماماً مثل اليديشية في أوربا آنذاك.
4 ـ اليهود المستعربة: وهم اليهود العرب الذين يتحدثون العربية وينتمون إثنياً إلى الأمة العربية ويرتدون الزي العربي.
5 ـ اليهود الأكراد (في العراق) : وكانوا يتحدثون الكردية. وكان منهم أيضاً من يتحدث الآرامية في القرى الجبلية البعيدة، كما كان سكان المدن منهم يتحدثون العربية.
6 ـ اليهود القرّاءون: وكان من بينهم من يتحدث العربية (في مصر) ومن يتحدث التركية (في شبه جزيرة القرم) وربما كان هؤلاء بقايا دولة الخزر اليهودية.
7 ـ اليهود السامريون في فلسطين.
8 ـ كانت هناك جماعات يهودية متناثرة تتحدث المجرية والرومانية وغيرها من اللغات الأوربية في المقاطعات التي ضمها العثمانيون.

وكانت توجد تجمعات يهودية في آسيا الصغرى واليونان، في إستنبول وسالونيكا وأدرنة وأزمير وبورصة، وكذلك في فلسطين والعراق ومصر واليمن وتونس والجزائر. وكان يُطلق على كل تجمُّع يهودي لفظة جماعة) بالعبرية: قهال) . وكانت كل جماعة تُسمَّى حسب البلد الذي جاءت منه مثل: بروفنسال أو كورفو أو أراجون أو صقلية أو طليطلة أو قرطبة أو الأندلس. وكانت كل جماعة تنقسم عادةً إلى جماعتين، فالبروفنسال مثلاً تصير إلى بروفنسال القديمة والجديدة، وكانت كل جماعة تحتفظ باستقلالها، وعلى سبيل المثال كان يوجد في سالونيكا (في القرن السادس عشر) ثلاث عشرة جماعة يهودية مقسمة حسب البلد الأصلي يتحدثون اليونانية أو الإيطالية أو الإيطالية باللهجة الصقلية أو البرتغالية أو اللادينو. وكان يوجد في إستنبول ثلاثون جماعة يهودية، لكلٍّ معبدها وحاخامها ومحاكمها الخاصة التي لم تكن لها سلطة تنفيذية وجمعية الدفن المقصورة على أعضائها. ولم تكن العلاقات بين هذه الجماعات ودية بل كانت تتصارع فيما بينها. فالجماعات الكبيرة تضطهد الصغيرة، والجماعات التي تنتمي إلى أصل واحد والمتناثرة في مدن مختلفة تتعاون فيما بينها ضد الجماعات الأخرى، كما كانت هذه الجماعات تشي ببعضها البعض لدى السلطات. فعلى سبيل المثال، حدث شجار في دمشق بين اليهود المستعربة والسفارد حول عمق الحمام الطقوسي، فوجَّه اليهود المستعربة بعض الاتهامات الظالمة إلى السفارد أمام السلطات التي قبضت على بعض منهم وألقت بهم في السجن.

وكان السفارد يشيرون إلى الرومانيوت بأنهم «التوشافيم» ، أي «السكان الأصليين» بكل ما تحمل الكلمة من إيحاءات قدحية، كما كانوا يشيرون إليهم بلفظ «الجريجوس» وهي تسمية كانت هي الأخرى ذات دلالات سلبية. وكان الرومانيوت يشيرون بدورهم إلى السفارد باعتبارهم «مجوراشيم» أي «المطرودين» أو «المنبوذين» . ولم تكن هناك سلطة يهودية مركزية أو منصب حاخام أكبر، وهو ما يجعل تجربة يهود الدولة العثمانية تشبه من بعض الوجوه تجربة يهود الولايات المتحدة الذين يتكونون من جماعات مختلفة لا يربطها رباط مركزي. وحينما نشأت وحدة بين هذه الجماعات، كانت ثمة وحدة فيدرالية ضعيفة. ولكن، مع هذا، تمت عملية الامتزاج بينها بالتدريج. وهذا يعود إلى أن الأجيال الجديدة من اليهود لم تَعُد تهتم بالبلد الأصلي، وبدأت تتحرك داخل إطار تجربتها العثمانية كما هي العادة مع الجيل الثالث من أبناء المهاجرين. ومما ساعد على مزج اليهود في الدولة العثمانية صدور الشولحان عاروخ الذي قبلته الجماعات اليهودية كافة باعتباره المرجع الأساسي للشريعة. ومع حلول القرن الثاني عشر الميلادي، كانت أغلبية الجماعات اليهودية تعتبر نفسها سفاردية وتتحدث اللادينو، وكانت هناك أقلية صغيرة إشكنازية يتحدث بعض أعضائها اليديشية، وأخرى قرّائية، وذلك بخلاف الأقليات الهامشية مثل السامريين والأكراد. وقد أخذ عدد يهود الدولة العثمانية في التزايد بسبب اتساع الدولة حيث كانت تضم جماعات يهودية جديدة كلما ازدادت توسُّعاً، وكذلك عن طريق هجرة اليهود إليها، أو عن طريق التزايد الطبيعي.

ويتميَّز يهود الدولة العثمانية بانتمائهم لها. فأثناء الفتح العثماني لآسيا الصغرى وبعض أنحاء أوربا تعاون يهود بورصة (1354) وأدرنة والقسطنطينية (1433) وبودا (1526) ورودسي وأذربيجان وبلجراد (1543) مع القوات العثمانية الفاتحة. رحبت الدولة العثمانية بالمهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية فهاجرت أعداد كبيرة منهم وأصبحوا عثمانيين بمحض إرادتهم، أي أنهم هاجروا إليها واستوطنوا فيها وجعلوها وطنهم الوحيد واندمجوا في الحضارة الإسلامية. ولم تضم الدولة العثمانية عبر تاريخها سوى أقلية من يهود العالم إذ أن مركز اليهود السكاني كان قد انتقل إلى أوربا ابتداءً من القرن الرابع عشر الميلادي. وفي القرن التاسع عشر الميلادي، بلغ عدد اليهود في الدولة العثمانية، ثلاثمائة ألف، أي أقلية صغيرة للغاية بالقياس إلى يهود العالم الغربي الذين كانوا على عتبات الانفجار السكاني (حيث زاد عددهم إلى عشرة ملايين مع أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) ، وهو انفجار لم يكن له ما يناظره في الدولة العثمانية.
وقد رحب العثمانيون من جانبهم بالهجرة اليهودية من أوربا، فقد كتب الحاخام إسحق تسارفاتي عام 1479 إلى يهود ألمانيا والمجر لحثهم على الهجرة إلى الدولة العثمانية. وكان العثمانيون يرون أن العنصر اليهودي عنصر بشري مهم للإمبراطورية نظراً لخبرته المالية والعلمية ومعرفته باللغات الأجنبية، إلى جانب أنه يشكل كثافة بشرية كانت الإمبراطورية في أمس الحاجة إليها.

ومن الكلمات المهمة في المصطلح السياسي العثماني كلمة «سورجون» ، وهي تعني النفي أو الترحيل أو التهجير أو النقل الإجباري. وكان السورجون يطبق على فرد أو أسرة أو جماعة بشرية كاملة باعتباره شكلاً من أشكال العقاب أحياناً، ولخدمة مصلحة الدولة العثمانية في أحيان أخرى. وقد كانت الدولة تنظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً بشرياً يمكن أن يُطبَّق عليه قانون السورجون، فكانوا يُوطَّنون في مكان ما لموازنة العنصر المسيحي كما حدث في قبرص، أو كان ينظر إليهم باعتبارهم عنصراً تجارياً يمكن أن يُنشِّط الحياة الاقتصادية فيتم توطينهم في المدن مثل إستنبول وأدرنة.

ومما شجع اليهود على الهجرة إلى الدولة العثمانية أنها منحتهم الحقوق كافة مثل الاشتغال بأية حرفة أو امتلاك الأراضي الزراعية والعقارات، ولقد وصلوا إلى أرفع المناصب. ولدراسة الوضع الاقتصادي والاجتماعي لليهود في الدولة العثمانية، لابد أن نقرر ابتداءً أن أعضاء الأقليات في المجتمعات التقليدية لم يكن بإمكانهم أن يشغلوا وظائف حربية أو إدارية أساسية أو إستراتيجية معيَّنة لأسباب أمنية، وأنهم في العادة يتركزون في وظائف ونشاطات اقتصادية مالية ومهنية وهو ما يحوِّلهم إلى جماعات وظيفية. وهذا ما حدث لأعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، فكان منهم المترجمون، وكانت وظيفة ترجمان البلاط يشغلها دائماً يهودي. كما اشتغل اليهود بمهنة الطب، ولربما تفوقوا في هذا المجال لأنهم تعلموا في أوربا فنون الطب الذي كان مختلفاً عن الطب في العالم الإسلامي في القرن السادس عشر الميلادي وأكثر تطوراً. ويبدو أن اليهود أيضاً ساهموا في نقل بعض جوانب تكنولوجيا السلاح من الغرب، وهو ما سبب حنق المراقبين الغربيين عليهم لأنهم عدوهم مسئولين عن التفوق العسكري العثماني. كما أنهم نقلوا فن الطباعة، واشتغلوا بالصناعة فأسسوا كثيراً من مصانع النسيج، كما اشتغلوا بالتجارة الدولية وشكلوا جماعة وظيفية وسيطة بين الدولة العثمانية وأوربا. وعمل اليهود في الوظائف المالية مثل الإقراض بالربا كما أنهم، والسفارد منهم على وجه الخصوص، اضطلعوا بوظيفة المديرين الماليين للولاة العثمانيين ولكثير من الباشوات العثمانيين. ومن أهم الوظائف التي اضطلعوا بها تلك الوظائف المرتبطة بالضرائب سواء أكانوا جامعي أو مفتشي ضرائب أو موظفي جمارك أو ملتزمي ضرائب. وكانت أغلبية العاملين في الضرائب في الدولة العثمانية من أعضاء الجماعات اليهودية حتى أن الإيصالات كثيراً ما كانت تُكتَب بحروف عبرية.

ومن أهم الوظائف التي اضطلعوا بها أيضاً وظيفة أمين الإمدادات والتموين لقوات الإنكشارية، وهي وظيفة تختلف عن نظيرتها في العصر الحديث في أن من كان يضطلع بها لم يكن موظفاً حكومياً وإنما كان مموِّلاً يقوم بنشاط تجاري حر مثل شراء التموينات والزي العسكري للإنكشارية وتدبيرها لهم. وكانت الوظيفة وراثية محصورة في عدد محدود من الأسر اليهودية. وقد نشأت هذه العلاقة بين الإنكشارية والمموِّلين اليهود أينما وُجدت قوات الإنكشارية في إستنبول وسالونيكا ومعظم المدن التركية الأخرى. ونشأت حول المموِّلين شبكة تجارية صناعية مالية من اليهود، فكانت مصانع النسيج اليهودية تساهم في صناعة الأزياء العسكرية للإنكشارية. ولعل ارتباط اليهود بصناعة النسيج في كثير من البلاد، مثل الولايات المتحدة وغيرها، كان سبباً في أنهم يرتبطون بالمؤسسة العسكرية التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المنسوجات الخاصة بالزي العسكري. واستمرت العلاقة بين الإنكشارية وأعضاء الجماعة اليهودية حتى عام 1826 عندما حُلَّت الإنكشارية.

وقد اتسمت العلاقة بين أعضاء الجماعة اليهودية والنخبة الحاكمة بكثير من الانسجام والتفاهم لأن العنصر اليهودي كان مكمِّلاً لنشاطات أعضاء النخبة الحاكمة لا متناقضاً معها، على عكس الوضع في كثير من بلاد أوربا. فأعضاء النخبة كانوا يشغلون الوظائف العسكرية والدينية والإدارية العليا وكانوا يديرون بعض المشاريع الاقتصادية الكبرى مثل النقل البحري والتجارة الدولية، وهي نشاطات مهنية واقتصادية لم يكن يطمح اليهود إلى الاضطلاع بها. كما أن أغلبية اليهود استوطنوا في الدولة العثمانية بعد أن كانت النخبة الحاكمة قد سيطرت على ناصية الأمور وعلى الهيكل الاقتصادي، وهم في هذا يشبهون يهود إنجلترا وفرنسا وهولندا عند استيطانهم ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي. كما يُلاحَظ أنه لم يكن يُوجَد تناقض بين السلطات من جهة والنبلاء وسكان المدن من جهة أخرى، كما كان الحال في أوربا. وهو التناقض الذي سقط اليهود ضحية له في أغلب الأحيان، إذ كان الملك يستخدم اليهود لصالحه كأداة لجمع الضرائب ولتقويض نفوذ المدن غير الملكية والنبلاء. أما في الدولة العثمانية، فقد كان اليهود أداة في يد جهاز الدولة ونخبتها الحاكمة ككل. ويمكن القول بأن يهود الدولة العثمانية ككل قد اندمجوا في سكانها. وحينما انتشرت دعوة شبتاي تسفي (1665) ، تصدَّى لها حاخامات الإمبراطورية وساهموا في الحرب ضدها، وظهر يهود الدونمه في أعقاب إخفاق دعوة تسفي واعتناقه الإسلام. وقد أصبحت صفد مركزاً للدراسات اليهودية إذ استوطن فيها جوزيف كارو، وفيها وضع مؤلفه المشهور الشولحان عاروخ، كما أصبحت صفد مركزاً للدراسات القبَّالية وبخاصة القبَّالاه اللوريانية.

وكما هو مُتوقَّع، كان مصير يهود الدولة العثمانية مرتبطاً بحركيات هذه الدولة وما تواجهه من مشاكل وأزمات. ويُلاحَظ أن تَراجُع الدولة العثمانية ترك أثره في الجماعات اليهودية أيضاً، فقد توقف تَدفُّق المهاجرين اليهود من أوربا إذ بدأت تستوعبهم المراكز التجارية في غرب أوربا ووسطها بدرجات متزايدة، وبالتالي تَوقَّف تَدفُّق رأس المال والخبرة والمعارف الغربية. بل إن معرفة أعضاء الجماعات اليهودية باللغات الأوربية تناقصت حتى أن معظمهم كان يكتب اللادينو بحروف عبرية لأنهم كانوا لا يعرفون الحروف اللاتينية. ورغم أن المؤسسة الحاخامية نجحت في أن تتصدى لدعوة شبتاي تسفي، فإن فشل هذه الدعوة نفسه وَلَّد يأساً عميقاً في قلوب أعضاء الجماعات اليهودية وزاد سيطرة المؤسسة الحاخامية عليهم. وكما أشرنا من قبل، كان ثمة ارتباط بين المموِّلين اليهود والإنكشارية. ولذلك، حينما حاولت الدولة العثمانية تحديث المؤسسة العسكرية عن طريق القضاء على الإنكشارية، تحالف هؤلاء المموِّلون مع الإنكشارية وقاموا بتمويل تمرُّدهم. وبعد أن تمكنت الدولة من حل الإنكشارية، تم القبض على رؤساء عائلات المموِّلين وتم إعدامهم، الأمر الذي ألحق ضرراً شديداً بالشبكة الاقتصادية اليهودية التجارية المالية الصناعية المرتبطة بهؤلاء المموِّلين.

ويمكن القول بأن الحقيقة الأساسية في تاريخ الدولة العثمانية، منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، هو تَزايُد النفوذ الغربي وتَدخُّله في شئون الدولة العثمانية. وقد انعكس هذا في نظام الامتيازات الذي يعود إلى معاهدة 1521 التي عقدها السلطان سليمان القانوني مع قنصل البندقية وأصبحت نموذجاً لمعاهدات مشابهة وُقِّعت فيما بعد مع كل الدول الأوربية. وكان نظام الامتيازات يسمح للدولة المعنية بتعيين قناصل في الممتلكات العثمانية وبإعطائهم حق التشريع لرعاياهم في الأمور المدنية، وهو الأمر الذي جعل كل جالية أجنبية (ملة أو طائفة) تدير أمورها بنفسها وتتمتع بحماية قنصلها فيما يتعلق بالأمور الشخصية والمهنية.

وقد استفادت الدول الغربية من نظام الامتيازات الممنوح لها وحاولت أن تُوسِّع رقعة نفوذها. وبدأت كل دولة أوربية تبحث عن موطئ قدم لها داخل الدولة العثمانية عن طريق فرض حمايتها على أقلية دينية أو إثنية حتى تكون لها محمية بشرية أو جيب سكاني. وبذا، يمكننا أن نرى هذه العملية باعتبارها شكلاً من أشكال الاستعمار الاستيطاني أدَّى إلى تحويل أعضاء الأقليات إلى عنصر سكاني غريب. ففرضت روسيا حمايتها على الأرثوذكس وفرنسا على الكاثوليك، وهذا ما أعطاهما حق التدخل في أمور الدولة العثمانية كما هيأ لهما شبكة اتصالات هائلة داخل الدولة. وقد اندفعت الدول تبحث عمن «تحميه» من الأقليات فاكتشفت إنجلترا وبروسيا (ألمانيا) أنهما لا تتمتعان بالميزة التي تتمتع بها فرنسا وروسيا إذ كان العنصر البروتستانتي في الدولة العثمانية صغيراً للغاية وغير ذي أهمية، فحاولت إنجلترا في البداية فرض حمايتها على الدروز. ولكنها اكتشفت بعد قليل أن اليهود أقلية يمكن حمايتها، فأسست قنصلياتها في القدس عام 1838. وحاولت روسيا أن تحمي يهود القدس، في الوقت الذي كانت ترتب فيه المذابح ضد يهود روسيا. وهذا يتفق مع النمط البلفوري الغربي الذي يرى أن تتخلص أوربا من يهودها عن طريق ترتيب وطن لهم خارجها، أي ضربهم في الداخل وحمايتهم في الخارج. وأسس يهود العالم جمعيات لمساعدة إخوانهم اليهود، فتأسست الأليانس الفرنسية (1860) والرابطة الإنجليزية اليهودية (1871) وجمعية الإسرائيليتيش أليانس (1873) ، والغوث الهيلفسفرين (1901) الألمانيتان، واللجنة اليهودية الأمريكية (1906) .

وقد كان لتعَاظُم النفوذ الغربي آثار متضاربة على الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، إذ أدَّى تَدخُّل الدول العظمى في بداية الأمر إلى تَصاعُد نفوذ أعضاء الأقليات المسيحية داخل الدولة، وهو ما أدَّى إلى ظهورهم وحراكهم على حساب أعضاء الجماعات اليهودية، فبرز العنصر اليوناني والأرمني. ومما ساعد على هذا الاتجاه أن عدد المسيحيين كان أكبر وأنهم حصلوا على نصيب أكبر من التعليم، وخصوصاً أنهم أرسلوا أولادهم إلى جامعات أوربا وكانت تعاضدهم كنائسهم وكل أوربا. وقد أدَّى كل هذا إلى تَراجُع نفوذ أعضاء الجماعات اليهودية وإلى تَناقُص نصيبهم من التجارة الدولية ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي حتى انتهى تقريباً مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وقد تَزامَن هذا مع تَناقُص نفوذ يهود الأرندا في بولندا وتَناقُص نفوذ يهود البلاط في وسط أوربا. ولا ندري ما إذا كانت هناك علاقة بين الظاهرتين، ولكن المرجح أن ثمة علاقة إذ كانت هناك شبكة تربط الجماعات الاقتصادية الثلاث. وكان آخر مموِّل يهودي كبير هو يوسف الناسي الذي مارس نشاطه في النصف الثاني من القرن السادس عشر. وقد ظهر آخر كبار الأطباء اليهود في البلاط العثماني في أواخر القرن السابع عشر الميلادي.

وبدأ المسيحيون يشغلون وظائف الجمارك والضرائب، بل إن وظيفة الدراجمون (أي الترجمان) التي كان يشغلها اليهود بدأ يشغلها تركي من أصل يوناني. وتبدَّى تَزايُد النفوذ الغربي والنفوذ المسيحي في شكل آخر هو ازدياد ظاهرة توجيه تهمة الدم كما تجلَّى في حادثة دمشق حين اتهم مسيحيو سوريا (بتحريض من القنصل الفرنسي) العنصر اليهودي المرتبط بالإنجليز بأنهم ذبحوا أحد الرهبان واستخدموا دمه في خبز فطير الفصح. وحين ناشد يهود فرنسا دولتهم لم يجدوا آذاناً صاغية إذ كانت فرنسا تحمي كاثوليك الشام. أما في إنجلترا، فقد احتج بالمرستون وهدد محمد علي حاكم مصر الذي كانت تتبعه سوريا آنذاك بالعواقب الوخيمة إذ كانت إنجلترا تفكر في حماية يهود الدولة العثمانية.
وإذا كان نفوذ يهود الدولة العثمانية قد تراجع بسبب التدخل الغربي وتَعاظُم النفوذ الغربي، فإن الصهاينة الذين وضعوا أنفسهم تحت حماية بريطانيا استفادوا منه أيما استفادة. كما أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية حصلوا على جنسيات دول أوربية حتى يكونوا تحت حمايتها ويتمتعوا بالامتيازات. ومن هنا كان العثمانيون لا يمانعون في أن يعيش اليهود في فلسطين إذا كانوا مواطنين عثمانيين. وحاولت الدولة العثمانية أن تمنع اليهود غير العثمانيين، أي الذين تشملهم الحماية الغربية، من حق الاستيطان فيها.

وحاولت الدولة العثمانية، ابتداءً من حكم محمد الثاني (1808 ـ 1839) ، إصلاح الإمبراطورية من الداخل. واستفاد اليهود من عمليات التحديث هذه، وصدرت القوانين الإصلاحية المعروفة باسم التنظيمات (عام 1839) ، والخط الهمايوني (عام 1856) ، التي ضمنت حقوق كل سكان الإمبراطورية من أعضاء الأقليات، وضمنها اليهود، واحترام الملكية وصيانة الحرية الشخصية. وأصبح لليهود الحق في ارتداء الزي التركي (الطربوش) ، كما أصبح من حق الحاخامات أن يرتدوا العمامة مثل الشيوخ، فحقق هذا إعتاقاً سياسياً لليهود إن أردنا استخدام لغة العصر. وصدرت قوانين تحرِّم تهمة الدم وتجعلها تهمة خطيرة يحقق فيها حاكم المقاطعة بنفسه. وصدر فرمان خاص بإصلاح نظام الملة (مايو 1864) . ويتلخص هذا الفرمان في أن الجماعة اليهودية يرأسها الحاخام باشي الذي أُسِّست وظيفته عام 1835، وهو يمثل كل اليهود في الإمبراطورية أمام الباب العالي، كما أنه مسئول عن جمع وتحديد الضرائب المفروضة على الجماعة اليهودية ويصادق على اختيار الرؤساء المحليين الذين يُنتخَبون من قبل ممثلين من الملة المحلية. وقد حدَّد الفرمان نظم المجالس الممثلة لليهود في مجلس عام يضم ثمانين عضواً، كانوا ينتخبون بدورهم سبع حاخامات في لجنة تُسمَّى «مجلس روحاني» وسبع يهود من خارج المؤسسة الدينية للأمور الدنيوية تُسمَّى «مجلس جسماني» ، وكان يترأس اليهود حاخام باشي الذي كان يتم اختياره بالانتخاب.
وقد حاول الصهاينة الاستفادة من أزمة الإمبراطورية العثمانية في آخر أيامها، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في الحصول على موافقة السلطان العثماني على مشروعهم الاستيطاني، واضطروا إلى الانتظار حتى تسقط فلسطين في يد الاستعمار البريطاني.

وثمة رأي يذهب إلى أن اليهود عامة، ويهود الدونمه على وجه الخصوص، لعبوا دوراً مهماً وخطيراً في الثورة ضد الخلافة العثمانية، وأن الدوائر التي كان يتحرك فيها كمال أتاتورك كانت مليئة بالماسونيين والدونمه. وقد انتشرت شائعة بين اليهود أنفسهم أن أتاتورك نفسه كان من يهود الدونمه. ولكن مثل هذه الشائعات تنتشر دائماً بين اليهود باعتبارهم أقلية مستضعفة تنغمس في الخيال كمحاولة للتعويض. وقد سبق ليهود الغرب أن تصوروا أن مارتن لوثر من يهود المارانو إلى أن بدأت حملته عليهم.
وثمة رأي يذهب إلى أن دور اليهود كان في واقع الأمر صغيراً، فكان ضباط تركيا الفتاة من المسلمين ومعظمهم من الأتراك أو البلقان وبعضهم من العرب، كما كان بينهم أرمن ويونانيون وعرب مسيحيون ويهود. ولكن قيل إن دور اليهود قد ظهر واتضح لأنهم كانوا المتحدثين باسم الثورة في الخارج. كما أن اليهود كانوا يتمتعون بالحماية الأجنبية، ولذا لم تكن بيوتهم تخضع للتفتيش، وهو ما جعلها مكاناً ملائماً للضباط لأن يجتمعوا فيه. كما أن المحافل الماسونية كانت أيضاً متمتعة بالحماية الأجنبية، ولذا فإنها كانت إحدى الجيوب التي استخدمها ضباط تركيا الفتاة. وكان من أهم المشتركين في الثورة ألبرت قاراصو وهو يهودي من سالونيكا لعب دوراً بارزاً في الثورة، وكذلك الاقتصادي جويد باشا وزير المالية في حكومات تركيا الفتاة، ولكنه لم يكن يهوديا وإنما كان من الدونمه.
ومهما يكن حجم اشتراك اليهود في الثورة، فإن من الواضح أنهم كانوا مُمثَّلين داخل كل المعسكرات السياسية في الإمبراطورية العثمانية. وقام فريق من الأثرياء بتأييد اليمين أو الإنكشارية، وفريق ثان أيد الوسط أو المؤسسة الحاكمة وكان يضم عامة الشعب والحاخامات، وفريق ثالث من المثقفين اليهود والدونمه كان يؤيد الثورة. واليهود، في هذا، لا يختلفون عن بقية قطاعات الشعب في الإمبراطورية العثمانية.

ومع استمرار عملية التحديث في تركيا، أُلغيت أشكال الإدارة الذاتية كافة وظهرت بورجوازية تركية (طبقة مالية تجارية محلية حلَّت محل الطبقات التي كانت تتكون من الأرمن واليونان والشوام واليهود والأوربيين) . وهاجرت أعداد كبيرة من اليهود إلى المغرب فتناقص عددهم. وتبنَّى من تبقَّى من اليهود لغة وعادات الأتراك. ومعظم يهود تركيا المتبقين من طائفة الدونمه. وقد بلغ عدد يهود تركيا ثمانين ألفاً عام 1947 وتناقص إلى ستين ألفاً عام 1958 وإلى تسعة وثلاثين ألفاً عام 1969 وإلى 19.500 عام 1992. ويعود هذا التناقص إلى عدة عناصر من بينها الهجرة والاندماج وقلة الإنجاب.
العثمانيون
‏The Ottomans
انظر: «الدولة العثمانية» .
المسألة الشرقية ورجل أوربا المريض
‏The Eastern Question and the Sick Man of Europe
«المسألة الشرقية» ترجمة للعبارة الإنجليزية «إيسترن كويستشن Eastern Question» وهي مصطلح غربي إمبريالي يُجسِّد وجهة النظر الغربية تجاه الدولة العثمانية (التي كان يشار إليها أيضاً باعتبارها «رجل أوربا المريض» ) ، والمصطلح يحدد النطاق الدلالي ومحيط الرؤية بشكل مدهش:
1 ـ فالدولة العثمانية عبارة عن مسألة ومشكلة تستدعي الحل، وهذا هو الإجماع الغربي.
2 ـ والدولة العثمانية رجل مريض، وهو ما يعني أن هناك تركة لابد من تقسيمها وأنه يمكن توظيف هذا الرجل المريض العاجز لصالح من يملك زمام الأمور.
3 ـ يخبئ المصطلح المشروع الإمبريالي الغربي أو ما نسميه «رجل أوربا النهم» الذي كان قد التهم معظم أنحاء العالم بعد أن انفتحت شهيته في أعقاب اندلاع نيران الثورة الصناعية الرأسمالية (والإنتاجية الاستهلاكية) .
4 ـ يخبئ المصطلح أيضاً احتمالات الإصلاح من الداخل كما حدث مع محمد علي الذي كان بإمكانه إجراء عملية جراحية لرجل أوربا المريض لشفائه أو لتقسيمه على ورثته الحقيقيين، أي شعوب المنطقة.

5 ـ لا يبين المصطلح أن رجل أوربا النهم قد اكتشف أن مصيره (أو على الأقل امتلاء معدته التي لا قرار لها) يتوقف على مدى ضعف الرجل المريض ونهايته.
ويمكن تقسيم علاقة الرجل المريض بالرجل النهم إلى عدة مراحل، وما يهمنا هو أواخر المرحلة الأولى حينما وصلت القوات العثمانية إلى فيينا عام 1529. ثم وقعت معركة لبانتو (1571) بين الأسطول العثماني والأسطول الإسباني (تسانده الدويلات البابوية والمدن الإيطالية) وتَحطَّم الأسطول العثماني تماماً. وقد شعرت الجماهير في أوربا بمغزى ذلك النصر وأُقيمت الاحتفالات في لندن التي لم تكن طرفاً في الموضوع. وفقدت القوات العثمانية زخمها وقوة اندفاعها للمرة الثانية والأخيرة عام 1683 حينما حاصرت القوات العثمانية فيينا وتم صدها، ويرى البعض أن المسألة الشرقية بدأت منذ هذا التاريخ فبعد هذا التاريخ بدأ التراجع العثماني (والإسلامي) ، وبدأ التقدم الغربي ومحاولة الاستيلاء على ممتلكات الدولة العثمانية وتقسيم العالم الإسلامي. وقد أخذ هذا أربعة أشكال:
1 ـ محاولات الإمبراطورية الروسية والنمساوية توسيع نفوذها وسلطانها على حساب الدولة العثمانية.
2 ـ محاولات إنجلترا وألمانيا منع تفكك الإمبراطورية العثمانية حتى تبقى سداً أمام الأطماع الروسية التوسعية.
3 ـ ظهور القوميات المستقلة في شبه جزيرة البلقان وحولها (العرب ـ اليونان ـ رومانيا ـ بلغاريا) .
4 ـ محاولة استغلال الدولة العثمانية والنيل من سياستها عن طريق الامتيازات الأجنبية.
ومن منظور تَطوُّر الصهيونية، ما يهمنا في المسألة الشرقية هو مصير فلسطين. ومن ثم، فإن عام 1841 تاريخ حاسم تم فيه القضاء على محمد علي وفرض السلام الأوربي على الشرق!

مع ظهور محمد علي، طُرحت الإمكانية الحقيقية لإعادة العافية إلى رجل أوربا المريض أو لأن يقوم أصحاب المنطقة بحكمها (ملء الفراغ الناجم عن موت الرجل المريض) ، وهو الأمر الذي لم يكن ليقبله رجل أوربا النهم. وقد تبلور المشروع الصهيوني غير اليهودي تماماً، وخرج من دائرة الديباجات الدينية المشيحانية ودخل عالم المشاريع الاستعمارية إذ اكتشف الاستعماريون الإنجليز أن بالإمكان توظيف المسألة الشرقية في حل المسألة اليهودية وتوظيف المسألة اليهودية في حل المسألة الشرقية. فقد اكتشف الإنسان الغربي أن من الممكن نقل المادة البشرية اليهودية (التي كانت تشكل المسألة اليهودية) إلى فلسطين لتصبح عنصراً منتجاً هناك، يشكل دولة وظيفية تابعة لإنجلترا تستوعب الفائض البشري وتساعد الدولة العثمانية على التماسك لتظل حاجزاً أمام الأطماع الروسية، فالحل الصهيوني للمسألة اليهودية هو نفسه الحل الغربي الاستعماري للمسألة الشرقية. وقد دارت المشاريع الصهيونية الغربية (غير اليهودية) في هذا الإطار.

ومن هذا المنظور، يمكن أن نرى أن التراجع المستمر للدولة العثمانية، واضطرارها لتقديم التنازلات القانونية الكثيرة (الامتيازات الأجنبية) ، كان يعني اتساع الثغرة التي سمحت للفائض البشري اليهودي بالتسلل. ومن المعروف أن الدولة العثمانية كانت ترحب بهجرة اليهود إليها منذ عملية طردهم من إسبانيا. ومع تَزايُد تَدخُّل الدول الأجنبية، وتَزايُد الأطماع في فلسطين، بدأت الدولة العثمانية تحاول أن تمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين (مع استمرار فتح الأبواب خارجها) . بل فتحت باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين شريطة أن يتجنسوا بالجنسية العثمانية، أي شريطة أن يتحولوا من عنصر استيطاني (قتالي) غريب إلى عنصر وطني محلي (وكانت هذه هي السياسة الرسمية حتى عام 1914) . وكانت الدول الكبرى تتدخل لحمل الدولة العثمانية على السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين وملكية الأراضي فيها، فاضطرت الدولة العثمانية إلى إصدار قرار عام 1867 بمنح الأجانب حق ابتياع الممتلكات في فلسطين، وهو القرار الذي استفادت منه الجمعيات التبشيرية المسيحية والجماعات الاستيطانية المسيحية مثل فرسان الهيكل، كما استفاد منه المستوطنون الصهاينة في مراحل لاحقة. وحينما حاولت الدولة العثمانية منع اليهود من امتلاك العقارات في فلسطين (عام 1884) ، ادَّعت الدول العظمى أن هذا خرق لنظام الامتيازات. وكان قناصل الدول الغربية يستخدمون نفوذهم لتسهيل عملية استيطان اليهود. وحين صدرت قرارات تحرِّم هجرة اليهود (غير العثمانيين) عام 1888 ثم عامي 1891 و1898، عبَّرت الدول الغربية عن استيائها وساعدت المهاجرين على التحايل على هذه القوانين.

ويمكن أيضاً أن نفهم كثيراً من تحركات الدول الغربية وموقفها من المشروع الصهيوني في ضوء علاقتها بالدولة العثمانية وتصورها لحل المشكلة اليهودية. وعلى سبيل المثال، كانت الدولة الألمانية ترى ضرورة دعم الدولة العثمانية في مواجهة الأطماع التوسعية الروسية، ولذا فإن حماس ألمانيا للمشروع الصهيوني كان فاتراً للغاية رغم التوجه الألماني القوي للمشروع الصهيوني، ورغم أن الزعماء الصهاينة الأوائل كانوا من الناحية الثقافية ألماناً (وهو على كلٍّ لا يختلف عن فتورهم تجاه المشروع الصهيوني الألماني غير اليهودي: مشروع فرسان الهيكل) . ويمكن فهم سلوك إنجلترا في الإطار نفسه، فرغم تحمُّس إنجلترا للمشروع الصهيوني باعتباره آلية مهمة للتخلص من الفائض اليهودي، إلا أن الإمبراطورية الإنجليزية قدمت شرق أفريقيا للصهاينة في البداية (لا فلسطين) لأن السياسة الإنجليزية الرسمية كانت معارضة لتقسيم الدولة العثمانية. وحينما اتُخذ قرار التقسيم أثناء الحرب، اتخذ أيضاً القرار بتأييد تنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين ومن ثم صدر وعد بلفور. وانتهت المسألة الشرقية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية.
ولا تزال المسألة الشرقية مرتبطة تماماً في ذهن الإنسان الغربي بالمسألة اليهودية الصهيونية، ولا يزال رجل الغرب النهم يستخدم الدولة الصهيونية الوظيفية لحل مشاكله الشرقية. وقد قامت الدولة الوظيفية في مرحلة تَصاعُد المد القومي العربي بضرب النظم العربية التقدمية. وفي مرحلة النظام العالمي الجديد وتصاعد المد الديني، تطرح الدولة الوظيفية نفسها باعتبارها الآلية التي يمكن عن طريقها حل المسألة الشرقية (الإسلامية) الجديدة!
الامتيازات الأجنبية
‏Capitulations

«الامتيازات الأجنبية» اصطلاح يشير إلى المعاملة القضائية والقانونية الخاصة التي تقررت للأجانب الموجودين في أقاليم الإمبراطورية العثمانية بمقتضى مجموعة من المعاهدات، كانت من أوائلها المعاهدتان اللتان أبرمتا مع فرنسا (سنتي 1535 و1740) بقصد تيسير التجارة بين رعايا الدولتين وحماية الأجانب من الخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية (التي تستند إليها قوانين الدولة العثمانية) . ولم تكن هذه المعاهدات تعاقدية تبادلية، فقد كانت في واقع الأمر تعبيراً عن بداية ضمور الدولة العثمانية وتَحوُّلها بالتدريج إلى رجل أوربا المريض. وقد نشأت نتيجة معاهدات الامتيازات الأجنبية عدة مراكز أو مستعمرات تجارية تركزت فيها التجارة الدولية في عدة مناطق من الدولة العثمانية. وقد أسس الفرنسيون معظم هذه المراكز في بداية الأمر، ولكن لحق البريطانيون بهم في مرحلة لاحقة مع تَزايُد النفوذ البريطاني في الدولة العثمانية. وكانت أهم هذه المراكز التجارية (سالونيكا والقسطنطينية وسميرنا وصيدا وعكا والإسكندرية وحلب والقاهرة والرملة) وهي مدن تضم جماعات يهودية قام أعضاؤها بدور التجار الوسطاء والوكلاء بين البائعين والمشترين، وهو دور اضطلعت به أعضاء الأقليات الإثنية والدينية كافة وتوارثوه أباً عن جد، وإن كان يُلاحَظ بروز دور أعضاء الجماعة اليهودية. وكان الوكلاء التجاريون يحصلون على إذن خاص من الدولة العثمانية بممارسة هذه الوظيفة، وكانوا يُعفَون من الضرائب. ومن ثم استفاد كثير من التجار من هذه الامتيازات وحظوا بحماية الدول الأجنبية. وقد ساهم هذا ولا شك في عزلهم عن البيئة العربية الإسلامية المحيطة بهم حتى تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية تدين بالولاء لقوة تجارية وعسكرية خارجية.

وكان من أوائل التجار اليهود الذين تمتعوا بالحماية الأجنبية التجار اليهود في حلب الذين كانوا يحملون اسم «الفرانكوس» (أي الفرنجة) ، وقد كانوا تجاراً يهوداً أوربيين وفدوا إلى الشام في القرن السابع عشر واستقروا فيها، وكانوا جزءاً من الشبكة التجارية اليهودية الدولية الممتدة من بولندا (يهود الأرندا) إلى وسط أوربا (يهود البلاط) وغربها (كبار التجار السفارد) والتي غطت الدولة العثمانية وبعض أجزاء من أفريقيا وامتدت إلى العالم الجديد. وقد ظل الفرانكوس تحت حماية الفرنسيين إلى أن أصدر السلطان سليم الثالث خطابات تعيين لهم وأعطاهم مكانة تجار أوربيين تابعين له هو شخصياً.
ويُلاحَظ أنه ابتداءً من القرن التاسع عشر، ومع تعَاظُم النهم الاستعماري الغربي، بدأ قناصل الدول الأجنبية يضعون أعضاء الأقليات تحت حمايتهم لأسباب عديدة ليست بالضرورة تجارية. واتسع نطاق نظام الامتيازات بين يهود العالم العربي حتى أن غالبيتهم العظمى أصبحت تتمتع بها ومن ثم كانت موضوعة تحت حماية الدول الأجنبية، كما كان كثير من اليهود العرب يعملون قناصل للدول الغربية في بلادهم. وقد ورثت الدول العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية نظام الامتيازات.

ولعب نظام الامتيازات دوراً أساسياً في تسهيل عملية الاستيطان الصهيوني التسللي. فيهود فلسطين كانوا أساساً من السفارد المندمجين في محيطهم الحضاري الإسلامي، وقد حاولت عناصر من الإشكناز الاستفادة من نظام الامتيازات فقاوم السفارد هذه المحاولة في 1822 ـ 1823، وُكلِّلت جهود الإشكناز بالنجاح في عام 1840 بعد فتح قنصلية إنجلترا في الفترة 1838 ـ 1839، وبعد إعادة فتح قنصلية فرنسا عام 1843 (بعد أن أُغلقت 130 عاماً) . ثم بدأت عملية تغريب اليهود المحليين وتَسلُّل اليهود الأجانب. ومما ساعد على تقوية نفوذ الدول الغربية على يهود فلسطين، مؤسسة الحالوقة وهي الأموال التي كان يدفعها يهود العالم، الذين كانت غالبيتهم الساحقة في الغرب، لمساعدة يهود فلسطين. وكان المستوطنون الصهاينة الإشكناز يتسللون إلى داخل فلسطين بأن يحصلوا على تأشيرة دخول كمواطنين أجانب يتمتعون بحقوق خاصة، ثم يستوطنون في فلسطين ولا يغادرونها. وقد سهل لهم القناصل الأجانب هذه العملية.
ويمكن القول بأن نظام الامتيازات الأجنبية هو المسئول عن تحويل يهود الدولة العثمانية والعالم الإسلامي ككل إلى جماعات وظيفية تابعة لدول أجنبية وتدين لها بالولاء وتتمتع بحمايتها. وحاولت الدولة العثمانية التخلص من هذا النظام أو تقليل أضراره دون جدوى إذ أن نظام الامتيازات كان جزءاً لا يتجزأ من الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، وساعد على إحكام قبضة الإمبريالية على دول العالم العربي وعلى تحويل بنيتها السياسية والاقتصادية إلى بنية تابعة. وقد أُلغي نظام الامتيازات في مصر بمقتضى معاهدة مونتريه عام 1937 التي نظمت فترة انتقالية (بقيت خلالها المحاكم المختلطة) حتى عام 1949.
حماية اليهود (والأقليات الأخرى)
‏(Protecting the Jews (and other Minorities

من أنجح الأساليب التي تتبعها الدول الاستعمارية الكبرى في تنفيذ مخططاتها ما يُسمَّى «حماية الأقليات» . إذ تقوم إحدى الدول الكبرى التي لها أطماع في دولة ما بإعلان مسئوليتها عن أقلية تعيش داخل حدود الدولة المستهدفة فتضعها تحت " حمايتها "، أي تتدخل في شئون الدولة التي تعيش الأقلية في كنفها بحجة الدفاع عن مصالح هذه الأقلية. وقد تكون هذه الأقلية دينية (الكاثوليك في لبنان - الأقباط في مصر) ، أو إثنية (الدروز في لبنان وسوريا) أو عرْقية دينية (الأرمن في الدولة العثمانية) . وتهدف فكرة الحماية هذه إلى إقناع أعضاء أقلية ما بأن مصالحها تختلف عن مصالح محيطها وأن أفضل وسيلة لحماية هذه المصالح هي التحالف مع الغرب الصديق، أي أن الغرب (عن طريق حماية الأقلية) يحوِّلها إلى جماعة وظيفية تعمل لصالحه. ومفهوم حماية اليهود مفهوم راسخ في الحضارة الغربية، فاليهود باعتبارهم جماعة وظيفية كانوا قريبين من النخبة الحاكمة التي كانت تمنحهم المواثيق والمزايا نظير أن يقوموا هم على خدمتها وتحقيق المكاسب لها. وقد بُعث المفهوم من جديد مع ظهور الصهيونية، فالصهيونية إعادة إنتاج لعلاقة الجماعة الوظيفية بالنخبة الحاكمة وتأخذ شكل علاقة الدولة الوظيفية بالراعي الإمبريالي.
وحماية اليهود إحدى الآليات التي تم من خلالها تحويل يهود العالم العربي (من يهود محليين ومهاجرين) إلى مادة استيطانية، وهي عملية لم تكن مقصورة على اليهود ولا على فلسطين؛ وإنما كانت تضم أعضاء الأقليات الدينية الأخرى وكل الوطن العربي. ولفهم صراع الدول الغربية حول حماية الأقليات، لابد أن ندرس البُعد الديني في العملية الاستعمارية الغربية. فالإمبريالية الغربية، شأنها شأن كل الأنساق العلمانية، وظفت النصوص الدينية كديباجات لتجنيد جماهيرها ولتجييش الجيوش. وبهذا المعنى، فإننا نتحدث عن البُعد الديني للاستعمار الغربي كتوظيف علماني غير ديني للدين.

وقد بدأ المشروع الاستعماري الغربي بالاستعمار الكاثوليكي، البرتغالي والإسباني، الذي حقَّق الاندفاعة الأولى التي تم من خلالها استعمار أمريكا الجنوبية. ولكن، بعد هذه الاندفاعة، توقف التشكيل الاستعماري الكاثوليكي إذ أن إسبانيا والبرتغال دخل عليهما الجمود وكانت إيطاليا مجزأة، ولم تكن هناك قوة استعمارية كاثوليكية سوى فرنسا. ولكن الثورة الفرنسية وهزيمة نابليون أدَّت إلى إبطاء المشروع الاستعماري الفرنسي، ولم ينشط مرة أخرى إلا في أفريقيا في ستينيات القرن الماضي، ولكن ظهور ألمانيا أجهز عليه في السبعينيات وهو ما جعلها ترضى بدور التابع لإنجلترا إلى حدٍّ كبير.

ومع تَراجُع المشروع الاستعماري الكاثوليكي، ظهر المشروع الاستعماري البروتستانتي وانتقل مركز الثقل من حوض البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي. فظهرت هولندا كقوة استعمارية وتبعتها إنجلترا التي تزايدت قوتها وأصبح لها مركز الصدارة في العالم. وقد زاحمتها ألمانيا بعض الوقت في نهاية القرن التاسع عشر. ولكن ظهور الولايات المتحدة باعتبارها القوة الرأسمالية العظمى رجح كفة التشكيل الأنجلو ساكسوني داخل التشكيل الاستعماري البروتستانتي. وفي القرن الثامن عشر ظهرت روسيا باعتبارها القوة الاستعمارية الأرثوذكسية. ويُلاحَظ أن التقسيم الثلاثي الديني: كاثوليك ـ بروتستانت ـ أرثوذكس، يقابله تقسيم ثلاثي عرْقي: لاتين ـ أنجلو ساكسون ـ سلاف، وهذا يدل على أن الدين إن هو إلا ديباجة وقشرة رقيقة تغطي المصالح الاقتصادية والرؤى العرْقية. وقد عبَّر الصراع بين القوى الاستعمارية المختلفة بديباجاتها الدينية عن نفسه، فكانت كل دولة تحاول حماية أقلية دينية ما وتحفظ لها حقوقها، وهذا يعني في واقع الأمر وضعها داخل مجال نفوذ الدولة الحامية وتحويلها إلى مادة بشرية تابعة لها. فكانت فرنسا تدعم الكاثوليك وتحميهم، وقامت روسيا بدعم الأرثوذكس. وقد كانوا يظنون أنه، مع سقوط الدولة العثمانية، سيقوم الرعايا الكاثوليك والأرثوذكس بالمطالبة بفلسطين لدولهم الراعية (ولذا حرص الصهاينة على إقناع الإيطاليين والفرنسيين بأن النشاط الصهيوني لن يُعرِّض مصالحهم للخطر) .

لكن أنشط القوى الاستعمارية كانت هي القوة البروتستانتية (البروسية والإنجليزية) . وحيث لم يكن يوجد عرب بروتستانت، كان لابد من البحث عن أقلية «لحمايتها» ، فقام نشاط تبشيري بروتستانتي قوي بين المسيحيين العرب (الأرثوذكس والكاثوليك) ، وهذه حقيقة ذات مغزى عميق: مجال النشاط التبشيري الغربي الأساسي ليس المسلمين وإنما المسيحيون العرب، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية أصبحوا مرشحين لأن يلعبوا دور الأقلية القابلة للحماية والرعاية.
وقد نشأ تنَافُس عميق بين الدول الاستعمارية لحماية الأقلية التي تتبعها. ومن ثم زاد عدد اليهود الذين تمتعوا بالحماية الأجنبية في فلسطين مع منتصف الخمسينيات إلى خمسة آلاف، أي أن نصف يهود فلسطين أصبحوا من يهود الحماية (مقابل يهود الراية العثمانيين) . وقد عملت القنصليات الأجنبية على الحيلولة دون قيام السلطات العثمانية بتطبيق القوانين التي كانت تهدف للحد من تَدفُّق اليهود على فلسطين. كما قامت هذه القنصليات بمساعدتهم في عملية التحايل على القانون حتى يمكنهم شراء الأراضي الزراعية.

وقد ظهر الصراع بين أشكال الاستعمار المختلفة في عدة حوادث من أهمها حادثة دمشق، وذلك حين وقف القنصل الفرنسي بشكل واضح إلى جانب الكاثوليك السوريين الذين وجهوا تهمة الدم لبعض يهود دمشق، وكان موقف الحكومة الفرنسية من الأمر كله يتسم بالفتور الشديد وعدم الاكتراث بأعضاء الجماعة اليهودية، على عكس موقف الحكومة الإنجليزية التي تحركت وبشكل حاسم لنصرتهم؛ أي نصرة أعضاء الأقلية التي تقوم بحمايتها. وشهد منتصف القرن التاسع عشر حركة لحماية الأقليات فأنشئت عام 1842 مطرانية القدس البروسية الإنجليزية (أُلغيت الاتفاقية عام 1886 بعد أن قوي المشروع الاستعماري الألماني) وأُسِّست في العام نفسه قنصلية ألمانية كانت تحاول هي الأخرى حماية اليهود. وأُسِّست عام 1850 جمعية إغاثة اليهود البائسين، وفي عام 1852 تم تأسيس جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي على الأرض المقدَّسة. وشهد عام 1865 تأسيس صندوق استكشاف فلسطين.
وقد استمرت حماية الأقليات حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1914 تدخلت وزارة الخارجية الألمانية لحماية اليهود الروس في فلسطين من الطرد، وقد تُوِّجَت حماية اليهود بصدور وعد بلفور ثم قرار الانتداب وإنشاء الدولة واتفاقية التعاون الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة.
فارس بعد انتشار الإسلام
‏Persia after the Spread of Islam

بعد الفتح الإسلامي للمنطقة ودخول الفرس إلى الإسلام، تم دمج أعضاء الجماعة اليهودية في فارس في الإطار الإسلامي الأكبر، وأصبح أعضاء الجماعة تابعين لرئيس اليهود في بغداد الذي كان يُسمَّى «رأس الجالوت (أمير يهود المنفى) » ، وكانوا يعتمدون على الفتاوى التي تصدرها الحلقة التلمودية في العراق. وقد ازدهرت حياة اليهود الثقافية وتأثروا بالمحيط الإسلامي وظهر المذهب القرّائي تعبيراً عن هذا التفاعل. وتمتع يهود فارس بحرية الحركة والانتقال التي تمتع بها أهل الذمة آنذاك نتيجة توحيد المنطقة تحت راية الإسلام ولاستتباب الأمن والأمان.
ولم يكن وضع اليهود الاقتصادي مختلفاً عن وضع بقية أهل الذمة، فكان منهم النساجون والصباغون وصائغو الذهب والفضة، وكان منهم التجار وتجار الخمور. وظهرت طبقة من التجار اليهود الأثرياء في أصفهان وشيراز والأهواز. وتزايدت أهمية بعض أثرياء اليهود (الصيارفة) ابتداءً من القرن العاشر الميلادي، فكان منهم الجهابذة أي صيارفة البلاط الذين كانوا يُقرضون الوزراء والخلفاء العباسيين والسلاجقة من بعدهم. وظهر في القرن الثاني عشر الميلادي داود الرائي الماشيَّح الدجال.
وحينما غزا المغول الدولة الإسلامية، تعاون معهم أعضاء الجماعة اليهودية، وبرز نجم سعد الدولة الذي أصبح وزير مالية الإمبراطور المغولي وظل يشغل هذا المنصب حتى اغتياله عام 1291. وقد عُيِّن بعده رشيد الدولة الذي أُعدم عام 1318. ثم ظهرت الأسرة الصفوية التي فصلت اليهود عن المحيط الحضاري السني، فدخلوا المحيط الحضاري الشيعي.
فارس (إيران) منذ حكم الأسرة الصفوية حتى الوقت الحاضر
‏Persia (Iran) from the Safavid Dynasty to the Present

حكمت الأسرة الصفوية، وهي أسرة فارسية إسلامية، بلاد فارس في الفترة 1502 ـ 1736، وجعلت المذهب الشيعي دين الدولة، كما جعلت طبقة رجال الدين الشيعة (الملالي) عمودها الفقري. واتسم حكمها باضطهاد الأقليات، فطُبِّق على اليهود المفهوم الشيعي الخاص بنجاسة أهل الذمة. وانقطعت العلاقة تماماً بين أعضاء الجماعة اليهودية ورأس الجالوت (المنفى) في بغداد، وأصبحت لهم قيادتهم المحلية.
وتحت حكم أسرة القاجار (1795 ـ 1925) ، زادت عملية قمع اليهود، كما كان الحال في مشهد عام 1839. وقد فُرض الإسلام قسراً على بعض أعضاء الجماعة اليهودية، فتحولوا إلى يهود متخفين، أي أبطنوا اليهودية وأظهروا الإسلام، وأُطلق عليهم مصطلح «جديد الإسلام» . وأصبح من حق اليهودي الذي يعتنق الإسلام أن يرث ممتلكات كل أعضاء أسرته الذين ظلوا على دينهم.
وتَدنَّى وضع اليهود الاقتصادي وازداد إقبالهم على صناعة الخمور، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة التوترات بينهم وبين الأغلبية المسلمة. وهذا على عكس وضع اليهود في الدولة العثمانية حيث كان آخذاً في التحسن، الأمر الذي نتج عنه تَزايُد اندماجهم في المجتمع، حتى أن يهود أوربا كانوا يفرون من بلادهم طلباً للسلام والأمن والعدالة في الدولة العثمانية. وفي هذه الفترة، اشتهر اليهود في فارس بأنهم يعملون بأمور التسلية والترفيه في بلاط النبلاء، فكان منهم الراقصون ولاعبو السيرك والمغنون.

وحتى هذا التاريخ، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً من التشكيل الحضاري الشرقي في فارس. ولكن، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وظهور الإمبريالية الغربية وما صاحب ذلك من تَزايُد نفوذ الدول الغربية في بلاد العالم الإسلامي، بدأت هذه الدول تتدخل في شئون الأقليات الدينية بحجة حمايتها والدفاع عن هويتها، وذلك لاستخدامها كرأس حربة في مشروعها الاستعماري. وكان يهود العالم الإسلامي من أوائل العناصر التي تَوجَّه إليها الغرب، فأخذت حكومات الغرب تتدخل لصالح يهود إيران كما راحت القيادات اليهودية في الغرب التي تدور في إطار المصالح الغربية، تقابل المسئولين الإيرانيين الذين يزورون العواصم الأوربية وتطلب إليهم تحسين أحوال اليهود. ولعل من أكثر الأمثلة إثارة ما حدث عام 1873 أثناء زيارة الشاه نصر الدين لأوربا، إذ قابله وفد يهودي في برلين في 4 مايو، وآخر في أمستردام في 10 يونيه، وثالث في بروكسل في 17 يونيه، ورابع في لندن (مندوبو الرابطة الإنجليزية اليهودية) في 24 يونيه، وخامس في باريس (الأليانس) في 12 يوليه، وسادس في فيينا في 16 أغسطس، وسابع في القسطنطينية في 20 أغسطس. وحينما كان الشاه في لندن، اجتمع على انفراد (في قصر بكنجهام) مع السياسي الإنجليزي المتنصر دزرائيلي، وهو من أصل يهودي، وكذلك مع سير موسى مونتفيوري زعيم يهود إنجلترا آنذاك. كما اجتمع الشاه في باريس مع أدولف كريمييه الوزير الفرنسي اليهودي، ومع البارون إدموند دي روتشيلد أشهر يهود عصره وأكثرهم ثراءً.

وثمة واقعة مهمة حدثت أثناء مقابلة الشاه لروتشيلد يتعين التعليق عليها، إذ اقترح الشاه على المليونير اليهودي أن يشتري قطعة أرض يجمع فيها كل اليهود المشتتين ويؤسس مملكة يهودية يصبح روتشيلد ملكاً لها. فضحك المليونير اليهودي ولم يُجب. والواقع أن اقتراح الشاه اقتراح صهيوني يسبق ظهور الحركة الصهيونية، وربما كان تعبيراً عن مُخطَّط إستراتيجي كامن تَكشَّف فيما بعد.
وبدأ التدخل الأمريكي لصالح يهود إيران عام 1897 حين قام القنصل العام الأمريكي في طهران بمحاولة الظهور بمظهر حاميهم والمدافع عن حقوقهم. ومع أوائل القرن الحالي، تظهر في الوثائق الدبلوماسية الأمريكية أول إشارة لأعضاء الجماعة اليهودية في إيران. وفي عام 1918، قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتحويل بعض المعونات الأمريكية اليهودية إلى يهود فارس، ثم استمر يوسف شاؤول كونفلد، وهو حاخام يهودي وممثل للولايات المتحدة في طهران، في التدخل لصالح يهود إيران (عام 1924) . وواكب هذا حركة من جانب جماعة الأليانس تمثلت في فتح مدارس يهودية حيث فُتحت مدرسة عام 1898 في طهران وأخرى في أصفهان عام 1901 وثالثة في شيراز عام 1903.وبعد الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة بالمساهمة في تمويل التعليم اليهودي في إيران.
وتغيَّر وضع اليهود تحت حكم أسرة بهلوي (1925 ـ 1979) ، ومع ظهور الاتجاهات نحو إدخال القيم الغربية والعلمانية، قامت النخبة الحاكمة الإيرانية بتأكيد أهمية القيم الإيرانية المحلية السائدة في فارس قبل دخول الإسلام لتأكيد العنصر القومي. ومن هنا تغيير اسم الدولة إلى «إيران» ، تماماً كما فعل الكماليون في تركيا حينما بعثوا القومية الطورانية المرتبطة بالتاريخ التركي قبل الإسلام. وقد واكب ذلك كله تَزايُد نفوذ أعضاء الجماعة اليهودية في إيران كما يتضح في انتخاب أول يهودي للبرلمان.

ومع هذا، أدَّى تَزايُد معدلات العلمنة وتعميق النفوذ الغربي إلى ظهور خطرين أساسيين: أولهما التبشير وثانيهما البهائية، فيُلاحَظ أن البعثات التبشيرية المسيحية التي نشطت آنذاك في العالم الإسلامي زادت من نشاطها بين اليهود فقامت ببناء المدارس لأبناء أعضاء الجماعة ووفرت لهم الكثير من النشاطات الاجتماعية حتى تيسر تنصيرهم إلى حدٍّ ما وتَحقَّق شيء من النجاح في هذا المجال.
ولكن التحدي الأكبر كان البهائية التي رحب أعضاء الجماعة اليهودية بظهورها باعتبارها سبيل الخلاص لهم. وقد كرس أحد أتباع بهاء الله، ميرزا أبو الفضل، كل جهوده للتبشير بالبهائية بين اليهود، وقام بتفسير بعض آيات العهد القديم، وخصوصاً سفر أشعياء (الإصحاح التاسع) ودانيال (الإصحاح السابع) ، للبرهنة على صدق العقيدة البهائية. وتُرجمت بعض المقطوعات المختارة من النصوص البهائية إلى العبرية، الأمر الذي ساهم في ذيوع الأفكار البهائية بين اليهود. وقد نجحت البهائية في اجتذاب أعداد كبيرة من اليهود إلى صفوفها. وربما يكون التركيب الاجتماعي للبهائيين، الذي كان مقارباً إلى حدٍّ ما للتركيب الاجتماعي لليهود، قد ساهم في هذه العملية.
ويُلاحَظ أن معرفة يهود إيران باليهودية كانت ضعيفة إلى حدٍّ ما بسبب انفصالهم عن المراكز الرئيسية لليهودية في العالم، وبسبب عدم وجود حاخامات مدربين التدريب الديني اللازم. فقد كانوا لا يعرفون تمائم الصلاة (تيفلين) ، كما كانوا يتبعون عادات دينية لا تعرفها اليهودية الحاخامية مثل الحج إلى قبر إستير وموردخاي (في حمدان) وقبر دانيال (في سوسة) وغيرهم من شخصيات العهد القديم التي يزعم يهود فارس أنهم مدفونون فيها.

ويُلاحَظ كذلك أن يهود فارس يتحدثون بعدة رطانات هي عبارة عن اللغة أو اللهجة السائدة في المنطقة التي عاشوا فيها، في مرحلة تاريخية سابقة، مضافاً إليها بضع كلمات عبرية. وهذه الرطانات تفيد علماء اللغة إذ تحتفظ بصيغ لغوية مندثرة. وإلى جانب الجماعة اليهودية الفارسية، وُجدت جماعة يهودية كردية في المنطقة التي يعيش فيها الأكراد داخل حدود إيران. ولكن لم تقم مؤسسات لتشرف على شئون الجماعة بسبب الخلافات الدائمة بين أعضائها.
وقد بلغ عدد يهود إيران عام 1948 نحو 95 ألفاً. ومع هجرة يهود البلاد العربية إلى إسرائيل، أصبحت الجماعة اليهودية في إيران أكبر جماعة يهودية في الشرق، وبلغ عدد أعضائها ثمانين ألفاً عام 1968 من مجموع السكان البالغ عددهم آنذاك خمسة وعشرين مليوناً. وبعد نشوب الثورة الإيرانية في عام 1979، تناقص عددهم إلى ثلاثين ألفاً في حين زاد عدد سكان إيران إلى ما فوق الأربعين مليوناً، وبلغ عددهم ستة عشر ألفاً عام 1992. ويتركز يهود إيران في المدن، وخصوصاً في طهران. ففي عام 1948، كان 60% منهم يعيشون في طهران وأصفهان وشيراز، ثم زادت النسبة إلى 72% عام 1968. وقد هاجرت أعداد كبيرة من يهود إيران إلى إسرائيل حاملين معهم ممتلكاتهم من السجاد الإيراني الذي تعتبره إيران ضمن ثروتها القومية. ولكن يُلاحَظ أن أعداداً كبيرة منهم تنزح من إسرائيل وتستقر في الولايات المتحدة، وخصوصاً في كاليفورنيا.

الصهيونية - تاريخ الصهيونية - الدولة مزدوجة القومية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الدولة مزدوجة القومية
‏Bi-National State
أدرك بعض زعماء الاستيطان الصهيوني أن المشروع الصهيوني مشروع استعماري استيطاني لا يكترث كثيراً بسكان البلاد الأصليين، شأنه في هذا شأن أي مشروع مماثل. كما لاحظوا تزايُد المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني، فالأرض، كما تبيَّن ليست بلا شعب. فحاول هؤلاء تخفيف حدة المقاومة والتوصُّل إلى حل سلمي مع العرب عن طريق طرح مشروع الدولة مزدوجة القومية، حيث يقتسم العرب والمستوطنون الصهاينة فلسطين ويتعاونان سوياً. ومن أهم هذه الجماعات جماعة بريت شالوم وإيحود.
ويمكن القول بأن هذه الدعوة، رغم ما فيها من إحساس طيب، تغفل الطابع الاستيطاني الإحلالي البنيوي للصهيونية.
بريت شالوم
‏Brit Shalom
» بريت شالوم» عبارة عبرية تعني «عهد السلام» ، وبريت شالوم منظمة يهودية في فلسطين كان لها علاقات وفروع في دول أخرى وكانت تدعو لتعايش سلمي بين الصهاينة والعرب. وكانت المنظمة تتكون أساساً من المثقفين والأعضاء البارزين في التجمُّع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. وقد وصلت بريت شالوم إلى قمة نشاطها في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات في القرن العشرين. وتعود بداية بريت شالوم إلى 1925 مع افتتاح الجامعة العبرية في القدس، حيث تكونت حلقة من عدة شخصيات مهمة دعت إلى تغيير في النشاط الصهيوني من الاعتماد على العلاقات مع سلطات الانتداب البريطاني إلى محاولة العمل لخلق علاقات طيبة مع العرب. ولم تصل بريت شالوم إطلاقاً إلى تحديد واضح لأهدافها وبنيتها التنظيمية. فبعض أعضائها كان يعتبرها جماعة بحثية عليها أن تلفت نظر الحركة الصهيونية إلى أهمية المشكلة العربية. ودعا البعض الآخر إلى قيام نشاط دعائي واسع النطاق. وهم، على أية حال، ليسوا جماعة جماهيرية. وقد ساعدت أفكار هذه المنظمة على خلق حوارات سياسية ولكنها لم تؤد أبداً إلى أنشطة فعالة.

وكان الهدف الرئيسي لبريت شالوم هو الدعاية لخلق دولة مزدوجة القومية في فلسطين بغض النظر عن التمثيل العددي، وكان هذا يعني التخلي عن خطة تكوين الدولة اليهودية. وأعرب بعض أعضائها عن اعتقادهم بوجوب تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ويبدو أن الصهيونية كانت تمثل، بالنسبة إلى أعضاء بريت شالوم، حركة ثقافية أكثر منها سياسية، ودعا البعض إلى تقوية العلاقات العرْقية التي تعود للأصل السامي بين العرب واليهود. وحاول أعضاء بريت شالوم إقامة مؤسسات للحكم الذاتي يهودية/ عربية من أجل التعاون في الإدارة البلدية والحياة الاقتصادية، وتطوير الخدمات العربية بمساعدة اليهود. وكانت المنظمة تُصدر جريدة عبرية وكذلك مطبوعات بالعربية والإنجليزية. وقد انتقدت المنظمة بشدة سياسات الهستدروت تجاه العمال العرب.
وقد رفض العرب برنامج بريت شالوم بوصفه دعاية صهيونية متخفية. وكان تأثير الجماعة في المستوطنين اليهود ضئيلاً جداً رغم مشاركة شخصيات مثل صمويل هوجو برجمان وآرثر روبين وحاييم كلفارسكي وجرشوم شولم ومارتن بوبر ويهودا ماجنيس. وقد تَوقَّف نشاط الجمعية تماماً مع أوائل الثلاثينيات.
إيحود
‏Ihud

» إيحود» كلمة عبرية تعني «الاتحاد» أو «الوحدة» . وإيحود جماعة يهودية دعت إلى إقامة دولة عربية يهودية مزدوجة القومية في فلسطين. وفي عام 1937، رأت لجنة بيل، التي عينتها الحكومة البريطانية لتَقصِّي الحقائق بعد اندلاع الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936، أن خطة إقامة كومنولث مزدوج القومية قد صارت خطة مستحيلة التطبيق. وكبديل، اقترحت اللجنة تقسيم فلسطين. وقد رفض أعضاء جماعة إيحود، ومن بينهم يهودا ماجنيس ومارتن بوبر وحاييم كالفارسكي وآرثر روبين، هذه الخطة. واتفق معهم في الرأي كلٌ من موسى سيملانسكي وقادة جماعة الحارس الفتي (هاشومير هاتزعير) اليسارية. وفي عام 1942، تم تكوين جمعية إيحود أو الوحدة التي دعت إلى إقامة فلسطين مستقلة تضم العرب واليهود معاً. وقد انضمت جماعة صغيرة من العرب إلى الجماعة، بيد أنه تم اغتيالهم الواحد بعد الآخر.
وكانت الجمعية تُصدر دوريات باللغات الرسمية الثلاث في فلسطين، وكذلك مجلة شهرية. وقد نشب خلاف أساسي بين أعضاء الجماعة من العرب واليهود حول موضوع تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، دعت إيحود إلى المفاوضات مع العرب واستمرت في جهودها من أجل الحل ثنائي القومية عام 1947، وطالب ماجنيس بهذا الحل أمام اللجنة الخاصة للأمم المتحدة حول فلسطين، وطالب بتحييد فلسطين (مثل سويسرا) مع إعطاء اليهود مقعداً خاصاً في الأمم المتحدة بوصفهم قومية خاصة. ومع صدور قرار التقسيم، قام كلٌّ من ماجنيس وإيحود بالدعوة إلى إقامة اتحاد سامي يشمل إسرائيل، بيد أن هذه المحاولة قد فشلت.
إسحق إبشتاين (1862-1943 (Yithak Epstein

كاتب صهيوني وتربوي ومتخصص في اللغة العبرية. وُلد في بيلوروسيا وترعرع ونشأ في أوديسا. سافر عام 1886 إلى فلسطين على نقفة البارون إدموند دي روتشيلد. أمضى 6 سنوات في مستوطنتي زخرون ياكوف وروش بينا. ثم صار مدرساً وناظراً لمدرسة عامة افتتحت في صفد. وبعدئذ تَنقَّل إلى مدارس ميتولا وروش بينا، ثم سافر إلى سويسرا حيث درس في لوزان بين عامي 1902 و1908. وبعد حصوله على الشهادة من الجامعة هناك، سافر إلى اليونان حيث عمل مديراً لمدرسة الأليانس في سالونيكا بين عامي 1908 و1915، ثم عاد بعد ذلك إلى سويسرا لإتمام دراسة الدكتوراه في التربية والأدب. وفي عام 1919، عاد إلى فلسطين وعمل مديراً لمعهد لفنسكي للمدرِّسات في تل أبيب حتى 1923. ثم عمل بعدئذ مشرفاً عاماً على مدارس الحركة الصهيونية ومقره القدس. بعد استقالته من منصبه، كرس حياته لدراسة لغويات العبرية، خصوصاً الصوتيات. وكان يدعو في نهاية حياته إلى التعاون بين العرب واليهود. واستقال من منظمة بريت شالوم رغم أنه كان أحد مؤسسيها.
حاييم كالفارسكي (1868-1947 (Hayimm Kalvarsky
أحد قادة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وُلد في بولندا لأسرة إقطاعية، وكان نشيطاً منذ الصبا في الحركة الصهيونية وحركة أحباء صهيون. درس العلوم الزراعية في جامعة مونبييه وأسَّس هناك جمعية طلابية باسم «مستقبل إسرائيل» ، واستوطن فلسطين بعد تَخرُّجه، وعمل في يافا أميناً لجمعية أبناء موسى، ثم صار مدرساً في المدرسة الزراعية. وبعد عام 1900، أصبح كبير إداريي المستوطنات اليهودية في الجليل التابعة لجمعية الاستعمار اليهودية حيث أسَّس عدة مستوطنات. قابل هرتزل في أوربا عام 1902 وأقنعه بأهمية المستوطنات اليهودية في فلسطين للحركة الصهيونية.

وكان كالفارسكي من دعاة التفاهم والتقارب بين العرب واليهود، وقد أسَّس بأموال إدموند روتشيلد مدرسة أطفال عبرية عربية في قرية جاعوني قرب روش بينا. ونظم لقاءات بين ناحوم سوكولوف وبعض القادة من القوميين العرب في دمشق وبيروت. ودعاه الملك فيصل الأول عام 1919 لحضور مؤتمر عموم سوريا لتقديم مقترحات بصدد العلاقات اليهودية العربية.
انضم إلى جميع الجماعات التي كانت تدعو إلى إقامة علاقات عربية يهودية. وفي أخريات حياته، ساهم في تأسيس جمعية فلسطين الجديدة مع فوزي الحسيني الذي ترأسها.
وعارض كالفارسكي السياسات الصهيونية الرسمية لفشلها في رؤية أهمية العلاقات مع العرب. وقد كان كالفارسكي يعتقد إمكانية قيام دولة فيدرالية كبرى في المنطقة تضم العرب واليهود معاً.
آرثر روبين (1876-1943)

‏Arthur Ruppin
عالم اقتصاد واجتماع، وقائد صهيوني ومنظِّم المستوطنات الزراعية في فلسطين. وُلد في ألمانيا لعائلة فقيرة، وترك الدراسة في سن الرابعة عشرة. لكنه عمل ودرس حتى حصل على دكتوراه القانون عام 1902.
اشترك في عدة جمعيات يهودية في الفترة بين عامي 1902 و1905، والتحق بالمنظمة الصهيونية العالمية في 1905. وطلب منه ديفيد ولفسون 1907 أن يذهب إلى فلسطين ليبحث حالة المستوطنات اليهودية. وكانت تلك المرحلة نقطة تحوُّل في حياته حيث كرَّس كل جهوده بعد ذلك لتطوير المستوطنات اليهودية، واستقر في فلسطين حيث ترأَّس المكتب الفلسطيني للمنظمة الصهيونية في يافا.
طرده أحمد باشا والي الشام وقائد الجيش التركي في سوريا لشكه في أنه يعمل لحساب الحلفاء لكنه رحل إلى إستنبول حيث عمل كحلقة اتصال بين مكتب فلسطين والمكتب الصهيوني التنفيذي في برلين. وعاد روبين إلى فلسطين عام 1920 واستقر هناك، حيث كان مسئولاً عن مكتب المستوطنات، وأسس عدة بنوك في فلسطين لتمويل حركة الاستيطان.

ساعد في تأسيس حركة بريت شالوم، وكان من دعاة تأسيس دولة مزدوجة القومية (عربية عبرية) في فلسطين. وبعد الثورة العربية عام 1929، حارب روبين بشدة من أجل زيادة الهجرة إلى فلسطين وزاد نشاطه في حركة الاستيلاء على الأراضي العربية بكل الطرق. وقد ظل يتأرجح بين موقفيه المتناقضين: محاولة ضمان تنفيذ المشروع الصهيوني عن طريق تصعيد الهجرة الاستيطانية ومحاولة التفاهم مع العرب (ضحايا المشروع الصهيوني) . ومع تَصاعُد الصراع مع العرب، دوَّن في مذكراته (إبان الحرب العالمية الثانية) أنه يعتقد أن ثمة جنوناً كاملاً قد سيطر على العالم بأسره. وتُوفي آرثر روبين في القدس عام 1943.
يهودا ماجنيس (1877-1948)
‏Judah Magnes
حاخام أمريكي إصلاحي، صهيوني توطيني، ورئيس الجامعة العبرية. وُلد في الولايات المتحدة لعائلة يهودية من أصل ألماني متأثرة بالتعاليم والنزعات الصهيونية. قام بنشاطات صهيونية فأصبح سكرتيراً لفيدرالية الصهاينة الأمريكيين (1905 - 1908) ، كما ساهم في تأسيس اللجنة اليهودية الأمريكية. ولكن معظم نشاطاته كانت من النوع التوطيني، فأصله الألماني، وكذلك توجُّهه الإصلاحي واندماجه في المجتمع الأمريكي وانتماؤه للطبقة الوسطى، جعل تبنِّىه مُثُل الصهيونية الاستيطانية أمراً مستحيلاً. ولذا، فقد كان يرى أن الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة لإنقاذ يهود شرق أوربا وجسر يربط النخبة اليهودية ذات الأصل الألماني في الولايات المتحدة وجماهير المهاجرين من يهود روسيا. وكان يصر دائماً على وجوب تفسير الصهيونية بطريقة تلائم البيئة الأمريكية خارج نطاق النظرية القومية التي كانت سائدة في أوربا. ولذا، فإننا نجده يشترك في جمع التبرعات لضحايا مذبحة كيشينيف وينظم بعض التظاهرات لصالحهم.

عُيِّن عام 1908 حاخاماً لمعبد إيمانوئيل في نيويورك. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، طالب بأن يترجم الإيمان الديني نفسه إلى رفض للحرب واتخاذ موقف سلمي، فأغضب هذا الكثيرين، ومنهم المؤسسة الصهيونية التي كانت تسعى للحصول على وعد بلفور، فاضطر إلى الاستقالة من المعبد ثم من الفرع الأمريكي للحركة الصهيونية (1915) . وهكذا أصبح يزداد ابتعاداً عن الصهيونية الدبلوماسية والعامة (الاستعمارية) بتأكيدها أولوية الدولة، كما أصبح يزداد اقتراباً من الصهيونية الإثنية العلمانية التي تركز على مسائل الهوية والوعي. ولذا، نجد أنه على المستوى الديني يزداد اقتراباً من اليهودية المحافظة. وقد أسس مؤسسة سمّاها القهال (1909) كي تكون إطاراً إدارياً موحَّداً للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بهدف أمركة المهاجرين. وقد نجحت هذه المؤسسة إلى حدٍّ ما في مجال التعليم ومكافحة الجريمة بين المهاجرين بالتعاون مع الشرطة. ولكنها حُلت عام 1922، ولم تترك أثراً يُذكَر إلا في مجال التربية.
وفي إطار صهيونيته الإثنية التوطينية، كان ماجنيس يطالب بإحياء الثقافة واللغة العبريتين. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، دعا إلى تنظيم الجامعة العبرية فقام بجمع التبرعات اللازمة ووضع الإطار الأكاديمي، واستقر في فلسطين نهائياً عام 1922. وحينما افتُتحت الجامعة عام 1925، عُيِّن ماجنيس رئيساً لها.

ورغم هذا الحماس للإحياء القومي اليهودي، كان ماجنيس من القلة الصهيونية النادرة التي تنبهت إلى المخاطر التي تنطوي عليها إقامة الوطن اليهودي، فقد كان يعرف أن هناك شعباً عربياً فلسطينياً سيُقاوم وأن الدولة التي أُنشئت رغماً عنه ستعيش في حالة حرب دائمة. وقد كرس ماجنيس نفسه للترويج لفكرة التفاهم اليهودي العربي، ودعا إلى وضع نظام يتسم بالتكافؤ التام بين العرب واليهود، وطالب بتقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وفي مقال تحت عنوان «مثل كل الشعوب» كتبه عام 1930، حذَّر الصهاينة من أن العرب يشكلون الأغلبية المطلقة في فلسطين. وحيث إن الغاية (مهما سمت) لا يمكن أن تبرر الواسطة (الدنيئة) ، فقد عبَّر عن اطمئنانه إلى (أو عن أمله فى) أن اليهود لن تسمح لهم أنفسهم بغزو أرض الميعاد على طريقة يوشع بن نون الذي فتح كنعان (وأباد سكانها) ، والذي ثبَّت دعائم الوجود اليهودي عن طريق السيف. لقد كان ماجنيس من المؤمنين بأن "تأسيس الوطن اليهودي بكبت طموح العرب السياسي أمر غير ممكن، لأن مثل هذا الوطن سيُؤسَّس على رؤوس الحراب مدة طويلة". ولذلك، فقد اقترح التغلب على الصعاب التي تواجه الصهاينة "باستخدام جميع الأسلحة التي وضعتها الحضارة تحت تصرفهم باستثناء الحراب، مثل الأسلحة الروحية والثقافية والاجتماعية والمالية والاقتصادية والطبية ... والأخوة والصداقة".

وقد ساهم ماجنيس فى تأسيس جماعة بريت شالوم (عهد السلام) لتعزيز التفاهم والتعاون بين العرب واليهود ودرء الخطر الناجم عن تنفيذ برنامج بلتيمور الصهيوني. كما ساهم فى تأسيس جماعة إيحود (الاتحاد) عام 1942، التي ضمت عدداً من الأعضاء السابقين في بريت شالوم بالإضافة إلى شخصيات يهودية بارزة مثل مارتن بوبر وإرنست سيمون وسميلانسكي ورؤساء جمعية الحارس الفتى، كما انضم إلى الجمعية بعض العرب الفلسطينيين. وقد كانت الجمعية تنادي بدولة مستقلة مزدوجة الجنسية، ولكن جهودها ذهبت سدى بسبب الرفض الشعبي الفلسطيني ولعدم وجود آذان صهيونية صاغية، وقد عارض ماجنيس قرار تقسيم فلسطين. وفي عام 1948، أصدر مجلس الجامعة العبرية بياناً أعلن فيه أن الجامعة وهيئة التدريس لا علاقة لهما بنشاطات ماجنيس السياسية الرامية لإنشاء دولة تتسع لليهود والعرب. وقد مات ماجنيس في نيويورك. وقد جُمعت كتاباته وخُطَبه في عدة كتب من بينها خطب في وقت الحرب 1917 - 1921 (1923) ، وحيرة الأزمنة (1946)

إسرائيل المستوطن الصهيوني - إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

إشكالية التطبيع
التطبيع
‏Normalization
«التطبيع» هو تغيير ظاهرة ما بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض «طبيعياً» . ولكن كلمة «طبيعة» كلمة لها عدة معان. وقد استخدمنا هذه الكلمة بمعنى «الطبيعة/المادة» ، والتطبيع في هذه الحالة يعني إعادة صياغة الإنسان حسب معايير مستمدة من عالم الطبيعة/المادة بحيث تصبح الظاهرة الإنسانية في بساطة وواحدية الظاهرة الطبيعية/المادية.
ولكن كلمة «طبيعي» يمكن أن تعني «مألوف» و «عادي» ، ومن ثم فإن التطبيع هو إزالة ما يعده المطبَّع شاذاً، ولا يتفق مع المألوف والعادي و «الطبيعي» .
وقد ظهر المصطلح لأول مرة في المعجم الصهيوني للإشارة إلى يهود المنفى (العالم) الذين يعدهم الصهاينة شخصيات طفيلية شاذة منغمسة في الأعمال الفكرية وفي الغش التجاري، ويعملون في أعمال هامشية مثل الربا وأعمال مشينة مثل البغاء. وقد طرحت الصهيونية نفسها على أنها الحركة السياسية والاجتماعية التي ستقوم بتطبيع اليهود، أي إعادة صياغتهم بحيث يصبحون شعباً مثل كل الشعوب (انظر الباب المعنون «مسألة الحدودية والهامشية» ، وانظر أيضاً المداخل التالية: «إصلاح اليهود واليهودية» ـ «نفع اليهود» ـ «تطبيع الشخصية اليهودية» ) . ومع إنشاء الدولة الصهيونية اختفى المصطلح تقريباً من المعجم الصهيوني بسبب حاجة الدولة الصهيونية الماسة لدعم يهود العالم لها.
ولكن المصطلح عاود الظهور مرة أخرى في أواخر السبعينيات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد. ولكنه طُبِّق هذه المرة على العلاقات المصرية الإسرائيلية، إذ طالبت الدولة الصهيونية بتطبيع العلاقات بين البلدين، أي جعلها علاقات طبيعية عادية، مثل تلك التي تنشأ بين أي بلدين. وقد قاوم الشعب المصري هذا التطبيع.
الشذوذ البنيوي
‏Structural Abnormality

إذا كانت بنية الظاهرة هي مجموعة العلاقات المتشابكة التي تكوِّن هذه الظاهرة وتمنحها صفاتها الأساسية ومنحناها الخاص الذي يميزها عن غيرها من الظواهر، فإن الشذوذ البنيوي هو حالة لصيقة ببنية هذه الظاهرة، أي بتركيبها الجوهري. وإصلاح هذا الشذوذ يعني تغيير بنية هذا الشيء تماماً.
ونحن نذهب إلى أن السمة الأساسية للدولة الصهيونية أنها تجمُّع استيطاني إحلالي يوظِّف الديباجات اليهودية، وأن نقطة انطلاقه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهوَّدة، التي تذهب، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى أن اليهود شعباً عضوياً يعيش في الغرب ولا ينتمي إليه، ولذا يجب أن يوطَّن في أرض أجداده، أي فلسطين، التي يجب أن تفرغ ممن قد يتصادف وجوده فيها من البشر. وقد ترجمت هذه الصيغة إلى الشعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
التطبيع السياسي والاقتصادي
‏Political and Economic Normalization

«التطبيع السياسي والاقتصادي» هو إعادة صياغة العلاقة بين بلدين بحيث تصبح علاقات طبيعية. وتصر إسرائيل على أن التطبيع السياسي والاقتصادي بينها وبين الدول العربية هو شرط أساسي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكن يوجد خلل أساسي في المفهوم وفي المحاولة، فالتطبيع السياسي والاقتصادي يجب أن يتم بين بلدين طبيعيين، وهو الأمر الذي لا يتوافر في الجيب الاستيطاني الصهيوني بسبب شذوذه البنيوي. فالدولة الصهيونية لا تزال تجمُّعاً استيطانياً وليس دولة للمواطنين الذين يعيشون داخل حدودها. ويعطي قانون العودة الحق ليهود العالم في "العودة" إلى فلسطين المحتلة باعتبارها وطن أجدادهم بعد أن تركوها منذ ألفي عام، وينكر هذا الحق على الفلسطيني الذي اضطر لمغادرة فلسطين منذ بضعة أعوام. كما يتبدى الشذوذ البنيوي في علاقة الدولة الصهيونية بالمنظمة الصهيونية وبالوكالة اليهودية، فهي علاقة شاذة ليس لها نظير في الدول الأخرى. وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتمتع بعضوية مشروطة بهيئة الأمم المتحدة، وشرط قبولها في المنظمة الدولية هو إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهو الأمر الذي لا توجد أية مؤشرات على احتمال تنفيذه في المستقبل القريب.

ويتبدى شذوذ إسرائيل البنيوي بشكل واضح في علاقتها بالفلسطينيين ومحاولتها الدائبة أن تحاصرهم مجازياً وفعلياً، وأن تفتت وجودهم القومي وأن تضرب عليهم بيد من حديد وأن تستغلهم باعتبارهم مادة بشرية وسوقاً للسلع. كما يتبدى في علاقتها بالعالم العربي الذي تراه باعتباره "المنطقة"، أي مجرد مكان لا تاريخ له ولا اتجاه، ولذا فهي تعتبره سوقاً للسلع ومصدراً للمواد الخام والعمالة الرخيصة وحسب، وتطرح السوق الشرق أوسطية بديلاً للسوق العربية المشتركة. لكل هذا تصبح محاولة التطبيع مع الفلسطينيين ومع الدول العربية محاولة يائسة ترتطم ببنية الكيان الصهيوني الشاذة غير الطبيعية التي تتبدى في سلوكه الشاذ غير الطبيعي.
التطبيع المعرفي
‏Epistemological Normalization
«التطبيع المعرفي» هو محاول إضفاء صبغة طبيعية على ظاهرة لها خصوصيتها وتفردها وشذوذها بحيث تبدو هذه الظاهرة وكأنها تنتمي إلى نمط عام متكرر هي في واقع الأمر لا تنتمي له، ومن ثم يتم إدراكها وتخيُّلها ورصدها داخل هذا الإطار. ونحن نذهب إلى أن الخطاب السياسي العربي في تحليله للظاهرة الصهيونية قد سقط في محظورين:
1 ـ المغالاة في التخصيص إلى درجة الأيقنة وهي سمة يتسم بها الخطاب المعادي لليهود الذي يرى أن اليهود مصدر كل شرور العالم، وأن الدولة الصهيونية تعبير عن المؤامرة الصهيونية الأزلية. وهذا الخطاب يخرج بالظاهرة الصهيونية من عالم الظواهر الإنسانية ويدخل بها عالم الظواهر الشيطانية، ومن ثم فلا حل لها.
2 ـ المغالاة في التعميم وإسقاط كل سمات الخصوصية، وهي سمة يتسم بها الخطاب الذي يصف نفسه بأنه «علمي» و «موضوعي» ، والذي يذهب إلى أن الدولة الصهيونية هي دولة مثل أي دولة أخرى، ومن ثم يصبح الحديث عن الدولة الصهيونية حديثاً عاماً عن "قوة العدو العسكرية والاقتصادية" دون أي اهتمام بالمنحنى الخاص للظاهرة الصهيونية.

وقد أدَّت المغالاة في التعميم، باسم العلمنة والموضوعية، إلى تطبيع النظام السياسي الإسرائيلي، أي محاولة دراسته باعتباره كياناً سياسياً طبيعياً عادياً بحيث تُستخدَم نفس المقولات التحليلية العامة التي تُستخدَم في دراسة النظم السياسية في العالم الغربي، وكأن الكيان السياسي الإسرائيلي لا يختلف في أساسياته عن أي كيان سياسي آخر. فيتم الحديث عن نظام الحزبين في الديموقراطية الإسرائيلية، وعن أن كلاًّ من إنجلترا وإسرائيل لا يوجد فيهما دستور؛ أو أن النظام السياسي الإسرائيلي يتبع النمط الأنجلو أمريكي (الثنائي) لا النمط الأوربي الأكثر تعددية؛ وأن النقابات العمالية قوية في إسرائيل، كما هو الحال في أوربا وليس كما هو الحال في الولايات المتحدة.

وعلماء السياسة العرب الذين يتبنون مثل هذه الرؤية يُخطئون مرتين: من الناحية المعرفية ومن الناحية الأخلاقية. فمن الناحية المعرفية، يمكن القول بأن وصفهم للظاهرة الصهيونية ليس ذا مقدرة تفسيرية عالية، فهو غير قادر على تفسير ظاهرة مثل المنظمة الصهيونية أو دور الوكالة اليهودية التي تساعد سكان الدولة الصهيونية من اليهود، وتستبعد العرب، فهذه المؤسسة ليس لها نظير في أية «ديموقراطية» أخرى. كما أنه غير قادر على تفسير قانون العودة، ولا ضخامة الدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه العالم الغربي للجيب الصهيوني. كما أنهم يُخطئون من الناحية النضالية والأخلاقية: إذ كيف يمكن الحديث عن ديموقراطية تستند إلى حادثة اغتصاب أرض وذبح بعض سكانها وطرد البعض الآخر واستبعاد لمن تبقى من العملية السياسية نفسها؟ والفشل الإدراكي المعرفي التفسيري هنا هو نفسه الفشل النضالي الأخلاقي، إذ أن التطبيع يخفي عن الأنظار (وعن الضمير) الظروف الخاصة بالكيان الصهيوني ككيان استيطاني إحلالي، كما يخفي حقيقة أن استيطانية الكيان الصهيوني وإحلاليته واعتماده الكامل على الدعم الغربي هو القانون الأساسي الذي يحكم ديناميته ومساره في الماضي والحاضر. فهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تُفسِّر عدم وجود دستور حتى الآن في إسرائيل، وتُفسِّر أهمية قانون العودة ومركزيته. وهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تجعلنا نكتشف أن الأحزاب الإسرائيلية ليست في أساسها أحزاباً وإنما مؤسسات استيطانية استيعابية تضطلع بوظائف لا تضطلع بها الأحزاب السياسية في الدول الأخرى ويتم تمويلها عن طريق المنظمة الصهيونية "العالمية". وهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تُفسِّر ضخامة الدعم الإمبريالي لإسرائيل ودور إسرائيل كدولة وظيفية.

وظاهرة مثل الكيبوتسات (المزارع الجماعية) وظواهر أخرى مثل عسكرة المجتمع الإسرائيلي، والطبيعة الاستيطانية الإحلالية للدولة الصهيونية، واعتماد وجودها واستمرارها على الولايات المتحدة بشكل تام، وإدراك الصهاينة لهذا الواقع بدرجات متفاوتة هو الذي يحدِّد سلوكهم وحربهم وسلمهم، وما ينكرونه علينا وما قد يُقررون منحنا إياه. وإسقاط هذه الأبعاد الخاصة يجعل عملية التطبيع المعرفية المنهجية عملية تسويغ وتبرير غير واعية للوجود الصهيوني وإضفاء درجة من الشرعية عليه.
وسنحاول في مداخل هذا المجلد أن نتناول خصوصية الظاهرة الصهيونية وأن نبيِّن البُعد الصهيوني أو «صهيونية» الظواهر الإسرائيلية المختلفة.
تطبيع المصطلح
‏Normalization of Terminology
حاول الخطاب السياسي العربي أن يتعامل مع الظاهرة الصهيونية في تفردها وعموميتها، فهي كانت بالفعل ظاهرة جديدة كل الجدة على الشعب العربي سواء في فلسطين أن خارجها: أن تأتي كتلة بشرية، تحت رايات الاستعمار البريطاني وتدريجياً تبدأ في احتلال الأرض إما بالقوة العسكرية أو من خلال شراء الأراضي إما مباشرةً من بعض كبار الملاك أو بشكل غير مباشر من خلال وسطاء ثم تتحول الكتلة البشرية الغازية، بين يوم وليلة، إلى دولة تستولي على جزء كبير من فلسطين ثم تقوم بطرد السكان الأصليين، يساندها في ذلك العالم الغربي بأسره.

ورغم أن التجربة الصهيونية الاستيطانية تجربة فريدة في كثير من جوانبها إلا أن هناك جوانب منها مشتركة مع ظواهر أخرى، فهي جزء من الغزوة الاستعمارية التي أخذت شكل استعمار عسكري مباشر في بعض البلدان العربية. فهناك التجربة المصرية والسودانية والعراقية واليمنية مع الاستعمار البريطاني، والتجربة السورية واللبنانية والمغربية والتونسية مع الاستعمار الفرنسي، والتجربة الليبية والصومالية مع الاستعمار الإيطالي. كما أخذت الغزوة الاستعمارية شكل الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر. كما يُلاحَظ أن الاستعمار الإنجليزي أخذ شكل الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في جنوب السودان، حيث قام بنقل (ترانسفير) السودانيين المسلمين حتى يجعل الجنوب خالياً من العرب (بالألمانية: أراب راين Arabrein)
وفي محاولة الخطاب العربي وصف الغزوة الصهيونية في خصوصيتها وعموميتها، كان أول مصطلح استُخدم هو «إسرائيل المزعومة» ، وهو مصطلح ليس له أية مقدرة تفسيرية، وكان تعبيراً عن عدم التصديق العربي لما حدث. وظهرت مصطلحات مماثلة أخرى مثل «شذاذ الأفاق» . وهو مصطلح استُخدم في فلسطين للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة، يحاول التهوين بشكل مبالغ فيه من ظاهرة الغزو الصهيوني، وإن كان قد نجح في رصد ظاهرة عدم التجذر التي تسم المجتمعات الاستيطانية. ولكن مع منتصف الخمسينيات بدأ الحديث عن إسرائيل باعتبارها "مخلب القط" للاستعمار الغربي (وهو مصطلح استمر فيما بعد في عبارة "إسرائيل كحاملة طائرات") ، وباعتبارها "قاعدة الاستعمار الغربي". وهي مصطلحات تقترب إلى حدٍّ ما من الطبيعة الوظيفية للظاهرة الصهيونية.

ولا يزال الخطاب العربي يتأرجح في محاولته تسمية دولة إسرائيل فهي أحياناً «الدولة الصهيونية» وأحياناً أخرى «الدولة اليهودية» ، وهناك من يشير إليها أحياناً باعتبارها «الدولة العبرية» . ونحن لا نستخدم اصطلاح «الدولة اليهودية» (إلا إذا اضطرنا السياق لذلك) لأن ليس له قيمة تصنيفية أو تفسيرية، إذ لا يمكن تفسير سلوك إسرائيل استناداً إلى التوراة والتلمود. كما لا نستخدم مصطلح «الدولة العبرية» لأنه لا دلالة له، ولأنه يحاول تطبيع الدولة الصهيونية إذ أنه يفترض وجود ثقافة عبرية وهوية عبرية ذات مصالح قومية محددة، وهو أمر خلافي إلى حدٍّ كبير. فالدولة الصهيونية لا تزال تدَّعي أنها دولة كل يهود العالم، وهي ولا شك مجتمع مهاجرين غير مستقر ولم تتحدد هويته بعد. وهي لا تزال تشغل الأرض الفلسطينية وترفض عودة الفلسطينيين. ومن ثم فنحن نشير لإسرائيل باعتبارها «الدولة الصهيونية» ، و «الصهيونية» هنا تعني «الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني» . كما نشير لها بأنها «الدولة الوظيفية» أو «الدولة الصهيونية الوظيفية» !
وهناك بعض المصطلحات مثل: «فلسطين المحتلة» ـ «التجمُّع الصهيوني» ـ «الكيان الصهيوني» ذات مقدرة تفسيرية عالية لأنها لا تعكس الإدراك العربي للظاهرة الصهيونية وحسب، وإنما تقترب إلى حدٍّ كبير من بنية الكيان الصهيوني.
فلسطين المحتلة
‏Occupied Palestine

«فلسطين المحتلة» مصطلح يتواتر في الخطاب السياسي العربي يؤكد أن وضع فلسطين لم يتقرر بعد وأنها لم تصبح بعد إسرائيل بشكل نهائي، وأن الأمور لم يتم تسويتها وتطبعها، وأن فلسطين في نهاية الأمر ليست "أرضاً بلا شعب" كما كان الزعم. لكل هذا فنحن نرى أن مصطلح «فلسطين المحتلة» مصطلح منفتح يترك الباب مفتوحاً أمام الجهاد والاجتهاد، ولا يقبل الأمر الواقع والوضع القائم (المبني على الظلم) باعتباره نهائياً. وبعد عام 1967 تشير كثير من الأدبيات العربية إلى «فلسطين المحتلة عام 1948» مقابل «فلسطين المحتلة بعد عام 1948» .
وكثير من الصهاينة يدركون هذا البُعد في الخطاب العربي. وقد صرح مناحم بيجين وغيره أنه لو كانت «إسرائيل» هي «فلسطين» ، لفقدت الصهيونية صفتها باعتبارها حركة تحرُّر وطني للشعب اليهودي وأصبحت عملية استعمار واغتصاب. وعلى كلٍّ قررت الدولة الصهيونية ألا تغلق باب الاجتهاد تماماً ولذا فهي لم تحدد حدودها حتى الآن، وهي مستمرة بكل إصرار في إقامة المستوطنات للصهاينة والمعازل للفلسطينيين، أي أنها بمعنى من المعاني رفضت تطبيع ذاتها، مما يعني أن الحلبة لا تزال مفتوحة لكل أشكال الحوار الأخرى بما في ذلك الحوار المسلح، ومن ثم فإسقاط مثل هذا المصطلح هو سقوط في عملية التطبيع المعرفي والمصطلحي.
التجمع الصهيوني
‏Zionist Aggregate

«التجمُّع الصهيوني» مصطلح يُستخدَم في الخطاب التحليلي العربي للإشارة إلى الدولة الصهيونية التي تشير إلى نفسها أحياناً بأنها «الدولة اليهودية» . والمصطلح يحاول أن يؤكد حقيقة أن إسرائيل لا تشكل مجتمعاً عادياً متماسكاً متجانساً يتسم بقدر معقول من الوحدة، وإنما هو مجرد تجمُّع من مجموعات بشرية، تتصارع فيما بينها إلا في مواجهة عدو خارجي (فهي أقرب إلى التركيب الجيولوجي التراكمي) . والإشارة إلى الدولة الصهيونية باعتبارها "تجمعاً" لا يشكل سباً لها أو تقليلاً من شأنها وإنما هو محاولة جادة للتعرف على السمات الأساسية لهذا الكيان الغريب الذي له صفاته الخاصة (وأحياناً الفريدة) .
الكيان الصهيوني
‏Zionist Entity
«الكيان الصهيوني» مصطلح يُستخدَم في الخطاب السياسي العربي للإشارة إلى الدولة الصهيونية. وهو مصطلح له مقدرة تفسيرية عالية لأنه منفتح، فهو لا يقبل القول بأن ما أُسِّس على أرض فلسطين هو مجتمع يهودي متجانس تحكمه دولة عادية، وإنما هو كيان كائن لم تتحدد صفاته بعد، أي أن المصطلح هنا يؤكد الشذوذ البنيوي لهذا الكيان الذي غُرس في فلسطين المحتلة غرساً وفُرض عليها فرضاً. ولأنه كيان مشتول لا جذور له فإنه يمكن أن "يُنفَض" كما يُنفَض الغبار (ومن هنا كان مصطلح «الانتفاضة» ) .

واستخدام كلمة «كيان» ، شأنها شأن عبارة «فلسطين المحتلة» و «تجمُّع» لا تتضمن أيَّ شكل من أشكال السب أو القدح، وإنما هو محاولة جادة للابتعاد عن القوالب اللفظية الجاهزة التي تسقط في العموميات وتتجاهل المنحنى الخاص للظاهرة وتقوم بالتطبيع المعرفي للظاهرة الصهيونية. واستخدام هذه المصطلحات لا يعني أن «الكيان الصهيوني» أقل قوة أو بطشاً أو تواجداً من الناحية العسكرية من «الدولة الصهيونية» ، فجماعات المغول التي اكتسحت العالم الإسلامي وأسقطت الخلافة وهدَّدت العالم المسيحي، لم يكن تشكل دولة ولا حتى قبائل رعوية في بقعة محددة، وإنما، كما يبدو، كانت فائضاً سكانياً ضخماً قذفت به سهوب منغوليا الشاسعة عبر موجات متكررة، فاكتسحت الصين والهند ثم العالم الإسلامي. وكان هذا الفائض يتسم ببراعة عسكرية فائقة ومقدرة على إدارة الحرب النفسية وكان يحمل رغبة صادقة في تحطيم الحضارة الإنسانية باعتبارها تعبيراً عن شكل من أشكال الانحلال.
والكيان الصهيوني هو أيضاً شيء فريد، فائض بشري أرسلته أوربا إلى فلسطين، بعد أن قامت بتسليحه ودعمه وتغطيته عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. وأوربا تشكيل حضاري أحرز تقدماً تكنولوجياً ضخماً تملك ناصيته المستوطنون الصهاينة، كما تملَّكوا ناصية أساليب الإدارة المتقدمة التي طوروها. ولكن كل هذا لا يجعلهم مجتمعاً أو دولة "عادية"، ومن هنا استخدام مصطلح مثل «تجمُّع» أو «كيان» .
المشروع الصهيوني
‏Zionist Project
«المشروع الصهيوني» عبارة تتردد في الخطاب السياسي العربي يُقصد منها أحياناً المخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين وطرد أهلها أو الهيمنة عليهم (ويُقصد منها أحياناً أخرى المؤامرة اليهودية التي لا تنتهي) .

ويمكن القول بأن المشروع الصهيوني هو النموذج المثالي الصهيوني (ما ينبغي أن يكون) . وتتبدى من خلال هذا المشروع كل سمات الشذوذ البنيوي التي اتضحت فيما بعد من خلال الأداء الصهيوني. فالمشروع يتحقَّق في الزمان والمكان، الأمر الذي يعني أن التناقُض بين ما ينبغي أن يكون وما يتحقَّق بالفعل يأخذ في الظهور. ومع هذا يردد كثير من العرب أن المشروع الصهيوني خطة محكمة آخذة في التحقُّق بحذافيرها، وأن هرتزل على سبيل المثال تنبأ بأن الدولة الصهيونية ستُقام بعد خمسين عاماً وأن نبوءته قد تحققت بالفعل. وما يغفل عنه الكثيرون أن عدد النبؤات الصهيونية الذي لم يتحقق يفوق كثيراً عدد ما تحقَّق. فقد تنبأ هرتزل عام 1904 أن ألمانيا هي التي ستأخذ الدولة الصهيونية تحت جناحيها، أي قبل أن تأخذ الدولة النازية أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا تحت جناحيها (على طريقتها الجهنمية الخاصة) بثلاثين عاماً. وقد تنبأ بن جوريون بأنه بعد إنشاء الدولة بسنتين أو ثلاثة ستستسلم كل الدول العربية وستوقِّع معاهدات سلام مع الدولة الصهيونية وأن الفلسطينيين العرب سيتركون أراضيهم بحثاً عن الثروة في بقية العالم العربي.
ولكن الأهم من هذا كله هو التناقضات العميقة التي ظهرت والتي زادت من الشذوذ البنيوي للكيان الصهيوني. فقد خطط الصهاينة على سبيل المثال لتأسيس دولة يهودية خالصة كان من المفروض أن يهرع لها كل يهود العالم أو غالبيتهم، وكان المفروض أن تكون هذه الدولة دولة مستقلة تعتمد على نفسها وتشفي اليهود من طفيليتهم. وغني عن القول أن شيئاً من هذا لم يحدث وأن أعضاء الجماعات اليهودية لا يزالوا في أوطانهم الأصلية الحقيقية، فهم ليسوا شعباً بلا أرض، يتساءلون عن يهودية الدولة اليهودية، والأسوأ من هذا أن العرب لا يزالون يقاومون هذا الكيان الصهيوني ومشروعه فيفتحونه ويكشفون شذوذه البنيوي ويؤكدون أن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب.

السمات الأساسية للمشروع الصهيوني
‏Main Traits of the Zionist Project
تتضح السمات الأساسية للمشروع الصهيوني في عدة حقائق سنبينها على النحو التالي:
1 ـ ظهرت الفكرة الصهيونية في أوربا في القرن التاسع عشر، وهو عصر الاستعمار الأوربي القومي للقوميات الأخرى، وقد استمد كثيراً من مبرراته من الأفكار القائمة على التمييز العنصري، وتلك الخاصة بتفوق الرجل الأبيض، وغيرها من الأفكار المثيلة الرائجة آنذاك.
2 ـ انطلقت فكرة قيام كيان يهودي، ثم تحوَّل إلى صهيوني، من قبَل الزعامات الأوربية قبل أن تتحول إلى تنظيم لليهود والصهاينة:
أ) فقد أعلن نابليون عام 1799 عن استعداده للسماح لليهود بإعادة بناء الهيكل في القدس إذا ساعدوه في حربه مع بريطانيا العظمى من أجل السيادة على الشرق الأدنى والطريق إلى الهند.
ب) وأعلن بسمارك عن رغبته في إنشاء كيان يهودي حول نهر الفرات لحماية مشروع خط الملاحة الألماني التجاري الذي فكرت ألمانيا آنذاك في إنشائه لتخرج من دائرة احتكار بريطانيا للطرق التجارية المؤدية إلى الشرق الأقصى.
جـ) في عام 1837 طلب بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا من سفيره في استنبول الاتصال بيهود الشرق الأدنى ليطلبوا حماية بريطانيا لتتمكن من تحقيق وجود لها على غرار الوجود الذي حققته فرنسا في الشرق الأدنى تحت شعار حماية المسيحيين الكاثوليك وذاك الذي حققته روسيا القيصرية أيضاً تحت شعار حماية المسيحيين الأرثوذكس.
د) بعد قيام الحركة الصهيونية بتشجيع ألماني بريطاني جرى صراع حول الاستقطاب إلى أن نجحت بريطانيا في احتواء الحركة الصهيونية وإبعاد النفوذ الألماني، بوصول وايزمان وبن جوريون إلى موقع القيادة الأول.
هـ) صدر وعد بلفور من بريطانيا، إلا أن صياغته وصدوره كان جهداً بريطانياً أمريكياً مشتركاً.

و) تأخرت أمريكا في توقيع موافقتها على صك الانتداب الفرنسي والبريطاني على فلسطين والأردن وسوريا ولبنان مدة سنتين، ولم توقعه إلا بعد أن حصلت من بريطانيا وفرنسا على حقوق اقتصادية متساوية معهما في الشرق العربي.
ز) مع أن صك الانتداب على غير فلسطين نص على تمكين الشعوب ذات العلاقة من الوصول إلى مرحلة الاستقلال الوطني، إلا أن صك الانتداب على فلسطين تضمن (في المادة الثالثة منه) على تهيئة الأوضاع في فلسطين لإقامة كيان يهودي فيها.
ح) منذ قيام الكيان الصهيوني والمؤسسة المحورية فيه هي المؤسسة العسكرية، ودور القوة العسكرية الصهيونية فيه هو حماية مصالح الاستعمار في المنطقة (عدوان السويس 1956) ثم تحولت إلى قاعدة عسكرية أمريكية، فضلاً عن كونها أكبر القواعد العسكرية فاعلية بسبب موقعها الجغرافي وبسبب الدعم العسكري الأمريكي غير المحدود لبناء قوتها العسكرية، كما أنها من أقل القواعد العسكرية كلفة (450 ألف جندي في حالة التعبئة، تكلف أمريكا حوالي خمس مليارات دولار فقط سنوياً) .
ط) أصبح الكيان الصهيوني العسكري جزءاً أساسياً من إستراتيجية حلف الأطلسي في إستراتيجية المواجهة مع الاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأدنى، وتحولت ذلك وبأهدافها الخاصة (إسرائيل الكبرى) إلى مركز مؤثر حاد، مضاد للسلام المجتمعي والإقليمي في المنطقة. ومركز جذب للصراع بين الدول الكبرى بما يهدد السلام العالمي.
3 ـ الفكرة الصهيونية منذ أن قامت وكما عرفها المفكرون الصهاينة هي:
أ) إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات كهدف إستراتيجي يتم تنفيذه على مراحل.
ب) تنفيذ هذه الفكرة بالحرب العدوانية التوسعية الاستيطانية وضخ سكان المنطقة إلى الخارج بالإرهاب وضخ يهود العالم إلى الدولة بالإكراه.

جـ) عدم وضع دستور بالمعنى التقليدي لدولة الكيان الصهيوني والاكتفاء بمجموعة قوانين أساسية وذلك لتفادي وضع حدود للدولة، تقيد العمل من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى.
4 ـ يقوم الكيان الصهيوني في إطار فلسفته المجتمعية على أكثر حالات التمييز العنصري والديني والطائفي والعرْقي، حدة عبر التاريخ:
أ) فهناك تمييز بين اليهود اللاساميين (الأوربيين والأمريكان والروس) القدامى والجدد.
ب) وهناك تمييز بين اليهود اللاساميين واليهود الساميين (العرب) لمصلحة اليهود اللاساميين.
جـ) وهناك تمييز أكثر حدة في الحقوق والواجبات بين اليهود وغير اليهود وبخاصة العرب (الساميون) المسلمون والمسيحيون من الفلسطينيين (السكان الأصليين للبلاد) .
د) وتفسر الصهيونية خطر السماح للفلسطينيين المسلمين والمسيحيين بالعودة إلى وطنهم، بأن هذه العودة تؤدي إلى الإخلال بصفاء المجتمع اليهودي.
5 ـ قامت إسرائيل كدولة صهيونية من خلال ما يُسمَّى بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار الجمعية العمومية المتحدة في نوفمبر عام 1947 بتقسيم فلسطين، مع أن هذا القرار يتناقض مع المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، لأنه صادر إرادة شعب فلسطين وحقه في تقرير مصيره، فضلاً عن أن تهجير تجمعات بشرية إلى وطن يسكنه شعبه رغم إرادة هذا الشعب، ثم إعطاء هؤلاء المهاجرين حق سلب جزء من الوطن، عمل يتناقض مع الحقوق الطبيعية للشعوب التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان.
6 ـ دولة إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بفعل الغير ووفق شروط تفصيلية تناولت حتى مبادئ الدستور ونصت على عدم المساس بالحقوق السياسية والمدنية والثقافية والدينية والاقتصادية لغير اليهود في القسم المخصص لليهود في فلسطين.

7 ـ إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي وضع على قبول عضويتها في الأمم المتحدة شروط حددها بروتوكول لوزان الذي وقعته حكومة إسرائيل. وأهم هذه الشروط قيام إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين بما في ذلك شروط قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل وقرار حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم، والتعويض لمن لا يرغب في العودة منهم. ولكن إسرائيل ترفض حتى الآن تنفيذ أي قرار من قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك ما يتصل بحدودها وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم فيها، وهو ما يجعل عضويتها في الأمم المتحدة باطلة وغير شرعية.
8 ـ ترفض إسرائيل عملياً الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان على غير اليهود، كما ترفض الالتزام بالمواثيق الدولية ومنها اتفاقيات جنيف في كيفية التعامل مع شعب الأراضي المحتلة. ولا توجد دولة في الأمم المتحدة، صدرت بحقها قرارات إدانة في هذا المجال ومجال رفضها الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وقراراتها كما صدر بحق دولة إسرائيل، بما في ذلك ما يتصل بانتهاكاتها سيادة دول المنطقة وانتهاكاتها اتفاقيات الهدنة. (لبنان ـ السعودية ـ سوريا، مصر ـ العراق ـ الأردن (.
9 ـ لم يعلن القادة الصهاينة قبل قيام دولة إسرائيل موافقتهم على قرار التقسيم ورفضوه كما رفضه شعب فلسطين، ولكنهم في الاجتماع الذي عُقد في تل أبيب في ديسمبر عام 1947 قرروا عدم إعلان رفضهم له أو موافقتهم عليه، والعمل على تنفيذه كمرحلة أولى من مراحل العمل من أجل تحقيق الاستيلاء على كل فلسطين كقاعدة انطلاق باتجاه تحقيق إسرائيل الكبرى كهدف نهائي جغرافياً.
10 ـ إن التجمُّع البشري الذي يتألف منه الكيان الصهيوني لم يصل إلى مستوى المجتمع المتكامل للأسباب التالية:
· الإجماع الصهيونى
· الاعتدال والتطرف: المنظورالصهيونى.
الإجماع الصهيوني
‏Zionist Consensus

«الإجماع» في عالم السياسة هو الاتفاق بين النخبة والغالبية الساحقة من الشعب بشأن عدد من المسلمات الفلسفية والأخلاقية والسياسية. و «الإجماع الصهيوني» هو اتفاق داخل الدولة الصهيونية بين التيارات والاتجاهات والأحزاب الصهيونية التي تضم الغالبية الساحقة من المستوطنين الصهاينة بشأن الأمن وحدود الدولة والعلاقة مع الفلسطينيين ومع يهود العالم ودول العالم، وبخاصة دول العالم الغربي وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي ترعى الكيان الصهيوني. وقد تظهر اختلافات بشأن الوسائل والنهج، ولكنها لا تنصرف قط إلى المسلمات النهائية. (والعقد الاجتماعي الذي يستند إليه التجمُّع الصهيوني هو نفسه هذا الإجماع، وهو الذي يشكل المرجعية النهائية لكل الأحزاب والتيارات الصهيونية) .
وقد اهتزت معظم هذه المسلمات، نقول "اهتزت" ولا نقول "زالت". إذ أنه رغم الاهتزاز هذا، الذي فرضه الواقع المقاوم على المستوطنين الصهاينة فرضاً، تظل غالبيتهم الساحقة تدور في إطار الإجماع الصهيوني، الذي يمكن تلخيصه فيما يلي:
1 - اليهود شعب واحد، طليعته هم المستوطنون الصهاينة، وفلسطين هي أرض الميعاد أو إرتس يسرائيل (وطن اليهود القومي) وليست فلسطين، وطن أهلها. وحدود إرتس يسرائيل مراوغة مطاطة لا يمكن تحديدها في الوقت الحاضر، إذ لابد أن تتوسع إسرائيل لتصل لحدودها "التاريخية" (التي ورد ذكرها في التوراة!) . وعلى يهود العالم أن يهاجرو إلى إرتس يسرائيل وأن يلتفوا حول دولتهم الصهيونية القومية ويقوموا بدعمها مالياً وسياسياً فهي المركز وهم الهامش. هذه الدولة يجب أن تكون دولة يهودية خالصة (دولة اليهود ودولة يهودية في آن واحد) تجسِّد الرؤى اليهودية، وبإمكان اليهودي أن يحقِّق فيها ذاته وهويته.

ولكن الدولة الصهيونية بدأت تدرك أن اليهود ليسوا شعباً واحداً (كما كان يدَّعي الصهاينة قبل عام 1948) . وسؤال من هو اليهودي لا يزال سؤالاً ملحاً، يطرح نفسه على الدولة الصهيونية وعلى قاطنيها من المستوطنين الصهاينة. كما أدرك الصهاينة أن فلسطين، من خلال مقاومة أهلها، لم تعد لقمة مستساغة أو مطية سهلة أو مجالاً مفتوحاً للتوسع الصهيوني. ولم تَعُد الدولة الصهيونية تطلب من يهود العالم الغربي الهجرة إليها ولم تَعُد تتبع الأسلوب العقائدي العدواني الذي كانت تتبعه في الماضي. ومن هنا كف الحديث عن الشعارات القديمة مثل «جمع المنفيين» و «غزو الجاليات» و «تصفية الدياسبورا» و «إسرائيل الكبرى حدودياً» ، وبدأ، بدلاً من ذلك، الحديث عن «الصهيونية التكنولوجية» أو «الإلكترونية» (أي التي تساهم في بناء "الوطن القومي اليهودي" من خلال التكنولوجيا والإلكترونيات) ، كما يتحدث الصهاينة الآن عن «صهيونية الدياسبورا» و «إسرائيل العظمى اقتصادياً» المهيمنة على المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج، أي أن الحركة الصهيونية قد قبلت بأمر واقع مفاده أن اليهود ليسوا شعباً واحداً وأن إسرائيل ليست وطنهم الوحيد وأن يهود المنفى لهم حق البقاء فيه، ومن هنا قبول الصهيونية التوطينية، والتنازل عن الأهداف القصوى للصهيونية الاستيطانية المطالبة بـ «تصفية الدياسبورا» ، ومن هنا أيضاً محاولة توظيف يهود «المنفى» في منفاهم، أي أوطانهم.

2 - وجود الفلسطينيين في وطنهم فلسطين - حسب التصوُّر الصهيوني - أمر عرضي زائل، ومن ثم لابد من التخلص منهم بشكل ما (لتأسيس الدولة اليهودية المقصورة على اليهود) . وانطلاقاً من كل هذا يصبح من "حق" الدولة الصهيونية أن "تدافع" عن نفسها وعن حقوقها المطلقة بكل ضراوة من خلال "جيش الدفاع الإسرائيلي" ضد "إرهاب" السكان الأصليين، أي الفلسطينيين ممن يرفضون الإذعان للرؤية الصهيونية. وقد تتفاوت مفاهيم السلام بين حزب صهيوني يميني وآخر صهيوني يساري ولكن في التحليل الأخير نجد أن مفهوم الأمن لدى الأحزاب الصهيونية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يشير إلى مضمون واحد.
وينظر الصهاينة إلى القضية الفلسطينية باعتبارها «قضية أخلاقية» وحسب، ومن ثم يجب عدم الحديث عن "عودة" الفلسطينيين إلى ديارهم ("إعادة توطينهم" في المصطلح العربي) ، وإنما يجب الحديث عن "منح تعويضات" مالية للمتضررين منهم. أما المتبقون فيُستوعَبون في أماكن وجودهم (أي في البلدان العربية المختلفة، وبخاصة سوريا ولبنان) .
ومع هذا أدرك الصهاينة صعوبة التخلص من الفلسطينيين ومن وجودهم "العرضي الزائل". ولذا يحاول الصهاينة الآن قبول الأمر السكاني الواقع مع الاتجاه نحو تقليل الاحتكاك بالفلسطينيين ومحاصرتهم عبر إقامة كيان خاص بهم، لأنهم يهددون شرعية الوجود الصهيوني ذاته. ولكن الحديث عن "محاصرة السكان" هو نفسه دليل على الفشل الصهيوني في إنشاء الدولة الصهيونية الخالصة، وفي حماية المزاعم الصهيونية التي تحدتها الانتفاضة المباركة. وقد تحوَّل النظام الاستيطاني الصهيوني عن الإحلال وأصبح نظاماً مبنياً على التفرقة العنصرية (الأبارتهايد) .
3 - سياسة الأمر الواقع هي السياسة الوحيدة التي يمكن اتباعها مع العرب، فالأمر الواقع هو الذي يغيِّر الواقع [العربي] ويفرض واقعاً) صهيونياً] جديداً عليه ويمكن تحقيق السلام وبالشروط الصهيونية من خلاله.

وقد أثبتت الانتفاضة و"الحزام الأمني" في لبنان عدم جدوى الأمر الواقع وعبثيته واستحالة فرض السلام بالشروط الصهيونية. ولذا نجد أن الإجماع الصهيوني قد اهتز بشأن غزوات إسرائيل العسكرية "دفاعاً" عن نفسها (والتي تفرض الأمر الواقع والسلام بالشروط الصهيونية من خلالها) ، فلا يوجد إجماع بشأن حرب لبنان، ولا يكف بعض أعضاء النخبة عن الحديث عن ضرورة الانسحاب من طرف واحد (وإن ظل الإجماع الصهيوني بشأن قمع الانتفاضة، لأنها تتحدى شرعية الوجود الصهيوني ذاتها) . كل هذا يعني في واقع الأمر أن الإجماع الصهيوني يهتز في حالة قيام العرب بالمقاومة.
4 - لا يمكن تفكيك المستوطنات القائمة بالفعل، فتفكيك المستوطنات يضرب في صميم الشرعية الصهيونية، ولابد من الحفاظ عليها بشكل أو بآخر، والدولة الصهيونية تضم الضفة الغربية، وحدودها هي نهر الأردن. ولكن، هل يجب أن تكون هذه المستوطنات متصلة بطرق برية أم أنفاق تحت الأرض، أم تظل منفصلة؟ وهل هي مستوطنات أمنية مؤقتة أم دائمة؟ كل هذه أمور ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها بين أعضاء حزب العمل وحزب الليكود. إذ يرى أعضاء الليكود أن حدود إسرائيل هي نهر الأردن بالفعل وأن الوجود الإسرائيلي هناك وجود دائم، أما العماليون فمستعدون "للخروج" من هذه الأرض (من الناحية النظرية على الأقل) للحفاظ على يهودية الدولة الصهيونية فيما يُسمَّى «الصهيونية السكانية» . فضم الضفة الغربية بمن عليها سيجهز على الطابع اليهودي للدولة الصهيونية. وكل هذه الاختلافات السابقة إن هي إلا امتداد للاختلافات التي نشأت من البداية، بين التيارات الصهيونية المختلفة.

ولكن مع هذا نجد أن أمراً جوهرياً مثل الاستيطان، حجر الزاوية في الإجماع الصهيوني، قد يصبح هو الآخر موضع خلاف. فمع تزايد مشاعر العداء بين مستوطني عام 1948 (وراء الخط الأخضر) ومستوطني الضفة والقطاع، بسبب حجم الإنفاق الاقتصادي والعسكري العالي الذي ليس له عائد واضح، ظهرت أصوات كثيرة تصف هذا الاستيطان بأنه "مكلف"، أو "مترف"، أو كصنبور الماء المفتوح، وطالب البعض، من منظور صهيوني، بوقفه أو فكه أو تجميده، وبخاصة بعد أن أصبح الاستيطان «مكيف الهواء» وأصبح على الجيش حماية المستوطنين (بعد أن كانوا يشكلون طليعته العسكرية (.
5 - القدس هي العاصمة الموحدة والأزلية للدولة الصهيونية (وليست موضوعاً للمساومة) وبإمكان الفلسطينيين أن يأخذوا مكاناً خارج القدس وليسمونه ما يشاءون الـ Quds على سبيل المثال، وهذه (مع الأسف) ليست مجرد نكتة سياسية وإنما حقيقة صهيونية.
6 - الكيان الفلسطيني الذي سينشأ (في الضفة والقطاع) كيان سياسي منقوص السيادة، منزوع السلاح وبدون جيش. ويشبَّه الكيان الفلسطيني ببورتوريكو وأندورا (والأولى دولة حرة، تابعة للولايات المتحدة، لسكانها حق التصويت، دون أن يحملوا الجنسية الأمريكية، أما الثانية، فتخضع لنظام حكم تحت سيادة فرنسا وأسقف من إسبانيا [فهي تقع بين البلدين] ) . أما ماذا تُسمَّى هذه الدولة (هل هي «حكم ذاتي» أم «دولة فلسطينية مستقلة» ؟) فهذه مسألة ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها.

7 - يذهب الإجماع الصهيوني - رغم كل ديباجات الاستقلال الصهيوني والاعتماد على الذات ورفض الجوييم - إلى أنه دون الدعم الغربي، وبخاصة الأمريكي، للمستوطن الصهيوني لن يُقدر له البقاء والاستمرار، وأن هذا المستوطن الصهيوني هو أساساً دولة وظيفية أُسست للاضطلاع بوظيفة أساسية، هي الدفاع عن المصالح الغربية، وأن الغرب قد تبنى المشروع الصهيوني وضمن له البقاء والاستمرار كي يدافع عن مصالح الغرب في المنطقة، ودون أداء الدولة الصهيونية لوظيفتها، لن يكون هناك دعماً.
ولعل العنصر الوحيد الذي لم يهتز هو إدراك الصهاينة أن الدعم الأمريكي أمر حيوي وأساسي للبقاء والاستمرار الصهيونيين، أي أن كل الثوابت قد اهتزت وظهرت عليها التشققات والتغيرات إلا هذا العنصر، ومن هنا تسميتنا له "بالثابت الثابت". أما عناصر الإجماع الأخرى فقد ظهر أنها متغيرات خاضعة للتفاوض.
الاعتدال والتطرف: المنظور الصهيوني
‏Moderation and Extremism: Zionist Perspective

«الاعتدال» من «عدل» أي «سوى بين الشيئين» . و «الاعتدال السياسي» هو أن يأخذ المرء موقفاً ينزع نحو المهادنة وتقديم التنازلات في سبيل تحقيق قدر من العدل والسلام. و «التطرف» ، على خلاف «الاعتدال» ، هو «تجاوز حد الاعتدال» . وهو على زنة «تفعُّل» من «طرف» . و «الطرف» هو «حافة الشيء» . و «التطرف» ، في المصطلح السياسي، هو أن يتمسك المرء بموقفه وبالحد الأقصى لا يحيد عنه ولا يقبل تقديم أية تنازلات ولا يتهاون بغض النظر عن الأوضاع والملابسات المحيطة بالموقف. ومصطلحا «الاعتدال» و «التطرف» شائعان في الخطاب السياسي، فيوصف إنسان بأنه «متطرف» وآخر بأنه «معتدل» حسب ما يتخذانه من مواقف. ولكن ما يغيب عن الكثيرين أن التطرف والاعتدال يُقاسان بالنسبة إلى مرجعية ما كامنة، فما هو متطرف من وجهة نظر ما قد يكون اعتدالاً من وجهة نظر أخرى، وكل شيء يعتمد على المرجعية. وما يفوت من يستخدمون مثل هذه المصطلحات أن أسباب الصراع (في المجال السياسي والاقتصادي) ليس لها علاقة كبيرة بما يُسمَّى «العُقد النفسية والتاريخية» ، وإنما هي في العادة أسباب بنيوية، لصيقة بالعلاقات التي توجد في الواقع. وطالما ظلت البنية الشاذة ظل الصراع، أي أن القضية ليس لها علاقة كبيرة، في كثير من الأحوال، مع الحالة النفسية أو مع مدى استعداد أحد أطراف الصراع لإظهار الاعتدال والتسامح. ولذا فنحن نذهب إلى أن مصطلحي «الاعتدال» و «التطرف» ليس لهما مقدرة تفسيرية عالية في مجال السياسة والاقتصاد.

والأمر لا يختلف كثيراً في الصراع العربي/الصهيوني، فسبب الصراع هو الشذوذ البنيوي للكيان الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، الذي تأسس على الظلم، وتم تحقيقه من خلال الإرهاب والقمع، وطالما ظلت البنية الصهيونية الشاذة، ظل الصراع العربي الصهيوني. ومع هذا تم استخدام المصطلحين بطريقة فيها قدر كبير من السيولة وعدم التحدد. وهذا يعود إلى أن المرجعية الصهيونية والحد الأقصى الصهيوني والمسلمات النهائية (تأسيس الدولة اليهوديةالخالصة، الخالية من العرب) أخفيت تماماً عن الأنظار، وأن شعارات مثل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و"إرتس يسرائيل التي تمتد من النيل إلى الفرات" أو "على ضفتي الأردن" و"تجميع المنفيين في إرتس يسرائيل" و"نفي (أي تصفية) الدياسبورا" قد تم إخفائها عن طريق استخدام الخطاب الصهيوني المراوغ، الآلية الصهيونية لإخفاء المرجعية. ولهذا نجد أن ما يوصف بالتطرف يوماً يوصف بالاعتدال يوماً آخر وهكذا، إلى أن اقترب "الاعتدال الصهيوني" من المسلمات الصهيوني النهائية والحد الأقصى الصهيوني. فبعد إعلان وعد بلفور عام 1917 كان الصهاينة الذين يطالبون بإنشاء دولة صهيونية يعدون "متطرفين" لأن الحد الأقصى المعلن آنذاك هو "وطن قومي" وحسب. ولكن هؤلاء المتطرفون أصبحوا معتدلين في الأربعينيات حينما أصبح الشعار الرسمي للحركة الصهيونية هو إنشاء دولة صهيونية وقبول قرار التقسيم والعيش مع العرب في سلام! ومن ثم كان الحديث عن كامل أرض إسرائيل وطرد العرب هو عين التطرف الصهيوني. ولكن بعد أن قضمت إسرائيل أراض تتجاوز حدود الأرض المعطاة لها بمقتضى قرار التقسيم وبعد أن تم طرد العرب، أصبح الاعتدال الصهيوني هو تجاوز قرار التقسيم والقبول بالأمر الواقع والتمسك بحدود 1948 وببقاء الفلسطينيين خارج ديارهم. وبعد حرب 1967 كان التطرف الصهيوني هو التمسك بكل أو بعض الأراضي المحتلة بعد عام 1967 وبإقامة المستوطنات فيها. وبالتدريج، تغيَّر مثل

هذا الموقف الأخير، وأصبح الاعتدال هو قبول الأمر الواقع وتجميد المستوطنات مع الاستمرار في تسمينها (أي توسيعها) .
وينطبق الموقف نفسه على العرب بطبيعة الحال، فالمعتدل، من وجهة النظر الصهيونية، هو الذي يقبل الموقف الصهيوني المعتدل ويتغيَّر بتغيُّره. فالعربي الذي كان يقبل استيطان الصهاينة دون إنشاء دولة كان يُعدُّ (منذ عام 1917 وحتى الأربعينيات) معتدلاً، ولكنه أصبح متطرفاً بعد ذلك التاريخ. ومن كان يقبل إنشاء الدولة اليهودية وقرار التقسيم عام 1948 كان يُعدُّ عربياً معتدلاً، ولكن بعد إنشاء الدولة، أصبح مثل هذا الشخص متطرفاً. وظل الأمر كذلك حتى عام 1967 حين أصبح الاعتدال العربي هو الرضوخ لحدود إسرائيل بعد عام 1967 وأصبح تطبيق قرار 242 أو حتى إنقاص المستوطنات في الضفة الغربية هو عين التطرف العربي. ومما يجدر ملاحظته أن الحفاظ على أمن إسرائيل هو دائماً الحجة التي تُساق لتحديد مفهومي الاعتدال والتطرف، وأن مواصفات هذا الأمن تحدده الدولة الصهيونية دائماً. ويُلاحَظ، في جميع الأحوال، غياب مفهوم العدل والتآكل التدريجي لمفهوم المقاومة إلى أن أصبح أي شكل من أشكال «المقاومة» شكلاً من أشكال التطرف والإرهاب. وقد تَسلَّل المصطلحان بمرجعيتهما الصهيونية إلى الخطاب السياسي العربي وأصبح يُشار إلى «العمليات الفدائية» بأنها «عمليات انتحارية» .

ويمكننا أن نقول إن المرجعية النهائية للعقل الصهيوني هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (دولة وظيفية يقيمها الغرب ويدعمها ويضمن لها البقاء وتقوم هي على خدمة مصالحه وتجنيد يهود العالم وراءها) . وهي صيغة استعمارية استيطانية تنفي العرب وتُسقط فكرة العدل تماماً وتستند إلى القوة الذاتية للصهاينة وإلى الدعم الإمبريالي الغربي. هذا هو الأساس وما عدا ذلك تفاصيل وآليات وديباجات. فحدود الدولة وحجم الاستيطان وكثافته كلها آليات وتفاصيل خاضعة للاعتبارات الإستراتيجية الغربية وللملابسات الخاصة المحيطة بالدولة الاستيطانية والعملية الاستيطانية.
ولكن، ورغم وجود هذه المرجعية الثابتة للعقل الصهيوني، فإن موقف الصهاينة على مستوى الممارسة اليومية يتباين بين «الاعتدال» و «التطرف» فهو ليس موقفاً واحداً ثابتاً لا يتغيَّر. ولتفسير هذه الظاهرة، وحتى يمكننا أن نتوصل إلى نموذج تفسيري معقول. فلابد أن نشير ابتداءً إلى أن ثمة انفصالاً بين إدراك الإنسان لواقعه وبين استجابته لهذا الواقع وسلوكه فيه. فاستجابة الفرد لواقعه لا تحددها فقط مكوِّنات هذا الواقع المادية (مثل موازين القوى على سبيل المثال) وإنما يحددها أيضاً مركب هائل من العوامل النفسية والعصبية والتاريخية والثقافية وإدراك الآخر. ولهذا السبب، قد يكون من المفيد أن نرسم مخططاً متكاملاً لطيف الإدراك الصهيوني (الذاتي) في علاقته بموازين القوى (الموضوعية) . وقد بيَّنا في مدخل آخر (انظر: «الإدراك الصهيوني للعرب» ) أن الصهاينة يدركون العرب من خلال أربعة أنماط أساسية: العربي الحقيقي ـ العربي ممثلاً للأغيار ـ العربي الهامشي ـ العربي الغائب. ويمكن أن نرى كيف تساهم القوة في تقويض نمط إدراكي ما أو تدعيمه.

1 ـ في حالة اتجاه موازين القوى لصالح العرب وضد صالح الصهاينة، فإن هذه الموازين تدعم الإدراك الواقعي عند الصهاينة، إذ يكتشف المستوطنون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية لن تحقق لهم الأمن الذي يريدونه ولا الرفاهية التي يبغونها، ومن ثم تظهر على شاشة وجدانهم صورة العربي الحقيقي. وتساهم عملية إعادة صياغة الإدراك في تبديد الأوهام الأيديولوجية. وقد يؤدي هذا، في ظروف معينة، إلى ظهور برنامج سياسي يعكس الواقع، أي أن ميل موازين القوى لصالح العرب يؤدي إلى ترشيد العقل الصهيوني.
2 ـ في حالة اتجاه موازين القوى لصالح الصهاينة وضد صالح العرب، فإن هذه الموازين ستدعم الإدراك الصهيوني المتحيز. وسيرى المستوطنون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية قد حققت لهم الأمن الذي يبغونه ومستوى معيشياً مرتفعاً. وسيساهم ذلك في تحويل الواقع التاريخي إلى شيء هامشي باهت، ويظهر على شاشة وجدانهم صورة العربي الهامشي ثم الغائب، ويتدعم البرنامج السياسي الصهيوني بوصفه مرشداً للتعامل مع الواقع.
ويمكن أن نفسِّر التطرف والاعتدال الصهيونيين في ضوء الاحتمالين السابقين. فإن ظل العربي الحقيقي ساكناً دون أن يتحدى الرؤية أو موازين القوى، أصبح من الممكن قبوله كشخصية متخلفة هامشية غائبة، ويصبح من الممكن إظهار التسامح تجاهه، بل منحه بعض الحقوق مثل "الحكم الذاتي" (وهنا تكمن المفارقة) . أما إذ بدأ العربي الحقيقي في التحرك لتأكيد حقوقه ورفض الهامشية المفروضة عليه وتحدي الرؤية الصهيونية وحاول تغيير موازين القوة لصالحه، فإنه يصبح مصدر خطر حقيقي ويصبح من الضروري ضربه لتهشيمه وتهميشه ويصبح التسامح مرفوضاً.

نحن نعيش في عالم يؤمن بالحواس الخمس وبكل ما يُقاس، ولا يعترف بالحق أو الخير أو العدل. ولتوصيل مثل هذه القيم غير المحسوسة للعدو، لابد من الضغط على حواسه الخمس حتى يعرف أن العربي الحقيقي ليس مجرد صورة باهتة في وجدانه يمكنه تغييبها وإنما هو قوة واقعية يمكن أن تسبب له خسارة فادحة إن هو تجاهلها أو حاول تهميشها وتهشيمها.
ولعل هذا هو القصور الأساسي في محاولات التوصل للسلام حسب الشروط الصهيونية. فقد ظن مهندسو هذه الاتفاقيات أنهم عن طريق رفع رايات السلام والاعتدال والحديث الهادئ على مائدة المفاوضات سيُغيِّرون صورة العربي في وعي العالم ويهدئون روع الصهاينة ويقنعونهم بأنهم معتدلون وراغبون في السلام، وأن هذا سيخلق دينامية تفرض على الحكومة الإسرائيلية أن تصل إلى اتفاق عادل أو شبه عادل. ولكن الذي حدث هو عكس ذلك تماماً. فكلما ازداد الاعتدال العربي زاد التطرف الصهيوني وزاد التمسك بالمستوطنات وبكل شبر من الأرض المحتلة. والعكس بالعكس، فكلما زاد التطرف العربى، أي المقاومة والحوار المسلح، ازداد الصهاينة رشداً واستعداداً لتَقبُّل فكرة السلام الذي يستند إلى العدل، بدلاً من السلام حسب الشروط الصهيونية، أي الاستسلام الكامل.
الحوار والحوار النقدي والحوار المسلح
‏Dialogue, Critical Dialogue and Armed Dialogue

«الحوار» مصطلح يعني حرفياً حديث يجري بين شخصين. وهو ترجمة لكلمة «ديالوج» dialogue» » المكونة من مقطعين «ديا» «dia» وتعني «اثنين» ، أما «لوج» logue» » فهي من الفعل اللاتيني «لوكور» loquor» » والتي تعني «يتحدث» . فهو حديث بين اثنين (على عكس المونولوج فهو حديث شخص واحد [مونو] مع نفسه) . وكلمة «حوار» تفترض شكلاً من أشكال الندية والمساواة. ويلجأ الصهاينة إلى الدعوة إلى "الحوار" و"التفاوض وجهاً لوجه" و"الابتعاد عن عقد التاريخ وحساسيات الهوية". ومثل هذه الدعوة للحوار دون تحديد المنطلقات والأطر هي في واقع الأمر دعوة لمحو الذاكرة والتخلي عن القيم والتعري الكامل. وفي غياب الندية فإن ما يحسم الحوار هو السلاح، أي أنها دعوة للتطبيع من الجانب العربي دون أن يقوم الجانب الصهيوني بإزالة استيطانيته الإحلالية، التي تسبب شذوذه البنيوي.
ولكي يكون الحوار مثمراً لابد أن يبدأ من التاريخ والقيم ومن الواقع المركب الذي نعيشه، فالبشر ليسوا مثل الفئران عقولهم صفحة بيضاء، فنحن كلنا نحمل عبء الذاكرة والتاريخ والأخلاق وهذا ما يجعلنا بشراً، ونحن جميعاً نعيش في الواقع وندركه من خلال تجربتنا المتعينة. ولذا في أي حوار مع الآخر الصهيوني لابد أن نبدأ بتعريف المشكلة لا أن ننساها أو نتناساها، ولابد أن نتذكر أن هناك كياناً استيطانياً إحلالياً وكتلة بشرية غازية وأن ثمة «مسألة فلسطينية» متمثلة في شعب فَقَد أرضه ولم يفقد ذاكرته، ولذا فهو متمسك بها، يناضل من أجلها، أي أن الحوار لابد أن يبدأ بالاعتراف بشذوذ إسرائيل البنيوي وشرعية المقاومة وفحوى التاريخ وبالوجود الفلسطيني.
ولابد أن يبدأ الحوار من تقرير الإطار القيمي وأن العدل هو الذي يجب أن يسود وأن العنصرية شيء بغيض، ومن ثم لابد أن يتوجه الحوار لقضية الظلم الذي حاق بالفلسطينيين والتمييز العنصري الذي يلاحقهم في فلسطين المحتلة قبل وبعد عام 1967.

ويجب أن ندرك أن الحوار أنواع، فهناك الحوار بين طرفين يتفقان في المنطلقات والأطر المرجعية والمبادئ، والهدف من الحوار في هذه الحالة هو تحويل هذا التفاهم العام إلى إجراءات محددة، وهذا هو أسهل أنواع الحوار، ويمكن أن يتم بشكل سلمي.
لكن إن كان الطرفين غير متفقين في المنطلقات ولا الأطر ولا المبادئ، فيمكن في هذه الحالة إجراء ما يُسمَّى «حواراً نقدياً» ، وهو حوار يمكن أن يتم على مائدة المفاوضات وعبر وسائل الإعلام حيث يحاول كل طرف أن يبيِّن للطرف الآخر وجهة نظره وعدالتها ويبيِّن عنصرية الآخر ولاعقلانيته.
ولكن إن كان هناك حوار بين طرفين غير متفقين في المنطلقات والآراء والأطر المرجعية وكان أحد الطرفين نسبياً يرفض أي مطلقات أخلاقية ومرجعية ويجعل من نفسه مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، فإن قيام أي حوار أمراً مستحيلاً. وتسوء الأمور إن كان الطرف الذي نصَّب من نفسه المرجعية النهائية المطلقة مسلح برؤية نيتشوية داروينية، تنطلق من المبدأ القائل بأن البقاء للأصلح بمعنى الأقوى، وأن ما يحسم الأمور هو القوة العسكرية وسياسات الأمر الواقع التي تستند إلى الغزو العسكري.

ومع هذا يمكن أن ينشأ نوع من الحوار نسميه «الحوار المسلح» ، حين يقوم الطرف الذي وقع عليه الظلم بالمقاومة، فهو من خلال مقاومته وإلحاق الأذى بالآخر الظالم، يبدأ هذا الآخر في إدراك أن رؤيته للواقع ليست بالضرورة مطلقة ولا نهائية، فتنفتح كوة من الرشد الإنساني في سُحب الظلم الكثيفة ويبدأ الآخر الظالم في إدراك الظلم الذي وقع على ضحيته ومن ثم قد يُعدِّل موقفه. وهذا يتطلب رصداً ذكياً ومستمراً من جانب الضحية المقاوم، حتى يدرك أن اللحظة قد حانت للدخول في التفاوض مع الآخر الظالم. هذا لا يعني التوقف عن المقاومة، لأنه لو جرى الحوار دون المقاومة المسلحة فإن هذا الآخر، حبيس حواسه الخمسة ورؤيته الداروينية، قد يرى الرغبة في التفاوض باعتبارها مؤشراً على استعداد الضحية للاستسلام للذبح مرة أخرى. وقد أدرك الفيتناميون هذا الوضع، فدخلوا في حوار مسلح مع الأمريكيين انتهى بالطرفين إلي مائدة المفاوضات، ولكن لم يتوقف الفيتناميون عن القتال إلا بعد انتهاء المفاوضات.
وقد كان هناك حوار مسلح حقيقي بين المستوطنين الصهاينة والفلسطينيين أثناء الانتفاضة توقف مع اتفاقية أوسلو وإن كان استؤنف بشكل أقل حدة بعدها. أما في جنوب لبنان فالحوار المسلح لا يزال قائماً، حتى أن بعض القادة العسكريين الإسرائيليين يطالبون بالانسحاب من طرف واحد.
الصهيونية كغزو عسكري واقتصادي وسياسي للعالم العربى
‏Zionism as a Military, Economic, and Political Invasion of the Arab World

المشروع الصهيوني والإجماع الصهيوني ينطلقان من الصيغة الصهيونية الشاملة المهوَّدة التي تفترض أن الجماعات اليهودية شعباً له علاقة عضوية بأرض فلسطين، وأن علاقة شعب فلسطين بأرض أجداده هي علاقة عرضية واهية هامشية تبرر عملية إبادتهم وطردهم (شعب يهودي بلا أرض لأرض بلا شعب فلسطيني) . ومثل هذا المشروع لا يمكن تنفيذه إلا بحد السلاح وعن طريق الإرهاب. وقد تناولنا هذا الجانب بشيء من التفصيل في الأبواب المعنونة «الإرهاب الصهيوني قبل عام 1948» و «الإرهاب الصهيوني بعد عام 1948» ، وفي كثير من المداخل الأخرى.
ولكن الصهيونية ليست غزواً عسكرياً تقليدياً للمنطقة، وإنما هي استعمار استيطاني إحلالي يأخذ شكل دولة وظيفية (انظر الأبواب المعنونة: «إشكالية الدولة الصهيونية الوظيفية» ـ «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ـ «الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ) .
وقد بدأ كثير من المحللين العرب يتحدثون عن «التحدي الحضاري الإسرائيلي» كما لو كانت إسرائيل كياناً عادياً طبيعياً، يشكل تحدياً حضارياً، شأنها في هذا شأن إنجلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي ينافي الحقيقة إلى حدٍّ كبير.
التحدي الحضاري الإسرائيلي
‏Israeli Cultural Challenge
«التحدي الحضاري الإسرائيلي» عبارة دخلت الخطاب السياسي العربي، ومفادها أن التجمُّع الصهيوني يُمثِّل كياناً حضارياً مستقلاً متفوقاً على الكيان الحضاري العربي، وأن هزيمة العرب العسكرية هي نتيجة تخلُّفهم الحضاري، وأن العرب لو حذوا حذو الصهاينة لحققوا الانتصار عليهم.

والتحدي الحضاري هو عملية تغطي كل جوانب الحياة حيث يطرح الآخر رؤية للحياة وأسلوباً لتنظيمها يحققان نجاحاً على جميع المستويات ويحققان كل إمكانيات الإنسان كإنسان، فالتحدي الحضاري ليس مجري إنجاز تكنولوجي أو تفوُّق عسكري وإلا اضطررنا للقول بتفوق التتار على العرب لأنهم عبروا نهر دجلة على كوبري من المخطوطات العربية، ولقلنا بتفوق البرابرة على الرومان لأنهم نجحوا في غزو روما وتحطيم منجزاتها الحضارية. ولكن من الصعب قبول مثل هذا المعيار لأنه معيار أحادي يتجاهل الوجود الإنساني المُركَّب، ولأن التفوق العسكري في نهاية الأمر ليس هو التفوق الحضاري. وقد تحوَّل هذا العنصر الوحيد إلى المعيار الأوحد بتأثير الحضارة الغربية ذات الرؤية الداروينية الصريحة، التي منحته مركزية لا يستحقها.
وإذا نظرنا إلى التجمُّع الاستيطاني الصهيوني الذي يمثل التحدي الحضاري ـ حسب رؤية البعض ـ لوجدنا بالفعل تجمعاً قد حقق تفوقاً عسكرياً لا يمكن إنكاره. ولكنه تفوُّق لم يحرزه بإمكانياته الذاتية وإنما بسبب الدعم العسكري الغربي. بل إن التجمُّع الصهيوني ككل لا يعتمد على موارده الطبيعية أو الإنسانية وإنما يعتمد على الدعم المستمر من الولايات المتحدة والدول الغربية ويهود الغرب. ومن ثم فمحاولة محاكاة هذا المجتمع محاولة فاشلة، مصيرها الإخفاق.
وهذا التجمُّع الصهيوني هو مجتمع ذو توجُّه عسكري واضح، تهيمن عليه المؤسسة العسكرية التي ليس لها أي وجود ملحوظ لا بسبب غيابها وإنما بسبب حضورها الكامل العضوي في كل مؤسسات التجمُّع الصهيوني.

وهذا التجمُّع الاستيطاني الإحلالي، شأنه شأن كل الجيوب الاستيطانية الإحلالية، مبني على الحد الأقصى من العنف الموجَّه ضد الآخرين وضد الذات. فهو مبني على أكذوبة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) ، وهي أكذوبة لم يَعُد يصدقها حتى الصهاينة أنفسهم. وهو يحاول أن يكتسب شرعية وجوده إما من خلال قصص ومفاهيم توراتية (لا يؤمن بها معظم المستوطنين الصهاينة ذوي التوجُّه العلماني الشامل) أو مفاهيم جيتوية حلولية عضوية لا تختلف كثيراً عن الأساطير النازية العرْقية ولكنه يكتسب شرعية وجوده، في واقع الأمر، بالطريقة الغربية المألوفة، أي بقوة السلاح.
وهذا التجمُّع لا توجد فيه حضارة متجانسة، فكل مستوطن أحضر معه من وطنه الأصلي خطاباً حضارياً مختلفاً، وادَّعت الدولة الصهيونية أنها ستمزج الجميع في بوتقة يهودية عبرانية جديدة ليخرج منها مواطن جديد. وما حدث هو أن الخطاب الحضاري الجديد المزعوم لم يتشكل، وظهر بدلاً منه واقع حضاري غير متجانس، وأصبح الخطاب الحضاري المهيمن هو خطاب الراعي الإمبريالي، أي الخطاب الأمريكي.
باختصار شديد التجمُّع الصهيوني ليس مجتمعاً، وإنما هو "تجمع" يتسم بالشذوذ البنيوي، غُرس في المنطقة بمساعدة القوة العسكرية الغربية ومن خلال دعمها الاقتصادي والسياسي والعسكري ليقوم بدور عسكري لصالح الحضارة الغربية. ومن ثم فهو يشكل تحدياً عسكرياً وحسب، لا تحدياً حضارياً، بل إنه تحدٍّ عسكري جعلنا ننحرف عن الاستجابة للتحدي الحضاري الأصلي الذي طرحته علينا الحضارة الغربية الحديثة، وهو كيف نؤسس مجتمعاً حديثاً في إطار منظوماتنا القيمية والحضارية؟

ولعلنا لا ندَّعي حين نقول إن التحدي الحضاري للأمة التي أنتجت ابن خلدون والمتبني والغزالي وابن رشد ينبغي أن يأتي من شعب أو حضارة أنتجت أرسطو وماركس وألا يهبط إلى مستوى بناء حضاري متخلف تسيطر عليه الأفكار الجيتوية ويتزعمه بن جوريون الذي يتصور أنه يحدد سياسة بلاده الخارجية وتحركات جيوشه حسب رؤى العهد القديم وأقوال التلمود وأساطير الأولين، بشرط أن يكونوا من اليهود.
الصهيونية كغزو ثقافي للعالم العربى
‏Zionsim as a Cultural Invasion of the Arab World
يجب أن يُفهَم خطر الغزو الثقافي الصهيوني للمنطقة العربية بمعنى أوسع لا يقتصر على خطره على الفكر العربي، أي الثقافة بالمعنى الضيق، بل يشمل أيضاً الخطر الذي يواجهه نمط الحياة والسلوك والقيم والعقائد وطبيعة الولاء ... إلخ.
والخطر الثقافي، بهذا المعنى الواسع، لا يعني الخطر الذي يمثله غزو حضارة أو ثقافة متنوعة لحضارة ضعيفة أو دنيا، وإنما يعني تهديد ثقافة لثقافة أخرى بالاضمحلال أو الزوال لمجرد أن الأولى يحملها شعب متفوق عسكرياً أو تكنولوجياً دون أن تكون ثقافته بالضرورة أكثر استحقاقاً للبقاء أو أشد جدارة. والتاريخ يعرف هذين النوعين من الغزو الثقافي.

إن هذا الخطر يشترط لتَحقُّقه ابتداءً، وقبل كل شيء، هزيمة نفسية من جانب العرب، وسيادة الاعتقاد لديهم بأن سبب التفوق العسكري الذي أحرزته إسرائيل عليهم هو تفوُّق قيمي وأخلاقي وحضاري وثقافي، ومن ثم يظهر بين العرب من المفكرين والكُتَّاب من يصدقه عدد متزايد من العرب يدعون إلى احتذاء إسرائيل ليس فقط في تطبيق التكنولوجيا الحديثة بل وفيما يتعدى ذلك كالإشارة إلى أسلوبهم في التنظيم والإدارة وإلى نظامهم السياسي وعلاقاتهم وقيمهم الاجتماعية ونمط سلوكهم. وقد بدأت مثل هذه الدعوة تعبِّر عن نفسها بأساليب مختلفة، على استحياء أولاً في أعقاب هزيمة العرب عام 1967 ثم زادت جرأة في أعقاب زيارة رئيس مصر السابق للقدس عام 1977 وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979.
ومن الكُتَّاب العرب من يعبِّر عن نفس الموقف بطريقة غير مباشرة عن طريق التأكيد على أن تكرار هزائم العرب في مواجهة إسرائيل إنما يرجع إلى تَخلُّفهم عن السير في ركاب الحضارة الغربية بينما لحقت إسرائيل بها، دون أن يميِّز التمييز الكافي بين الجوانب الإنسانية البحتة في التقدم الغربي والجوانب الثقافية التي تمثل إفرازاً خاصاً لثقافة بعينها.

وبصرف النظر عن توالي هزائم العرب العسكرية على يد إسرائيل منذ عام 1948، فإن الخطر الثقافي الصهيوني قد أتيحت له الآن قناة جديدة تتمثل في قبول مصر الانفتاح الاقتصادي والثقافي على إسرائيل منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. فالسلع الإسرائيلية سوف تحمل في طياتها نمطاً للاستغلال وأسلوباً للحياة لم يختره المصري أو العربي بمحض إرادته أو بمقتضى تطوُّره الاقتصادي والاجتماعي الطبيعي. وسوف يتكرر، عن طريق إسرائيل، غزو أنماط الاستهلاك الغربية للمنطقة العربية، كما سوف يؤدي التعاون بين مصر وإسرائيل في مجالات الإعلام (إذا قُدِّر له أن يصل إلى المدى الذي تأمله إسرائيل) إلى طبع وسائل الإعلام المصرية، ثم العربية، بالطابع التجاري الاستهلاكي الذي يكرس تغريب الحياة الاجتماعية.
ومن أشد الأخطار التي يمثلها هذا الغزو، تهديده للمشروع الحضاري العربي الذي شرعت مصر في قيادته في الستينيات ولم تتمه، والذي يقوم على اعتبار الوطن العربي وحدة سياسية وثقافية، وكان يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تبلور موقف حضاري مستقل للعرب. ذلك أن من المستحيل أن نتصور أن يتم تكامل بين بلد عربي أو مجموعة من الدول العربية وإسرائيل مع وجود تكامل اقتصادي وسياسي بين الدول العربية إلا إن كان هذا التكامل الأخير في خدمة المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الصناعية أو لإسرائيل نفسها. إن ما ترتب على استعمار بريطانيا أو فرنسا في القرن الماضي، لدول صغيرة مجزأة في غربي أفريقيا مثلاً، من تكامل دولة كغانا أو نيجيريا مع الاقتصاد البريطاني، ودولة كساحل العاج أو غينيا مع الاقتصاد الفرنسي، كان ذلك وحده كافياً لعزل كل من هذه الدول عن الأخرى ولمنع قيام أي تكامل اقتصادي بين هذه الدول حتى الخاضع منها لنفس الدولة الغربية.

كذلك، فإن الانفتاح الثقافي لإحدى الدول العربية، كمصر، على إسرائيل، من شأنه أن يخلق عقبات تتراكم في وجه التكامل الثقافي العربي، كالانحسار التدريجي للتوجه العربي للتعليم، أو كالإهمال المتعمد لتعليم اللغة العربية والتاريخ العربي، بل لقواعد الدين تحت شعار الانفتاح على العالم المتحضر ومجاراة متطلبات العصر. وليس مثال دول المغرب العربي الثلاث بعيداً عنا بما ترتَّب على إخضاعها لتكامل اقتصادي وثقافي مع فرنسا من صعوبات أمام العودة بهذه البلاد إلى التكامل مع بقية الدول العربية أو حتى فيما بينها.
وإذا قُدِّر لمثل هذا الاتجاه أن ينجح، فإن أقل الاحتمالات سوءً أن يطرح العرب في النهاية أية محاولة لتقديم أية مساهمة فريدة في الحضارة الإنسانية، وأن يتحولوا إلى مقلدين ولو تعدَّى التقليد ميدان الاستهلاك إلى ميدان الانفتاح، وكذلك أن يفقد العرب إلى الأبد الفرصة التي مازالت متاحة لهم لاستلهام تراثهم الحي في بناء نمط جديد للحياة يقوم على فلسفة ونظرة متميزة إلى الإله والكون والطبيعة والعلاقات الاجتماعية وعلاقة الفرد بالدولة والمدينة بالريف وإلى ابتداع مدارس خاصة بهم في العلوم الاجتماعية والتنظيم الاقتصادي ونمط الإنتاج والتقدم المادي.
أما القول بأن إسرائيل ليست إلا بلداً صغيراً لا يمكن أن تشكِّل خطراً ثقافياً أو اقتصادياً على المنطقة العربية بالعدد الكبير لسكانها، فإنه قول يكفي لإهماله أن نتذكر كيف حكمت إنجلترا في القرن الماضي، وهي الجزيرة الصغيرة، إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، وأثرت تأثيراً بالغاً في التوجه الثقافي للدول الخاضعة لها.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية - الدولة الصهيونية الوظيفية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

المضمون الطبقي للصهيونية
‏Class Content of Zionism
قضية المضمون الطبقي للصهيونية قضية مركبة ومتشابكة إلى أقصى حد، ومعظم التعاريف المطروحة تفتقر إلى إدراك الكل وتهمل كثيراً من المعطيات وتركز على الأجزاء. وقد بيَّنا في مداخل أخرى (انظر: «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» ـ «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» ـ «صهيونية غير اليهود العلمانية» ) أن ثمة صيغة صهيونية أساسية تبنتها بعض الأوساط التجارية البروتستانتية في أوربا (وخصوصاً في إنجلترا) وأضفت عليها ديباجات مسيحية ثم تبنتها الأوساط الاستعمارية الغربية (وخصوصاً أيضاً في إنجلترا) ، واستخدمت ديباجات علمانية نفعية، وأضافت بعض عناصر جديدة لها، فتحوَّلت إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ويبدو أن مثقفي يهود شرق أوربا من البورجوازيين الصغار الذين لم تُتَح أمامهم فرصة للحراك الاجتماعي اكتشفوها من خلال كتابات الصهاينة غير اليهود. وقد هيأتهم تجربتهم التاريخية الخاصة مع التحديث المتعثر في بلادهم لتبنِّي هذه الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كفلسفة سياسية وتطويرها وتهويدها. ولعلهم قد توصَّلوا هم أنفسهم إلى بعض جوانب هذه الصيغة دون أي تأثير خارجي، وذلك انطلاقاً من تجربتهم في شرق أوربا، ومما لا شك فيه أن صهيونية غير اليهود كان لها أعمق الأثر فيهم وفي تفكيرهم وتَوجُّههم. ومن الصعب القول بأن هذه الفئة أو تلك، وهذه الطبقة أو تلك، هي المسئولة عن تكوين الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة أو نشرها، فكلهم اشتركوا في ذلك، وبالتالي فإن من الصعب تحديد مضمونها الطبقي بالشكل المباشر المألوف.

وإذا كانت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة نفسها تتسم بعدم التحدُّد، فإن الممارسة الصهيونية لا تختلف عنها كثيراً في هذا المضمار. فقد لجأ مثقفو شرق أوربا إلى الاستعمار الغربي ليساعدهم على تحويل الفكرة إلى مشروع. وتم نوع من أنواع الاتفاق بين الطرفين (العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم) تعهدت الحركة الصهيونية بمقتضاه بنقل الفائض اليهودي إلى فلسطين، وهي عملية نقل أو ترانسفير تُفقد أعضاء هذا الفائض مضمونهم الطبقي القديم وتكسبهم مضموناً جديداً. فالعامل الثوري من روسيا، والبقال المحافظ من بولندا، والرأسمالي الليبرالي من ألمانيا حينما يتم نقلهم إلى فلسطين تحت رعاية الإمبريالية، يصبحون جميعاً أداة في يد الاستعمار رغم حديث الأول عن الثورة الحمراء والثاني عن الإصلاح الاجتماعي والثالث عن الحرية والإخاء والمساواة.

وحينما طُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة على أعضاء الجماعات اليهودية، لم يتم تعديلها بأي شكل جوهري وإنما أضيفت لها عدة ديباجات يهودية متنوعة هدفها مساعدة المادة البشرية على استبطان الصيغة، الأمر الذي جعلها صيغة مراوغة ازداد مضمونها الطبقي والسياسي غموضاً وهلامية. وقد أشرنا إلى وجود صهيونيتين مختلفتين متناقضتين: إحداهما توطينية والأخرى استيطانية، تقومان بتجنيد أعضاء الجماعات اليهودية للمشاركة في التوطين أو الاستيطان، ولكلٍّ ديباجاتها. فقامت الصهيونية التوطينية بتجنيد يهود الغرب المندمجين، وضمنهم الأثرياء وأعضاء الطبقة الوسطى والفقراء، وقامت أيضاً بتجنيد أي فائض بشري في شرق أوربا سواء كانوا عمالاً أو فلاحين أو بورجوازيين صغاراً. ثم فرضت الصهيونية بعد إنشاء الدولة مضمونها الصهيوني العام على يهود البلاد العربية الذين يضمون عناصر قبلية وعمالاً وفلاحين ومثقفين ومموِّلين كباراً. وهي تقوم الآن بتجنيد يهود الولايات المتحدة بكل طبقاتهم، كلٌّ حسب هواه، لأغراض صهيونية مختلفة. والهجرات الصهيونية المختلفة تبيِّن غياب البُعد الطبقي المحدَّد، فأعضاء الهجرة الثانية يختلفون عن أعضاء الهجرة الثالثة ويختلف أعضاء كل الهجرات الإشكنازية عن أعضاء الهجرات من البلاد العربية. وبوصول يهود الاتحاد السوفيتي (من دولة اشتراكية غربية أصبحت بغير تَوجُّه عقائدي واضح) ويهود الفلاشاه (من دولة إثيوبيا ذات الطابع القَبَلي) ، يصبح تحديد المضمون الطبقي بالطريقة المألوفة أمراً مستحيلاً.

وغني عن القول أن المضمون الطبقي للصهيونية قد ازداد ترهلاً وهلامية عبر السنين واكتسب لوناً يهودياً فاقعاً، وخصوصاً بعد ظهور الصهيونية الحلولية العضوية وصهيونية عصر ما بعد الحداثة، وازداد ضبابية بعد ظهور الصراعات الإثنية بين الإشكناز من جهة والسفارد واليهود العرب من جهة أخرى، وبعد انقسام النظام الحزبي الإسرائيلي على أساس إثني وديني، وانضمام اليهود الشرقيين الفقراء الساخطين إلى حزب الليكود الإشكنازي الذي يمثل، فيما يمثل، أصحاب رؤوس الأموال! ويمكن القول بأن حركيات التجمُّع الصهيوني تجعل تبلوُر تشكيل طبقي محدد داخله أمراً عسيراً لأنه تجمُّع مهاجرين (ونازحين) ، ولأنه في نهاية الأمر تجمُّع مغروس في المنطقة يعتمد على التمويل الخارجي الذي يُضعف بنيته الطبقية.
ولكن انعدام المضمون الطبقي أو ترهله أو تنوعه أو فشله في التبلور والتشكل (الأمر الذي يجعل التصنيف بالطريقة المألوفة صعباً بل ومستحيلاً) لا يعني استحالة تصنيف دولة إسرائيل وطبيعة بنائها الاجتماعي وتَوجُّهها السياسي أو الإستراتيجي، كما أنه لا يعني أن إسرائيل ثمرة الميثاق الذي تم عقده بين الرب وشعبه، كما يتوهم الصهاينة العضويون أو كما يدَّعون، ولا يعني أن الدولة الصهيونية قد تم تأسيسها لتبيع وتشتري في السوق الشرق أوسطية كما يدَّعي صهاينة عصر ما بعد الحداثة. ولعل الأساس التصنيفي للدولة الصهيونية لا يوجد في مضمونها الطبقي وإنما في كونها امتداداً لوضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية كجماعة وظيفية، وفي كونها دولة وظيفية مملوكية عميلة.
الدولة الصهيونية الوظيفية
‏The Functional Zionist State

ترجع المسألة اليهودية في أوربا إلى عدة أسباب من أهمها ـ في تصوُّرنا ـ وضع الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية باعتبارها جماعات وظيفية لم يَعُد لها دور تلعبه، وهو الأمر الذي يُفسِّر ظهور كل من المسألة اليهودية والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي طُرحت باعتبارها حلاًّ لها. وهو حل يفترض أن الجماعات اليهودية عنصر حركي عضوي مستقل بذاته غير متجذر في الحضارة الغربية، يستحق البقاء داخلها إن كان نافعاً يلعب الوظيفة الموكلة إليه، فإن انتهى هذا النفع وجب التخلص منه (عن طريق نقله خارجها) . والواقع أن عملية النقل تحل المشكلة لأنها تتضمن خلق وظيفة جديدة له. وهذا هو الإطار الذي يدور في نطاقه وعد (أو عقد أو ميثاق) بلفور، أهم حدث في تاريخ الصهيونية، فهو يطرح حلاًّ لمسألة الجماعة الوظيفية اليهودية التي لم يَعُد لها نفع داخل الحضارة الغربية وأصبح أعضاؤها فائضاً بشرياً يهودياً لا وظيفة له.

وقد أدرك الفكر الصهيوني بين اليهود (بشكل جنيني) وضع الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية، فأشار هرتزل وبنسكر إلى اليهود كأشباح وطفيليين، ووصفهم نوردو (وهتلر من بعده) بأنهم مثل البكتريا. وكل هذه الصور المجازية هي محاولة لوصف هذا الكيان الذي يوجد في المجتمع دون أن يكون منه، يتحرك فيه دون أن يضرب فيه جذوراً، وهو كيان أساسي لإتمام كثير من العمليات دون أن يكون جزءاً من الجسم الاجتماعي نفسه. وحديث هرتزل عن اليهود باعتبارهم "أقلية أزلية"، وكذلك حديث بوروخوف عن "الهرم الإنتاجي المقلوب"، هو في صميمه حديث عن الجماعات الوظيفية دون استخدام المصطلح بطبيعة الحال. وقد قام الصهاينة من اليهود (وخصوصاً الصهاينة العماليون) بتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وتقديم قراءة "يهودية" للحقيقة التاريخية التي تستند إليها (أي اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية) . فوصفوا وضع اليهود الوظيفي بأنه مرض لابد من علاجه، فاليهود حسب هذا التصور شعب عضوي متكامل (شعب مثل كل الشعوب في الصيغة العلمانية، وشعب مقدَّس في الصيغة الدينية) وقد تَبعثَّر هذا الشعب فيما بعد وتَشتَّت وتَحوَّل إلى شعب في المنفى: جماعات متناثرة ذات وظيفة محدَّدة. هذه الوظيفة هي الاقتراض والربا في المنظومة الصهيونية العمالية، وهي وظيفة الشعب الشاهد في المنظومة الصهيونية الدينية (المسيحية أو اليهودية) . وقد نجم عن ذلك تَشوُّه هذا الشعب. ويأخذ هذا التشوه شكل الهرم الإنتاجي اليهودي المُشوَّه أو المقلوب في المنظومة العمالية حيث يُفترَض أن اليهود، حينما كانوا شعباً، كان لهم هرمهم الإنتاجي السوي، بحيث يشغلون كل درجات الهرم الإنتاجي. ولكنهم، بتشتُّتهم، أصبحوا يتركزون في قمة الهرم وحسب (أما الإثنيون فيرون أن مصدر التشوه فشل الشعب في الحفاظ على هويته الإثنية الدينية أو الإثنية العلمانية) . وانطلاقاً من هذا الافتراض، يطرح الصهاينة أمنية

أن تتحول هذه الجماعات الوظيفية إلى شعب مرة أخرى. وهذا ما عبَّر عنه هرتزل بحديثه عن تحويل اليهود من طبقة إلى أمة، وما عبَّر عنه بوروخوف بقوله إن اليهود سيصبحون شعباً تشغل طبقاته قمة الهرم ووسطه وقاعدته، فيقف الهرم على قاعدته لا على رأسه، وما عبَّر عنه كوك بقوله إن الوحي الإلهي (والدائرة الحلولية) لا تكتمل إلا بعودة الشعب اليهودي إلى أرضه. ولكن كل هذا لا يتم إلا بحصول اليهود على أرض مستقلة يؤسسون فيها دولة قومية. وتأسيس دولة إسرائيل، من ثم، هو تحقيق لهذه الرؤية.
هذا هو التصوُّر الصهيوني أو الديباجة الصهيونية. ولكن ما حدث بالفعل هو أن التشكيل الاستعماري الغربي قد جَمَع بعض «المنفيين» الذين هم في واقع الأمر أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية التي فَقَدت وظائفها وتحوَّلت إلى فائض بشري، وهي جماعات كانت تضطلع بمهام عديدة من أهمها الأعمال المالية (التجارية والربوية) في مجتمعات مختلفة. وقد قام هذا التشكيل الاستعماري بنقل أعضاء هذا الفائض إلى فلسطين وتحويله إلى جماعة وظيفية واحدة تأخذ شكل دولة تضطلع بدور أساسي: الاستيطان والقتال. وهو دور نَصفه بـ «الدور المملوكي» ، فالمماليك جماعة وظيفية تم استيرداها إلى الشرق العربي للاضطلاع بدور القتال.

ويمكن هنا أن نطرح سؤلاً: لمَ لجأ الغرب إلى آلية الدولة الوظيفية لتحقيق أهدافه، وذلك بدلاً من الآلية الأكثر شيوعاً، أي آلية الجماعة الوظيفية؟ ولمَ لمْ يُوطِّن الاستعمار الغربي اليهود في فلسطين ليقوموا بدور الجماعة الوظيفية القتالية التي تعمل تحت إشرافه ولصالحه بشكل مباشر كما فعل الفرس والهيلينيون من قبل حيث وظفوا الجماعات اليهودية بهذا الشكل؟ هناك مركب من الأسباب لتفسير هذه الظاهرة، ولعل أهمها هو طبيعة المجتمعات في العصر الحديث حيث تغلغلت فيها مُثُل الديموقراطية والعدالة الاجتماعية وهي مجتمعات تربطها وسائل الاتصال الحديثة (من صحافة وتليفزيون ووسائل مواصلات واتصال) تجعل الاحتفاظ بطبقة منعزلة حضارياً، ومتميِّزة وظيفياً وطبقياً، أمراً عسيراً، بل مستحيلاً. ولكن إذا شكلت هذه الطبقة دولة قومية مستقلة، فيمكنها حينذاك أن تحتفظ بعزلتها وتَميُّزها بسهولة ويُسر، كما يمكن تسويغ وجودها وحقها في البقاء باللجوء إلى ديباجة حديثة، ويصبح الاستعمار الاستيطاني «حركة تَحرُّر وطني» ، ويتخذ اغتصاب فلسطين اسم «إعلان استقلال إسرائيل» ، ويصبح الدور القتالي «دفاعاً مشروعاً عن النفس» ، وتتخذ قوات الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية اسم «جيش الدفاع الإسرائيلي» ، وتصبح العزلة هي «الهوية» ، وتصبح لغة المحاربين لا التركية أو الشركسية (كما هو الحال مع المماليك) وإنما العبرية، وهي لغة أهم كتب العالم الغربي المقدَّسة. ويعيش أعضاء الجماعة الوظيفية القتالية لا في جيتو خاص بهم أو ثكنات عسكرية مقصورة عليهم وإنما داخل الدولة/ الشتتل/القلعة، ويستمرون في تعميق هويتهم (أي عزلتهم) وفي القتل والقتال نظير المال والمكافآت الاقتصادية وغير الاقتصادية السخية، متخفين خلف أكثر الديباجات رقياً وحداثة.

لكل هذا، لجأ العالم الغربي لصيغة الدولة الوظيفية الاستيطانية القتالية (المملوكية) وذلك بدلاً من الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية. وهذا هو الترجمة الدقيقة للشعار الصهيوني: تحويل اليهود من طبقة (أي جماعة وظيفية) إلى أمة (أي دولة وظيفية) .
ويذهب المفكرون الصهاينة إلى أن حل المسألة اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي مسألة مستحيلة، ولذا طُرحت الصهيونية باعتبارها العقيدة التي حاولت أن تُحقِّق لليهود من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي ما فشلوا في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري الغربي. ولكن الدارس المدقق سيكتشف أن ما حدث هو في الواقع إعادة إنتاج للنمط نفسه: المجتمع الغربي المضيف الذي يحوسل الجماعة اليهودية ويُوظِّفها لصالحه ويدعمها بمقدار نفعها. فالدولة الصهيونية، رغم حداثة شكلها، إن هي إلا إعادة إنتاج لواحد من أكثر أشكال التنظيم الاجتماعي تخلفاً وكموناً وتواتراً في الحضارة الغربية.
ويمكننا أن نطرح السؤال التالي: لماذا تم تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية لتأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية، دون غيرهم من الأقليات؟ لا يمكن القول بأن المجتمع يفرض على الجماعة الوظيفية وضعها الوظيفي، كما لا يمكن القول بأن هذا الوضع الوظيفي من اختيار الجماعة الوظيفية. فظهور الجماعة الوظيفية واضطلاعها بدورها يعود لظروف عديدة مركبة، إذ تنشأ حاجة لجماعة غريبة تضطلع بوظيفة يرى مجتمع ما أنه غير قادر على أدائها، إما لأنها مشينة أو لأنها متميِّزة جداً أو لأنه لا يملك لا المادة البشرية ولا الخبرة لأدائها. وعادةً ما تُوجَد مادة بشرية مناسبة (إما خارج المجتمع أو داخله) لأداء مثل هذه الوظيفة.
وما حدث في حالة الدولة الصهيونية الوظيفية في فلسطين هو عملية مماثلة:

1 ـ نشأت حاجة داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي لتأسيس جيب استيطاني قتالي مملوكي يُشكِّل قاعدة للاستعمار الغربي في فلسطين، وبخاصة مع تَوقُّع سقوط الدولة العثمانية، التي كانت فلسطين تقع في وسطها في مكان يبلغ الغاية في الأهمية من الناحية الإستراتيجية.
2 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية مرشحين لأن يلعبوا دور المادة البشرية التي تفي بهذه الحاجة للأسباب التالية:
أ) النزوع "الصهيوني" نحو نقل اليهود إلى فلسطين، نزوع متأصل في الحضارة الغربية، إذ أن هذه الحضارة كانت تنظر لليهود باعتبارهم وسيلة لا غاية، وباعتبارهم شعباً عضوياً لا ينتمي للحضارة الغربية.
ب) في أواخر القرن التاسع عشر، كانت الغالبية الساحقة من يهود أوربا من نسل يهود بولندا الذين كانوا يعملون داخل نظام الأرندا الذي سميناه «الاقطاع الاستيطاني» ، فكانوا يُشكِّلون عنصراً استيطانياً يقوم بجمع الضرائب واستغلال الفلاحين الأوكرانيين لصالح طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) وفي حماية القوة العسكرية البولندية (ولذا فقد سميناهم «المماليك المالية» ، فهم مماليك لا يحملون سيفاً وإنما يحملون رأس المال الربوي) . ومع بدايات القرن التاسع عشر، ومع تَزايُد هيمنة الدولة القومية المركزية، فَقَد أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية دورهم وتحولوا إلى فائض بشري يهودي بدأ يهدد الأمن الاجتماعي في كثير من دول أوربا الشرقية، وبدأ يتدفَّق على دول أوربا الغربية والولايات المتحدة فيهدِّد الأمن الاجتماعي فيها أيضاً (أو هكذا تصوَّر كثير من أعضاء النخبة الحاكمة وأعضاء الجماعات اليهودية المندمجون في الغرب) .

جـ) كان اليهود، باعتبارهم شعباً عضوياً، حسب التصوُّر الغربي، مرتبطين بشكل عضوي بفلسطين. وكانت كل دولة تُصدر وعُودَها البلفورية، كما كان لكل دولة مشروعها الصهيوني الخاص الذي يرى اليهود باعتبارهم المادة البشرية المناسبة. ففكَّر بسمارك في توطين اليهود في منطقة حدودية محاذية لخط بغداد ـ برلين ليصبحوا جماعة وظيفية تصطدم بالسكان وتعتمد على ألمانيا لحمايتها. بل نجد الفاشيين تحت حكم موسوليني والنازيين تحت حكم هتلر كان لهم أكثر من مشروع. وبطبيعة الحال، كان هناك المشاريع الإنجليزية والفرنسية المختلفة.
وقد رفضت المادة البشرية اليهودية في بداية الأمر فكرة الدولة الوظيفية. ومع تَعثُّر التحديث، طرحت مسألة يهود شرق أوربا نفسها على أوربا، وبدأت أعداد من اليهود تفكر في الانتقال. وبدأ تهويد الصيغة الشاملة، وهو ما جعل بإمكان أعضاء الجماعات اليهودية استبطانها. ثم ظهر هرتزل الذي طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية. وقد أفرز هذا في نهاية الأمر المنظمة الصهيونية التي وقَّعت العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم والذي تم بمقتضاه تأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية التي هي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية التي تحركت في إطاره الجماعات اليهودية في الغرب.

ومفهوم الدولة الصهيونية الوظيفية له قيمة تفسيرية عالية، ونحن نرى أن كثيراً من الدارسين قد أخفقوا نسبياً في فهم آليات الدولة الصهيونية وحركياتها لأنهم تصوَّروا أنها دولة مثل كل الدول الأخرى خاضعة للقوانين نفسها، بينما هي في واقع الأمر خاضعة لقوانين الجماعات الوظيفية. ويظهر هذا الخلل في حديث الماركسيين مثلاً عن تصعيد التناقض الطبقي داخل إسرائيل لتصبح أكثر ثورية، وفي حديث الليبراليين عن الضغط على إسرائيل (من خلال المساعدات وغيرها) لتصبح أكثر ديموقراطية، وذلك بهدف إرغامها على إعطاء الفلسطينيين حقوقهم. وهذا أمر يتنافى مع بنية الدولة الصهيونية نفسها ومع قانون وجودها، فسياسات إسرائيل الأمنية، ونمط إنفاقها، وطريقة تمويلها، وبنيتها الطبقية، وأساليبها الإدارية، لا يمكن فهمها إلا في إطار الدعم الأمريكي الذي يُقدَّم لإسرائيل بمقدار اضطلاعها بوظيفتها القتالية التي أُسِّست الدولة من أجلها في بادئ الأمر، وقد نُقل اليهود من الغرب واقتلع العرب من بلادهم للسبب نفسه. والواقع أن أية اتجاهات نحو الديموقراطية والإخاء الثوري قد تؤدي إلى الاعتراف بالفلسطينيين وبحقوقهم، لابد أن تُهدِّد الدولة الوظيفية الصهيونية من جذورها إذ أنها ستفقدها وظيفتها القتالية، أي ما يُسمَّى بقيمتها الإستراتيجية، وهي السلعة الأساسية التي تنتجها وتبيعها للغرب، وهي مصدر نَفْعها الذي يبرر وجودها واستمرار دعمها. ومن هنا، فإن فكرة السلام مع العرب تَصدُر عن المقدمات نفسها التي أدَّت إلى الصراع والقتال والعزلة مثل الزعم بأن هناك شعباً يهودياً له تراث يهودي وهوية يهودية وحقوق يهودية، وأن الدولة اليهودية ليست ثمرة التشكيل الاستعماري الغربي وإنما هي تعبير عن ذلك التراث وتلك الهوية، وأن استيطان الصهاينة في فلسطين ليس استعماراً استيطانياً إحلالياً وإنما عودة لاستعادة الحقوق اليهودية. فالسلام المقترح لا يخل بالبنية الصراعية الأساسية

الشاملة بأية حال.
ولكن، مع تطوُّر الأوضاع في العالم العربي، ومع تزايد استعداد النخب الحاكمة للانخراط في سلك النظام العالمي الجديد والخضوع للهيمنة الغربية الأمريكية، ليس من المستبعد تحقيق السلام بعض الوقت مع الدولة الوظيفية الصهيونية، إذ أن النظم العربية من خلال نخبها الحاكمة، ستصبح هي نفسها دولاً أو أنظمة وظيفية، تقوم بدور الوسيط الوظيفي بين النظام العالمي الجديد وشعوبها المستضعفة. كما أنه مع تصاعد خوف هذه النظم من الصحوة الشعبية الإسلامية، ومع تحوُّل دور إسرائيل من دولة وظيفية تضرب القومية العربية إلى دولة وظيفية تضرب الصحوة الإسلامية، ستزداد الرقعة المشتركة بين هذه النظم الوظيفية والدولة الوظيفية، ومن ثم سيمكن تحقيق السلام المبني على تَماثُل الوظيفة.
ويُلاحَظ أن الدولة الصهيونية الوظيفية نفسها قد تضم جماعات وظيفية، ومن أهم هذه الجماعات الآن عرب الأراضي المحتلة الذين بدأوا يستولون على قطاعات بأسرها كقطاع المباني كما يعملون في المطاعم إما كجرسونات أو عمال نظافة. كما أنهم بدأوا يتغلغلون في القطاع الزراعي ذاته. ويبدو أن كثيراً من اليهود الشرقيين يقومون بدور الجماعة الوظيفية (الوسيطة) بين العرب والدولة الصهيونية، فكثير من مقاولي العمال يأتون من صفوفهم، ويمكن القول أن الدولة الصهيونية الوظيفية تحاول أن تجعل من السلطة الفلسطينية دولة وظيفية تعمل لصالح إسرائيل.
الدولة الصهيونية الوظيفية: التعاقدية والنفع والحياد
‏The Functional Zionist State: Contractualization, Utilitiy, and Neutrality
تتسم الدولة الصهيونية الوظيفية بكل سمات الجماعة الوظيفية، وأول هذه الصفات هي التعاقدية والنفع والحياد.
1 ـ الوظيفة القتالية والعائد الإستراتيجي:

من أهم وظائف الدولة الصهيونية الوظيفية أنها تقوم بالأعمال المشينة التي لا تستطيع الدول الغربية الاضطلاع بها نظراً لكونها دولاً "ليبرالية" و"ديموقراطية" تود الحفاظ على صورتها المشرقة أمام الرأي العام العالمي وأمام جماهيرها بقدر المستطاع فتكل إلى الدولة الصهيونية مثل هذه الأعمال. ومن هذه الوظائف تزويد دول أمريكا اللاتينية العسكرية بالسلاح، والتعاون مع جنوب أفريقيا في كثير من المجالات، ومنها السلاح النووي، والقيام ببعض أعمال المخابرات والتجسس، والسماح للولايات المتحدة بإنشاء إذاعة فيها موجَّهة للاتحاد السوفيتي (سابقاً) . كما تقوم الدولة الصهيونية بتوفير الجو الملائم والتسهيلات اللازمة للترفيه عن الجنود الأمريكيين. ويبدو أن الدولة الصهيونية الآن أصبحت مصدراً لكثير من المرتزقة في العالم، كما يبدو أنها بدأت في تصدير البغايا لبلدان غربية مثل هولندا (أمستردام) وألمانيا (فرانكفورت (
وكانت أهم وظائف الدولة الصهيونية على الإطلاق، حتى عهد قريب، هو الوظيفة القتالية (لا التجارية أو المالية) فعائد الدولة الوظيفية الأساسي عائد إستراتيجي، والسلعة أو الخدمة الأساسية الشاملة التي تنتجها هي القتال: القتال مقابل المال، أي أنها وظيفة مملوكية بالدرجة الأولى. وفيما عدا ذلك، فإنها ديباجات اعتذارية وتفاصيل فرعية.

وقد تنبَّه أصدقاء الصهيونية وأعداؤها على السواء إلى طبيعة هذه العلاقة وطبيعة هذه الوظيفة منذ البداية، فتم الدفاع عن المشروع الصهيوني والترويج له من هذا المنظور، كما تم الهجوم عليه وشجبه من هذا المنطلق. فعلى سبيل المثال، صرح ماكس نوردو، في خطاب له في لندن (في 16 يونيه 1920) بأنه يرى أن الدولة الصهيونية ستكون بلداً تحت وصاية بريطانيا العظمى وأن اليهود سيقفون حراساً على طول الطريق الذي تحفّ به المخاطر ويمتد عبر الشرقين الأدنى والأوسط حتى حدود الهند. وكان حاييم وايزمان كثير الإلحاح في تأكيد أهمية الجيب الاستيطاني الصهيوني الإستراتيجية (لا الاقتصادية) ، فهذا الجيب سيشكل، حسب رأيه، «بلجيكا آسيوية» ، أي خط دفاع أول لإنجلترا ولا سيما فيما يتعلق بقناة السويس. وفي خطاب كتبه إسرائيل زانجويل (في 3 أكتوبر 1914) بيَّن أن من البدهي أن إنجلترا في حاجة إلى فلسطين لحماية مصالحها.
وأما حنه أرنت، فقد أكدت أن الصهيونية بطرحها نفسها «حركة قومية» باعت نفسها منذ البداية للقيام بالوظيفة القتالية الاستيطانية، فشعار الدولة اليهودية كان يعني في واقع الأمر أن اليهود ينوون التستر وراء القومية وأنهم سيقدمون أنفسهم باعتبار أنهم «مجال نفوذ» إستراتيجي لأية قوة كبرى تدفع الثمن.

وقد عرض ناحوم جولدمان القضية بشكل دقيق جداً عام 1947 في خطاب له ألقاه في مونتريال بكندا قال فيه: "إن الدولة الصهيونية سوف تُؤسَّس في فلسطين، لا لاعتبارات دينية أو اقتصادية بل لأن فلسطين هي ملتقى الطرق بين أوربا وآسيا وأفريقيا، ولأنها مركز القوة السياسية العالمية الحقيقي والمركز العسكري الإستراتيجي للسيطرة على العالم". ومعنى هذا أن الدولة الصهيونية لن تنتج سلعاً بعينها ولن تُقدِّم فرصاً للاستثمار أو سوقاً لتصريف السلع ولن تكون مصدراً للمواد الخام والمحاصيل الزراعية، وإنما سيتم تأسيسها لأنها ستقدم شيئاً مختلفاً ومغايراً وثميناً: دوراً إستراتيجياً يؤمِّن سيطرة الغرب على العالم، وهو دور سيكون له دون شك مردود اقتصادي، ولكنه غير مباشر.
ولا تختلف المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية ماتزبن، أي البوصلة، في وصفها وضع إسرائيل عن وصف جولدمان أو حنه أرنت، حيث ترى المنظمة، في تحليل لها صدر في الستينيات، أن الدور الذي تضطلع به الدولة الصهيونية لم يطرأ عليه أي تغيير، فهي لا تزال تشكل قاعدة لقوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها، قوة موجهة ضد العرب لخدمة المصالح الإمبريالية الإستراتيجية. وقد بيَّن ب. سبير (في علْ همشمار بتاريخ 29 أبريل 1986) أن إسرائيل قد جعلت جيشها "الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحدة"، فهي خدمة حربية كامنة جاهزة على أهبة الاستعداد لتأدية الخدمات في أي وقت.
2 ـ الجدوى الاقتصادية للدولة الوظيفية:

من المعروف أن على أعضاء الجماعة الوظيفية القيام بوظيفة ما هي في جوهرها استغلال الجماهير لصالح النخبة الحاكمة. فتقوم الجماعة بتحصيل الضرائب من الجماهير أو امتصاص فائض القيمة منها من خلال الإقراض بالربا أو التخصص في بيع سلع معينة (مثل الملح والخمور) يحتكرها الحاكم لحسابه. وكان أعضاء الجماعة الوظيفية يحققون بذلك أرباحاً عالية، ولكنهم بعد ذلك كان عليهم دفع ضرائب باهظة للحاكم. ولذا، فقد كانت معظم الأرباح تصب مرة أخرى في خزائنه، أي أن أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية كانوا في واقع الأمر من أهم مصادر الربح للنخب الحاكمة في الغرب في العصور الوسطى.
والدولة الوظيفية الصهيونية لا تقوم، مثل الجماعة الوظيفية اليهودية، بتحصيل الضرائب مباشرةً، ولكنها مع هذا تُحقِّق ريعاً عالياً للدولة الراعية لأنها تقوم بضرب تلك النظم القومية العربية التي تحاول رفع سعر المواد الخام أو حتى التحكم في بيعها وفي أسعارها أو التي تختط طريقاً تنموياً أو تتبنى سياسة داخلية وخارجية تهدد المصالح الغربية بالخطر. أما الضريبة التي يدفعها أعضاء الدولة الوظيفية الصهيونية، فهي حالة الحرب الدائمة التي يعيشونها بسبب الدور الذي يضطلعون به.

ومهما يكن الأمر، فقد أدرك الصهاينة هذه الوظيفة، كما أدركوا أنهم كلما زاد ما يحققونه من ربح لراعيهم من خلال أدائهم مهام وظيفتهم زادت فرص استمرار الدعم وفرص البقاء. ومن هنا كان تأكيدهم المستمر وإلحاحهم الدائم على الجدوى الاقتصادية للوظيفة التي يؤديها التجمُّع الصهيوني وعلى مقدار النفع الذي سيعود على الراعي والمموِّل (الإمبريالي) ، تماماً مثلما يفعل أي شخص رشيد مع أية سلعة تُباع وتُشتَرى. وبالفعل، نجد أنه، في وقت كان فيه المشروع الصهيوني لا يزال في إطار النظرية والأُمنية، كان الزعماء الصهاينة يؤكدون، الواحد تلو الآخر، أن تمويل مثل هذا المشروع الاستيطاني الصهيوني مسألة مربحة للدولة التي ستستثمر فيه. وقد أدرك هرتزل ـ بمكره ودهائه ـ أن ثورة الفلاحين المصريين ستجعل مصر مكلفة جداً كقاعدة عسكرية بالنسبة لإنجلترا، ولذا فقد أشار إلى أن المشروع الصهيوني، بتكاليفه الزهيدة، شيء مغر. واستخدم وايزمان الصورة المجازية التجارية التعاقدية نفسها حين كتب لتشرشل قائلاً: "إن السياسة الصهيونية في فلسطين ليست على الإطلاق تبديداً للموارد، وإنما هي التأمين الضروري الذي نعطيه لك بسعر أرخص من أن يحلم به أي فرد آخر". وأفاض وايزمان في شرح وجهة نظره، مبيناً أن الاستعمار البريطاني، بتأييده المنظمة الصهيونية، قد وضع ثقته في مجموعة مستعدة لتَحمُّل قدر كبير من المسئولية المادية عن الاستعمار. وإذا تبيَّن أن تكاليف الحامية البريطانية ستكون مرتفعة، عندئذ يمكن تنظيم وتسليح المستعمرين اليهود. ثم يتساءل وايزمان بشيء من الخطابية وبكثير من التوتر: "هل تمت أية عملية استعمارية أخرى تحت ظروف مواتية أكثر من هذه: أن تجد الحكومة البريطانية أمامها منظمة لها دخل كبير ولديها استعداد لأن تضطلع بجزء من مسئولياتها التي تكلفها الكثير؟ ". إن الصوت هنا صوت بائع متجول يجيد الإعلان عن السلعة، حتى لو كانت كيانه ووجوده.

ولا يختلف صوت يعقوب ميريدور وزير التخطيط والتنسيق الاقتصادي (1982 ـ 1984) كثيراً، ففي حديث له لإذاعة الجيش الأمريكي ركَّز على مدى رخص وانخفاض ثمن إسرائيل كقاعدة للمصالح الأمريكية. وقد بيَّن الوزير الإسرائيلي أن إسرائيل تحل محل عشرة من حاملات الطائرات، وقدَّم الوزير الإسرائيلي كشف حساب بسيط جاء فيه أن تكلفة بناء الحاملات العشر هذه تبلغ 50 بليون دولار. ثم أضاف الوزير، وهو الخبير بالأمور الاقتصادية، أنه لو دفعت الولايات المتحدة فائدة قدرها 10% على تكاليف تشييد هذه الحاملات (وقد كان الوزير متسامحاً مع الولايات المتحدة فلم يذكر تكلفة الجنود الذين ستحملهم حاملات الطائرات أو الحرج السياسي الذي سيسببه وجود مثل هذه القوات) ، لو دفعت الولايات المتحدة مثل هذه الفائدة لبلغت خمسة بلايين دولار. وحيث إن المعونة الأمريكية لا تصل بأية حال إلى هذا القدر، فقد اختتم ميريدور حديثه بملحوظة فكاهية ولكنها في الوقت نفسه بالغة الدلالة، إذ قال: "أين إذن بقية المبلغ؟ ". ويبدو أن هذا هو الخط الإعلامي الإسرائيلي في مواجهة الأمريكيين، ففي العام نفسه بيَّن أريل شارون أن الخدمات التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة تفوق في قيمتها ما تقدمه الولايات المتحدة من معونات لإسرائيل. ثم قال بشكل شبه جديّ ما قاله ميريدور بشكل فكاهي: "إن الولايات المتحدة لا تزال مدينة لنا بسبعين ملياراً من الدولارات".

وتَرد الفكرة نفسها، كما يرد كشف حساب مماثل، في مقال لشلومو ماعوز المحرر الاقتصادي للجيروساليم بوست بعنوان «صفقة إستراتيجية» حين أشار إلى أن الإسرائيليين يعرفون جيداً أن مساعدة الولايات المتحدة للدولة الصهيونية هي في جوهرها مساعدة لخدمة مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية. فالولايات المتحدة تدفع سنوياً 130 بليون دولار لقواتها في حلف شمال الأطلنطي و40 بليوناً للوفاء بالتزاماتها في المحيط الهادي. وبالتالي، فإن مساعداتها العسكرية والمدنية لإسرائيل صغيرة بشكل مضحك، إذا ما قُورنت بالمبالغ الآنفة الذكر، وخصوصاً إذا ما تم النظر إلى مثل هذه المساعدات باعتبارها استثماراً لحماية مصالح أمريكا في المنطقة.
هذا هو المفهوم الغربي لإسرائيل. فالمدافعون عنها في الولايات المتحدة لا يلجأون أبداً إلى الحديث عن المغانم الاقتصادية الثانوية أو المغارم الاقتصادية التافهة وإنما يشيرون دائماً إلى الحليف الذي يمكن التعويل عليه والمغانم الإستراتيجية الأساسية الشاملة الهائلة. وقد عبَّرت مجلة الإيكونومست (في 20 يوليه 1985) عن موقف هؤلاء بقولها: إذا كان بإمكان أمريكا أن تدفع 30 بليون دولار كل عام ضمن تكاليف حلف الأطلنطي (لتحقيق أهداف إستراتيجية) ، فإن من المؤكد أن إسرائيل، وهي المخفر الأمامي والقاعدة المحتملة، تستحق مبلغاً تافهاً (نحو 4 بلايين دولار آنذاك) .

وقد لخص سبير كل الموضوعات والصور المجازية السابقة فقال إن الزعماء الإسرائيليين مضطرون دائماً لأن يذكِّروا القيادة الأمريكية في واشنطن بمقدار تكلفة وجود الجيش الأمريكي في غرب أوربا بالمقارنة بتلك الهبات الممنوحة لإسرائيل. وقد بيَّن سبير أن الجيش الإسرائيلي ليس خدمة حربية كامنة وحسب، وإنما هو أيضاً خدمة رخيصة، بل إنها أرخص من أي خيار عسكري آخر محتمل لأمريكا في المنطقة. وحسبما جاء في مقاله، يوافق البنتاجون على هذا الرأي، ولذا لا يبدي خبراؤه أي تأفف إزاء الحساب الذي يقدمه الإسرائيليون، حتى أن هناك من يرى أنه رخيص نسبياً، الأمر الذي يدل على أن نبوءات الزعماء الصهاينة وحساباتهم، بشأن الجيب الصهيوني الوظيفي، كانت تتسم بالدقة، وأن السلعة الصهيونية مربحة ولا شك، وأن العقد النفعي الذي وُقِّع بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية بشأن يهود العالم لا يزال نافذاً حتى الآن وأن عائده لا يزال مرتفعاً.
3 ـ التعاقدية بين رؤية الذات ورؤية الآخر:

إن ارتباط الإنسان بوطنه ارتباط قد تُفسَّر بعض جوانبه على أُسس اقتصادية، ولكن لا يمكن ردُّه برمته إلى الدوافع الاقتصادية وحسب، فهو ارتباط لا يمكن تفسيره إلا على أُسس أكثر تركيباً. ولكن عضو الجماعة الوظيفية إنسان اقتصادي بالدرجة الأولى حبيس تجربته التي حولته إلى أداة اقتصادية، ولذا فهو يدرك الجنس البشري من خلال تجربته، ويُسقط دوافعه على دوافع الآخرين، ولذا فهو يفشل تماماً في إدراك عمق الرابطة بين الإنسان ووطنه. ولذا، نجد أن الفكر الصهيوني يدور في نطاق رؤية تعاقدية وظيفية نفعية ضيقة سواء في رؤيته لليهود أو في رؤيته للآخر، إذ أن الصهاينة يرون أن العالم بأسره إن هو إلا سوق تُباع فيها الأشياء وتُشتَرى، وضمن ذلك ما يُسمَّى «الوطن القومي» . ويبدو أنه في المراحل الأولى للحركة الصهيونية ساد تصوُّر بين المفكرين الصهاينة مفاده أن الحصول على هذا الوطن يمكن أن يتم من خلال عملية تجارية رشيدة من خلال المقايضة والمساومة والسعر المغري. وكان هرتزل يتصور أن الحركة الصهيونية، مُمثّلة الشعب اليهودي، ستقوم بشراء العريش أو أوغندا، أو حائط المبكى وفلسطين من أصحابها. فالأرض هنا ليست وطناً وإنما عقار، وعلاقة الإنسان بها ليست علاقة انتماء وكيان وإنما هي علاقة نفعية تعاقدية تشبه علاقة الجماعة الوظيفية بالمجتمع المضيف. وحينما نشر هرتزل كتابه دولة اليهود، اتهمه بعض اليهود بأنه تقاضى مبلغاً ضخماً من شركة أراض بريطانية كانت تود القيام بأعمال تجارية في فلسطين فتم تفسير الحلم القومي على أنه مشروع تجاري. وعلَّق هو على هذا الاتهام بقوله: "إن اليهود لا يصدقون أن أي شخص يمكن أن يتصرف مدفوعاً باقتناع أخلاقي". وكان هرتزل يتصوَّر، في واقع الأمر، أن العالم حانوت أو سوق كبيرة، فحينما ذهب لمقابلة جوزيف تشامبرلين (وزير المستعمرات البريطاني) ليطلب منه قطعة أرض ليقيم عليها وطناً، كان يتخيل أن الإمبراطورية الإنجليزية مثل

دكان كبير للعاديات التي لا يعرف مالكها عدد السلع فيها على وجه الدقة، وتخيل هرتزل نفسه زبوناً يطلب سلعة اسمها «مكان تجمُّع الشعب اليهودي» ويحاول مع صاحب الدكان أن يبحث له عن مثل هذا المكان/السلعة في بضاعته.
ولكن هرتزل كان ينوي المتاجرة في عدة بلاد حتى يكسب إحداها في نهاية الأمر ومجاناً (فالطفيلية إحدى سمات الجماعة الوظيفية في آخر مراحل تطورها) . وعلى سبيل المثال، حاول هرتزل أن يحصل على امتياز شركة أراض في موزمبيق من الحكومة البرتغالية دون أن يدفع فلساً واحداً، وذلك بأن يَعد بسداد الديون ويدفع ضريبة فيما بعد. ثم يوضح هرتزل للقارئ نواياه: "على أني أريد موزمبيق هذه للمتاجرة عليها فقط وآخذ بدلاً منها جزيرة سيناء مع مياه النيل صيفاً وشتاءً، وربما قبرص أيضاً دون ثمن"، فالمسألة كلها تَبادُل وتَعاقُد وعلاقات موضوعية رشيدة.
ويؤمن هرتزل بأن الدولة اليهودية نفسها سلعة مربحة ناجحة، فهو يوضح أن الجمعية اليهودية ستعمل مع السلطات الموجودة في الأرض، وتحت إشراف القوى الأوربية: "وإذا وافقوا على الخطة فإن هذه السلطات ستستفيد بالمقابل، وسندفع قسطاً من دَينها العام ونتبنى إقامة مشاريع نحن أيضاً في حاجة إليها، كما سنقوم بأشياء أخرى كثيرة. ستكون فكرة خَلْق دولة يهودية مفيدة للأراضي المجاورة، لأن استثمار قطعة أرض ضيقة يرفع قيمة المناطق التي تجاورها".

والرؤية الصهيونية التعاقدية التي تضع لكل شيء سعراً مهما سمت مرتبته، تفترض أن فلسطين (هي الأخرى) سلعة، بل سلعة غير رائجة لا يود أحد شراءها سوى المعتوهين من اليهود. ويُقِّدر هرتزل أن ثمن فلسطين الحقيقي، هو مليونان من الجنيهات فقط (حيث إن العائد السنوي منها عام 1896 كان ـ حسب تصوُّره وحساباته الحقيقية أو الوهمية ـ حوالي 80 ألف جنيه) . ولعله أخذ في الاعتبار سعر الفائدة والتمويل. وقد وافق كثير من الصهاينة على هذا الثمن الواقعي أو التجاري. إلا أن السمسار السياسي يعرف أن الثمن التجاري يختلف عما يجب أن يُدفَع حين يحين وقت البيع والشراء، وهو لهذا السبب يرفع السعر إلى عشرين مليون جنيه تركي دفعة واحدة، يُدفَع منها مليونان لتركيا والباقي لدائنيها.
بل إن هرتزل على ما يبدو كان يحاول الحصول على فلسطين بالمجان مثل أي سمسار غشاش من أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الذين تفوقوا في الغش التجاري. فقد ذهب إلى السلطان عبد الحميد خاوي الوفاض، ودوَّن في مذكراته أنه لو عُرضت عليه فلسطين الغالية نظير سعر مخفض لشعر بالحرج، لأنه لا يحمل معه كل المبلغ. إن كل ما يريده من السلطان هو وعد ببيع فلسطين له، وهذا الوعد سيكون له بمنزلة السلة التي يستخدمها المتسولون لجمع التبرعات. وإن لم ينجح التسول، فإن هرتزل لن تُعجزه الحيلة، فهو يقرر أن يقبل الصفقة على أن يطلب بعض الامتيازات من تركيا (مثل احتكار الكهرباء) حتى يتسنى له الدفع بيسر.

إن هذا التصوُّر التجاري التعاقدي للوطن القومي اليهودي ليس مقصوراً بأية حال على هرتزل، فموسى هس يؤكد أنه لا توجد أية قوة أوربية تفكر في مَنْع اليهود من شراء أرض أجدادهم ثانيةً. وهو يتصوَّر أن تركيا سترد لهم وطنهم نظير حفنة من الذهب. وتصوُّر ليلينبلوم لفكرة شراء الوطن ليس مغايراً لفكرة هس: "على رجالنا الأغنياء أن يبدأوا بشراء العقارات في تلك الأرض، ولو ببعض ما يملكون من ثروة، وما دام هؤلاء لا يرغبون في تَرْك أراضيهم التي يسكنونها الآن، فليشتر كل منهم قطعة أرض في أرض إسرائيل ببعض من مالهم حيث تُعطَى هذه الأراضي لمن يستغلها على أساس اتفاقية بشأن العائد (أو الربح) مع الشاري". ويرى بنسكر هو الآخر أن حل المسألة اليهودية يتلخص في تأسيس شركة مساهمة لشراء قطعة أرض تتسع لعدة ملايين من اليهود يسكنون فيها مع مرور الزمن. وهذا التصور التجاري لكل أراضي آسيا وأفريقيا لم يكن أمراً غريباً على العقل الغربي الاستعماري في القرن التاسع عشر الذي كان يرى العالم بأسره حيزاً للاستغلال وأرضاً تُوظَّف بطريقة مربحة (من خلال شركات ذات براءة في معظم الأحيان) .
ولا يزال التصوُّر الوظيفي التجاري التعاقدي قائماً حتى الآن، فحينما يتحدث وايزمان عن فائدة الدولة الصهيونية للإمبريالية، ويقدم حساب التكاليف، وحينما تقدِّم الحركة الصهيونية الحوافز المادية والرشاوى ليهود المنفى ليهاجروا إلى أرض فلسطين (وكأن الوطن ملكية عقارية) ، وحينما يحاولون شراء حائط المبكى، وحينما يعرضون تعويض الفلسطينيين عن وطنهم وتقديم المساعدة المالية لهم شريطة أن يتنازلوا عن حق العودة، فإنهم يؤكدون أن هذه الرؤية التجارية التعاقدية السطحية لا تزال لها قوتها في بعض الأوساط الصهيونية. ويمكن القول بأن الصهيونية النفعية تعبير آخر عن هذا الاتجاه.
الدولة الصهيونية الوظيفية: الحوسلة
‏The Functional Zionist State: Instrumentalization

الدولة الوظيفية هي دولة تتم حوسلتها لصالح الدول الراعية الإمبريالية، ولكن يبدو أن الحوسلة في حالة الحركة الصهيونية لن تتوقف عند الدولة الوظيفية، بل ستمتد لتشمل كل المادة البشرية اليهودية أينما كانت. وفي اجتماع بين هرتزل وفيكتور عمانوئيل الثالث، ملك إيطاليا، أشار الزعيم الصهيوني إلى أن نابليون دعا إلى عودة اليهود إلى فلسطين ليؤسسوا وطناً قومياً، ولكن ملك إيطاليا بيَّن له أن ما كان يريده في الواقع هو أن يجعل اليهود المشتتين في جميع أنحاء العالم عملاء له. وقد اضطر هرتزل إلى الموافقة على ما يقول، وقد اعترف بأن تشامبرلين، وزير الخارجية البريطاني، كانت لديه أيضاً أفكار مماثلة. وكان هرتزل يرى أنه إذا وافقت إنجلترا على مشروعه الصهيوني، فإنها ستحصل، «في ضربة واحدة» ، على عشرة ملايين تابع (عميل) سري في جميع أنحاء العالم يتسمون بالإخلاص والنشاط، وبإشارة واحدة سيضع كل واحد منهم نفسه في خدمة الدولة التي تقدم لهم العون. "إن إنجلترا ستحصل على عشرة ملايين عميل يضعون أنفسهم في خدمة جلالتها ونفوذها". ثم أضاف هرتزل، مستخدماً الصورة المجازية التجارية التعاقدية الشائعة في الأدبيات الصهيونية، "ثمة أشياء ذات قيمة عالية تكون من نصيب الشخص الذي يحصل عليها في وقت لم تكن قد عُرفت قيمتها الحقيقية العالية بعد". وأعرب الزعيم الصهيوني عن أمله في أن تدرك إنجلترا مدى القيمة والفائدة التي ستعود عليها من وراء كسبها الشعب اليهودي، أي أن هرتزل مدرك تماماً لوظيفة الدولة اليهودية والشعب اليهودي ومدى نفعه وإمكانية حوسلته.

والخطة الصهيونية الخاصة بتسخير الشعب اليهودي جزء أساسي من العقيدة الصهيونية. ففي عام 1920، عبَّر ماكس نوردو عن تفهُّمه العميق للدوافع التي حركت رجال السياسة البريطانيين الذين كانت تواجههم مشكلة التوازنات الدولية. وبعد القيام بحساباتهم تَوصَّل هؤلاء الساسة إلى أن اليهود يُعتبَرون في الحقيقة "مصدر قوة" وربما "مصدر نفع" أيضاً لبريطانيا وحلفائها، ومن ثم عرضت عليهم فلسطين.
ويُلاحَظ أن كل الكُتَّاب السابقين ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها «رقعة» أو «مساحة» أو «مكاناً تابعاً» أو «بلداً» تحت الوصاية (فهي مكان تم نزع القداسة عنه وتمت حوسلته تماماً حتى أصبح موضوعاً محضاً) . وهم يعتبرون المستوطنين الصهاينة حراساً و"خدمة عسكرية جاهزة": جماعة من المماليك أو المرتزقة على أهبة الاستعداد دائماً. والمملوك أداة ووسيلة، وليس إرادة وقيمة.
وسواء كانت الإشارات للمكان أو كانت للإنسان، فإن جوهر الصور المجازية جميعاً هو التبعية الكاملة للغرب، والتحوسل الكامل لحسابه، وتحويل المكان والإنسان إلى أداة منعزلة عن المحيط الحضاري الشرقي ( «ذراع مستقبلية» ) . وقد مزج هرتزل، مؤسس الصهيونية، كل العناصر في تعبيره المجازي الشهير حين قال: "سنقيم هناك [في آسيا] جزءاً من حائط لحماية أوربا يكون حصناً منيعاً للحضارة [الغربية] في وجه الهمجية"، فقد مزج الإنسان والمكان بحيث أصبحا حائطاً غربياً في مواجهة الشرق. (يُلاحَظ أن كلمة «إسرائيل» في العبرية كلمة متعددة المعاني متنوعة الدلالات وتشير للأرض والشعب تماماً كما فعل هرتزل (.

ولا يزال إدراك الإسرائيليين لدورهم (وإدراك العالم الغربي له) يدور في هذا الإطار. وكثير من الصور المجازية التي يستخدمها المستوطنون الصهاينة في وصف الدور الموكل إليهم يبين إدراكهم لعملية الحوسلة الوظيفية هذه. فقد استخدمت جريدة هآرتس صورة مجازية درامية لوصف الدور الذي تم إسناده إلى الدولة اليهودية (في مقال في سبتمبر 1951) بعنوان "نحن وعاهرة المواني" جاء فيه أن "إسرائيل تم تعيينها لتقوم بدور الحارس الذي يمكن الاعتماد عليه في معاقبة دولة واحدة أو أكثر من جيرانها العرب الذين قد يتجاوز سلوكهم تجاه الغرب الحدود المسموح بها".

والصورة المجازية السابقة (إسرائيل كحارس أجير يشبه العاهرة) تلمس ـ على ما يبدو ـ وتراً حساساً في الذات الصهيونية الإسرائيلية، إذ تَكشَّف أخيراً من خلال وثائق وزارة الخارجية البريطانية لعام 1956 الخاصة بحرب السويس أنه، أثناء المباحثات السرية التي جرت بين إنجلترا والدولة الصهيونية ومهدت للعدوان الثلاثي على مصر، تم الاتفاق على أن تقوم إسرائيل بمهاجمة مصر. وبعد وصولها إلى قناة السويس، تقوم إنجلترا وفرنسا بالتدخل ثم تصدران أمراً إلى الطرفين المصري والإسرائيلي بالانسحاب عدة كيلو مترات من حدود القناة، وبذا يتم تبرير الغزو الفرنسي والإنجليزي أمام الرأي العام العالمي باعتباره عملية محايدة تهدف إلى حماية الملاحة في القناة. وقد ضمنت الدولتان أمن إسرائيل وزودتاها بالغطاء الجوي المطلوب (وهذه أمور معروفة لا تحتاج إلى توثيق) . ولكن يبدو أن المندوب الإنجليزي في هذه المفاوضات السرية بالغ قليلاً في الأمر وطلب أن تقوم القوات الإنجليزية بإلحاق بعض الإصابات الطفيفة، ولكن الفعلية، بالقوات الإسرائيلية لرفضها الانسحاب أو لتباطؤها فيه حتى يتم حبك المسرحية. وهنا ثارت ثائرة بن جوريون واستخدم صورة مجازية شبيهة بالصورة المجازية التي استخدمتها هآرتس لوصف العلاقة بين إسرائيل والدول الغربية إذ قال: إنجلترا تشبه النبيل الإقطاعي الذي يرغب في معاشرة إحدى الخادمات جنسياً على أن يتم ذلك في الخفاء وحسب، أي في المطبخ مثلاً لا في حجرة النوم. ومن الواضح أن بن جوريون لم يرفض الدور الإستراتيجي الموكل إليه (الخادمة الحسناء) ، ولكنه كان يطمع في أن يتم اللقاء بين الخادمة والسيد في مكان لائق (الحديقة أو غرفة النوم على سبيل المثال) ، يتفق مع مكانة الشعب اليهودي وكرامة دولته اليهودية الوظيفية.

ومن الصور المجازية المتواترة الأخرى، صورة إسرائيل باعتبارها كلب حراسة. فقد وصف البروفسير يشعياهو ليبوفيتس في حديث له في صحيفة لوموند بتاريخ 8 مارس 1974 إسرائيل بأنها "عميل للولايات المتحدة" ووصف الإسرائيليين بأنهم "كلاب حراسة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ويتعلق بقاؤنا بقدرتنا على القيام بهذه المهمة ". وقد طوَّر الصحفي الإسرائيلي عاموس كينان هذه الصورة المجازية المثيرة من عالم الحيوان وجعلها أكثر حدة وإثارة إذ وصف إسرائيل بأنها "كلب حراسة رأسه في واشنطن وذيله في القدس"، وهي كلب حراسة قوي لكنه يحتاج إلى حماية. ويفضل العرب استخدام «مخلب القط» كصورة مجازية لوصف الدولة الوظيفية. وهي صورة مجازية مألوفة وشائعة فَقَدت كثيراً من قوتها بسبب تكرارها بشكل ممل، وإن كانت معبِّرة تماماً. والصورة المجازية السابقة (الحارس، والعاهرة، والخادمة الحسناء الطيعة، وكلب الحراسة، ومخلب القط) سواء أقبلناها لجدتها أم رفضناها لحدتها، تؤكد أن أهمية إسرائيل من وجهتي النظر الغربية والصهيونية لا تكمن في عائدها الاقتصادي وإنما في دورها الإستراتيجي إذ أن كل الصور المجازية تفترض وجود دور يُؤدَّى وثمن يُدفَع، لا عائد اقتصادي يُحصَّل.

ولكن كل الصور المجازية السابقة،، اللائق منها وغير اللائق، هي في الواقع مستمدة من القرن التاسع عشر قبل تفجُّر الثورة التكنولوجية وتزايد معدلات نمو الصناعات الحربية وتنوعها. ولذا، كان تطَوُّر الصورة المجازية بشكل يتفق مع روح العصر في أواخر القرن العشرين حتمياً (والواقع أن إحدى السمات الأساسية الشاملة للدولة الوظيفية الصهيونية مقدرتها على تغيير وظيفتها بما يتفق مع متطلبات الدولة الراعية) . وهذا ما أنجزه يعقوب ميريدور في حديثه للإذاعة التابعة للجيش الأمريكي، فقد بيَّن أنه لولا وجود إسرائيل كقاعدة ومنطقة نفوذ وحليف للولايات المتحدة لاضطرت الأخيرة إلى بناء عشر من حاملات الطائرات. وهو بذلك يكون قد أحلّ صورة إسرائيل المجازية كحاملة طائرات أمريكية محل الصور المجازية الغامضة أو الفاضحة السابقة. وترد الصورة المجازية نفسها، وبشكل أكثر تبلوراً، في مقال الصحفي الإسرائيلي سبير والمعنون «مجتمع يتغذى على الهبات الخارجية» إذ قال الكاتب: "إن الأمريكيين يدفعون لنا لأنهم يريدون أن تكون لهم دولة تابعة مجهزة بأفضل الأسلحة والجنود". وقد وصف سبير هذه الدولة بأنها حاملة طائرات عليها أربعة ملايين نسمة في موقع إستراتيجي فريد من نوعه قريب من الاتحاد السوفيتي وقريب من أوربا الشرقية وقريب من حقول النفط.

إسرائيل إذن «حاملة طائرات» ، أي أنها وظيفة تُؤدَّى أو دور يُلعَب وأداة تُستخدَم أو ثروة إستراتيجية تضم أربعة ملايين مقاتل. ولا شك في أن صورة «الحاملة» المجازية أكثر دقة ودلالة من سابقاتها لأنها لا تتحدث عن دور الدولة الصهيونية أو وظيفتها بشكل عام، وإنما تعرِّف ـ وبدقة بالغة ـ طبيعته الإستراتيجية كدولة عميلة توجد في منطقة حدودية قريبة من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) وأوربا الشرقية وحقول النفط، وليس لها عائد اقتصادي مباشر. وتؤكد الصورة المجازية حركية هذه الدولة النافعة الثمينة وإمكانية نَقْل جنودها من مكان حدودي إلى مكان حدودي آخر. ولكن الصورة المجازية تُظهر في الوقت نفسه أنه يمكن الاستغناء عنها، فالأجزاء الآلية الحركية ليست عضوية ولا ثابتة. وتنفي الصورة المجازية عن إسرائيل أيَّ دور اقتصادي مباشر. ولعل الاتفاق الإستراتيجي الذي تم توقيعه بين الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1984 هو تَحقُّق آخر لهذا الإدراك لطبيعة دور الدولة إسرائيل وعلاقتها بالعالم الغربي.
التحالف الإستراتيجي الأمريكي/ الإسرائيلي
‏Israeli-American Strategic Alliance
لا شك في أن القوى الاستعمارية هي التي تبنَّت المشروع الصهيوني وتكفَّلت برعايته ووفرت له كل أسباب النجاح. وحتى الحرب العالمية الثانية كانت أوربا القاعدة المركزية للنشاط الصهيوني، وكانت بريطانيا الدولة العظمى التي تقود عملية إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين. أما بعد التحولات التي أخذت تتبلور مع الحرب العالمية الثانية، فإن النشاط الصهيوني سارع في الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية مركز القوة الجديد في الغرب، فكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها في 15 مايو 1948. وقد أيَّدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة موقف إسرائيل من الصراع العربي الإسرائيلي، باستثناء فترة العدوان الثلاثي سنة 1956.

ولكن الدعم العسكري والاقتصادي ظل متواضعاً حتى منتصف الستينيات، حيث كانت إسرائيل تعتمد على التعويضات الألمانية من الناحية الاقتصادية، وعلى السلاح الفرنسي من الناحية العسكرية. وبدأ التبدُّل النوعي في العلاقة بين الطرفين مع تولي لندون جونسون رئاسة الولايات المتحدة في وقت أصبح من الواضح فيه أنها وريثة الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وزعيمة العالم الغربي في عالم ما بعد الاستعمار. وبذلك انطوت حقبة كاملة من السياسة التي تميَّزت بالتوازن النسبي أحياناً أو الانحياز المحدود المقتصر على مؤسسة الرئاسة كما في ولاية ترومان، وبدأت حقبة مختلفة مع جونسون اتسمت بالانحياز الجارف إلى إسرائيل على جميع المستويات الرئاسية والحكومية وبخاصة بعد حرب 1967، حيث أصبحت الولايات المتحدة المورِّد الأساسي للسلاح لإسرائيل.
وفي عهد الرئيس رونالد ريجان قطعت هذه العلاقة مسافة أخرى على طريق التنسيق الإستراتيجي المتكامل، حيث تم توقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي لسنة 1981. وبعد أسابيع من توقيعها أعلنت إسرائيل ضم مرتفعات الجولان السورية. وبعد عام، على وجه التحديد، في يونيه 1982، قامت إسرائيل باجتياح جنوب لبنان ثم انضمت عام 1983 إلى مبادرة الدفاع الإستراتيجي الأمريكية (SAI) بتوقيع اتفاقية إستراتيجية أخرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حصلت إسرائيل بموجبها على مكاسب جديدة وفُتحت أمامها آفاق جديدة من التعاون والمساعدات الأمريكية. فلقد تكفَّلت الولايات المتحدة، في هذه الاتفاقية، بأن تقوم وزارة الدفاع الأمريكية بشراء ما قيمته 200 مليون دولار سنوياً من إسرائيل، كما سمحت للشركات الإسرائيلية بدخول المناقصات التي تجريها وزارة الدفاع الأمريكية من أجل الحصول على عقود صنع السلاح. كذلك حصلت إسرائيل على تعهُّد أمريكي بمدها بالمعلومات التي تحصل الولايات المتحدة عليها في الشرق الأوسط عن طريق الأقمار الصناعية.

وفي عام 1985 وقَّعت الحكومتان اتفاقية تم بمقتضاها إلغاء التعريفة الجمركية بينهما، أي قبل سبع سنوات من إبرامها اتفاقية مماثلة مع جارتيها كندا والمكسيك. واستمرت إدارة الرئيسين بوش وكلينتون في دعم إسرائيل (باستثناء موقف بوش بتجميد ضمانات القروض لإسرائيل) .
وفي مطلع عام 1986 تم التوصل إلى عدد من الاتفاقات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ويستند التحالف الإستراتيجي الأمريكي /الإسرائيلي إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المميزة التي يمكن أن توفرها إسرائيل للولايات المتحدة باعتبارها رصيداً إستراتيجياً، وهي تتمثل في:
* الموقع الجغرافي: إسرائيل قاعدة انطلاق مثالية للقوات الأمريكية إذا هُدِّدت مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو منطقة مهمة من الناحية الجيوبوليتيكية بسبب ما يحويه من نفط ورؤوس أموال وأسواق. ومن المعروف أن نقل قوة لها شأنها إلى هذه المنطقة يستغرق عدة أشهر، أما مع وجود إسرائيل كحليف فإنه لا يحتاج إلا إلى بضعة أيام.
* البنَى التحتية والمواصلات والاتصالات: تستطيع القوات الأمريكية استخدام القواعد الجوية والبحرية والبرية الإسرائيلية إما لهدف عسكري مباشر أو عمليات الإسناد أو كقواعد وسيطة.
* البحث والتطوير والاستخبارات: يمكن أن تستفيد القوات الأمريكية من الخبرات الحية للتجربة العسكرية الإسرائيلية ومن المعلومات التي تجمعها إسرائيل عن المنطقة.
* القدرة الدفاعية: يمكن استخدام القدرات العسكرية الإسرائيلية لحماية قوة تدخُّل أمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصاً أن سلاح الجو الإسرائيلي يسيطر على المجال الجوي.

وأنشطة البحث والتطوير الإسرائيلية نفسها مفيدة للولايات المتحدة الأمريكية بسبب التكامل الوثيق بين المخترعين الإسرائيليين والشركات الأمريكية (وكما قال جورج كيجان، رئيس استخبارات سلاح الجو الأمريكي سابقاً، إن مساهمة إسرائيل تساوي ألف دولار لكل دولار معونة قدمناها لها) .
وإمكانيات إسرائيل في الاستخبار السياسي ضخمة جداً، فكثير من الإسرائيليين جاءوا من مختلف دول المنطقة وذلك يعطيهم معرفة أفضل باللغات، وغير ذلك من العوامل التي لا غنى عنها لأي تحليل أفضل، وتأويل أمثل للمعلومات التي يتم جمعها من المنطقة.
وإذا أردنا استخدام مصطلحنا يمكننا القول بأن الدولة الصهيونية هي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية القتالية والاستيطانية والتجارية والجاسوسية. وإذا أضفنا عمليات الترفيه عن الجنود الأمريكيين في الموانئ الإسرائيلية، فإننا بذلك نضم قطاع اللذة إلى قائمة الوظائف، فهي عملية توظيف شاملة يستفيد منها الفريقان.
يترتب على هذه العناصر تحقيق وحدة المصالح الإسرائيلية الأمريكية، وخصوصية علاقتهما وتفرُّدها، باعتبار إسرائيل موقعاً أمريكياً متقدماً في منطقة الشرق الأوسط.
وفكرة أن إسرائيل رصيد إستراتيجي للولايات المتحدة لا تنفصل عن الصراع العربي الإسرائيلي، فالخبرات والقدرات السابقة لم تكتسبها إسرائيل إلا بانغماسها في ذلك الصراع، كما أن تصاعد الصراع واحتدامه أدى إلى زيادة الروابط العسكرية والإستراتيجية بين البلدين.
المعونات الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية
‏Foreign Aid to the Functional Zionist State
«المعونات الخارجية» مصطلح شامل لا يضم فقط المساعدات الإنمائية وإنما يضم أيضاً المعونة العسكرية والمعونة الإنسانية التي تدفعها دولة (أو منظمة دولية) لدولة أخرى. والمعونات الخارجية هي إحدى أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة المانحة.

والمشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يهدف إلى تأسيس دولة وظيفية تجمع بعض يهود العالم وتقوم على خدمة المصالح الغربية في المنطقة مشروع تم تنفيذه برعاية الدول الغربية ودعمها السياسي والاقتصادي. فقد حصلت الحركة الصهيونية على العون السياسي والمادي منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى قبل أن تتحوَّل إلى منظمة لها شبكتها الضخمة الممتدة التي تمارس الضغط السياسي وتجمع التبرعات من الحكومات والأفراد، كانت المعونات قد بدأت تصب بالفعل في فلسطين لتمويل جماعات المستوطنين اليهود التابعين لمنظمات شبه صهيونية كانت بمنزلة الإرهاصات الأولى للحركة الصهيونية.
والتمويل الخارجي جزء أساسي من تكوين الحركة الصهيونية، ويمكن القول بأن الأثرياء اليهود، ومن بعدهم الدول الغربية (التي احتضنت المشروع الصهيوني بعد أن تحوَّل من مجرد جمعيات وإرهاصات إلى منظمة عالمية) ، لا ينظرون إلى المُستوطَن الصهيوني باعتباره استثماراً اقتصادياً، وإنما باعتباره استثماراً سياسياً له أهمية إستراتيجية قصوى. ولذا اتسمت تدفقات المعونات على الحركة الصهيونية وعلى الدولة الصهيونية بدرجة عالية من التسييس والارتباط بطبيعة المشروع الصهيوني.
والواقع أن أيَّ باحث في الاقتصاد الإسرائيلي لابد أن يلاحظ محورية الدور الذي تلعبه المعونات الخارجية وتدفقات البشر ورؤوس الأموال على إسرائيل بشكل لا مثيل له في أية دولة من دول العالم، سواء من حيث حجمها ودرجة اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي عليها، أو من حيث درجة تسييسها وارتباطها بطبيعة المشروع الصهيوني.

والدولة الصهيونية في حالة حرب دائمة تلتهم جزءاً كبيراً من ميزانية الدفاع والأمن وهو ما يُشكِّل استنزافاً اقتصادياً دائماً. كما أن عملية بناء المستوطنات تتطلب ميزانيات ضخمة. وبناء المستوطنات، شأنه شأن نشاطات "اقتصادية" أخرى، لا يخضع بالضرورة لمقاييس الجدوى الاقتصادية الصارمة، إنما يخضع لمتطلبات الاستيطان وهو ما يسبب إرهاقاً مالياً.
والاقتصاد الإسرائيلي صغير الحجم - بمعيار عدد السكان - لا يشكل قاعدة كافية لاستيعاب ناتج الكثير من المشروعات الإنتاجية عند حجمها الأمثل، وهو ما يعني أن الإنتاج في مثل هذا الاقتصاد ليس اقتصادياً (بالمعنى الفني للمصطلح) ، الأمر الذي يقتضي تخصيص مبالغ كبيرة لدعم المشروعات وإعانتها، وقد بلغت نسبة الإعانات للمشروعات الصناعية في بعض السنوات 40% من قيمة الناتج الصناعي. ويمكن القول بأن النموذج الاقتصادي الإسرائيلي يرجع أساساً إلى نجاح صيغة الصهيونية العمالية (الاستيطانية) ، التي تبنتها إسرائيل منذ نشأتها، في ضمان تَدفُّق البشر ورؤوس الأموال إليها.

وقد ارتبطت فترات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي أساساً بتدفقات البشر - عبر حركات هجرة البحر والأموال (أو العمل ورأس المال بالتعبير الاقتصادي) - على إسرائيل، حيث يرى أحد الباحثين الإسرائيليين أن 75% من النمو الذي حققه الاقتصاد الإسرائيلي في الفترة من 1954 - 1972 تم بفضل المعدلات المرتفعة التي نمت بها عوامل الإنتاج (رأس المال والعمل) و25% منه فقط بسبب التحسن في الكفاءة الإنتاجية، الأمر الذي يفسر نجاح إسرائيل في تنفيذ استثمارات ضخمة رغم أن معدل الإدخار المحلي كان بالسالب في أغلب الفترات (حتى في الفترات التي كان الاقتصاد الإسرائيلي فيها ينمو بشكل سريع إذ كان الإدخار القومي سالباً، ومع هذا كان معدل الإدخار الخاص مرتفعاً، لكنه لم يكن كافياً لتغطية العجز في ميزانية الحكومة) ، وقد كانت المساعدات الخارجية الوسيلة الأساسية لسد الفجوة بين الإدخار والاستثمار، وهي التي مكَّنت إسرائيل من تحقيق مستوى معيشي مرتفع رغم معدلات زيادة السكان المرتفعة.
وقد ساهمت المعونات ولا شك في حل مشاكل التجمُّع الصهيوني الاقتصادية وحمته طيلة هذه الفترة من جميع الهزات. والأكثر من هذا أن هذه المعونات غطت تكاليف الحروب الإسرائيلية الكثيرة والغارات التي لا تنتهي. وبالتالي قُدِّر للعقيدة الصهيونية أن تستمر لأن الإسرائيليين لا يدفعون بتاتاً ثمن العدوانية أو التوسعية الصهيونية. كما موَّلت هذه المعونات عملية الاستيطان باهظة التكاليف، وحقَّقت للإسرائيليين مستوىً معيشياً مرتفعاً كان له أكبر الأثر في تشجيع الهجرة من الخارج وبخاصة من الاتحاد السوفيتي.

وحينما يتحدث الدارسون عن «المعونات الخارجية» فهم يتحدثون عن معونات من مختلف الدول الغربية ومن يهود العالم الغربي. ولكن قبل الخوض في هذا الموضوع لابد من الاعتراف أنه سيكون هناك قدر من الاختلافات الواضحة بين التقديرات المختلفة لحجم المعونة الغربية (وبخاصة الأمريكية) للدولة الصهيونية. ولعل هذا يعود إلى طريقة تقديرها وإلى أن قدراً كبيراً من السرية والتعمية المتعمدة يحيط بحجم المعونات. وقد اعتمدت إسرائيل في البداية على التعويضات الضخمة التي تلقتها من ألمانيا اعتباراً من عام 1953 (بواقع 750 - 900 مليون دولار سنوياً) وحتى نهاية الستينيات، والتي بلغت مليار دولار كتعويضات مباشرة للحكومة الإسرائيلية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لكل يهود العالم، ومنهم ضحايا النظام النازي في الحرب العالمية الثانية (التي بدأت وانتهت قبل قيام دولة إسرائيل!) ، كما اعتمدت على المعونات العسكرية الألمانية خلال الخمسينيات والستينيات، وهي المساعدات التي قامت ألمانيا بموجبها بتمويل شراء إسرائيل لأسلحة أمريكية (مثال: في عام 1963 قامت ألمانيا بتقديم 60 مليون دولار لتمويل شراء صفقة دبابات أمريكية الصنع لإسرائيل) . وقد بلغت التعويضات الألمانية للأفراد ما بين 700 - 900 مليون دولار سنوياً. وتصل بعض التقديرات إلى أن حجم المعونة الألمانية تتراوح بين 60 - 80 بليون دولار. فقد صرح وزير الخارجية أمام المؤتمر اليهودي (8/5/1997) أن ألمانيا دفعت لإسرائيل تعويضات تصل إلى 97 مليون مارك (6 بليون دولار) وأنها ستستمر في دفع التعويضات لمدة 34 سنة أخرى حتى تصل عام 2030 مبلغ 940 بليون مارك (80 بليون دولار) ، مع العلم بأن مجموع ما تلقته ألمانيا من مشروع مارشال هو 15 بليون دولار!

ولكن الدعم الحقيقي جاء من الولايات المتحدة، وهو ما يجعلها صاحبة لقب «الراعي الإمبريالي» بامتياز. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل؛ وذلك بعد مضي دقائق على إعلان قيامها في 15 مايو 1948. وبعد أسابيع منحتها قرضاً قيمته 100 مليون دولار. وكان الدعم العسكري والدعم الاقتصادي منذ الخمسينيات حتى منتصف الستينيات متواضعين، ذلك أن إسرائيل كانت من الناحية الاقتصادية تعتمد على التعويضات الألمانية كما أسلفنا؛ وبدأ التبدل النوعي في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد حرب 1967 مباشرةً في عهد الرئيس ليندون جونسون.
وفي الأيام الأولى لحرب 1973، أقامت الولايات المتحدة جسراً جوياً بينها وبين إسرائيل، إذ نقلت إلى إسرائيل في أيام قليلة 22 ألف طن من العتاد العسكري لتعويضها عن خسائرها التي مُنيت بها.
وقد تطوَّرت المساعدات الأمريكية لإسرائيل وتصاعدت خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، وحدثت القفزة الكبيرة بعد حرب 1973 حتى وصلت إلى 3 مليار دولار تقريباً سنوياً طبقاً للإحصاءات الأمريكية الرسمية منها 1.8 مساعدات عسكرية، 1.2 مساعدات اقتصادية. وقد أخذ طابع المساعدات منذ الثمانينات يتحوَّل إلى المنح بدلاً من القروض.
تطور المساعدات الأمريكية لإسرائيل (مليون دولار) :
السنة / المجموع / القروض / المنح
1949 - 1950 / 852.9 / 339.3 / 313.6
1960 - 1969 / 834.8 / 801.9 / 32.9
1970 / 93.6 / 80.7 / 12.9
1972 / 480.9 / 424.9 / 56.0
1974 / 2.646.3 / 1.055.0 / 1.591.3
1978 / 1.822.6 / 772.2 / 1.050.4
1982 / 2.245.5 / 874.0 / 1.371.5
1984 / 2.628.5 / 851.9 / 1.776.6
1986 / 3.800.0 / --- / 3.800.0
1988 / 3.050.0 / --- / 3.050.0
1990 / 3.452.0 / --- / 3.452.0
1991 / 2.935.0 / --- / 2.935.0
المصدر: حتى سنة 1988: Rabie (1988) .p.59.
أما سنتا 1990 و 1991، فمن:

‏Government Finance Statistics Yearbook (1992) .p.306.
غير أن الأرقام السابقة - على ضخامتها - لا تكشف سوى جزء من الواقع، إذ أن المبالغ الفعلية التي تحصل عليها إسرائيل أكبر من الرقم الرسمي المعلن بكثير، لتصل إلى ما يتراوح بين 5.5 مليار دولار و6.5 مليار دولار كما يتبين من خلال استعراض التقديرين الآتيين:
ففي تقدير ذا واشنطن ربورت أُنْ ميدل إيست أفيرز The Washington Report on Middle East Affairs تم تقدير حجم المعونة عام 1993 بـ 6.321 مليار دولار أو 17 مليون دولار يومياً، منها 2 مليار دولار سنوياً منذ عام 1993 ولمدة خمس سنوات هي ضمانات قروض بقيمة 10 مليار دولار، وذلك لكون إسرائيل غير مُلزمة بسداد القروض للولايات المتحدة سواء من خلال إمكانية تنازُل الكونجرس، أو بسبب تعديل كرانستون الذي يشترط عدم خفض مستحقات الدفع السنوية لإسرائيل، ويُلزم الحكومة الأمريكية بأن لا يقل حجم المكون الاقتصادي من المعونة التي تقدمها لإسرائيل عن إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة على إسرائيل للولايات المتحدة سنوياً، أي أن الولايات المتحدة قد ألزمت نفسها بسداد ما سبق أن اقترضته الحكومة الإسرائيلية أو ما يمكن أن تقترضه في المستقبل من الولايات المتحدة.
ويبيِّن الجدول الآتي المعونة الأمريكية لإسرائيل عام 1993 بالمليار دولار:
3.000 من ميزانية المساعدات الأجنبية.
1.271 مساعدات أخرى من الميزانية ومن خارجها.
0.050 فوائد قروض إسرائيلية.
2.000 ضمانات قروض.
6.321 المجموع

وحسب بعض التقديرات، يصل إجمالي ما تحصل عليه إسرائيل في ميزانية 1996 من معونة مبلغ خمسة مليار وخمسمائة وخمسة ملايين وثلاثمائة ألف دولار (5.505.300) ، أي أن ما تحصل عليه إسرائيل يعادل تقريباً ضعف ما تظهره الأرقام الخاصة ببرنامج المعونة الأمريكية الخارجية لإسرائيل وهي 3 مليارات دولار منها 1.2 مليار دولار تحت بند المعونة الاقتصادية أو بعبارة أدق تحت بند "صندوق الدعم الاقتصادي Ecormic Support Fund" و1.8 مليار دولار تحت بند المعونة العسكرية أو بعبارة أدق تحت بند "مبيعات السلاح الخارجية Foreign Military Sales". أما عن مصادر تلك الفجوة بين حجم المعونة الرسمية المعلن وبين ما تحصل عليه إسرائيل فعلاً فهو ما يلي:
1 - المعونات المدرجة ضمن ميزانيات عدد من الوزارات أو الوكالات الفيدرالية مثل وزارات الخارجية والدفاع والتجارة، ومصلحة الهجرة والجنسية ... إلخ، فميزانية الدفاع خصَّصت مبلغ 242.3 مليون دولار عام 1996 لتطوير عدد من نظم التسليح لم تظهر في برنامج المعونة.
2 - التيسيرات الهائلة التي تحصل إسرائيل بموجبها على حصتها من برنامج المعونة، كونها الدولة الوحيدة في العالم التي تحصل على المعونة الاقتصادية نقداً ومرة واحدة وهو ما يرفع عن كاهلها أعباء مصاريف بنكية تصل إلى 60 مليون دولار، ولأنها مستثناه من قانون استخدام أموال المعونة العسكرية لشراء معدات عسكرية أمريكية، بل إن لها الحق في استخدامها في شراء معدات مُصنَّعة في إسرائيل.
3 - التسهيلات الائتمانية والقروض وهي من حيث المضمون أقرب إلى المنحة منها إلى القرض.

وقد حصلت إسرائيل على استثناءات كثيرة من شروط المعونة، من أهمها الاستثناءات الخاصة باستخدام إسرائيل أموال المعونة في شراء منتجات غير أمريكية وبخاصة في مجال التصنيع العسكري. كما تعمد إسرائيل إلى خرق العديد من القوانين الأمريكية إذا تصادمت مع مصالحها مثل خَرْق القانون الذي يحظُر نَقْل التكنولوجيا الأمريكية بدون إذن الإدارة الأمريكية إلى طرف ثالث. بل إن عملية الخرق هذه قد تجد تشجيعاً من الإدارة الأمريكية. ففي عام 1993، قرر الكونجرس خصم واحد دولار من المعونة مقابل كل دولار تستخدمه إسرائيل في بناء المستوطنات في غزة والضفة، واعترفت إسرائيل بأنها أنفقت بالفعل 437 مليون دولار على المستوطنات وهو ما كان يعني خصم القيمة نفسها من المعونة، فقررت إدارة الرئيس كلينتون تزويد إسرائيل بـ 500 مليون دولار إضافية مقابل ذلك الخصم، وهو ما يعني زيادة 63 مليون دولار على المعونة لم تكن لتستلمها لو أطاعت رغبة الكونجرس.
ويشير أحد التقديرات إلى أن إجمالي ما حصلت عليه إسرائيل من معونة أمريكية حتى عام 1996 يبلغ 78 مليار دولار، منها ما يزيد على 55 مليار دولار منحة لا تُرد. بينما ترفع بعض التقديرات الأخرى مبلغ المعونة الفعلية إلى أعلى من هذا بكثير.

ولا تكشف هذه الأرقام بطبيعة الحال عن حجم المساعدات غير الحكومية التي تتلقاها إسرائيل من أفراد ومؤسسات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أصبحت منذ منتصف السبعينيات ثاني أكبر مصدر لتدفُّق رؤوس الأموال الخارجية على إسرائيل بعد الحكومة الأمريكية. ففي الولايات المتحدة توجد حوالي 200 مؤسسة تعمل في مجال جمع التبرعات لإسرائيل، من أشهرها مؤسسة النداء اليهودي المتحد، ومنظمة سندات دولة إسرائيل. وتشير بعض التقديرات إلى أن المساعدات التي حصلت عليها إسرائيل من مصادر غير حكومية في الفترة من 1948 إلى 1986 قد بلغت 24.5 مليار دولار موزعة على النحو التالي: 6.5 مليار مساعدات أفراد و11 مليار مساعدات مؤسسات و7 مليارات قيمة سندات دولة إسرائيل. وقد صبت هذه المعونات في تجمُّع بشري يبلغ عدد سكانه أقل من خمسة ملايين. وقد قدَّر أحد الدارسين أن الولايات المتحدة منحت إسرائيل ما يقرب من عشرة بلايين دولار سنوياً في الفترة الأخيرة، وأنها أعطت كل مواطن إسرائيلي مبلغ ألف دولار كل عام منذ إنشاء دولة إسرائيل، وهذا المبلغ يفوق كثيراً معدل دخل كثير من مواطني العالم الثالث.
وحالياً تبلغ حصة الفرد الإسرائيلي من المساعدات حوالي 1600 - 2000 دولار سنوياً دون حساب عوائد الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والعسكري والسياسي. وطبقاً للتقديرات السابقة فإن مجمل المعونات الأمريكية الرسمية يصل إلى 78 مليار دولار، ومجمل المعونات الأمريكية غير الرسمية يصل إلى 24.5 مليار دولار، أي أن المعونات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية تزيد عن مائة مليار دولار.

ويمكن القول بناءً على تقديرات أخرى لا تختلف كثيراً عن التقدير السابق مباشرةً أن مجموع المساعدات الأمريكية لإسرائيل إضافة إلى التعويضات الألمانية والجباية اليهودية منذ عام 1949 وحتى عام 1996 ما يزيد عن 179.4 مليار دولار، موزعة بين 79.6 مليار دولار مساعدات حكومية أمريكية متنوعة، 60 مليار دولار تعويضات ألمانية، 19.4 مليار دولار جباية يهودية، 23.4 مليار دولار أصول أجنبية في إسرائيل. وحتى إذا استبعدنا الأصول الأجنبية الموجودة في إسرائيل على اعتبار أنها قد توطنت فيها لاعتبارات اقتصادية (وهو أمر غير صحيح لأنها كانت دائماً دولة في حالة حرب أو توتر ولا تغري أي مستثمر بتوطين الاستثمارات فيها) فإن المساعدات الخارجية المعروفة التي تلقتها إسرائيل منذ إنشائها عام 1948 وحتى عام 1996 قد بلغت نحو 156 مليار دولار بالأسعار الجارية على مدى سنوات تلقي إسرائيل لها، وهي توازي ما يزيد عن 450 مليار دولار من دولارات الوقت الراهن.
وهناك مساعدات تحصل عليها إسرائيل في ظروف معينة مثل ما حصلت عليه عند التوقيع على معاهدة كامب ديفيد 1979 لتعويض ما فقدته، فحصلت على: بناء مطارين في النقب يعمل في كل منهما سربان أثناء العمليات بواسطة سلاح المهندسين الأمريكي، وتعزيز البنية الأساسية لقواعد بحرية وإنشاءات عسكرية ومراكز تدريب وثكنات، والحصول على معدات وأسلحة لتحديث قواتها، وبناء مدارس عسكرية، وبناء مخزنين في كل قاعدة جوية في النقب بهما قطع الغيار اللازمة، وهي تعمل بطريقة أوتوماتيكية بحيث يكفي 3 أشخاص لتشغيل وإدارة كل مخزن، وقد تكلفت هذه الإنشاءات والمعدات ما يقرب من3.2 مليار دولار، والغريب أن كل معدات سلاح المهندسين التي قامت ببناء هذه الأبنية أعطيت منحة لإسرائيل.

علاوة على ذلك فإنه لا يمكن حصر المساعدات غير المنظورة التي تُعطَى للكيان الصهيوني، مثل هجرة العلماء إليها، فمثلاً يُقال إن معظم أعضاء قسم رسم الخرائط في الجيش البولندي هاجروا إلى إسرائيل بعد عام 1967، كما أن كثيراً من العلماء اليهود يجرون تجاربهم في معامل جامعاتهم في الولايات المتحدة، ثم يعطون نتائجها لإسرائيل. وهذا شكل من أشكال المعونات يصعب - إن لم يستحيل - حسابه.
ويمكن رصد أنواع أخرى من المساعدات غير المباشرة. ففي مجال الصناعات الحربية تسهم الولايات المتحدة في مشروع إنتاج الصاروخ "حيتس أو السهم" الإسرائيلي المضاد للصواريخ رغم تكرار فشله (وكذلك الحال مع الطائرة لافي من قبل) . وفي مجال نقل التكنولوجيا نجد أنه رغم أن الولايات المتحدة تفرض قيوداً صارمة على عملية النقل هذه إلا أنها لا تُطبَّق على إسرائيل، التي تستخدم في صناعاتها الحربية معدات تكنولوجية أمريكية.
وتشير بعض الإحصاءات إلى أن 36% من الصادرات الإسرائيلية تحتوي على نظم أمريكية، ولذلك فإنه لو طُبِّقت القيود الصارمة على تصدير التكنولوجيا التي في حوزة إسرائيل لدولة ثالثة لأصيبت صادراتها بضربة قاسية.
وهناك نوع آخر من المساعدات غير المباشرة وهو فتح الأسواق الأمريكية للصادرات الإسرائيلية، وكذلك ما يُعرف بـ «الأسواق المتروكة» ، وهي أسواق لا تستطيع الولايات المتحدة التورط فيها بطريقة مباشرة مراعاةً لمصالحها العليا، الأمر الذي يجعلها تلجأ إلى إسرائيل لملئها مؤقتاً مثل أسواق ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية أو أسواق بعض النظم العنصرية مثل نظام جنوب أفريقيا السابق.

ولهذه المعونات آثار سلبية عديدة، فالتضخم المفرط ناجم في جزء كبير منه عن التدفق المسيَّس لرؤوس الأموال الذي بلغ في منتصف الثمانينيات معدلات فلكية (536% عام 1984) ، والخفض المستمر في قيمة الشيكل (اضطرت الحكومة في النهاية لإلغائه واستبدال الشيكل الجديد به حيث أصبح كل شيكل جديد يساوي 100 شيكل إسرائيلي) ساهم في تدهور قدرته الشرائية ودفع العديد من الاقتصاديين الإسرائيليين إلى المطالبة بدولرة الاقتصاد الإسرائيلي. وأوشك النظام المالي الإسرائيلي على الانهيار لولا تدخُّل الولايات المتحدة وقيامها بمد إسرائيل بمساعدة طارئة بلغت 1.5 مليار دولار مكَّنت الحكومة الإسرائيلية من تثبيت سعر الشيكل ووفرت عليها عبء الاستدانة من أسواق المال العالمية. وقد أصبحت إسرائيل نتيجة هذا الدعم المستمر بلداً كل ما فيه مموَّل أو مُدعَم من الخارج: حمام السباحة في النادي، معمل قسم الطفيليات في الجامعة، مشروعات إعانة الفقراء، المتحف الذي يذهب المواطن لزيارته، بل حتى البرامج الإذاعية التي يسمعها. وبطبيعة الحال الجيش الذي يدافع عنه، والوجبة التي يتناولها. إن مثل هذا الوضع يقوض دعائم الأخلاقيات الاجتماعية وأي إحساس بالعزة القومية. والصهيونية تستمد شرعيتها أمام اليهود من ادعائها أنها حولتهم إلى شعب له كرامته القومية مثل كل الشعوب.
وقد بدأت الحكومة الأمريكية تتدخل في السياسات الداخلية للمستوطن الصهيوني وبخاصة الشئون الاقتصادية والعسكرية، وأصبحت هذه السياسات يتم تقريرها على أمل أن تحوز إعجاب واشنطن. وهذه قضية تثير قلقاً عميقاً داخل المُستوطَن الصهيوني. وكما قال ييجال يادين: "إن المعونة الأمريكية تشكل الخطر الأساسي على مستقبلنا الروحي". ولكن لا يوجد حل ولو نظري لهذه المشكلة في الوقت الحاضر على الأقل.

والمعونات الخارجية أدت إلى ظهور بعض الظواهر الفريدة في المجتمع الإسرائيلي. فالمعونات الألمانية - على سبيل المثال - خلقت بشكل فجائي فوري طبقة من الإسرائيليين الأثرياء (من أصل أوربي) تمكنوا من الانتقال من الأحياء الفقيرة إلى أحياء أكثر ثراء، وغيَّروا أسلوب حياتهم بشكل كامل. هذه النقود السهلة (كما يسمونها) ، أي النقود التي لم يكدَّ أحد من أجلها، تُعرِّض المجتمع لهزات اجتماعية وتُولِّد فيه التوترات. ونتيجة المعونات ازداد عدد كليات الطب في إسرائيل بشكل غير طبيعي في بلد يوجد فيه فائض كبير من الأطباء الأمر الذي يتسبب في هجرة العديد منهم. وقد لخص أحد الرأسماليين الإسرائيليين أثر المعونات السلبي في المجتمع الإسرائيلي بقوله: "إنه قد يضطر لإغلاق مصنعه لو زادت المنح الخارجية لإسرائيل، إذ أنها ستوزَّع على العمال الذين يمكنهم بذلك تحقيق دخل لا بأس به دون الحاجة للعمل"، أي أن المعونة تحوِّل اليهود إلى شعب طفيلي غير منتج مرة أخرى.
ونتيجة انسحاب اليهود من الأعمال الإنتاجية دخلت العمالة العربية كل مجالات الحياة وضمنها الكيبوتس الذي يستفيد منها بسبب انخفاض تكلفتها. وبدأت الأعمال الضرورية في الزراعة والبناء والمصانع تنتقل تدريجياً إلى أيدي العرب، وهناك فروع كاملة أو جزء كبير منها لم يَعُد موجوداً بين أيدي عمال يهود.

وفي أعقاب احتدام أزمة نموذج الصهيونية العمالية منذ منتصف الثمانينيات وظهور الدعوة لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، تعالت الأصوات منادية بضرورة إعادة النظر في اعتماد إسرائيل على المساعدات الخارجية، وداعية إلى ضرورة تَوجُّه إسرائيل نحو جذب رؤوس أموال غير مسيَّسة عن طريق توفير مناخ استثماري أفضل لضمان تدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة أو استثمارات في حوافظ الأوراق المالية، عن طريق ما يُعرف بالوعاء الاستثماري للدولة أو صندوق الدولة (بالإنجليزية: كانتري فاند country fund) الذي يتم تسجيله كشركة قابضة في إحدى البورصات ثم يقوم بإصدار أوراق مالية يتم تداولها في البورصات العالمية، على أن يقوم هذا الصندوق باستثمار حصيلة بيع الأوراق المالية في مجموعة من الشركات الإسرائيلية سواء عن طريق شراء أسهم وسندات هذه الشركات أو عن طريق الاستثمار المباشر (وهو ما تم بالفعل منذ عام 1992 إذ تم إنشاء ما يُعرف بصندوق إسرائيل الأول) .
وتبلورت هذه الاتجاهات بشكل احتفالي خلال الزيارة الأولى التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة عقب توليه الحكم. فقد شهدت هذه الزيارة - ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل - إعلان رئيس وزراء إسرائيلي عن استعداده لبحث خفض المعونة الأمريكية لإسرائيل بدعوى أن الاقتصاد الإسرائيلي وصل لمرحلة من التطور تغنيه عن المساعدات الخارجية! ونجاح إسرائيل في الاستغناء عن المساعدات الخارجية (التي مثَّلت - إلى جانب موجات الهجرة لإسرائيل - إحدى دعامتين قام عليهما نموذج الصهيونية العمالية) يمكن أن يُعَد مؤشراً بالغ الدلالة على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوز أزماته، وإمكانية نجاح التطبيع، على الأقل على المستوى الدولي.

وفي أعقاب احتدام أزمة نموذج الصهيونية العمالية منذ منتصف الثمانينيات وظهور الدعوة لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، تعالت الأصوات منادية بضرورة إعادة النظر في اعتماد إسرائيل على المساعدات الخارجية، وداعية إلى ضرورة تَوجُّه إسرائيل نحو جذب رؤوس أموال غير مسيَّسة عن طريق توفير مناخ استثماري أفضل لضمان تدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة أو استثمارات في حوافظ الأوراق المالية، عن طريق ما يُعرف بالوعاء الاستثماري للدولة أو صندوق الدولة (بالإنجليزية: كانتري فاند country fund) الذي يتم تسجيله كشركة قابضة في إحدى البورصات ثم يقوم بإصدار أوراق مالية يتم تداولها في البورصات العالمية، على أن يقوم هذا الصندوق باستثمار حصيلة بيع الأوراق المالية في مجموعة من الشركات الإسرائيلية سواء عن طريق شراء أسهم وسندات هذه الشركات أو عن طريق الاستثمار المباشر (وهو ما تم بالفعل منذ عام 1992 إذ تم إنشاء ما يُعرف بصندوق إسرائيل الأول) .
وتبلورت هذه الاتجاهات بشكل احتفالي خلال الزيارة الأولى التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة عقب توليه الحكم. فقد شهدت هذه الزيارة ـ ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل ـ إعلان رئيس وزراء إسرائيلي عن استعداده لبحث خفض المعونة الأمريكية لإسرائيل بدعوى أن الاقتصاد الإسرائيلي وصل لمرحلة من التطور تغنيه عن المساعدات الخارجية! ونجاح إسرائيل في الاستغناء عن المساعدات الخارجية (التي مثَّلت ـ إلى جانب موجات الهجرة لإسرائيل ـ إحدى دعامتين قام عليهما نموذج الصهيونية العمالية) يمكن أن يُعَد مؤشراً بالغ الدلالة على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوز أزماته، وإمكانية نجاح التطبيع، على الأقل على المستوى الدولي.

غير أن تأمل واقع الاقتصاد الإسرائيلي، والبرنامج الاقتصادي للحكومة الحالية بشكل دقيق، يثير العديد من الشكوك حول مصداقية المبادرة التي تقدَّم بها نتنياهو. فبرنامج الحكومة الانكماشي لا يحتمل أيَّ خفض في إيرادات الدولة، إذ أن تراجع المعونات الخارجية سيضعف الأثر المرجو لخفض النفقات على عجز الموازنة. بالإضافة إلى أن عدداً من توجهات الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم (كالتوجه نحو التوسع في الاستيطان مثلاً) يحتاج إلى مصادر تمويلية إضافية.
وتؤكد هذه الشكوك أن نتنياهو نفسه عاد وأوضح ـ بعد 3 أيام فقط من خطابه أمام الكونجرس ـ أنه لا يرغب في خفض المعونة الأمريكية خلال العامين الماليين القادمين، موضحاً الفرق بين المساعدات العسكرية التي تعطيها إسرائيل أولوية كبرى، وبين المعونة الاقتصادية التي يمكن خفضها تدريجياً. فالمعونة الاقتصادية تُستخدَم لسداد ديون إسرائيل لدى الولايات المتحدة، كما أن تعديل كرانستون يُلزم الولايات المتحدة بأن تقدِّم الولايات المتحدة معونة اقتصادية سنوية لإسرائيل قيمتها أكبر من إجمالي الديون المستحقة عليها للولايات المتحدة، بالإضافة إلى قدرة إسرائيل على الحصول على مستوى المعونة نفسه بوسائل وأساليب أخرى.
وحقيقة السياسة الإسرائيلية تكمن في رفع شعار الاستغناء عن المعونة الأمريكية مع استمرار الحصول عليها سراً، بهدف تخفيف الحرج عن اللوبي الصهيوني عندما يجري نقاش علني حول خفض برنامج المعونة الخارجية الأمريكي، وللإيحاء بأن إسرائيل قوة اقتصادية تعتمد على نفسها اعتماداً تاماً.

وعلى أية حال فإن التشكيك في مصداقية مبادرة نتنياهو لخفض المعونة لا ينفي اتجاهاً أمريكياً لخفض المعونات لجميع دول العالم. فالميزانية الأمريكية تعاني من ضغوط متزايدة يرجع جزء أساسي منها إلى أن المعونات الأمريكية لكل من إسرائيل ومصر لم يصبها التخفيض كما أصاب غيرها، الأمر الذي يعني أن اقتراح نتنياهو ـ بغض النظر عن مصداقيته بالنسبة لأوضاع الاقتصاد الإسرائيلي ـ يمثل ضرورة حيوية للميزانية الأمريكية، وهو ما يدعم الآراء القائلة بأن خفض المساعدات الخارجية آت لا محالة بعد انتهاء العامين الماليين القادمين.
وهنا تبرُز أهمية القنوات الأخرى ـ بخلاف المعونة الرسمية ـ لتدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل، والتي توفر في الوقت الحالي أكثر قليلاً من نصف المبالغ التي تحصل عليها إسرائيل من الحكومة الأمريكية (ناهيك عما تحصل عليه من تبرعات من جهات غير حكومية) ، والتي يمكن أن تُستخدَم لتعويض أيِّ خفض في المعونة الرسمية.
والدلالة التي يمكن استخلاصها هنا بالغة الخطورة، إذ أن الاعتماد الإسرائيلي سيتحول من موارد مؤقتة بطبيعتها ـ نظراً لخضوعها ولو شكلياً للمراجعة الدورية من قبَل المؤسسة المانحة ـ إلى موارد غير ظاهرة وغير خاضعة للمراجعة الدورية، ومن ثم تُعَد من الناحية العملية أكثر ثباتاً، الأمر الذي قد يشير إلى أن الاعتماد الإسرائيلي على المعونة الأمريكية يزداد تجذراً ـ بدلاً من أن ينخفض كما ينادي أنصار التطبيع ـ بحيث ينتقل إلى الاعتماد على موارد دائمة لا مؤقتة، وهو ما يطرح أزمة الاقتصاد الإسرائيلي بشكل أعمق، إذ أن المعونة أصبحت جزءاً من هيكل هذا الاقتصاد.

كما أن زيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية يشير إلى فشل الجهود الرامية لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي على المستوى الدولي. فإذا أضفنا إلى ذلك الصعوبات التي تواجه التطبيع محلياً وإقليمياً، فيمكننا أن ندرك عُمْق الأزمة التي يمر بها هذا الاقتصاد، وأن هذه الوظيفية والتبعية ستظل من صفاته البنيوية.
الدولة الصهيونية الوظيفية: العجز والعزلة والغربة
‏The Functional Zionist State: Powerlessness, Isolation, and Alienation
يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية، خصوصاً تلك التي تضطلع بوظيفة قتالية، بالعزلة عن غالبية أعضاء المجتمعات المضيفة والالتصاق الشديد بالنخبة والعجز الشديد فليست لها قاعدة شعبية، ومن ثم فهي لا تملك إرادة مستقلة. والدولة الصهيونية إعادة إنتاج لهذا النمط ولنبدأ بإشكالية العجز.
1 ـ العجز:
أ) الحاجة للدولة الراعية:

لابد أن تتبع الجماعة الوظيفية راعياً يحميها ويكفل لها أمنها ومستواها المعيشي المتميِّز نظير أن تقوم هي على خدمته ورعاية مصالحه ضد أعدائه. وقد بدأ هرتزل نشاطه الدبلوماسي المحموم بحثاً عن دولة راعية لمشروعه الصهيوني الخاص بتحويل الفائض البشري اليهودي إلى دولة وظيفية، فتوجَّه إلى سيسل رودس والرئيس تيودور روزفلت وملك إنجلترا وقيصر روسيا وقيصر ألمانيا (بل إلى السلطان العثماني، ظناً منه أن السلطان سيحتاج إلى العنصر اليهودي الاستيطاني القتالي في فلسطين لدعم الإمبراطورية) . وكان هرتزل يتخيل أحياناً أن الدولة الوظيفية ستكون عميلاً لكل دول أوربا، أي للمشروع الاستعماري الغربي ككل، كما تذبذب بعض الوقت بين ألمانيا وإنجلترا، ولكنه أدرك في نهاية الأمر أن الاستعمار الإنجليزي أكثر ثباتاً واستقراراً وأن الإنجليز هم أول من اعترف بضرورة التوسع الاستعماري في العالم الحديث وأن حاجتهم للدولة الوظيفية واضحة. وتم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنطقة الصهيونية بشأن يهود الغرب في إطار هذا التفاهم، إذ تقوم إنجلترا بمقتضاه بنقل المادة البشرية اليهودية وتأسيس دولة يتم توظيفهم من خلالها ليقوموا هم من ناحيتهم بالدفاع عن مصالح الدولة الراعية، فالعلاقة إذن بين الطرفين واضحة نفعية تعاقدية موضوعية واضحة.

ورغم توقيع العقد مع إنجلترا، فإن الأمر لم يخل من صراعات وتوترات. وقد ذكرنا من قبل أن هرتزل ظل يتذبذب بين ألمانيا وإنجلترا، وأنه حسم الأمر في النهاية وقرَّر أن يبذل معظم جهوده الدبلوماسية مع إنجلترا (دون أن يحطم جسوره مع أي من الدول الأخرى) . وقد كان مشروع شرق أفريقيا أول ثمار التعاون بين الحركة الصهيونية وإنجلترا. وقد عارض دعاة الاستعمار الألماني، ومعظمهم بطبيعة الحال من الألمان، مشروع شرق أفريقيا، لا لإصرارهم على فلسطين وإنما خشية أن يؤدي نجاح مثل هذا المشروع إلى تحطيم علاقاتهم بالإمبريالية الألمانية. وكان الصهاينة الألمان يحاولون أن يبينوا مدى نفع المادة البشرية اليهودية للمشروع الاستعماري الألماني، فأخبر بودنهايمر وكيل وزارة الخارجية الألمانية: "أن وضع يهود الشرق [شرق أوربا] في موقف العارف بالجميل تجاه الإمبراطورية الألمانية لهو أمر ذو مغزى سياسي أكيد. إن فتح الشرق [أي فلسطين] لليهود قد يصبح وسيلة يمكن عن طريقها تحويل عنصر قادر على التحدث بالألمانية من روسيا وبولندا إلى هذا الاتجاه، بحيث يمكن توظيفه لصالح ألمانيا".
وقد بذل الصهاينة الألمان قصارى جهدهم في تجنيد يهود شرق أوربا وراء القوات الألمانية الغازية في الحرب العالمية الأولى. ولكن مجرى الأحداث تغيَّر، وانتصرت الإمبراطورية البريطانية، وتجاهل وايزمان والصهاينة في إنجلترا صهاينة ألمانيا، وحصلوا على وعد بلفور.
وظلت إنجلترا، الراعية الأساسية الشاملة للجيب الصهيوني، تُوظِّف الدولة الوظيفية لحسابها ولحساب الحضارة الغربية. وحينما بدأت الولايات المتحدة قيادة التشكيل الاستعماري الغربي، تراجع الدور الإنجليزي وأصبحت الولايات المتحدة راعية الجيب الوظيفي الإسرائيلي ومظلته الواقية.
ب) دعم الدولة الراعية للدولة الوظيفية:

تقوم الدولة الراعية بدعم الدولة الوظيفية حتى يمكنها الاستمرار في أداء وظيفتها بكفاءة، تماماً كما كان ملوك وأباطرة أوربا يرعون أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية. وقد تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى أن أصبحت الدولة الوظيفية معتمدة تماماً عليها بطريقة لم يسبق لها مثيل. والواقع أن تاريخ تَزايُد هذا الدعم هو أيضاً تاريخ دولة إسرائيل الوظيفية. وقد لاحَظ الصحفي الإسرائيلي ب. سبير اعتماد إسرائيل التام على الهبات الخارجية، فأشار إلى أنه "لا توجد دولة في العالم يتم دفع كل ما ينقصها من عملة صعبة من قبَل مواطني الدول الأخرى"، وأن الإسرائيليين هم "أكبر زبائن المساعدات المجانية في العالم".
وقد أدَّت هذه المساعدات إلى اعتماد الدولة الوظيفية على الولايات المتحدة لضمان استمرارها وبقائها إذ أصبح التمويل الخارجي المصدر الأساسي للدخل بالنسبة لأعضاء الدولة الوظيفية، وأصبح دخلهم غير مرتبط بإنتاجيتهم أو عرَق جبينهم أو عملهم وإنما بالدور الإستراتيجي الذي يضطلع به التجمع ككل، وبالدولار الذي يُدفَع له أجراً عن هذا الدور.

لكل هذا، يرى خبراء الاقتصاد في بنك إسرائيل، في محاولتهم تقييم الأداء الاقتصادي الإسرائيلي والتنبؤ بمساره الاقتصادي، أن أهم حدث في هذا المجال في السنوات الأخيرة ليس التحولات الاجتماعية وظهور طبقة من المستهلكين تتمتع بالتبرعات المجانية وترتدي جلداً سميكاً من عدم الاكتراث الاجتماعي، وليس انخفاض إنتاجية الإسرائيليين أو ارتفاعها أو حجم الاستيراد أو التصدير، أو الميزان التجاري أو غيرها من المعايير المستخدمة في تقييم الأداء الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات الأخرى، فأهم حدث هو "زيادة المساعدات الأمريكية إلى إسرائيل [أهم مصادر الدخل الثابت] من حوالي 10% إلى حوالي 20% من الناتج". وعلى كلٍّ، بيَّن سبير أن مصطلحات مثل «العجز التجاري» وخلافه غير ذات موضوع، لأن الإسرائيليين يحصلون من الخارج على تحويلات من جانب واحد "أي على هبات لا حاجة إلى سدادها، كقيمة العجز المتراكم خلال ثلاث سنوات في ميزان مدفوعاتنا".
جـ (افتقاد السيادة:
هذه المساعدات السخية تضمن للمستوطنين الصهاينة الاستمرار، ولكنها في الوقت نفسه تقوِّض استقلالهم وسيادتهم (تماماً كما كان يحدث مع أعضاء الجماعات الوظيفية الذين كانوا يتمتعون بالدخل المرتفع والمكانة المتميِّزة ولكنهم كانوا يعتمدون اعتماداً كاملاً على الراعي أو الحاكم) . ويساهم التطور السريع الذي تشهده صناعة السلاح وزيادة نفقات التسليح في تَزايُد اعتماد المستوطنين الصهاينة على دولة إمبريالية متقدمة. ولذا، فإن إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة أو صنع القرار تزداد عمقاً (مع أن أحد الأسباب الرئيسية لتأسيس الدولة الصهيونية ـ من منظور الفكر الصهيوني ـ هو حل هذه الإشكالية بين الجماعات اليهودية باعتبارها جماعات وظيفية تخدم الطبقة الحاكمة دون أن تشاركها في صنع القرار) .

ويظهر افتقاد السلطة وعدم المشاركة في القرار في الدور غير العادي الذي يلعبه في الوقت الحاضر وزير الخارجية الأمريكي في توجيه السياسة الاقتصادية الإسرائيلية. فهو ـ على حد قول الصحفي الإسرائيلي شموئيل شنيتسر في مقال له بعنوان «كم بقى لنا من الاستقلال» ـ يقوم بتحديد الأهداف وسبل العمل، ويلعب دور المشرف الدائم على تنفيذ التعليمات المكتوبة التي يقوم بنقلها إلى وزراء المالية الإسرائيليين. وقد بيَّن سبير أن تغيير وزراء المالية الإسرائيليين وكَبْح التضخم النقدي، كلها أمور ثانوية بالقياس إلى القرار الأمريكي الخاص بحجم المعونة الأمريكية، فقد اشترت أمريكا بأموالها الحق الأخلاقي في عملية الإشراف التي تقوم بها إذ أن من يقدم الأموال هو صاحب صلاحية الحسم.

ويقرر شنيتسر أن السياسات الاجتماعية للمجتمع الصهيوني وعلاقاته الدولية، وكذلك إنفاقه الأمني، كلها أمور أصبحت تقريباً تقع خارج نطاق القرار الإسرائيلي المستقل. فوزير الخارجية الأمريكي يعمل منطلقاً من صالح بلاده لا من واقع الأهداف الصهيونية، وحينما تدفع بلاده الهبات فإنه يريدها أن تُنفَق لأغراض الطيران أي لأغراض القتال، فهو غير معنِّي بالأهداف الصهيونية التي من بينها أن إسرائيل دولة مهاجرين يجب أن تقوم بزيادة خدمات الرفاه لمواطنيها، وهو لا يدرك أن سياسات إسرائيل الاقتصادية لها خصوصيتها الصهيونية الاستيطانية. فالبطالة التي تؤخذ كظاهرة طبيعية في أمريكا ستشجع ظاهرة النزوح من إسرائيل، الأمر الذي يهدد أمنها. ولكن هذه كلها أمور صهيونية لا تعني وزير الخارجية الأمريكية كثيراً. إن الأمر قد وصل في إسرائيل إلى حد أن العقد الاجتماعي هناك قد أصبح مؤسَّساً على حقيقة الهبات الأمريكية الضخمة، فالإسرائيليون لم يَعُد بوسعهم العمل بموجب حاجاتهم وتطلعاتهم الصهيونية. وحينما يتفاوض العمال مع أرباب الصناعات، فإن كل ما يمكن إحرازه من خلال إجراء مفاوضات مع ممثلي العاملين ومع أرباب العمل هو إيجاد أساس من الاتفاق القومي لتنفيذ السياسة التي يمليها وزير الخارجية الأمريكي. ولكن ما نسيه شنيتسر أن وزير الخارجية الأمريكي هو المعادل الأمريكي الحديث لبلفور، وأن العقد الاجتماعي الإسرائيلي الجديد هو امتداد لعقد بلفور القديم وترجمة متعينة له في ظروف الثمانينيات.

وأصبح افتقاد إسرائيل لحرية القرار يظهر، وبشكل أكثر وضوحاً، في علاقات إسرائيل الدولية التي لا يمكن تفسيرها أو فهمها إلا من منظور التبعية الإسرائيلية للولايات المتحدة. فقد كانت علاقة الدولة الصهيونية مع جنوب أفريقيا تُسقط شرعيتها أمام الدول الأفريقية التي تشكل مجالاً للانتشار الإسرائيلي في مواجهة الرفض العربي. كما أن علاقاتها مع الدول الفاشية المختلفة التي تضطهد الجماعات اليهودية وغيرها من الأقليات والطبقات (مثل النظام العسكري السابق في الأرجنتين) تُسقط شرعيتها كدولة يهودية تشكل ملجأ ليهود العالم. وكذلك فإن قيامها بتزويد السلفادور بالسلاح يُسقط شرعيتها كدولة ديموقراطية صغيرة تدافع عن مُثُل المساواة والعدالة. وتتدعم الصورة السلبية التي تقوض كل أساطير الشرعية الإسرائيلية الصهيونية حينما تقف إسرائيل إلى جانب كل إجراء سياسي أمريكي في العالم مهما كان متطرفاً ويستحق الانتقاد. لا يمكن تفسير كل ذلك أو فهمه من منظور مصلحة إسرائيل أو رغبتها في البقاء، وإنما يمكن تفسيره وفهمه في إطار دورها الإستراتيجي كدولة وظيفية تخدم مصالح الولايات المتحدة.
كما أن ميزانيات إسرائيل العسكرية لا يمكن تفسيرها هي الأخرى إلا في الإطار نفسه. وقد قام سبير بتحليل ما سماه «استهلاك إسرائيل الأمني» مقابل الاستهلاك الفردي، فأشار إلى أن احتياطي رأس مال إسرائيل العسكري (أي إجمالي شبكات الأسلحة والذخيرة والعتاد والأرضية وما شابه) ازداد من 21.5 مليار دولار إلى 54.5 مليار دولار. هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها في إطار احتياجات إسرائيل الأمنية وحدها وإنما يمكن شرحها بالعودة إلى حلقة أوسع؛ فالإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية ـ كما يقول الكاتب الإسرائيلي ـ لا تحددها متطلبات إسرائيل الأمنية الذاتية الحقيقية وإنما تحددها الاحتياجات الأمنية والعسكرية الدولية للمموِّل الموجود في واشنطن ومانهاتن.

ولكن الصهاينة باعوا أنفسهم منذ البداية، كما قالت حنه أرنت، واشترت الولايات المتحدة بأموالها الحق الأخلاقي في التحكم في إسرائيل، وهكذا فإن بوسعها أن تتدخل وتُسدي لإسرائيل النصح بشأن أشياء تتعلق بالسيادة القومية. فعلى سبيل المثال، حينما قرَّرت المؤسسة الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة أنها لا يمكن أن تسمح لأحد (حتى إسرائيل) بأن يتقاسم معها سوق الطائرات، صدرت الأوامر للدولة الصهيونية بأن تُوقف إنتاج طائرة اللافي، رغم حاجة الاقتصاد الصهيوني لها (للإبقاء على المستوطنين ذوي المؤهلات العالية) . وكان على الدولة أن تخضع. وعلى كلٍّ، لم يكن بمقدور إسرائيل أن تنتج هذه الطائرة بدون دعم المموِّل. كما أن المموِّل الأمريكي كان بإمكانه أن يتدخل ليمنع ترقية ضابط كبير (العقيد أفيعام سيلع) في سلاح الجو الإسرائيلي بسبب دوره في حادثة بولارد. وكان يمكنه أيضاً أن يطلب من عميلته (إسرائيل) أثناء حرب الخليج أن تلزم قواتها ثكناتها (حتى لا تسبِّب له حرجاً أمام حلفائه العرب) وسُمِّي هذا "ضبط النفس".
ولا يملك الحارس الذي ارتضى هذا الدور إلا الخضوع والتكيف، فأقصى ما يطمح إليه هو أن ينعم برضى وليّ نعمته وأن يحصل على قسط وافر من أمواله. وقد وصف شلومو ماعوز الطبيعة المذلة للدور الوظيفي المملوكي الذي تلعبه إسرائيل (دون أن يستخدم المصطلح بطبيعة الحال) وضرورة أن يتلوَّن المملوك بطريقة تُرضي المالك، فقال إن واشنطن كانت تفضل بيريز على بيجن (كقائد للمماليك) لأن الأخير لا يزال عنده بقية من التبجح القومي. أما بيريز فمَرن متفاهم يرى أن ذاته القومية ليست على درجة كبيرة من الأهمية، وهو لهذا السبب نفسه لا يشعر بأي حرج في طلب المساعدات. وقد يرفض الأمريكان إعطاءه كل ما يريده في الوقت الحاضر، ولكنهم مع هذا يفهمون جيداً مضمون رسائله. ولعل هذا هو السرّ في عودة رابين وبيريز إلى الحكم حين حان وقت المفاوضات.

والعلاقة بين المالك والمملوك ليست دائماً علاقة منسجمة فقد يشوبها أحياناً شيء من التوتر. فالمملوك قد يزمجر أحياناً من ثقل المهام الموكلة إليه. وكثيراً ما يضنّ المالك على المملوك، ولكنه مع هذا يريد مزيداً من القتال، وأحياناً تمارس الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لتخفض مستوى معيشتها. فتحتج إسرائيل كما جاء على لسان ماعوز الذي قال إن مثل هذا الخفض سيضعف أداء الدولة الصهيونية. فعبء ميزانية الدفاع الذي يثقل كاهل الإسرائيليين ـ حتى مع المساعدة الأمريكية ـ هو أكبر عبء في العالم. وفي هذا ظلم وأيُّ ظلم، إذ أن المملوك لا يمكنه أن يستمر في أداء دوره القتالي بكفاءة إلا بعد أن ينال مالاً كافياً.

ولكن المستوطنين الصهاينة، الذين تركوا بلادهم وأممهم ليحققوا الهوية المستقلة، كما عرَّفها الصهاينة، والذين يطمحون إلى أن يصبح اليهود متحكمين في مصيرهم لأول مرة منذ سقوط الهيكل الثاني، ويرون أنهم قادرين على وضع نهاية لعجز اليهود وعدم مشاركتهم في السلطة أو صنع القرار، هؤلاء المستوطنون الصهاينة تكمن مشكلتهم في أنهم حبيسو دورهم المملوكي الوظيفي الاستيطاني ولا يملكون منه فكاكاً. فعجزهم الاقتصادي يتزايد على مر الأيام، وبالتالي، يزداد اعتمادهم على الهبات الحكومية الأمريكية. وقد أصبح حجم هذه المساعدات من الضخامة بحيث تتضاءل بجواره المساعدات التي يرسلها يهود العالم. وبالتالي، يتناقص استقلالهم "اليهودي" المزعوم ويتآكل تَحكُّمهم في مصيرهم ويزداد تورُّطهم ويتعمق مأزقهم إلى أن وصل بهم الأمر إلى حد أنهم لم يبق لهم من السيادة القومية سوى رموزها اليهودية الصارخة، دون أيِّ مضمون حقيقي، حتى أصبحوا مرة أخرى مثل الجماعات اليهودية الوظيفية (مثل يهود الأرندا ومثل أقنان البلاط بل مثل كبار المرابين وصغارهم) أداة استغلال تابعة لصانع القرار (غير اليهودي) لا تشارك البتة في صنع القرار نفسه، الأمر الذي يطرح مشكلة عدم المشاركة في السلطة مرة أخرى وبحدة.

بل إن الأمور قد ازدادت سوءاً عن ذي قبل، إذ أن المجتمع الإسرائيلي لم يصبح فقط مجتمعاً تابعاً لا يشارك في صنع القرار وإنما أصبح متسولاً. وقد استخدم سبير صورة الشحاذ المجازية عدة مرات في مقاله ليصف المجتمع الإسرائيلي على أنه "مجتمع يمدُّ يده لاستجداء الكرماء"؛ مجتمعاً "يأكل وجبات مجانية" وتعتمد قائمة طعامه على الزيت الذي يقطر من الخارج. وقد استخدم شنيتسر الصورة المجازية نفسها عندما تحدَّث عن المجتمع الإسرائيلي باعتباره مجتمعاً يعتمد على مائدة الولايات المتحدة، كما قال عنه زيفا ياريف إنه "مجتمع يُنفِّذ بكل خضوع رغبة من يقدِّم له الخبز". لقد أصبح المماليك الاستيطانية، إذن، شنورير (متسولين) يعيشون على الحالوقة (أي الصدقة (
ولكن إذا كان المتسول التقليدي يمدُّ يده في إطار ديني، يعد المتصدقين بالثواب وجنات النعيم، فإن الشحاذ الإسرائيلي سميك الجلد كل همه أن يستهلك المساعدات ويأخذ دون خجل ودون أن تعلو خدوده أية حمرة. وهو لن يحرم نفسه من المأكل والملذات ما دام هناك شخص آخر يقوم بتسديد الحساب، إنه يأخذ بكلتا يديه من صحن المساعدات، وبدلاً من أن يطلب للمحسن جنات النعيم، فإنه يَعد بإطلاق ألسنة الجحيم على المجتمعات المستهدفة.
والمجتمع الإسرائيلي ليس شحاذاً وحسب، وإنما هو مجتمع يشبه الطفل الذي يرضع المليارات من الدولارات، وهو يشبه المدمن أيضاً فهو يستسلم للمعونات كمن يستسلم للمخدر. وكل هذه الصور المجازية (التي وردت في كتابات إسرائيلية) تنطوي على عنصر فقدان الإرادة وانعدام القوة والتحوسل.

وقيام الولايات المتحدة بتمويل الدولة الوظيفية بشكل مكثف هو الذي يجعل هذه الجماهير تخضع في نهاية الأمر لدورها المملوكي الاستيطاني القتالي، فحينما تتدفق الأموال تبهت كل الصراعات الاجتماعية والطبقية والإثنية (وقد تتفكك وتختفي) ، خصوصاً أن الدولة الوظيفية الصهيونية لا تقودها طبقة مستغلة أجنبية أو محلية وإنما نخبة حاكمة ليس لها مصالح طبقية مستقلة. وهي تدير المجتمع من خلال جهاز الدولة الذي يتكون من مجموعة من المؤسسات الجماعية مثل الهستدروت والكيبوتس والوكالة اليهودية، وبالتالي فإنها تقوم بتوزيع العائد المالي للوظيفة القتالية (الدعم الإمبريالي) على كل المستوطنين بكل طبقاتهم بشكل قد لا يتسم بالمساواة الكاملة، ولكنه، مع هذا، يكفل الحفاظ على الأمن الاجتماعي الداخلي وعلى استمرار جماهير الدولة الوظيفية في قبول الاستمرار في وظيفتهم، القتال في سبيل المال.
وقد لخص شنيتسر الموقف بقوله إن العلاقة مع الولايات المتحدة تشبه "المصيدة التي لا يمكن التخلص منها"، أي لا مفر ولا اختيار (إين بريرا) . ولكن العلاقة بين الغرب (ممثلاً في الولايات المتحدة) والدولة الوظيفية (إسرائيل) علاقة تعاقدية "فلا يوجد عطاء دون أخذ" على حد قول سبير. والدولة الوظيفية الصهيونية، كما يعرف الاستعمار وكما يعرف المماليك الاستيطانية، لا أهمية لها في حد ذاتها ولا قيمة، فهي تكتسب قيمتها (أو نفعها) من خلال الدور الذي تلعبه أو الوظيفة التي تؤديها. والمستوطنون، أي العنصر البشري الذي تم توظيفه، يعرفون تماماً أن الهبات ستستمر في التدفق إن اضطلعت دولتهم الوظيفية بالدور الذي أُسِّست من أجله.
د) الاستقلال النسبي للدولة الوظيفية:

ورغم هذا الاعتماد الكلي على الدولة الراعية، تتمتع الدولة الوظيفية الصهيونية بقدر من الاستقلال النسبي، وقد يبدو هذا لأول وهلة وكأنه تناقض. ولكن التناقض سيختفي تماماً إن تَذكَّرنا أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يشكل جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الاستعمار الغربي وإنما هو مجرد آلة في يد الغرب. ومن المُلاحَظ أن كل الدول والجيوب الاستيطانية تعتمد على إحدى الدول الغربية، في المراحل الأولية من تطوُّرها. ويُحدِّد مدى هذا الاعتماد ومدته والشكل الذي يأخذه، مجموعة من الظروف التاريخية والسياسية. فبعض الجيوب الاستيطانية مثل أنجولا والجزائر تظل منفتحة تماماً على الوطن الأم، وتحتفظ بروابط قوية بل وعضوية معه، وتستمد إحساسها بهويتها منه، ولذا فإن كل ما يقرره الوطن الأم يكون بمنزلة القانون الذي يجب أن يُنفَّذ. ذلك لأن الجيب الاستيطاني، في هذه الحالة، مهما بلغ من قوة واستقلالية، لا يعدو أن يكون جزءاً عضوياً من الوطن المستعمر. وإذا تعارضت المصالح بين الوطن والجيب الاستيطاني، لسبب أو آخر، وثبت أن الأخير مُكلِّف ومُعوِّق، فإنه يتم تصفيته ويتم إعادة المستوطنين إلى أرضهم الأصلية التي نزحوا عنها، ويتم حسم الصراع لصالح الدولة الأم. ومن ناحية أخرى، توجد بعض الجيوب الاستيطانية التي تحصل على درجة من الحكم الذاتي والاستقلال النسبي عن الدولة الغربية التي ترعاها. ويستولي المستوطنون، إن عاجلاً أو آجلاً، على السلطة، ويقيمون دولة خاصة بهم، مقصورة عليهم، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة ودولة جنوب أفريقيا العنصرية.

وكان المخطط الصهيوني يهدف إلى أن تكون الدولة الصهيونية الوظيفية من النمط المستقل. وحين سأل الاستعماري البريطاني سير سيسل روديس الزعيم الصهيوني وايزمان عن سبب اعتراضه على وجود سيطرة فرنسية محضة على الدولة الصهيونية، رد الأخير قائلاً: إن الفرنسيين ليسوا كالإنجليز، إذ أنهم يتدخلون دائماً في شئون السكان (أي المستوطنين) ويحاولون أن يفرضوا عليهم الروح الفرنسية.
وقد قام الصهاينة بطرد الفلسطينيين فعلاً، وأنشأوا دولتهم الصهيونية المستقلة. ولكن التطورات التاريخية أظهرت أن الجيب الصهيوني لا يندرج تحت أي نوع من أنواع الاستيطان المألوفة، فهو يعتمد على قوة غربية عظمى اعتماداً كاملاً، ولكنه في الوقت نفسه يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال، ومثل هذا الوضع الشاذ يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل خاصة بالصهيونية وحدها. فالمستوطنون الصهاينة لم ينشأوا في دولة أوربية واحدة يدينون لها وحدها بالولاء، وتقدم هي لهم بدورها الحماية أو المأوى في حالة تصفية الجيب الاستيطاني. فالصهاينة، على عكس سكان المستوطنات الآخرين، ليس لهم وطن أم، وإنما لهم زوجة أب فحسب (إن أردنا استخدام الصورة المجازية نفسها) مستعدة للتعاون معهم ولكن في حدود. فالعلاقة بين المستوطنين الصهاينة والدولة الغربية التي ترعاهم تستند إلى المصلحة المشتركة، فهي علاقة تعاقدية نفعية وليست نتاج روابط حضارية عميقة أو عضوية. ولذا، فإن الجيب الصهيوني لا يتمتع بالحماية الدائمة من جانب دولة واحدة وإنما يتمتع بالحماية المؤقتة من جانب عدد من الدول (الواحدة تلو الأخرى) . ولعل هذا يُفسِّر سبب انتقال القيادة الصهيونية من مركز جذب إلى آخر. ولكن، وبسبب هذا الوضع نفسه، حقق الجيب الاستيطاني قدراً كبيراً من الاستقلال يفوق كثيراً درجة الاستقلال التي تتمتع بها الجيوب الأخرى.

هذا الإيقاع المركب من الجذب والتنافر، من الحكم الذاتي والاعتماد المذل، ومن التحالف مع الدولة الحامية والصراع معها، هو الذي ميَّز العلاقات الصهيونية الغربية منذ البداية. وقد حاول كل جانب أن يستغل الآخر، وأن يحدِّد منطقة المصالح المشتركة بطريقة تخدم مصالحه هو أساساً. فالصهاينة لم يتمكنوا من اكتساب موطئ قدم في الأرض الفلسطينية إلا من خلال وعد بلفور والانتداب البريطاني وبصفة خاصة مؤسساته السياسية والعسكرية الذي فتح بوابات فلسطين على مصراعيها أمام الهجرة اليهودية. ولم يشدد المستوطنون الصهاينة قبضتهم على الأرض، ولم يتزايد عددهم، إلا بعد تعاونهم الكامل مع حكومة الانتداب. وعندما زادت المقاومة العربية في فلسطين، عام 1930 وبعده، قامت بريطانيا بحماية الصهاينة بشكل علني وسري. وقد وصف بن جوريون موقف حكومة الانتداب والحكومة البريطانية أثناء هذه الفترة العصيبة بأنه أكبر نجاح سياسي منذ صدور وعد بلفور. وقد بيَّن أحد مراسلي هآرتس، في مقال له عن التوازن العسكري في فلسطين، أن قوة الصهاينة بعد ثورة عام 1936 كانت تستند إلى التأييد القوي الذي تلقوه من جانب الحكومة والجيش البريطاني في فلسطين، وهو الأمر الذي أدَّى في نهاية الأمر إلى الانتصار الصهيوني عام 1948، أي أن الراعي الإمبريالي لعب دوره كاملاً تجاه الجماعة الوظيفية الاستيطانية حتى تحولت إلى دولة وظيفية استيطانية.

ولكن العلاقة بين الاستعمار البريطاني والجيش الوظيفي الاستيطاني ساءت تحت ضغط عوامل جديدة في الموقف من بينها الضغوط التي مارستها الحكومات العربية الصديقة على الحكومة البريطانية، وتَصاعُد المقاومة الفلسطينية، إلى جانب زيادة المخاوف البريطانية من احتمال تَغلغُل عملاء الجستابو بين صفوف المهاجرين اليهود. وقد ساد الاعتقاد في ذلك الحين (وتأكد فيما بعد) بأن النازين مدوا يد العون للهجرة الصهيونية (الهجرة غير الشرعية) ، وأنهم قرَّروا استغلالها كوسيلة لخلق مشاكل للبريطانيين في الشرق الأوسط (ومن الشائع أن تغيِّر الجماعة الوظيفية من ولائها من راع إلى آخر، فالحامية اليهودية في جزيرة إلفنتاين مثلاً كانت جماعة وظيفية قتالية زرعها فراعنة مصر هناك، ولكنها غيَّرت ولاءها مع الغزو الفارسي وأصبحت موالية للغزاة الفرس ضد المصريين) . وهذه العوامل الجديدة أدَّت إلى خلق التناقض بين الجماعة الصهيونية الاستيطانية الوظيفية وحكومة الانتداب، ومن ثم أصدرت الحكومة البريطانية عدداً من القوانين والكتب البيضاء التي تُظهر تَفهُّماً لمطالب العرب، وتم إحياء بعض المفاهيم الأساسية الشاملة ـ التي طالما تجاهلها البريطانيون ـ مثل الطاقة الاستيعابية لفلسطين. وقد كان التناقض بين الحكومة البريطانية والجيب الصهيوني يأخذ أشكالاً حادة ومتطرفة أحياناً كما ظهر في حالة نسف فندق الملك داود.

بيد أن الصراع بين الطرفين تم احتواؤه، وقد حاول جابوتنسكي أن يبرر مناهضته المزعومة لبريطانيا (في خطاب أرسله إلى ليوبولد إمري عام 1935) فأكد أنه، على الرغم من النقد الذي يوجِّهه إلى بريطانيا، لا يزال يُكّن لها الولاء والامتنان، وطالما ظل وعد بلفور قائماً، فهو يؤيد إنجلترا سواء أكانت على صواب أم كانت على خطأ. وكان بن جوريون مستعداً لأن يُقسم، حتى أثناء الفترة التي توترت فيها العلاقات بين إنجلترا والجيب الصهيوني، أن دولة اليهود الوظيفية في فلسطين ستقوم بحماية المصالح البريطانية. وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، عادت العلاقات مع بريطانيا إلى سابق عهدها، وأصدرت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية الإعلان الثلاثي لضمان إسرائيل. وقد وصل التعاون مع الإمبريالية الغربية، وخصوصاً بريطانيا، إلى ذروة جديدة مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولكن هذه العلاقات الطيبة لم تَدْم طويلاً؛ ففرنسا، في عهد ديجول على نحو الخصوص، اتخذت موقفاً أقل ممالأة لإسرائيل عن ذي قبل، وتبعتها إنجلترا وإن كان ذلك بدرجة أقل.

ويُعقِّد الموقف تَمتُّع يهود العالم بدرجة من الاستقلال النسبي وإن كانوا يشكلون في الوقت نفسه جزءاً من كيان أكبر يخضعون لقوانينه وتوجيهاته. فالأمريكيون اليهود يمدون إسرائيل بالمساعدات المالية والسياسية بحماس شديد، ولكن مثل هذه المساندة ستستمر ما دامت هناك مصالح مشتركة أساسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويلعب الصهاينة التوطينيون دوراً مزدوجاً، فهم يقومون بالضغط على الولايات المتحدة لتحصل إسرائيل على درجة من الحرية والاستقلال أكثر من أية دولة أخرى تابعة، ولكن هؤلاء التوطينيين كثيراً ما يجدون أنفسهم مضطرين في مرحلة ما (وهنا تكمن سخرية الموقف) إلى أن يمارسوا الضغط على إسرائيل عندما تقرر الولايات المتحدة أنه ينبغي على إسرائيل أن تغيِّر سياستها بطريقة تتمشى مع المصالح الدولية الأمريكية. إن تاريخ الصهيونية مليء بالتوترات، ليس بين الصهيونية ويهود العالم فحسب ولكن بين الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كذلك.
ومهما يكن الأمر، فإن علاقة الشد والجذب تُبيِّن مدى تعاقدية العلاقة ونفعيتها وموضوعيتها ومدى تَحوسُل الدولة الوظيفية التي يُنظَر لها بشكل محايد نفعي كدور يُلعَب ووظيفة تُؤدَّى.
2 ـ العزلة والغربة:

العزلة هي سبب ونتيجة في آن واحد لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أن المُرتزق المقاتل الذي يُنكِّل بالجماهير ويُستخدَم أداةً لقمعها لابد أن يكون معزولاً عنها. ويجب هنا تأكيد أن عزلته ليست أمراً عرضياً يمكن للعنصر القتالي تَجاوُزه بعد مرحلة زمنية معيَّنة، وإنما هي جزء جوهري وعضوي لا يتجزأ من وظيفته، فالمرتزق لا يمكنه أداء وظيفته على أكمل وجه إن لم يكن معزولاً عن الجماهير التي يقوم بالتنكيل بها، إذ أن الدخول في علاقة إنسانية مع أعضاء المجتمع تجعل قيام عضو الجماعة الوظيفية القتالية بذبحهم عسيراً، فالإنسان لا يذبح في غالب الأحيان إلا الغريب المباح، أما القريب (الذي يقع داخل دائرة القداسة) فمن الصعب قتله. ولذا، فقد حرصت الطبقات الحاكمة دائماً على أن تكون العناصر القتالية (وخصوصاً التي تُستخدَم في المواقع الأمنية) عناصر مستوردة من خارج المجتمع، ضعيفة الانتماء له، هويتها مرتبطة بالوطن الأصلي الذي جاءوا منه وأرض الميعاد التي سيعودون إليها أو الجماعة الوظيفية الغريبة التي ينتمون إليها، فهي الوطن الوحيد الذي يعرفونه والكيان الذي يدينون له (ولراعيه) بالولاء. والتميز الإثني لأعضاء الجماعة الوظيفية يفرض عليها عزلة لا يمكنها الفكاك منها، إذ تصبح هذه الإثنية التي هي مصدر عزلتها، هي نفسها مصدر هويتها وكينونتها وأساس وظيفتها وسرّ كفاءتها وضمان استمرارها وبقائها. ولذا، كانت الطبقات الحاكمة تصر على أن يحتفظ العنصر القتالي الوافد بهويته الإثنية الخالصة، حتى تظل آليات العزلة والغربة ومقومات الكفاءة القتالية كامنة في أعضاء الجماعة الوظيفية، ومن هنا كان استيراد المماليك ضرورياً، ومن هنا أيضاً كان أبناؤهم، ممن وُلدوا في مصر ونشأوا فيها، لا يُجندون في صفوف النخبة العسكرية التي ينتمي إليها آباؤهم. هذا هو سبب العزلة. ولكن عضو الجماعة الوظيفية يصبح محط كراهية الجماهير فتزداد عزلته عنها ويزداد التصاقاً

بالطبقة الحاكمة، واعتماداً عليها (لدعمه وحمايته وبقائه واستمراره) ومن ثم تتصاعد شراسته تجاه الجماهير.
ولهذا، كان نقل العنصر البشري اليهودي من الغرب إلى فلسطين محتماً ليتم توظيفه داخل الدولة الوظيفية الصهيونية، ومن هنا إصرار الدولة الراعية التي قامت بحوسلة اليهود، وكذلك الزعماء الصهاينة، على الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية، فهذه الخاصية هي ضمان عزلتها، كما أن عزلتها هي ضمان ولائها للغرب وشراستها تجاه العرب.

وقد تم إنجاز ذلك أساساً من خلال الفكرة المحورية في الحضارة الغربية (وفي التراث الحلولي اليهودي) ، فكرة اليهود كشعب عضوي منبوذ، فهو شعب عضوي يرتبط عضوياً بأرض فلسطين، ولذا فهو يخرج من أوربا. ولكن، كيف يمكن توظيف هذا الشعب في خدمة الحضارة الغربية؟ سنجد أن هذا الشعب الذي طردته أوربا سيتحول بعد وصوله إلى فلسطين إلى شعب غربي يدور في إطار الحضارة الغربية ويرفع لواءها ويدافع عن مصالحها. ولا يجد الصهاينة والمستعمرون أية غضاضة في استخدام كل من الديباجة اليهودية (الحلولية العضوية) الخالصة والديباجة الغربية. فالأولى مناسبة للصهاينة الإثنيين (العلمانيين والدينيين) والثانية مناسبة للعواصم الغربية والصهاينة التوطينيين والعلمانيين الذين لا تهمهم الإثنية. فالمستوطنون الصهاينة هم يهود خُلَّص، يُوطَّنون في فلسطين حيث سيؤسسون دولة هي حصن للهوية اليهودية ضد الاندماج في الأغيار. ولكنهم هم أيضاً، في الوقت نفسه، حصن للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية. ويحّل المؤرخ الإسرائيلي تالمون المشكلة بأن يقرِّر أن ما يُسمَّى «الحضارة اليهودية» جزء من التشكيل الحضاري الغربي. وهذا الإحساس بالانتماء للغرب أو للحضارة اليهودية أو للحضارة اليهودية الغربية، يجعل وجود إسرائيل في الشرق الأوسط مسألة عرضية غير مرتبطة بجذورها الحضارية وإنما بوظيفتها القتالية. فجذور المستوطنين الصهاينة تضرب في الغرب (وطنهم الأصلي) وفي الحضارة اليهودية، أما وظيفتهم فهي الدفاع عن الغرب في الشرق. فالمُستوطَن الصهيوني يوجد في الشرق العربي ولكنه ليس منه، شأنه في هذا شأن أية جماعة قتالية استيطانية. وهذا الإحساس يُذكِّر اليهودي بأنه منقول من مكان لآخر، وأنه ينتمي إلى حضارة أخرى، وأن دولته هي دولة الشتتل المشتولة.

وقد تحوَّلت الدولة الصهيونية بالفعل إلى دولة جيتو أو شتتل تحاول الحفاظ على هويتها اليهودية أي عزلتها الكاملة؛ سكانها من اليهود الملحدين ذوي الديباجات الليبرالية أو الإثنية العلمانية أو من اليهود الملتحين المؤمنين ذوي الديباجات الإثنية الدينية. ويتحدث الجميع العبرية ويصرون على انتمائهم الغربي أو اليهودي في الصحراء العربية، فهم حصن (جيتو) للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية (أي الجماهير المستغَلة) . ولا يهم في هذا المضمار إن كانت الدولة الوظيفية دولة تحافظ على قداسة حائط المبكى أم أنها هي نفسها تقف حائطاً منيعاً أمام زحف الهمجية الشرقية، فما يهم أن تظل هذه الدولة معزولة منبوذة.
ومن هذا المنظور، يمكننا أن نرى العلاقة العضوية بين إحلالية الاستعمار الصهيوني وعزلته السكانية من جهة، ووظيفته القتالية الإستراتيجية من جهة أخرى. فالدولة الوظيفية الصهيونية لم يكن أمامها مفر من أن تطرد العنصر العربي وتُحلّ محله العنصر اليهودي، ذلك أن وجود العنصر العربي (المحلى) داخل القاعدة الغربية كان من الممكن أن يُولِّد حركيات وتناقضات اجتماعية تُضعف مقدرته القتالية وقد تعدِّل مساره، بل قد تحوِّله إلى مجرد دولة أخرى قد تدخل التحالف الغربي وقد تخرج منه. أما الدولة اليهودية (الغربية) الخالصة، فهي بمعزل عن مثل هذه التوترات والديناميات، الأمر الذي يضمن استمرارها في أداء وظيفتها.
وقبل أن ننتقل إلى النقطة التالية قد يكون من المفيد ذكر العناصر التالية المرتبطة تماماً بالعزلة الوظيفية:

1 ـ لم تكن الجماعات اليهودية الوظيفية المالية جزءاً من البناء الاجتماعي، ولذا فإنها لم تساهم في بناء الرأسمالية الرشيدة إذ ظلت رأسماليتها رأسمالية منبوذة تماماً مثل الجماعة الوظيفية. وهذا أيضاً هو البناء الاقتصادي للدولة الصهيونية، فهي غير مرتبطة بالاقتصاد القومي الجديد الذي يظهر في الشرق العربي لارتباطها بالاقتصاد الغربي الذي تدور في إطاره. كما أنها تعتمد اعتماداً اقتصادياً كاملاً على المعونات التي تتلقاها من العالم الغربي. ومن هنا محاولة إنشاء السوق الشرق أوسطية بديلاً عن السوق العربية المشتركة.
2 ـ وقد كان المرابي اليهودي لا يستغل الفلاحين فحسب، وإنما كان يهدد الأساس المادي لوجودهم أيضاً، إذ كان ينزع ملكية الفلاحين بعد دورة الإقراض الطويلة. والاستعمار الصهيوني في علاقته بالفلسطينيين، بدأ أولاً بنزع ملكيتهم وتحطيم مجتمعهم والأشكال الإنتاجية التي يستندون إليها، ثم أخذ في استغلالهم بعد عام 1967 باعتبارهم عمالة رخيصة متنقلة، أي أنه يستغلهم دون استيعابهم ودون الدخول معهم في علاقة اقتصادية متكاملة. كما أن الدولة الصهيونية دولة حديثة، ومع هذا فإنها لا تساهم في عملية التحديث، وهي دولة صناعية تُوقف التصنيع (في الضفة الغربية) ، ودولة متقدمة تقف ضد التقدم، ودولة منتجة لا ترى نفسها داخل إطار من التكامل الاقتصادي بل تحاول وقفه. وعلى أية حال، فإن هذا هو الهدف من غرسها في المنطقة، تماماً كما كانت النخب الحاكمة في الغرب تستخدم أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية المالية في ضرب البورجوازيات المحلية.
3 ـ إحساس أعضاء التجمع الصهيوني بعدم الأمن (الذي يشبه إحساس أعضاء الجماعات الوظيفية المالية) هو ما يزيد تماسكهم الداخلي وتَقبُّلهم لقيادتهم التي تقوم بدور الوسيط بينهم وبين الممول الإمبريالي والتي تقوم بتوزيع الغنائم.
الدولة الصهيونية الوظيفية: بعض السمات الأخرى

‏The Functional Zionist State: Some Other Traits
توجد أربعة سمات أخرى تتسم بها كل من الجماعة الوظيفية والدولة الوظيفية نوجزها فيما يلي:
1 ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية الوهمية:
تتسم الجماعة الوظيفية (نظراً لرؤيتها الحلولية الكمونية) بانفصالها عن الزمان والمكان. وهذا ما حدث للدولة الوظيفية الصهيونية، فهي ترى نفسها في الشرق الأوسط ولكنها ليست منه، وفلسطين، هذا المكان الذي يقطنه الفلسطينيون، يتجرد من مكانيته المتعيِّنة ليصبح مفهوماً تلمودياً أي إرتس يسرائيل، أي أنها تنفصل عن حركيات تاريخ المسلمين والعرب والمنطقة، وتصبح تعبيراً عن تاريخ يهودي عالمي. ولذا فالدولة الصهيونية الوظيفية تُنكر التاريخ العربي بل تنكر تواريخ الجماعات اليهودية، فكما أن فلسطين تتحول إلى أرض ويتحول الفلسطينيون إلى لا شعب (فهي أرض بلا شعب) ، يتحول اليهود أيضاً إلى شعب، يعيش في اللامكان فهو شعب بلا أرض!
هذه الدولة الصهيونية تُصر على يهوديتها، وعلى عزلتها كدولة يهودية، فهذه اليهودية هي أساس وظيفيتها، وحلوليتها هي أساس إحلاليتها. ولكن من المعروف أن الدولة الصهيونية ليس لها هوية يهودية، وإنما لها عدة هويات متداخلة مُستمدة من المجتمعات التي كان يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية قبل استقرارهم في فلسطين. كما أن هذه الدولة خاضعة لعملية أمركة واسعة وعلى جميع المستويات، باعتبارها دولة تابعة تعيش في الشرق؛ واحة للديموقراطية الغربية! ونظراً لارتباط الهوية بالوظيفة، فهي تُغيِّر الهوية مع تَغيُّر الوظيفة. ولذا فنحن نتوقع أن تخفض الدولة الصهيونية لونها اليهودي قليلاً، حتى تستطيع أن تلعب دوراً أكثر نشاطاً في إطار السلم الذي فرضه النظام العالمي الجديد على المنطقة.

كما أن الحركة الصهيونية التي تصر على الهوية اليهودية هي نفسها التي تدعو إلى تطبيع اليهود ليصبحوا شعباً مثل كل الشعوب، وإلى دَمْج الدولة الصهيونية في المجتمع الدولي لتصبح مثل كل الدول.
2 ـ ازدواج المعايير والحكم بمقياسين (الأنا المقدَّس ضد الآخر المباح: (
تتبنى الجماعة الوظيفية معايير مزدوجة في الحكم على الذات وعلى الآخر. وتتضح هذه السمة بشكل جلي في الفكر الصهيوني في الفصل الحاد بين اليهود وغير اليهود، وفي بنية قوانين الدولة الصهيونية وفي نظرية الحقوق الصهيونية. فالفكر الصهيوني يُعطي اليهود الحقوق كافة مثل حق العودة إلى وطن يزعمون أنهم تركوه من آلاف السنين. وفي الوقت نفسه، فإنه ينكر الحق نفسه على الفلسطينيين الذين تركوا الوطن نفسه منذ بضع سنوات ويقفون على بواباته يريدون دخوله، ويقاتلون من أجله. وتعرض الدولة الصهيونية دفع تعويضات "للاجئين" الفلسطينيين لتوطينهم خارج فلسطين، في الوقت الذي تدفع فيه رشاوي للمهاجرين اليهود حتى يستوطنوا في فلسطين. كما يتضح ازدواج المعايير في موقف الإعلام الصهيوني، فحينما تقوم الطائرات الإسرائيلية بتدمير مخيمات الفلسطينيين وتقتل المئات، فإن هذا الإعلام قد لا يذكر هذه الواقعة، وإن ذكرها فإن ذلك يتم بطريقة إحصائية محايدة (عدد القتلى ومكان الحادث ونسبة التخريب) ، أما إن قُتل جندي أو مُستوطَن إسرائيلي، فإن هذا الإعلام نفسه يولول ويذكر اسم القتيل ومكان قتله والأثر الذي أحدثه قتله في أهله ... إلخ، وذلك باعتبار أن الفلسطيني مباح أما الإسرائيلي فمقدَّس وقتله حرام.
3 ـ الحركية:

يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية بالحركية والمقدرة على الانتقال من مكان إلى آخر ومن راع لآخر. ولعله لا يمكن القول بأن دولة ما تتمتع بحركية عالية. ومع هذا، فيمكننا الإشارة إلى أن التجمع الصهيوني هو تجمُّع مهاجرين ونازحين وجماعة بشرية تم نقلها، وأن بنيته السكانية لم تستقر بعد بين الهجرة والنزوح. كما أن كثيراً من العمليات التي تقوم بها هذه الدولة مثل توريد السلاح للنظم الدكتاتورية العسكرية في أمريكا اللاتينية أو عمليات التجسس والإرهاب تتسم بهذه الحركية. وهى دولة لا يهمها القانون الدولى ولا النظام الدولى.
ومقدرة الدولة الصهيونية على تغيير وظيفتها أو لونها ينم عن هذه الحركية. فالحركة الصهيونية اتجهت إلى كل القوى الاستعمارية للبحث عن راع: إنجلترا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ روسيا ـ إيطاليا. واقترحت عدة مواقع لإنشاء الدولة الصهيونية: شبه جزيرة سيناء ـ منطقة العريش ـ جزء من قبرص ـ ليبيا ـ شرق أفريقيا ـ فلسطين. ولعل تشبيه إسرائيل بأنها حاملة طائرات هو تشبيه دقيق يبلور هذه الصفة الحركية في الدولة الوظيفية.
وتظهر هذه الحركية نفسها في استعداد الدول الصهيونية لتغيير دورها كي تلبي احتياجات الدولة الراعية. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الدولة الوظيفية اليهودية تدرك أن دورها الإستراتيجي القتالي قد أصبح تقريباً غير ذي موضوع بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وظهور النظام العالمي الجديد وبعد أن اهتز دورها القتالي التقليدي في حرب الخليج حيث طُلب منها ألا تحارب وأن تمارس ما يُسمَّى «ضبط النفس» حتى لا تسبب مشكلة لقوى التحالف. ولذا، بدأت الدولة الوظيفية الصهيونية في تغيير نفسها حتى يمكنها الاضطلاع بوظيفتها الجديدة وهي التصدي للإسلام والمسلمين، ولذا فإننا نجد أنها تخفف من ديباجاتها اليهودية ليظهر وجهها العلماني المستنير، وبذلك يمكنها التحالف مع البورجوازيات العربية العلمانية التي تم تغريبها ضد القوى الشعبية الإسلامية.

4 ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع (الحلولية (:
تؤمن الجماعات الوظيفية برؤية حلولية عضوية ثنائية صلبة تُقسِّم العالم إلى الأنا المقدَّس (عضو الجماعة الوظيفية) ضد الآخر المباح (عضو مجتمع الأغلبية) . ويرتبط بهذا إحساس مزدوج بالحرية الكاملة والحتمية الكاملة. والدولة الصهيونية الوظيفية تسيطر عليها رؤية حلولية عضوية مماثلة لرؤية الجماعة الوظيفية للكون فقد حَوَّلت الدولة الصهيونية الوظيفية نفسها إلى المطلق اليهودي الأكبر (موضع الحلول الإلهي) الذي ينبغي على اليهود أن يلتفوا حوله، بل يضحوا بأنفسهم من أجله. وقد بدأ كثير من اليهود يظنون أن الدولة اليهودية هي المعبد الأكبر وأن رئيس وزرائها هو الحاخام الأكبر وأنها العجل الذهبي الذي يعبدونه من دون الإله (تمركز حول الذات) .
ويظهر مركب الشعب المختار في الخطاب الصهيوني الإثني الديني، خصوصاً في الصهيونية العضوية الحلولية، ولكنه يظهر أيضاً في الخطاب العمالي بدرجات أقل وضوحاً. والدولة الصهيونية الوظيفية وصفها بن جوريون بأنها نور الأمم، مشعل القيم الأخلاقية والحضارية، لأنها تعبير عن إرادة الشعب اليهودي، هذا الشعب الذي يتسم بالتماسك العضوي نتيجة كونه موضع الحلول الإلهي.
ويظهر الاستقطاب في الإحساس بالحرية المفرطة والحتمية المطلقة، فسكان المُستوطَن الصهيوني يشعرون بحريتهم المفرطة فجيشهم يعربد داخل وخارج لبنان، وسلاحهم الجوي يطير من المحيط إلى الخليج، وهم يستولون على الأرض التي يشعرون أنها لهم. ولكنهم في الوقت نفسه يسيطر عليهم إحساس عميق بالجبرية إذ يشعرون بأنه قد حكم عليهم بالدخول في الحرب المرة تلو الأخرى.
ويصل هذا الإيمان بالقضاء والقدر والمصير المحتوم إلى ذروته في أسطورة شمشون وماساده الانتحارية حيث يموت اليهود على مذبح الدولة الوظيفية المقدَّسة ويدرك الجميع أن لا اختيار: إين بريرا.
الدولة المملوكية
‏The Mamluke State

في محاولتنا تصنيف الدولة الصهيونية الوظيفية وتعريف هويتها، استخدمنا مصطلح «الدولة المملوكية» ، وهو في تصوُّرنا مصطلح له قيمة تفسيرية تصنيفية عالية على المستويين التاريخي والبنيوي. أما من الناحية التاريخية، فقد أشرنا من قبل إلى أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية من يهود الأرندا في أوكرانيا (وغيرهم من أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية) باعتبارهم «مماليك مالية» ، وقد بيَّنا نقط التشابه التي دعتنا إلى استخدام المصطلح. ونحن نذهب إلى أن كل ما أنجزه المشروع الصهيوني هو تجنيد المماليك المالية ثم نقلهم بمعونة الدول الغربية إلى الشرق العربي حيث تحولوا إلى مماليك قتالية داخل إطار الدولة الوظيفية. وأصبحت الوظيفة المالية إما ثانوية أو غير مباشرة، فهي دولة وظيفية قتالية يمكن أن نسميها «دولة مملوكية» .

ويمكننا أن نجد جوانب مملوكية عديدة للدولة الصهيونية، فعسكرة المجتمع الصهيوني ليست إلا تعبير عن هذه الظاهرة. كما أن الأموال الطائلة التي تصب فيه تعبير آخر عن الظاهرة نفسها، والإسرائيليون يعرفون جيداً أن هذه الأموال تُدفَع لهم لا حباً في التراث اليهودي أو لاهتمام العالم الغربي بهم (وهو العالم الذي نبذهم على أية حال) وإنما نظراً لاضطلاعهم بوظيفة محددة. وعزلة التجمُّع الصهيوني عن المنطقة العربية، وعلاقة العداء بينه وبين كل المجتمعات المحيطة به، وإحساسه بالغربة وإصراره عليها في الوقت نفسه، ومركب الشعب المختار، وتَميُّع البناء الاجتماعي والطبقي في المُستوطَن الصهيوني، كل هذه السمات تجمع بين الدولة الصهيونية والجماعات الوظيفية ومنها المماليك. بل إن طريقة التنشئة في الكيبوتس، هذه المؤسسة الزراعية العسكرية، هي الطريقة الحديثة لتنشئة المماليك الاستيطانية، وهي الطريقة المبتكرة لتحويل الفائض البشري اليهودي إلى مادة قتالية مملوكية نافعة. فالتنشئة في الكيبوتس تستبعد الملكية الفردية والحياة الخاصة وتتسم في بعض جوانبها بالتقشف، كما أن لها أبعاداً وأهدافاً عسكرية واضحة. ولكن أعضاء الكيبوتسات، مع هذا، يتمتعون بمستوى معيشي مرتفع بل ومترف، يفوق كثيراً مستوى بقية السكان، وهم كذلك على مستوى ثقافي رفيع. كما أن الكيبوتسات تُعَد من أهم مؤسسات الضغط التي تشارك في صنع القرار السياسي، بل تتحكم في بعض جوانبه. وهذا المزج بين الجماعية والعسكرية من جهة، والترف والثقافة من جهة أخرى، يُذكِّرنا ولا شك بالساموراي، فالكلمة تعني «الخادم» وتعني أيضاً «البوشي» أو «المحارب الأرستقراطي» . وقد كان المماليك أيضاً خدماً ولكنهم كانوا كذلك حكاماً وصناع قرار. وكان المملوك يتمتع بثروته أثناء حياته ولكنها كانت تُصادَر بعد موته. ولكن طبيعة الكيبوتس المملوكية تخبئها ديباجات حديثة بحيث تُفسَّر الجماعية الكيبوتسية على أنها

اشتراكية، وإدارة الأرض الفلسطينية المسروقة على أنها شكل من أشكال الديموقراطية المتطرفة.
وقد تحدث أحد أعضاء الكنيست عما سماه عام «الخصب اليهودي» وطالب النساء الإسرائيليات بزيادة الإنجاب في هذا العام. وقد وصفت بعض النساء الإسرائيليات هذا التصريح بأنه محاولة لتحويلهن إلى «آلة الإنجاب اليهودي» ، فهي محاولة لحوسلتهم ليصبحن آلة حديثة لولادة المزيد من المقاتلين للمحافظة على الدور المملوكي (السلعة الأساسية الشاملة وأهم مصادر الدخل بعد أن نضب معين الفائض البشري) .
ويمكن القول بأن هناك شيئاً من التجاوز فيما قمنا به حين قارنا علاقة التجمع الصهيوني بالمجتمعات العربية المجاورة له بعلاقة المماليك بالمجتمعات نفسها ووحدنا بينهما. وقد يكون تشبيه يهود الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط بيهود الأرندا في أوكرانيا فيه شيء من عدم الدقة. ولكن التطابق الكامل تكرار لا يوجد إلا في عالم الرياضة والهندسة والسحر. أما في عالم الإنسان، فأبعاد أية ظاهرة اجتماعية تاريخية متعددة ومركبة، وبعضها غير معروف إلا بصفة تقريبية وحسب، وتختلف الظواهر نفسها باختلاف الزمان والمكان. ولذا فإننا نقنع، في تصنيفنا للظواهر الإنسانية، بالبحث عن بعض مواطن التماثل الجوهرية ولا نطمح فيها إلى التطابق الكامل إلا إذا كنا ماديين، نرى الواقع البشري كذرات وأرقام. والمصطلح الذي صغناه، رغم كل هذه التحفظات، يصف في كثير من الدقة طبيعة علاقة التجمُّع الصهيوني بكل من الإمبريالية (مصدر المال) والدول العربية المجاورة (موضع القتال) ، بل يُفسِّر لنا طبيعة علاقته مع نفسه وسر إصراره على هويته المزعومة وانتمائه الغربي وعزلته الدائمة.

ومن الحقائق التاريخية التي تدعو إلى شيء من التأمل، لطرافتها إن لم يكن أيضاً لدلالتها، أنه مثلما حاول الفرنجة أن ينشئوا تحالفاً مع المغول لسحق العالم العربي الإسلامي، كانت هناك محاولة لعقد اتفاق بين الجماعة الوظيفية القتالية التي حكمت مصر والشام (أي المماليك) والجماعة اليهودية الوظيفية المالية في أوربا. فبين عامي 1771 و1773، حينما كانت روسيا متحالفة مع المملوك علي بك الكبير، والي مصر الذي تمرَّد على الدولة العثمانية، حاول بعض ضباط الأسطول الروسي، الذي كان راسياً في ليجورن، أن يدعموا حكمه عن طريق تأسيس دولة يهودية في القدس تابعة له متحالفة معه، أي دولة صهيونية مملوكية من الناحية البنيوية والفعلية. وهكذا كان من الممكن أن يقوم الحليفان، المماليك العسكرية في مصر والمماليك اليهودية المالية الغربية، بالقضاء على النفوذ العثماني في المنطقة تحت رعاية روسيا القيصرية، التي كانت تغازل آنذاك فكرة أن يكون لها مشروع استعماري في الشرق الأوسط! إن هذه واقعة تاريخية طريفة ودالة، ومع هذا فإننا لا نؤسس وجهة نظرنا مستخدمين هذه الواقعة كأحد الدلائل أو الشواهد، إذ أن أطروحتنا تَصدُر عن نموذج تفسيري أساسي هو الجماعة الوظيفية المالية أو القتالية والاستيطانية ولَّدنا منه أو استنبطنا منه العلاقة بين دور الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية من جهة ودور المماليك في الشرق العربي من جهة أخرى، ومن ثم تحدثنا عن الدور المملوكي لكل من الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
أسطورة الاستعمارالاستيطاني الغربي
‏Myth of Western Settler Colonialism
الاستعمار الاستيطاني (الإحلالي أو المبني على الأبارتهايد) هو انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها إلى مكان وزمان آخر، حيث تقوم الكتلة الواحدة بإبادة السكان الأصليين أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من كل هذه الأمور (كم حدث في أمريكا الشمالية وفي فلسطين) . ومهما بلغ الإنسان من وحشية وحياد، فهو لا يستطيع القيام بمثل هذه الأفعال إلا إذا كان هناك مبرر، وهذه هي وظيفة الأسطورة (التي نُعرِّفها بأنها نموذج معرفي، أي رؤية كاملة للكون [الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة] ، ولكن علاقتها بالواقع واهية إلى أقصى درجة) .
1 ـ إذا كان جوهر الأسطورة، أية أسطورة، هو إلغاء الزمان أو تجميده والانفصال عن المكان، فإن هذا الاتجاه يأخذ شكلاً متطرفاً في حالة أسطورة الاستعمار الاستيطاني بشكل عام، الذي ينطلق من الإنكار الكامل للتاريخ بشكل متطرف، وإعلان نهايته. ويزداد الإنكار حدة وعنفاً في حالة المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي لابد أن تُغيِّب السكان الأصليين تماماً. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض المهاجرين من العالم الغربي هي عادةً رفض تاريخ بلادهم الأصلية، باعتباره تاريخ اضطهاد وكفر. ويحاول المهاجرون أن يضعوا "حلاً نهائياً" لمشاكلهم وأن يبدأوا من نقطة الصفر الفردوسية في الأرض الجديدة. ومع هذا يتباهى هؤلاء المستوطنون بانتمائهم للعالم الغربي الذي لفظهم. ويتضح هذا الجانب في أسطورة الاستيطان الصهيونية التي تبدأ برفض تاريخ اليهود في المنفى (وضمن ذلك العالم الغربي) . والصهيونية هي الحل النهائي الذي يطرحه الصهاينة والاستيطان في صهيون هو نقطة البداية والصفر، ومع هذا لا يكف الصهاينة عن الحديث عن دولتهم باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية في الشرق وقاعدة الحضارة الغربية فيه.

2 ـ ينكر المستوطنون البيض تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي سيهاجرون إليها ويستوطنون فيها. فهي عادةً أرض عذراء بلا تاريخ، غير مأهولة بالبشر (أرض بلا شعب) ، على عكس الأرض التي يأتي منها المستوطنون، فهي مكتظة بالسكان.
ومرة أخرى نجد أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تعبِّر عن هذا بشكل متبلور، إذ يزعم الصهاينة أن فلسطين هي إسرائيل أو صهيون، وأن تاريخها قد توقَّف تماماً برحيل اليهود عنها. بل إن تاريخ اليهود أنفسهم قد توقَّف هو الآخر برحيلهم عنها، ولن يُستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم إليها، ولكنه تاريخ جديد خال من الاضطهاد والصراع، فهو أقرب إلى التاريخ المقدَّس.
3 ـ لا تؤكد أسطورة الاستيطان الغربية نهاية التاريخ وحسب وإنما نهاية الجغرافيا كذلك، فالأرض التي يستوطن فيها الإنسان الأبيض هي أرض وحسب، ليس لها حدود واضحة، ولذا فهي تتسع حسب قوة الإنسان الأبيض الذاتية، كلما زاد عدد المستوطنين وازدادوا قوة اتسعت الحدود. ومن هنا فكرة الرائد والجبهة المتسعة دائماً. والرائد هو الذي يرتاد أرضاً جديدة دائماً، لا يعرف حدوداً ولا قيوداً ولا سدود. وارتباط نهاية التاريخ بنهاية الجغرافيا أمر متوقَّع، ففكرة الحدود فكرة إنسانية حضارية غير طبيعية، أما عالم الطبيعة فلا يعرف الإنسان، ومن ثم فهو لا يعرف الحدود.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية هي أسطورة التوسع بالدرجة الأولى، فإرتس يسرائيل ليس لها حدود واضحة، فالعهد القديم يحتوي أكثر من خريطة. والمستوطنون الصهاينة أطلقوا على أنفسهم مصطلح «حالوتسيم» ، أي» رواد. «

4 ـ إذا حدث أن كانت الأرض العذراء مأهولة بالسكان فإن أسطورة الاستيطان الغربية تحاول تهميشهم، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادةً مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثم لا حقوق لهم. لكل هذا فإن وجود مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي ومن الضروري وضع حل جذري ونهائي للمشكلة الديموجرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تماماً.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية تنظر للوجود الفلسطيني في فلسطين باعتباره أمراً عرضياً هامشياً، والاعتذاريات الصهيونية مليئة بالحديث عن فلسطين باعتبارها أرض مهجورة مهملة، وكثيراً ما يتحدث الصهاينة عن الفلسطينيين كما لو كانوا جزءاً من الطبيعة بلا تاريخ. وكل هذا ينتهي بطبيعة الحال بتأكيد حق اليهود المطلق في فلسطين (ومن هنا قانون العودة) وينكرون هذا الحق على الفلسطينيين (ومن هنا مخيمات اللاجئين) . وتحاول الحركة الصهيونية وضع حل نهائي للمشكلة الديموجرافية فقامت أحياناً بالإبادة (دير ياسين ـ كفر قاسم) ولكن الطرد كان الشكل الأساسي. وبعد اتفاقيات أوسلو أخذ الحل النهائي شكل عزل السكان الأصليين داخل مجموعة من القرى والمدن ومحاصرتهم بالقوات العسكرية الإسرائيلية والطرق الالتفافية.

5 ـ تم تبرير الرؤى الاستيطانية الإحلالية عن طريق القصص الإنجيلية، وهنا يحدث تلاق كامل بين أسطورة الاستيطان الغربية العامة وأسطورة الاستيطان الصهيونية. فالمستوطنون البيض (وضمنهم الصهاينة) ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم من الآباء (البطارقة) الذين تركوا بلادهم ليستقروا في بلاد أكثر اتساعاً، أو في أرض عذراء لم يستوطن فيها أحد من قبل. وهم مثل العبرانيين يخرجون من مصر (أو بابل) أرض المنفى البغيضة، وينسلخون من تاريخها ليعودوا إلى صهيون (الجديدة) بأن "يصعدوا" لها. فإن وجدوها مأهولة فأهلها إذن من الكنعانيين الذين لا حق لهم في الأرض ومصيرهم هو الحل النهائي: الطرد أو الإبادة.
وغني عن القول أننا حينما نتحدث عن «أسطورة» فنحن لا نتحدث عن واقع تشكَّل ولا حتى عن برنامج عمل، وإنما عن قصة أو قصص يوجد فيها بشكل كامن نموذج معرفي، وهذه القصة مستبطنة تماماً، تعبِّر عن نفسها بشكل جزئي وتتحقق بعض جوانبها في أماكن وأزمنة متفرقة، ولا تتحقق مجتمعة إلا في لحظة نماذجية نادرة.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: أهدافه وآلياته وسماته الأساسية
‏Zionist Settler Colonialism: Objectives, Methods, and Main Traits
تنطلق الحركة الصهيونية من أن اليهود شعب واحد بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. ومن ثم يرى الصهاينة أن فلسطين هي المسرح الذي يتحقق فيه الشروع الصهيوني، وأنها في واقع الأمر ملك للشعب اليهودي، سواء كان يشغلها الفلسطينيون أم لا.

ووضع هذه الرؤية الأسطورية موضع التنفيذ لم يكن أمراً سهلاً، إذ أن المستوطنين الصهاينة حلّوا في أرض لا يعرفونها وهي أرض مأهولة بالسكان، ومن هنا كان من الضروري أن يُنظِّموا أنفسهم بطريقة صارمة، وأن تكون لهم مؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. فتم تأسيس الوكالة اليهودية ومهمتها القيام بمعظم عمليات التخطيط والتطبيق الفعلي لهجرة وتدريب المستوطنين وتأمين كل ما يحتاجونه من وسائل وأدوات إنتاج وخدمات للمهاجرين. وكانت مهمة الصندوق القومي اليهودي شراء الأرض لصالح الفلسطيني. وتُعتبَر المؤسسة العسكرية والتنظيمات شبه العسكرية من أبرز القواعد التي تضطلع بتطبيق المخطط الاستيطاني الصهيوني والمحافظة على استمرار العملية الاستيطانية وحمايتها. فتقوم المؤسسة العسكرية بتعبئة الجماهير وتجنيدهم حول فكرة الاستيطان باعتبارها المثل الأعلى للمواطن الإسرائيلي. أما التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية مثل الهاجاناه والناحال والجدناع فتقوم بأدوار الحراسة والأدوار الأمنية ورفع الروح المعنوية.
ويمكن القول بأن الأهداف والسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني هي ما يلي:
1 ـ يهدف الاستيطان الصهيوني إلى أن تحل الكتلة البشرية (الصهيونية) الواحدة محل السكان الأصليين فهو استعمار إحلالي، وإحلاليته هي سمته الأولى والأساسية (حتى عام 1967) . (انظر الباب المعنون «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ) .

2 ـ حدَّدت منظمة الهاجاناه جوهر الإستراتيجية الاستيطانية عندما أكدت (عام 1943) أن الاستيطان ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو وسيلة الاستيلاء السياسي على البلد، أي فلسطين. وقد استمرت هذه السياسة قبل وبعد عام 1948، أي أنها العنصر الأساسي الثابت في الإستراتيجية الصهيونية. ومن ثم عرَّف بن جوريون الصهيونية بأنها الاستيطان، وهو مُحق في ذلك تماماً. ولذا يمكن القول بأن الاستيطان هو نفسه التوسع الصهيوني، لا يوجد أيّ فاصل بينهما. وهذه هي السمة البنيوية الثانية من سمات الاستيطان الصهيوني.
3 ـ ثمة سمة بنيوية ثالثة يتسم بها الاستيطان الصهيوني هي أنه ليس مشروعاً اقتصادياً وإنما مشروع عسكري إستراتيجي، ولذا فهو لا يخضع لمعايير الجدوى الاقتصادية، ولابد أن يموَّل من الخارج (الخارج يمكن أن يكون الدياسبورا اليهودية الثرية [أي الجماعات اليهودية في العالم] أو الراعي الإمبريالي) .
4 ـ يتسم الاستيطان الصهيوني بأنه استيطان جماعي عسكري بسبب الهاجس الأمني (استجابة لمقاومة السكان) ولأن جماعة المستوطنين ترفض الاندماج في المحيط الحضاري الجديد الذي انتقلت إليه (انظر: «الاقتصاد الاستيطاني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره» ) وتساهم عمليات التمويل من الخارج في تعميق هذه السمة.
5 ـ ارتبط انتشار المستوطنات بحركة الهجرة اليهودية، وهو ما جعل إستراتيجية الاستيطان تتخذ خطاً متوازياً مع الخطوات التي قطعها المشروع الصهيوني لجذب المهاجرين اليهود واقتلاعهم من البلاد التي أقاموا فيها.

6 ـ من المُلاحَظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها بدلاً من أن تقف على قدميها (ويمكن أن نسميها الهرم الاستيطاني الصهيوني المقلوب) ، فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستُزرع وتكوين طبقة مزارعين يهود. كما كان هناك الهستدروت، وهو نقابة عمال تهدف إلى خَلْق الطبقة العمالية (وذلك على خلاف النقابات العمالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل) . ثم كانت هناك جماعات الحراس المختلفة مثل الحارس والهاجاناه والبالماخ وهي تنظيمات عسكرية تهدف إلى خَلْق الشعب اليهودي (أي أن الجيش يسبق الشعب، أو كما قال شاعر إسرائيلي: كل الشعوب تملك سلاح طيران إلا في إسرائيل حيث يوجد سلاح طيران يملك شعباً) . بل إن الجامعة العبرية نفسها أُسِّست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة. ويمكن سحب هذا المنطق على كل الحركة الصهيونية، فهي قد بدأت بتأليف الحكومة التي كان هدفها الأساسي إقامة الدولة التي كانت ترمي أساساً إلى تجميع السكان (حكومة فدولة فشعب) . وما من شك في أن هذا يعود إلى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي صيغة غير يهودية تم تهويدها لتجنيد المادة البشرية التي رفضت هذه الصيغة أو تملَّصت منها. كما أن الأصول الطبقية لبعض العناصر البشرية المستوطنة صعَّبت عليهم الاضطلاع بوظائف معينة، ولذا كان حتمياً أن يسبق عملية الاستيطان مؤسسات استيطانية مختلفة، مهمتها جذب المستوطنين وتدريبهم. كما أن من أهم سمات الاستيطان الصهيوني أن الكيان الاجتماعي الصهيوني في فلسطين لم يكن متكاملاً، بل كان في مرحلة بداية التكوُّن والتشكُّل، ولم يكن هدف المستوطنين الاندماج في المجتمع القائم بل إقامة كيان اجتماعي وسياسي مستقل.

ويُعَد عام 1967 لحظة فارقة في تاريخ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، إذ ضمت الدولة الصهيونية مساحات شاسعة من الأراضي، وقرَّرت الاحتفاظ بها وتأسيس المستوطنات فيها، رغم وجود كثافة سكانية فلسطينية فيها. ومن ثم تحوَّل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني من استعمار استيطاني إحلالي إلى استعمار استيطاني مبني على الأبارتهايد وفكرة المعازل البشرية للسكان الأصليين. ولكن، مع هذا، لم تتغيَّر الثوابت الإستراتيجية الصهيونية، وإن اختلفت الأهداف والآليات بسبب تغيُّر الظروف.
ويمكن تحديد أهداف الاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة بعد عام 1967 بما يلي:
1 ـ تهيئة الفرصة لوجود عسكري إسرائيلي، سواء من خلال قوات الجيش الرئيسية أو عن طريق الاستعانة بمستوطنين مسلحين يتبعون هذه القوات أو باستخدام وحدات من جيش الاحتلال يتم نشرها.
2 ـ أن تكون المستوطنات رأس جسر لكسب مزيد من الأرض من خلال نزع الملكية أو سُبل أخرى أكثر دهاءً مثل إزالة المزروعات واقتلاع الأشجار ورفض التصريح بإقامة مبان جديدة أو إصلاح المباني القديمة.
3 ـ خَلْق الحقائق الاستيطانية الجديدة في الأراضي المحتلة بحيث تصبح العودة إلى حدود عام 1967 مستحيلة. ومما يجدر ذكره أن الاستيطان قام، دائماً، بدور أساسي في رسم حدود الكيان الصهيوني، وخصوصاً منذ بداية عرض خطط تقسيم فلسطين في النصف الثاني من الثلاثينيات، وصولاً إلى صدور قرار تقسيمها سنة 1947. ولا شك في أن الإسرائيليين يطمعون في أن يقوم الاستيطان الجديد بدور مماثل في توسيع حدود كيانهم.
واستهدفت السياسة الاستيطانية بناء خط من المستوطنات من الجولان حتى شرم الشيخ مروراً بغور الأردن. وأهم مشروع استيطاني كان مشروع إيجال آلون الذي استهدف بناء حاجز بين الضفتين الغربية والشرقية وتصحيح الحدود وتعديل مسار الخط الأخضر، وتجزئة الضفة الغربية إلى منطقتين.

4 ـ إيجاد القاعدة البشرية من المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم.
5 ـ بعد فشل الصهاينة في "إقناع" الفلسطينيين (عن طريق شراء الأراضي والإرهاب) بترك الأرض بحيث تصبح أرضاً بلا شعب، قرَّر الصهاينة اللجوء إلى أسلوب الأبارتهايد التقليدي وهو تأسيس المعازل، ومن ثم أصبح من أهم أهداف المستوطنات قطع التواصل بين مناطق سكنى الفلسطينيين، بحيث ينقطع الاستمرار بين المراكز السكانية الفلسطينية الأساسية، أي أن وظيفة المستوطنات أصبحت تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات ممزقة مفصولة بعضها عن بعض ولا تربطها سوى ممرات محدودة تحيط بها من كل جانب المستوطنات والثكنات العسكرية للجيش الإسرائيلي بحيث لا يستطيع الفلسطينيون التحرك بحرية داخل الأراضي المحتلة. وبالفعل قامت المستوطنات الموزَّعة في كتل أو أطواق بخدمة إستراتيجية "الفصل" و"الوصل" الاستيطانية. فالأطواق الاستيطانية المحيطة بالقدس تؤمن التواصل فيما بينها وبين القدس الغربية، وتفصل القدس الشرقية عن سائر الضفة، كما تفصل شمال الضفة عن جنوبها، في آن واحد. كما أن الشريط الاستيطاني المحاذي للخط الأخضر يُشكِّل استمراراً إقليمياً لفلسطين المحتلة سنة 1948، وعازلاً بين الفلسطينيين على جانبي الخط، على غرار الهدف الذي حدده دروبلس لخطة "الكواكب السبعة". وينطبق الأمر نفسه على كتلتي الاستيطان في جنوب مرتفعات الجولان وشمالها، وعلى كتلة مستوطنات إيرز الناشئة في شمال قطاع غزة. أما كتلة قطيف الاستيطانية في جنوب القطاع فتُشكِّل تطويقاً لمدن القطاع، وعازلاً صهيونياً على الحدود الفلسطينية ـ المصرية.

وشهد الاستيطان الإسرائيلي، خلال هذه الفترة، تقلبات في الوتيرة وتغيرات في التركيز الجغرافي، تعود أساساً إلى اختلاف الحزب/الائتلاف الحزبي الحاكم، وبالتالي، اختلاف تكتيكه الاستيطاني باختلاف نظرته السياسية الأمنية إلى الأراضي المحتلة ومتسقبلها. ومع ذلك، فإن الخريطة الاستيطانية الراهنة جاءت نتاجاً للتفاعل والتجاذب بين هذا التباين التكتيكي والإجماع القومي الإستراتيجي الذي يلف مختلف الأحزاب الصهيونية (عدم العودة إلى حدود 1967، وخصوصاً تهويد القدس وضمها إلى إسرائيل) .
ففي بداية الاستيطان بعد حرب يونيه 1967، كان هناك منطق سياسي وراء إنشاء المستوطنات، إذ تم تحضيرها استناداً إلى الخطة التي وضعها ييجال آلون، وعلى أساس الاحتياجات "الأمنية" الحيوية لدولة إسرائيل، وأصبحت هذه الخطة منذ أن وُضعت الموجِّه الأساسي لسياسة حزب العمل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما كانت الموجِّه الأساسي لنمط الحلول السياسية التي تقترحها أو تقبلها إسرائيل.
ولكن حتى حكومات حزب العمل، خرجت عن معايير مشروع آلون، إما خضوعاً للمتزمتين حين أنشأوا مستعمرة كريات أربع في الخليل، أو نزوة وزير الدفاع موشي ديان، الذي أنشأ مستعمرة يميت في سيناء، أو نتيجة صراعات داخلية بين إسحق رابين وشمعون بيريز في عهد حكومة رابين الأولى، حيث حدث توسُّع في مناطق معينة في الضفة الغربية لا تشملها خطة آلون. ولكن سلوكها كان محكوماً بالمنطق الداخلي لبنية الاستيطان الصهيوني، التي تتجه نحو المزيد من ضم الأراضي والتوسع.

والخروج على قواعد خطة آلون في عهد حزب العمل كان بمنزلة قطرات خفيفة نسبياً، ولكن هذه القطرات تحوَّلت في عهد حكومات الليكود إلى طوفان، وبعد إخلاء مستعمرة يميت إثر توقيع الصلح المصري ـ الإسرائيلي، وبعد الفشل في حرب لبنان عام 1982، أرادت حكومات حزب الليكود إرضاء ناخبيها فضاعفت زخم الاستيطان، ولم يعارض حزب العمل ذلك، وغطى موافقته آنذاك، بموقف سياسي يقول "ضمن العلاقات السلمية من الممكن أن تظل مستوطنات يهودية تحت السيادة العربية، كما توجد مدن وقرى عربية تحت السيادة الإسرائيلية".
لقد جاءت المحصلة الاستيطانية منسجمة مع جوهر الإستراتيجية الاستيطانية الصهيونية سواء من جهة انتشار المستوطنات أو تركيزها. فمن جهة الانتشار غطت المستوطنات مختلف أنحاء الأراضي العربية المحتلة بهدف إحكام السيطرة عليها، فأُقيمت مستوطنات لا مبرر أمنياً لها ولا جدوى اقتصادية لها، مثل مستوطنة نتساريم في غزة، وهذه حال المستوطنات التي أقامها المعراخ في وسط الجولان إثر حرب 1973، والمستوطنات التي نثرها الليكود في سائر أنحاء الضفة خارج مناطق الأمن.
الطبيعة العسكرية للاستعمار الاستيطانى الصهيوني
‏Military Nature of Zionist Settler Colonialism

اختيرت فلسطين كبقعة لتوطين اليهود فيها وإقامة الدولة الوظيفية القتالية بسبب موقعها الإستراتيجي. ففلسطين ليست معروفة بثرواتها الطبيعية، وهي صغيرة الرقعة، وأرضها ليست خصبة (فهي ليست في ثراء ولا خصوبة أوغنده التي وقع عليها الاختيار في بادئ الأمر لتكون الوطن اليهودي الجديد ثم عُدل عنها) . وموقع فلسطين هو الذي جعلها ضحية مباشرة للاغتصاب الاستعماري الغربي ثم الصهيوني. وقد قال نابليون: "إن من يسيطر في المعركة على تقاطع الطرق يصبح سيد الأرض". وفلسطين التي تطل على البحر المتوسط والأحمر وقناة السويس، والتي تُقسِّم العالم العربي إلى قسمين وتقع على نقطة الالتقاء بين آسيا وأفريقيا، هي ولا شك موقع ممتاز لإقامة قاعدة لخدمة مصالح الاستعمار الغربي ليفرض إرادته وهيمنته. وبالفعل، لا يمكن أن نرى الدولة الصهيونية إلا باعتبارها معسكراً كبيراً يخضع أساساً للاعتبارات الإستراتيجية العسكرية وليس للاعتبارات الاقتصادية.

وينطبق الشيء نفسه على الاستيطان الصهيوني ككل فهو مشروع عسكري بالدرجة الأولى، وهو كذلك الهدف الكامن وراء كل مستوطنة على حدة، فهي كيان صهيوني مُصغَّر في طبيعة بنائها ونوعية أعمال مستوطنيها أنفسهم وموقعها (وبخاصة قبل عام 1948) . فهندسة بناء المستوطنات وطبيعة تنظيمها الداخلي آنذاك تكشف عن أغراض هي أقرب ما تكون إلى الطبيعة العسكرية البحتة. إذ كان يُخطِّط لبناء المستوطنات في أماكن يَسهُل الدفاع عنها كرؤوس التلال والهضاب وعلى مشارف الوديان والممرات. وليس من الصدفة أن تكون أول مستوطنة صهيونية في فلسطين (عام 1868) قد أقيمت على جبل الكرمل المشرف على حيفا. وأن تكون معظم المستوطنات التي أنشئت بعد ذلك، خلال فترة الاستعمار البريطاني، قد أنشأت على مفارق الطرق، وعلى المرتفعات المشرفة على أماكن التجمُّعات العربية في المدن والقرى، وعلى الطريق بين يافا والقدس. وليس غريباً أن نجد أن العسكريين البريطانيين هم الذين اختاروا في بداية الأمر كل المستوطنات الأولى. وليس غريباً أن نجد كذلك أن مواقع بعض المستوطنات الزراعية في ذلك الوقت لا تؤهلها للزراعة. وبيَّن آلون كيف أن الموقع الدقيق للمباني والمنشآت وجميع المرافق في كل مستوطنة جديدة كانت تقرر اختياره هيئة أركان الهاجاناه، بغية تأمين الترتيب الأفضل للهجوم والدفاع (حبيب قهوجي) .
وقد كان الفلاحون العرب يسمون هذه المستوطنات «القلاع» ، وكانوا محقين تماماً في تسميتهم هذه. فكل مستعمرة صُمِّمت لتكون بمنزلة قلعة حصينة قادرة على الدفاع عن نفسها وعن المستعمرات المجاورة أيضاً (وهي تُذكِّر الدارس بالمعبد/القلعة في أوكرانيا إبان حكم الإقطاع الاستيطاني البولندي فيها) . ويُعتبَر هذا التصميم تطبيقاً للتشكيل العسكري الروماني المعروف باسم «الدفاع على شكل أضلاع مغلقة» حيث كانت كل مستعمرة تقوم بتوفير الاحتياجات الأساسية لأعضائها ذاتياً.

ورغم أن المستوطنات كانت مستوطنات زراعية إلا أن الزراعة الاستيطانية لا علاقة لها بالاستثمار الزراعي. فالموقع وليس التربة هو العنصر الذي يتم على أساسه الاختيار. ولذا فنحن نسميها «الزراعة المسلحة» .
وكان المستوطنون يقيمون مستوطناتهم الزراعية على طريقة السور والبرج. فكانوا يأتون بألواح جاهزة وبرج مراقبة وسياج وخيام على أن تنقل كلها خلسة في ليلة واحدة بمساعدة مئات المستوطنين ويحيطون الأرض العربية المغتصبة بسور من الأسلاك الشائكة ثم يبنون برج مراقبة مزوداً بالأسلحة. وفي الصباح تكون المستوطنة الجديدة جاهزة، وقادرة على صد "الإرهابيين" العرب الذين اغتُصبت أرضهم أثناء الليل. ثم تبدأ عملية الزراعة والقتال.
وكانت كل مستعمرة (شأنها شأن المُستوطَن الصهيوني ككل) تتخذ موقعها ضمن إقليم عربي لتخترق تماسكه وتجانسه وأمنه وفي دفاعها عن "أمنها" تدخل حالة صراع مع المجتمع المحيط بها وتستولى على مزيد من الأرض.
والطبيعة العسكرية للاستيطان هي رد فعل للرفض العربي. ولكنها، في الوقت نفسه، جزء لا يتجزأ من المخطَّط الصهيوني الإستراتيجي الذي يهدف إلى تأسيس تجمُّع استيطاني له هويته وحدوده الحضارية والاقتصادية والاجتماعية التي تفصله عما حوله والاستيلاء على الأرض العربية، ويهدف كذلك إلى تقسيم العالم العربي عن طريق عملية الاستيلاء هذه. ويمكن تلخيص تكامل البُعْد الاستيطاني والبُعْد العسكري في المستوطنات بأن الواحد منهما يخدم الآخر، فالاستعمار الاستيطاني يخدم العمل العسكري فيما يلي:
1 ـ تشارك المستوطنات في عملية البناء العسكري الدفاعي، وخصوصاً فيما يتعلق بتأمين الحدود الخارجية والمناطق الداخلية الحيوية.
2 ـ تشكل المستوطنات قواعد للقوات المسلحة ومراكز لوثوبها خارج أراضي إسرائيل لتحقيق المزيد من التوسع الإقليمي.
3 ـ المستوطنات في واقع الأمر مستودع للقوى البشرية المدربة عسكرياً واللازمة للقوات المسلحة.

4 ـ بعد ضم المناطق الجديدة تقوم المستوطنات بملء الفراغ وخلق الوجود المادي السكاني لها.
وإذا كانت المستوطنات تخدم الإستراتيجية العسكرية الصهيونية فالعكس أيضاً صحيح فالمؤسسة العسكرية تخدم المستوطنات.
1 ـ تقوم القوة العسكرية الصهيونية بتوفير الأراضي والمشاركة في الدفاع عنها، وبالتالي تهيئة الظروف المناسبة لازدهار الاستعمار الاستيطاني.
2 ـ تقوم المؤسسة العسكرية بتخليق الزارع الجندي اللازم لإقامة المستعمرات الدفاعية الحصينة وتأمين الحدود.
إن الاستيطان الصهيوني هو جوهر المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي يهدف إلى اغتصاب الأرض الفلسطينية العربية من أهلها وإحلال عنصر بشري وافد محلهم، ولذا فهو مشروع لا يمكن تنفيذه إلا بالعنف، ومن هنا طبيعته العسكرية. ويمكن دراسة طريقة توزيع المستوطنات الصهيونية وإعادة انتشار القوات المسلحة الإسرائيلية في الإطار نفسه.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قبل عام 1948: تاريخ
‏Zionist Settler Colonialism before 1948: History
قبل ظهور الحركة الصهيونية، لم يكن ثمة استيطان يهودي في فلسطين. فأعضاء الجماعات اليهودية (الذين لم يتجاوز عددهم 25 ألفاً) كانوا يقطنون في التجمعات المدنية، وبخاصة مدن القدس وطبريه وصفد، وقد استقروا في فلسطين لأسباب دينية لا علاقة لها بالمشروع الصهيوني، ولم يكن هناك وجود للاستيطان الزراعي الذي لم يبدأ إلا عام 1878 عندما توجهت مجموعة من يهود القدس ـ بعد حصولها على دعم خارجي ـ إلى السهل الساحلي حيث تمكَّنت من تأسيس مستوطنة بتاح تكفا. ومع ظهور حركة أحبّاء صهيون وبداية موجات الهجرة الاستيطانية عام 1880، أمكن تأسيس عدد من المستوطنات الزراعية. فتم عام 1882 تأسيس مستوطنات ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا. وفي سنة 1883، أُسِّست مستوطنتا يسود همعلية وإكرون، وأُقيمت مستوطنة جديرا عام 1884.

غير أن هذه المستوطنات لم تلبث أن تعرضت لخسائر فادحة ولجأت إلى الاعتماد على الدعم الخارجي، وبخاصة البارون روتشيلد. وقد مكَّن هذا الدعم المستوطنات القديمة من الاستمرار، كما مكَّن من إقامة ثلاث مستوطنات أخرى عام 1890 (رحوبوت، ومشمارهياردن، والخضيرة) . ولكن مع إقامة تنظيمات صهيونية توطينية ابتداءً من عام 1891، انتهى دور البارون روتشيلد وانتقلت مسئولية رعاية المستوطنات إلى الجمعية الاستعمارية اليهودية (بيكا) التي عملت في البداية على تزويد المستوطنات القائمة بالقروض المالية، وإقامة المزارع التدريبية للعمال الزراعيين، وذلك بعد أن نقلت هذه المسئوليات من رجال البارون روتشيلد. وحتى سنة 1898، كان قد تم تأسيس 22 مستوطنة يهودية (بلغت مجموع مساحاتها نحو 200 ألف دونم) وبلغ مجموع سكانها (آنذاك) 4900 نسمة تقريباً.
ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني 1898 وإقرار قانون المنظمة الصهيونية العالمية، أخذت هذه المنظمة على عاتقها كل الشئون المتعلقة باستيطان فلسطين ـ وبذلك انتهى ما يُسمَّى «الصهيونية العملية» أو «التسللية» . وبدأت هذه المنظمة نشاطها الفعلي عام 1901 مع تأسيس الصندوق القومي اليهودي. وأسهم تأسيس مكتب فلسطين برئاسة آرثر روبين عام 1907 ـ 1908 في زيادة نشاط هذه المؤسسة حيث باشرت أعمالها الفعلية عام 1908 بتأسيس مشروعها الأول وهو مزرعة أم جوني في الجانب الغربي لنهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، وفيما بعد شرقي النهر في المستوطنات التي أصبحت تحمل اسم «كينرت دجانيا» . ومع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان هناك 47 مستوطنة يهودية في فلسطين أُقيمت 14 منها بدعم من المنظمة الصهيونية بإشراف مكتب فلسطين.

وتُعتبَر مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين (أي وضع فلسطين في قبضة الراعي الإمبريالي) المرحلة الذهبية للصهيونية. فبعد صدور وعد بلفور عام 1917 ومنح القوة الإمبريالية الغربية دعمها القوي للمشروع الصهيوني وبداية موجة الهجرة الصهيونية الثالثة 1919 وإعلان شرعية الهجرة 1921، وتأسيس قسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية الذي حل محل مكتب فلسطين، وتنامي الوجود السياسي للحركة الصهيونية، توسعت النشاطات الاستيطانية واكتسبت أبعاداً أيديولوجية مع تبلور الأنماط الأساسية الثلاث للمستوطنات: الكيبوتس والموشاف والقرى التعاونية أو تعاونيات الطبقة المتوسطة.
وقد أخذت النوايا السياسية لعمليات الاستيطان في الاتضاح للفلسطينيين، الأمر الذي فجّر عمليات المقاومة، حيث هوجم عدد من المستوطنات التي أُقيمت في الجليل الأعلى (تل حاي وكفار جلعادي) ، وبدأت عام 1929 أول دراسة علمية لخدمة أغراض التخطيط الاستيطاني على المستوى القطري.
ومع صدور الكتاب الأبيض عام 1930، قرَّرت المنظمة الصهيونية الإسراع في عمليات الاستيطان وفي إقامة نقاط قوية في المناطق التي لم يسكن بها المستوطنون الصهاينة في السابق، وذلك بهدف خلق خريطة سكانية يهودية تشمل أوسع مساحة جغرافية ممكنة للاستعداد لاحتمال طرح تقسيم فلسطين، حيث جرى تركيز عمليات الاستيطان باتباع مبدأ الزراعة المختلطة للمساعدة في عمليات الاكتفاء الذاتي الغذائي للمستوطنة في أعقاب تأزم الأوضاع داخل فلسطين. ويُطلَق على المستوطنات التي أُقيمت خلال تلك الفترة اسم «السور والبرج» (بالعبرية: خوما ومجدال) وصفاً للطابع العسكري لتلك المستوطنات التي ترافقت مع بداية الثورة الفلسطينية عام1936.

وفي غضون الحرب العالمية الثانية وبعدها، أُقيم نحو 94 مستوطنة. وبعد انتهاء الحرب، اتجهت الجهود الاستيطانية للتوسع الجغرافي لاستيطان منطقة النقب في عامي 1946 و1947، ومرت أنابيب المياه إلى هذه المستوطنات من المناطق الوسطى في فلسطين. ونشطت الوكالة اليهودية في فترة الانتداب في تنظيم عمليات الاستيطان وأقامت لذلك عدداً من المشاريع الاستيطانية الخاصة ابتداءً من سنة 1930 وحتى الحرب العالمية الثانية. ومن هذه المشاريع مشروع الألف عائلة الذي تم بمقتضاه إقامة عدة مستوطنات في السهل الساحلي، وكذلك مشاريع توطين اليهود المشردين في أعقاب عام 1933.
واستمرت محاولات الاستيلاء على الأراضي في أية بقعة يمكن الوصول إليها، إلا أن التركيز كان على المناطق السهلية بشكل عام حيث تتميَّز الأراضي بالجودة ووفرة المياه. وحتى عام 1948، كان حوالي 25% من المستوطنات اليهودية موجودة في منطقة سهول الخضيرة، ونسبة 12% منها في سهول يافا، و17% في سهول طبريا والحولة وبيسان، و11% في سهل الجليل الأسفل ومرج ابن عامر، و4% في كل من منطقتي الجليل الأعلى ومرتفعات القدس. أما منطقة النقب، فقد بلغت نسبة المستوطنات اليهودية فيها 9% تقريباً من إجمالي المستوطنات اليهودية. وبلغت مساحة الجزر التي أُقيمت عليها إسرائيل في فلسطين حسب خطوط الهدنة عام 1947 حوالي 20.700.000 دونم منها 425 ألف دونم مسطحات مائية.
وقد تزايد عدد المستوطنات في الفترة من 1822 ـ 1899 ليصبح 22 مستوطنة استوطنها 5210 مستوطنين، وزاد في الفترة 1900 ـ 1907 ليصبح 27 مستوطنة اتسعت لـ 7000 مستوطن، وزاد ليصبح 47 مستوطنة في الفترة 1908 ـ 1914 حيث وسعت 12 ألف مستوطن. وارتفع عام 1922 فأصبح 71 مستوطنة وسعت 14.920 مستوطناً. وفي عام 1944، وصل عدد المستوطنات إلى 259 مستوطنة ضمت 143.000 مستوطناً. وعند قيام الدولة الصهيونية كانت تضم 277 مستوطنة.

ثم أُعلن قيام الدولة الاستيطانية الصهيونية التي تُمثل المستوطنة الصهيونية الكبرى التي تضم كل المستوطنات الزراعية والصناعية والمدنية والكيبوتسات والموشافات في منتصف آيار ـ مايو 1948.
الاستعمار الاستيطان الصهيوني حتى عام 1967: تاريخ
‏Zionist Settler Colonialism till 1967: History
في خلال الفترة من عام 1948 حتى عام 1967 تم التوسع الاستيطاني عبر سلسلة من القوانين والإجراءات المتعسفة ضد الفلسطينيين. وأهم تلك القوانين: قانون أملاك الغائبين المتروكة (1950) والذي يتيح للحكومة الإسرائيلية أن تستولي على الأرض التي هجرها ساكنوها (اللاجئون ثم النازحون الذين تم إرهابهم وإجلاؤهم عن أراضيهم) ، وقانون استملاك الأراضي (1952) ، وقانون التصرف (1953) الذي يتيح للحكومة الإسرائيلية الحصول على الأراضي التي لم يمكِّنها القانون الأول من الاستيلاء عليها تحت دعوى طلبها لأغراض الدفاع والتوطين إذا لم يتصرف صاحب الأرض المطلوبة فعلياً في الأرض، وقانون تقادم العهد أو مرور الزمن (1957) . وينص دستور الصندوق القومي اليهودي على أن الأراضي الفلسطينية التي يستولي عليها الصندوق تعتبر ملكاً للشعب اليهودي لا يجوز التصرف فيها.

وقد عبَّرت القوانين المذكورة عن نزوع المشروع الصهيوني إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال الذي تم بفعل القوة، وقد تمكَّنت السلطات الإسرائيلية من استخدام أملاك العرب الفلسطينيين الذين غادروا بيوتهم وتركوا أملاكهم وعيَّنت قيماً أو حارساً على أملاكهم لتتمكن من خلال ستار الأمن والمصلحة العامة من منع الغائبين من العودة إلى قراهم وأحيائهم. وقد اعتبرت أصحاب الأملاك الذين أُجبروا على الابتعاد عنها من الغائبين، وقامت السلطات الإسرائيلية باستخدام تلك الأملاك لإسكان المهاجرين اليهود، وضمت بعض الأراضي في المناطق الريفية إلى المستعمرات من موشافات وكيبوتسات مجاورة لتلك القرى، واعتبر المواطنون العرب الفلسطينيون في حكم الغائبين حتى لو كانوا يقيمون على بُعد بضعة كيلو مترات من قراهم الأصلية.
وفوق ذلك امتد تطبيق قانون أملاك الغائبين ليشمل أملاك الوقف الإسلامي، حيث أصبح الحارس على أملاك الغائبين مسئولاً عن تأجير واستخدام أملاك الوقف الإسلامي، وتبلغ نسبتها في حوانيت بعض المدن أكثر من 70% من مجموع عدد تلك الحوانيت.

وتنفيذاً لمبدأ مصادرة الأراضي صادرت سلطات التجمُّع الصهيوني بعد عام 1948 40% من الأراضي التي يملكها السكان العرب تحت ذريعة أنها أملاك غائبين، وموضوع الأملاك المتروكة هو الذي جعل إسرائيل دولة ذات مقومات، فمن بين مجموع 370مستعمرة أُقيمت 350 مستعمرة منها على أراضي الغائبين بين عامي 1948 ـ 1953. وفي عام 1954 كان ثُلث عدد سكان إسرائيل وثُلث المهاجرين يقيمون على أراضي الغائبين. وقد استولت سلطات الكيان الصهيوني على ما يقارب 20.5 مليون دونم من مجموع مساحة أراضي فلسطين بأكملها. ومن الذرائع التي اتخذتها السلطات الصهيونية مصادرة الأراضي لأغراض التدريبات العسكرية والذريعة الأمنية، إما لقربها من معسكرات الجيش أو لقربها من إحدى المستعمرات أو لوقوعها في مكان إستراتيجي. بالإضافة إلى مصادرة الأراضي الأميرية بحجة أن ملكيتها تعود للدولة وليس للعرب.
ويُلاحَظ أن المستوطنات الزراعية المتباعدة كانت تُمثِّل أساس الاستيطان الصهيوني ووسيلته. إلا أن ظاهرة التجمع في المدن أصبحت لا تُمثِّل، فيما بعد، نسبة ليست عالية فحسب بل نسبة في ارتفاع مستمر حيث يبدو أن المستوطنات لم تَعُد مطمح الصهاينة الاستيطانيين. (حتى نهاية 1978، كان حوالي 90% من اليهود في إسرائيل من سكان المدن (
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني منذ عام 1967 حتى الوقت الحاضر: تاريخ
‏Zionist Settler Colonialism from 1967 till the Present: History

استمرت السلطات الإسرائيلية في عمليات الاستيلاء "القانوني" على الأرض. فعلى سبيل المثال يحظر الحاكم العسكري على الفلسطينيين تسجيل الأراضي منذ 1967، وهو يمنع الفلسطينيين الذين لا يقيمون في الضفة وغزة حالياً من وراثة الأرض. ويجب أن يصادق الحاكم العسكري على جميع صفقات الأراضي، كما أن سجلات الأرض تحت سيطرته ويمكن أن يكون التبليغ بشأن مصادرة الأراضي شفوياً. ومن المحظور تقديم التماس إلى المحاكم المحلية، والسبيل الوحيد للاعتراض هو تقديم التماس إلى المحكمة الإسرائيلية العليا أو إلى لجنة اعتراضات استشارية عسكرية.
ونتيجة تطبيق تلك الإجراءات بلغت نسبة الأراضي التي استولت عليها السلطات الصهيونية 70% من مساحة أراضي الضفة الغربية، في حين بلغت النسبة 42% في قطاع غزة، بالإضافة إلى مساحة كبيرة من الجولان حيث أقيم عليها 30 مستعمرة. وإذا علمنا بأن ما استولت عليه سلطات ومنظمات الكيان الصهيوني عام 1948 بلغ حوالي 80% من مجموع مساحة فلسطين، فإن هذا يعني أن 20% فقط من مساحة فلسطين هي مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة. وما استولت عليه سلطات الاحتلال فيهما وصل إلى أكثر من 70% من مساحتها.
فبعد عام 1967 صُودرت 350 ألف دونم من القدس والضفة الغربية علاوة على 400 ألف دونم هي أراضي الغائبين، فضلاً عن إغلاق أكثر من مليون دونم بأوامر عسكرية. وفي قطاع غزة، صُودرت نسبة 33% من مجموع مساحته البالغة 400 ألف دونم منها 40 ألف دونم من الأراضي العامة، و93 ألف دونم تعتبرها السلطات ذات ملكية غير واضحة، بالإضافة إلى أملاك الغائبين التي تقدر بحوالي ثمانية آلاف دونم.

وقد وصل عدد المستوطنات في الضفة الغربية خلال عقد من الزمن، هي فترة حكم المعراخ 1967 ـ 1977، إلى 22 مستوطنة أنشأتها ألوية تابعة للحركات الاستيطانية العمالية، وتركزت في منطقة الأمن (14 مستوطنة في غور الأردن، و6 مستوطنات في غوش عتسيون) ، هذا باستثناء منطقة القدس التي صادرت فيها حكومة المعراخ 17 ألف دونم وأقامت الضواحي الاستيطانية الأساسية عليها (راموت ـ نفي يعقوب ـ رامات إشكول ـ سنهدريا الموسعة ـ غفعات همفاتير ـ التلة الفرنسية ـ قصر المندوب) . وانتهى عهد المعراخ في قطاع غزة عام 1977 مع إقامة 6 مستوطنات. أما مرتفعات الجولان في هذه الفترة فقد أقيم فيها 11 مستوطنة (9 في الجنوب، و2 في القنيطرة) بعد عام واحد من الاحتلال. وبنهاية عام 1972 كان قد أقيم 15 مستوطنة منها 6 كيبوبتسات يستوطنها جميعاً 1727 مستوطناً. وبعد حرب 1973 تمكَّن المعراخ حتى عام 1977 من إنشاء 26 مستوطنة.
وفي عهد الليكود استندت عملية الاستيطان إلى خطة إيريل شارون وهي خطة "العمود الفقري المزدوج" والتي تتضمن خطين متوازيين ساحلي وداخلي تربط بينهما شبكة من المواصلات الطولية والعرضية، حيث يمتد الخط الشرقي من الجولان شمالاً حتى شرم الشيخ جنوباً، أما الخط الساحلي فيحوي أكثر من 75% من سكان إسرائيل.
وحينما تولى إيريل شارون وزارة الدفاع عام 1981، انطلق من ضرورة تثبيت «العمق الإستراتيجي» من أجل وضع نظام دفاعي إقليمي مكوَّن من المستوطنات المحيطة بحدود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والجليل والنقب، باعتبارها مختلفة عن المستوطنات التي أُقيمت لأسباب دينية أو اقتصادية.

أما الخطة الأكثر خطورة فهي خطة متتياهو دوربلس الرئيس الثاني لقسم الاستيطان في الوكالة اليهودية، وترمي خطته إلى بناء 10 ـ 15 مستوطنة سنوياً لاستيعاب 100 ـ 150 ألف مستوطن خلال 5 سنوات. واستهدفت هذه الخطة إقامة المستوطنات بين المدن والتجمُّعات العربية وأن تكون المستوطنات كتلاً متراصة عن طريق الاستيطان المُختلَط بما يسمح بتعدد أنماط الإنتاج بين صناعي وزراعي وخدمات، وذلك بهدف جعل قيام دولة غير يهودية في الدولة مهمة مستحيلة واقعياً. وقد ركَّزت خطة الليكود على الضفة وغزة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد لتلافي احتمال إخلاء مستوطنات منهما كما حدث في سيناء. وتم تكثيف الاستيطان في القدس الشرقية، وبخاصة بين الأحياء العربية لتحويلها إلى جزر صغيرة في بحر المستوطنات الصهيونية.
وفي عهد الليكود 1977 ـ 1984 تم في الأربعة أعوام الأولى فقط إقامة 51 مستوطنة أخرى، ووصل عدد المستوطنين فيها في تلك الفترة إلى 45 ألف مستوطن بحلول عام 1984وكان ذلك في الضفة، باستثناء القدس. كما أُقيمت بقطاع غزة خمس مستوطنات في تلك الفترة تركزت في فترة الثمانينيات. وفي عام 1981 قرَّر الكنيست ضم الجولان. وفي فترة حكم الليكود تأسَّست 9 مستوطنات وبلغ عدد المستوطنين في الجولان 8000 مستوطن. وفي هذه الفترة بدأت الأصوات تتعالى داخل إسرائيل لاستيطان وتهويد أراضي الجليل التي أصبحت ذات أغلبية عربية. وابتداءً من عام 1977، شرع الكيان الصهيوني في عملية تهويد واسعة للجليل الغربي تضمنها مشروعا كل من فايتس (1977 ـ 1992) ، ومشروع دروبلس (1979 ـ 1984) وهما مشروعان للتوطين، كان يهدف أولهما إلى تعزيز الاستيطان في مناطق الجليل والنقب وغزة، أما الثاني فكان يهدف إلى تعزيز الاستيطان بإقامة 30 نقطة مراقبة استيطانية في الجليل.

ويبدو أن الضفة أصبحت فيما بعد الساحة الأساسية المستهدفة. فباستثناء بضعة مستوطنات في سيناء والجولان وغزة، أُسِّست معظم المستوطنات في الضفة الغربية وضمن ذلك القدس الشرقية. ففي عهد حكومة الائتلاف بين المعراخ والليكود (1984 ـ 1990) كان ثمة قرار بتجميد الاستيطان إلا أنه كان وهماً حيث حرصت الحكومة على تعزيز المستوطنات القائمة، وتضمن البرنامج الحكومي إقامة 5 ـ 6 مستوطنات خلال عام واحد، وبلغ عدد المستوطنات التي أُسِّست في هذه الفترة 25 مستوطنة تركَّز أغلبها في الجليل. ومع نهاية عام 1990 كان في الضفة الغربية (باستثناء القدس) نحو 150 مستوطنة يقطنها 90 ألف مستوطن يهودي تقريباً. وفي الفترة نفسها تم تأسيس مستوطنتين في قطاع غزة هما: رفيح يام عام 1984، ودوجيت عام 1990 يقطنهما 200 مستوطن. ولم تحدث زيادة في عدد مستوطنات الجولان حتى أوائل التسعينيات.
ومع تدفُّق المهاجرين السوفييت في أوائل التسعينيات، تبنَّى الليكود خطة استيطانية جديدة في الأراضي المحتلة مثل الخطة الاستيطانية الخمسية الشاملة وخطة الكواكب السبعة التي كانت تهدف إلى محو الخط الأخضر وإدخال عازل بين الفلسطينيين بإقامة مستوطنات على جانبيه.
ومن جهة أخرى، لم يَحل عقد مؤتمر مدريد سنة 1991 والمفاوضات التي تلته دون استمرار النشاط الاستيطاني، بل إن المؤتمر نفسه كان مناسبة للقيام بمثل هذا النشاط.

وغداة عودة حزب العمل إلى سدة الحكم، في صيف سنة 1992، اتخذت الحكومة الجديدة قراراً بتجميد البناء في المناطق، شمل 6681 وحدة سكنية. لكن القرار تضمن استثناءين مهمين: أجزاء معينة من الضفة (وغيرها) ، يعتبرها حزب العمل، تقليدياً، مناطق "أمنية" (وضمنها القدس الكبرى) ؛ ونحو 10آلاف وحدة سكنية في مناطق مختلفة، بدعوى أنها في مراحل متقدمة من البناء. وقد تم "التجميد" على خلفية التمييز الذي يتصف تصوُّر الحزب به، بين مستوطنات "أمنية" وأخرى "سياسية"، وهو تصوُّر ينسجم، إلى حدٍّ بعيد، مع مشروع آلون، ويشمل أساساً القدس الكبرى وغور الأردن وغوش عتسيون. ومما يُقلِّل أهمية "التجميد" أن جزءاً كبيراً من أعمال البناء في المستوطنات أصبح يتم، منذ أعوام طويلة، على أيدي شركات البناء الخاصة والمقاولين والمستوطنين أنفسهم.

لقد ارتفع عدد المستوطنين اليهود في عهد الحكومة العمالية بين عامي 1992 و1996 من حوالي مائة ألف في يونيه 1992 إلى حوالي 152 ألف مستوطن في يونيه 1996 ثموصل إلى حوالي 180 ألف مستوطن في نهاية عام 1997. وفي يوليه 1993 كان عدد المستوطنين اليهود في القدس الشرقية قد بلغ 160 ألف شخص يتوزعون على ثمانية أحياء استيطانية مقابل 155 ألف فلسطيني يعيشون بالمدينة، يُضاف إلى هذه الأحياء تلك النقاط الاستيطانية داخل أسوار المدينة القديمة، والمستوطنات الواقعة ضمن نطاق القدس الكبرى. وقد وُضعت خطة في نهاية عام 1994 ترمي إلى زيادة عدد سكان القدس من اليهود بنحو 130 ألف نسمة أخرى في المدينة فقط. وبلغ عدد المستوطنات عام 1992 مع نهاية حكم الليكود 16 مستوطنة بالإضافة إلى كفار يام التي لا تُعتبَر مستوطنة بحسب بعض التعريفات، علاوة على مجمع إيرز الصناعي. وذكر مجلس المستعمرات أن عدد المستوطنين وصل في أواخر عام 1993 إلى 5900 مستوطن في غزة، في حين بلغ عدد المستعمرات في الجولان في نفس التاريخ 38 مستوطنة يقطنها 13 ألف مستوطن. ويوجد في الأراضي العربية الفلسطينية والسورية المحتلة (حتى عام 1995) نحو 210 مستوطنة تضم حوالي 300 ألف مستوطن.
ويشير الدكتور خليل التفكجي مدير إدارة الخرائط في جمعية الدراسات العربية إلى أن مستوطنات الضفة الغربية تتركز في أربع مناطق أساسية هي:
1 ـ منطقة غور الأردن المعروفة بطريق آلون مروراً بمناطق نابلس وقلقيلية وطولكرم شمال الضفة الغربية.
2 ـ منطقة اللطرون المحصورة بين شمال غرب مدينة القدس وغرب مدينة رام الله.
3 ـ منطقة مستوطنات شمرون وآرييل المحصورة بين جنوب نابلس وشمال رام الله.
4 ـ منطقة مستوطنات غوش عتصيون المنتشرة بين مدن بيت لحم والخليل جنوب الضفة.

ويمكن النظر إلى هذه المستوطنات كمستوطنات ذات أهمية إستراتيجية وعسكرية، بينما تتوزع نحو 70 مستوطنة أخرى صغيرة مبعثرة بين التجمُّعات الفلسطينية في الضفة الغربية.
ويمكن ملاحظة أن الكتلة الاستيطانية الضخمة في جنوب غرب نابلس، أصبحت أغلبية يهودية في قلب هذه المنطقة، وتضم مستعمرات هذه الكتل، مستعمرات أورونيت. فسكان هذه المجموعة من المنطقة أصبحوا أكبر من المجموع العام للسكان العرب ومن ضمنها مدينة قلقيلية.
هذا الخط من المستعمرات الذي يمتد من كفار سابا من الناحية الغربية باتجاه منطقة زعترة (جنوب نابلس) باتجاه الشرق يقسم الضفة الغربية إلى جزأين شمالي وجنوبي. وأي إنسان يخرج من منطقة كفار سابا باتجاه الغور يشعر بأنه داخل إسرائيل وليس داخل الضفة الغربية نتيجة وجود أغلبية يهودية على جانبي الخط ومستعمرات على جانبي الطريق، بالإضافة إلى الشوارع العريضة.
أما من منطقة غوش عتصيون التي تقع جنوب القدس بين مدن بيت لحم والخليل وجنوب الضفة، فهي تفصل بيت لحم عن الخليل، وتؤدي في النهاية إلى إنشاء القدس الكبرى (المتروبوليتان) .
والكتلة الاستيطانية التي يُطلَق عليها نجوم شارون السبعة تمتد من منطقة اللطرون ـ عمواس ـ يالو وتتجه شمالاً بمحاذاة الخط الأخضر بحيث أن جزءاً من هذه المستوطنات تم بناؤه داخل إسرائيل وجزءاً آخر في المنطقة الحرام التي كانت تفصل الحدود الأردنية عن الحدود الإسرائيلية وحدود الضفة الغربية. ففي منطقة اللطرون فإن أكبر مستوطنة تنشأ الآن يُطلَق عليها «مودعين» ، والتي ستصبح ثاني أكبر مدينة ما بين تل أبيب والقدس.

واختيار هذه المنطقة جاء ليخدم توسع تل أبيب التي إذا توسعت فإنها لابد أن تتوسع باتجاه الشرق أو الغرب، أما جهة الغرب فالتوسع مستحيل أو مكلف جداً، بسبب البحر، أو باتجاه الشرق، وهي مناطق زراعية، وهو ما ترفضه إسرائيل وبالتالي فقد تم بناء جسر أي بناء منطقة القفز نحو أقدام جبال الضفة الغربية لبناء مستعمرات ضخمة تأكل من الضفة الغربية التي تمتد من منطقة اللطرون جنوباً حتى منطقة أم الفحم أو منطقة جنين في المنطقة الشمالية، ومن هنا جاء مشروع يوسي الفرت يضم 11% من مساحة الضفة الغربية باتجاه إسرائيل، لأن هذه الكتل الاستيطانية التي تم تشكيلها على طول الخط الأخضر من الجنوب باتجاه الشمال، شكلت حدوداً جديدة بحيث أن يوئيل زنغر، المستشار القانوني لوزارة الخارجية أثناء حكومة العمل السابقة، اعترف، لأول مرة، بأن السلطات الإسرائيلية تبني فوق الخط الأخضر جنوب مدينة قلقيلية.
ويبلغ حجم الدعم السنوي الحكومي للمستوطنات حوالي 300 مليون دولار في شكل تخفيضات في الضرائب على الرواتب والخدمات السكنية، فمن يشتري بيتاً في إسرائيل عليه أن يدفع ضريبة بمقدار 5% من قيمة البيت، بينما تصل النسبة إلى 0.5% في الأراضي المحتلة. وكل إسرائيلي يريد الاستثمار في الضفة وغزة يمكنه أن يحصل على 38% من قيمة الاستثمار أو على إعفاء من الضرائب لمدة عشر سنوات أو على ضمان من الدولة لثُلثي قيمة المبلغ المستثمر، وهذه التسهيلات تثير حفيظة بعض القطاعات داخل إسرائيل مثل رجال الصناعة.

ورغم هذه الجهود المبذولة من أجل دعم ونشر الاستيطان والمستوطنات في الأراضي المحتلة عبر الخطط والمشاريع الاستعمارية المختلفة، فقد واجهت الحركة الاستيطانية المعضلة الأساسية والمتمثلة في غياب المستوطنين وإحجام اليهود عن الهجرة إلى إسرائيل رغم الدعم الكبير الذي تلقته الحركة الصهيونية من خلال هجرة اليهود السوفييت، مما يشير إلى عدم الرغبة اليهودية في الإقامة في المستوطنات رغم الحوافز المادية والدعم السخي الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين. فالمستوطن اليهودي السوفيتي أو غيره في الأراضي العربية لم يأت إلى فلسطين كي يحارب أو يناضل من أجل غاية معيَّنة، ولكنه جاء ليستمتع بحياة اقتصادية مرفهة.
وقد ذكر التقرير الذي أعدته القنصلية الأمريكية في القدس (في مايو 1997) أن 25% من المنازل في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية خالية و56% في قطاع غزة و28% في الجولان، ويكشف هذا التقرير عن مشاكل نقص المعلومات بل تناقُضها بشأن الاستيطان، فآخر إحصاء رسمي إسرائيلي وارد في كتاب الإحصاء السنوي لعام 1996، والذي يورد أرقام 1995 أشار إلى أن المستوطنات تضم 33610 منزلاً منها 4066 منزلاً خالياً، أي بنسبة 12%. ففي الضفة الغربية هناك 31763 منزلاً منها 3312 منزلاً خالياً بنسبة 10.4%، وفي قطاع غزة 1847 منزل منها 754 منزلاً خالياً، وفي الجولان 8800 منزل منها 880 منزلاً فارغاً.
وذكرت حركة السلام الآن أن طواقمها الميدانية وجدت أحياء بكاملها فارغة وغير مسكونة، هذا عدا البيوت المتفرقة. بينما صرَّح رئيس شعبة الاستيطان في الوكالة اليهودية سالي مريدور أن "غالبية المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لا يوجد فيها بيت واحد خال، وتلك التي توجد فيها منازل فارغة لا تصل نسبتها إلى 5%، معظمها خالية لأسباب فنية، وليس بسبب نقص في السكان"!

ورغم هذا التناقُض فيمكن القول بأن المعلومات الأمريكية ـ بصرف النظر عن سبب النشر ـ قريبة جداً من الواقع، لأنه من المعروف أن آلاف اليهود المقيمين داخل الخط الأخضر، يستغلون التسهيلات الكبيرة التي تُعطَى للمستوطنات من أجل شراء المنازل بها، حيث يصل سعرها إلى نسبة 25% من أسعار مثيلاتها من المنازل داخل إسرائيل، ويُدفَع ثمنها بأقساط مريحة وبفوائد قليلة جداً، ومعظم هؤلاء المشترين لا يسكنون فيها بل يستخدمونها في الإجازات. ولكن وفقاً للأوضاع الأمنية، وكذلك في حالة الاضطرار إلى إخلاء مستوطنات عند توقيع اتفاقات سلام نهائية، يستطيع هؤلاء طلب أسعار مضاعفة للبيوت مثلما حدث للمستوطنين في مستعمرة ياميت في سيناء، حيث حصلوا على تعويضات ضخمة.
مستوطنة جبل أبو غنيم (هارهوما (
‏Abu Ghoneim (Har Homa) Settlement
خلافاً لما تصوَّره البعض فإن توقيع اتفاق أوسلو فَتَح الشهية الاستيطانية في الأراضي المحتلة، وبخاصة في القدس والخط الأخضر، وذلك استمراراً لسياسة الأمر الواقع الإسرائيلية التي قلَّصت ـ منذ عام 1967 ـ الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية إلى جزر بشرية متباعدة ومبعثرة ومحاطة بمستوطنات يهودية، واعتماد سياسة تهويد المدينة محلياً إما بإرغام الفلسطينيين على الرحيل، وإما بتقليص وجودهم إلى جيتوات صغيرة منفصلة، وقد طُبِّقت مثل هذه الإجراءات بطرق ثلاثة:
1 ـ توسيع المساحة المضمومة إلى أقصى حد.
2 ـ تقليص السكان العرب وزيادة السكان اليهود إلى أقصى حد.
3 ـ إحاطة المساكن العربية بمستوطنات سكنية يهودية ضخمة.

وتسعى الحكومة الإسرائيلية بقرار الاستيطان في جبل أبو غنيم الصادر في فبراير 1997 إلى إكمال فصل كل الأحياء العربية في المدينة المحتلة منذ عام 1967 عن بقية أنحاء الضفة الغربية (كلمة «هار» تعني «تل» و «هوما» تعني «السياج» ) . وستنضم مستوطنة جبل أبو غنيم المقرر إقامتها في جنوب القدس إلى تسعة أحياء يهودية أخرى تمت إقامتها في القدس الشرقية منذ عام 1967 وتربط بينها شبكة طرق سريعة وخدمات من حي جيلو اليهودي في أقصى الجنوب الغربي إلى راموت في الشمال الغربي. وستكتمل الحلقة اليهودية حول القدس تماماً مع مشروع البوابة الشرقية (إيسترن جيت) الذي وصل إلى مراحل متقدمة في التخطيط في وزارة البنية التحتية التي يرأسها إيريل شارون.
وجبل أبو غنيم يقع على مسافة كيلو مترين شمال مدينة بيت لحم. وبعد حرب 1967 قررت سلطات الاحتلال فصل جبل أبو غنيم عن بيت لحم واعتبرته امتداداً لبلدية القدس، وهو أرض مشجَّرة في قسم منها، وتبلغ مساحته 1850 دونماً، وهو الاحتياطي شبه الوحيد من الأراضي بيد المواطنين العرب لبناء مساكن جديدة، ويقع في الجبل دير مسيحي بيزنطي، كان يستضيف الحجاج القادمين من كنيسة القيامة.

وفي عام 1991 جدت مصادرة الأراضي المحيطة بجبل أبو غنيم، وتتضمن الخطة الاستيطانية في جبل أبو غنيم إقامة 6500 وحدة سكنية بهدف استيعاب 40 ألف مستوطن وهو ما يرفع عدد اليهود في القدس الشرقية إلى أكثر من مائتي ألف مستوطن، حيث يتم في المرحلة الأولى بناء 1250 وحدة سكنية. ولكن يبدو أن المشروع أكبر من ذلك المعلن عنه، فقد كشف نائب رئيس بلدية القدس الذي يقود لجنة التنظيم والبناء فيها، أوري لوفليانسكي (من حزب ديجل هتوراه الأصولي الإشكنازي) "أن المشروع يقضي ببناء 18 ألف وحدة سكنية تتسع لـ 150 ألف يهودي". وعندما سئل عن تفسيره لهذه الأرقام الضخمة، وما إذا كان مبالغاً فيها قال: "احسبوا معدل أفراد كل عائلة يهودية متدينة، تعرفون الجواب". والمعروف أن معدل عدد أفراد العائلة اليهودية المتدينة 8 ـ 9 أنفس.
وفي محاولة لتبرير مشروع الاستيطان في جبل أبو غنيم أكدت السلطات الإسرائيلية وجود قرار ببناء وحدات سكنية للعرب في القدس قد تصل إلى 3016 وحدة، ولكن المعروف أن اتخاذ القرار لا يعني البناء الفعلي، ومقابل الدعم المادي والقروض الكبيرة بفوائد رمزية وأمد طويل التي تقدمها الحكومة للمستوطنين فإن العرب محرومون من تلك المميزات، والحكومة الإسرائيلية ترفض منح تراخيص بناء للعرب.
إن خطورة الاستيطان في جبل أبو غنيم، فضلاً عن كل كونها واقعاً احتلالياً استيطانياً توسعياً، تتضمن النقاط التالية:
* خنق مدن بيت لحم حيث يبقيها دون أراض لاحتواء الزيادة السكانية الطبيعية. وبيت لحم وأراضيها سوف تكون في حصار إذ تحيط بها من الشمال مستعمرة جبل أبو غنيم، ومن الجنوب مستعمرة كفار عتسيون، ومن الغرب مستعمرة بيتار العليا، ومن الشرق مستعمرة تفوح.

* ربط مستوطنة جيلو بالمستوطنة التي يراد إقامتها في جبل أبو غنيم بواسطة الطرق الالتفافية حيث ستفصل هذه الشوارع بيت لحم عن شرق القدس وغربها، مع كل ما يترتب على ذلك من فصل اقتصادي وحياتي للمواطنين العرب الفلسطينيين.
* انتهاك قدسية الأماكن المسيحية الأثرية، حيث يوجد في أبو غنيم بئر القديس تيودور والدير البيزنطي وكنيسة بئر قاديسمو وهو المكان الذي رحلت منه السيدة العذراء قبل توجهها لبيت لحم وإنجاب المسيح.
* حرمان المنطقة من دخلها السياحي حيث تُبنَى المستوطنات الجديدة.
* والمسألة الخطيرة جداً في استيطان وتهويد جبل أبو غنيم، تتمثل في تمزيق وحدة الأراضي الفلسطينية والتواصل الإقليمي فيها وتغيير ملامحها الجغرافية والديموجرافية، حيث تصبح الضفة الغربية مُقسَّمة ومشطورة فعلياً إلى منطقة شمالية تمتد من شمال القدس ورام الله حتى شمال الضفة عند جنين وطولكرم، ومنطقة جنوبية إلى جنوب دائرة استيطان القدس الكبرى وحتى الخليل وبذا تصبح الأراضي الفلسطينية محشورة في ثلاثة كانتونات هي غزة، شمال القدس حتى جنين وطولكرم، وجنوب القدس حتى الخليل، ويمكن أن يُفتَح بذلك طريق آخر لتشطير جديد في إطار مفاوضات الحل الدائم مع تمسك إسرائيل بوجود الكتل الاستيطانية الموزَّعة في أنحاء الأرض المحتلة.
الجيبان الاستيطانيان في إسرائيل وجنوب أفريقيا: منظور مقارن
‏Two Settler Enclaves in Israel and South Africa: Comparative Perspective
يأخذ الاستعمار الاستيطاني شكل هجرة جماعية منظمة لكتلة سكانية من العالم الغربي لأرض خارج أوربا. وتتم هذه الهجرة تحت الإشراف الكامل لدولة غربية لها مشروع استعماري (تُسمَّى «الدولة الأم» ) أو بدعم مالي وعسكري منها. ويوجد نوعان من الاستعمار الاستيطاني:

1 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف لاستغلال كل من الأرض ومَنْ عليها من البشر، وهذا هو الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية (التي يُقال لها الأبارتهايد) . وجنوب أفريقيا من أفضل الأمثلة على ذلك النوع من الاستعمار. كما يمكن القول بأن الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر تنتمي هي الأخرى لهذا النمط.
2 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى استغلال الأرض بدون سكانها، وهذا هو النوع الإحلالي حيث يحل العنصر السكاني الوافد محل العنصر السكاني الأصلي الذي يكون مصيره الطرد أو الإبادة. والولايات المتحدة في سنوات الاستيطان الأولى هي أكثر الأمثلة تبلوراً على هذا النوع من الاستعمار. والدولة الصهيونية مثل آخر (وإن كانت الإبادة هي الآلية الأساسية في حالة الولايات المتحدة، بينما نجد أن الطرد هو الآلية الأساسية في حالة الدولة الصهيونية) . وكما تحوَّلت الولايات المتحدة من النظام الاستيطاني الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد، تحوَّلت الدولة الصهيونية هي الأخرى بعد عام 1967 من النظام الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد.
وهكذا يمكن القول بأنه رغم الاختلاف العميق بين إسرائيل وجنوب أفريقيا من منظور مرحلة التكوين الأولى، إلا أن التطورات التاريخية اللاحقة جعلت نُقَط التماثل بين الجيبين الاستيطانيين أكثر أهمية من نُقَط الاختلاف بينهما، ولها مقدرة تفسيرية أعلى.
ولنحاول الآن أن نتناول بعض نقط الالتقاء هذه:
1 ـ كلتا الدولتين بدأ كجيب استيطاني يخدم المصالح الغربية على عدة مستويات (قاعدة إستراتيجية وعسكرية ـ استيعاب الفائض البشري ـ عمالة رخيصة ـ مصدر للمواد الخام) نظير الدعم والحماية الغربيين. وليس من قبيل الصدفة أن الشخصيات الأساسية وراء إصدار وعد بلفور هي نفسها الشخصيات التي كانت وراء إصدار إعلان اتحاد جنوب أفريقيا وهم: آرثر بلفور ولويد جورج واللورد ملنر وإيان سمطس.

2 ـ كانت الدولة الإمبريالية الأم عادةً ما تعطي إحدى الشركات حق استغلال رقعة من الأرض ثم تتحول هذه الشركة نفسها إلى حكومة المُستوطَن. وقد قامت المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية بهذا الدور في حالة المشروع الصهيوني.
3 ـ تستمر العلاقة بين الدولة الأم والجيب الاستيطاني حتى بعد إعلان "استقلال" الدولة، إذ أن الدولة الاستيطانية ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الغربي.
ومع هذا لا تتسم العلاقة بين الوطن الأم والدولة الاستيطانية بالمودة دائماً، فرغم ادعاء الرابطة الحضارية إلا أن العلاقة مع الوطن الأم هي علاقة نفعية. فالدولة الاستيطانية دولة وظيفية يستند وجودها إلى وظيفتها، فإن فَقَدت وظيفتها أو أصبحت تكاليف دعمها أعلى من عائدها فَقَدت وجودها (كما حدث مع كل الجيوب الاستيطانية ومنها جنوب أفريقيا) . وعادةً ما يحدث الصدام بين الوطن الأم والجيب الاستيطاني بسبب اختلاف رقعة المصالح. فالوطن الأم له مصالح عالمية إمبريالية عريضة، أما الجيب الاستيطاني فمصالحه محلية ضيقة. وأحياناً يأخذ التوتر شكل مواجهة مسلحة (حرب بريطانيا مع البوير ـ المواجهة العسكرية بين حكومة الانتداب البريطاني وبعض المنظمات العسكرية الصهيونية ـ المواجهة العسكرية بين الحكومة الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر) ، أو مواجهة سياسية (موقف الدول الغربية من نظام الأبارتهايد ـ التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل إبان حرب 1956) .

4 ـ يُلاحَظ أن الخطاب الاستعماري الاستيطاني خطاب توراتي. فالمستوطنون سواء في جنوب أفريقيا أو إسرائيل هم «عبرانيون» أو «شعب مختار» أو «جماعة يسرائيل» ، واعتذاريات المستوطنين عادةً اعتذاريات توراتية، فالأرض التي يستولون عليها هي صهيون، أرض وعد الإله بها أعضاء هذا الشعب دون غيرهم. والسكان الأصليون إن هم إلا «كنعانيين» أو «عماليق» ، وجودهم عرضي في هذه الأرض (أو غير موجودين أساساً) . ولذا فمصيرهم الإبادة أو الطرد أو أن يتحولوا إلى عمالة رخيصة.
5 ـ عادةً ما ترى الجيوب الاستيطانية نفسها باعتبارها موجودة عرضاً في المكان الذي توجد فيه (أفريقيا أو العالم العربي) ولكنها، في واقع الأمر، ليست منه. وذلك لأنها جزء من التاريخ الأوربي (وإن كان الصهاينة أيضاً يرون أنفسهم جزءاً من التاريخ اليهودي) . ومع هذا يمكن القول بأن الكتل الاستيطانية عادةً كتل معادية للتاريخ، فقد جاء المستوطنون من أوربا التي لفظتهم إلى أرض عذراء (صهيون الجديدة) لا تاريخ لها ـ حسب تصوُّرهم ـ يمكنهم أن يبدأوا فيها من نقطة الصفر. (وإنكار تاريخ البلد الجديد مسألة أساسية من الناحية المعرفية والنفسية، لأن المستوطنين لو اعترف بوجود تاريخ لسكانه الأصليين لفقدوا شرعية وجودهم) .
6 ـ عادةً ما يتبنَّى الجيب الاستيطاني رؤية قومية عضوية، إذ يرى المستوطنون أن ثمة وحدة عضوية تضمهم كلهم وتربطهم بأرضهم. هذا على مستوى الإدراك والرؤية، أما على مستوى البنية الفعلية فالأمر جدُّ مختلف. ففي جنوب أفريقيا ـ على سبيل المثال ـ نجد أن المستوطنين هناك قد انقسموا إلى شيع وجماعات، ولكن الانقسام بين العنصر الهولندي والعنصر البريطاني يظل أهم الانقسامات. وفي إسرائيل نجد أيضاً انقسامات حادة بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة التي هاجرت إلى إسرائيل، ولكن مع هذا يظل الانقسام الأساسي هو الانقسام بين السفارد والإشكناز.

7 ـ يتفرع من هذا كله خطاب عنصري يؤكد التفاوت بين الكتلة الوافدة (التي يُنسَب لها التفوق العرْقي والحضاري) ، والسكان الأصليين (الذين يُنسَب لهم التخلف العرْقي والحضاري) .
8 ـ ويترجم هذا نفسه إلى نظرية في الحقوق. فحقوق الكتلة الاستيطانية حقوق مطلقة، أما السكان الأصليون فلا حقوق لهم، وإن كان ثمة حقوق فهي عرضية (كنعانية) تجُّبُها حقوق المستوطنين (العبرانيين!) .
9 ـ انطلاقاً من كل هذا يتحدد مفهوم المواطنة في البلدين، فالمواطن ليس من يعيش في الجيب الاستيطاني وإنما هو صاحب الحقوق المطلقة، أي اليهودي في الدولة الصهيونية، والأبيض في جنوب أفريقيا. ويتضح هذا في قانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح حق العودة لليهود وحسب، كما يتضح في قوانين الهجرة في جنوب أفريقيا التي تمنع هجرة غير البيض. هذا يعني أن التمييز العنصري في الجيوب الاستيطانية لا يُشكِّل انحرافاً عن القانون أو خرقاً له (كما هو الحال الآن في الولايات المتحدة) وإنما هو من صميم القانون نفسه. فمقولة «يهودي» و «أبيض» هي مقولات قانونية تمنح صاحبها حقوقاً قانونية وسياسية ومزايا اقتصادية تنكرها على من هو غير يهودي في إسرائيل، ومن هو غير أبيض في جنوب أفريقيا.
10 ـ تترجم نظرية الحقوق (والتفاوت) نفسها إلى بنية سياسية واجتماعية وثقافية. فعلى المستوى السياسي ينشأ نظامان سياسيان واحد ديموقراطي حديث مقصور على المستوطنين، والآخر شمولي يحكم علاقة الجماعة الاستيطانية بأصحاب الأرض الأصليين. وبينما يُسمَح لأعضاء الكتلة الوافدة بالتنظيم السياسي والمهني، يُحرَّم هذا على السكان الأصليين. ويُلاحَظ أنه رغم أن النظام الاستيطاني نظام غربي حديث إلا أنه يُشكل عنصراً أساسياً في محاولات إعاقة تحديث السكان الأصليين.

11 ـ أما في المجال الاقتصادي فنجد أن المستوطنين يحاولون الاستيلاء على الأرض إما عن طريق الاستيلاء المباشر أو عن طريق شرائها أو عن طريق إصدار قوانين تُسهِّل عملية الاستيلاء هذه ونقل الأرض من السكان الأصليين للمستوطنين. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف إذ أن الجيب الاستيطاني بسبب إحساسه بالعزلة وبسبب خوفه من المشكلة الديموجرافية يسمح لمزيد من المهاجرين بالاستيطان، الأمر الذي يتطلب المزيد من الأرض، فيزداد الصراع. وقد قام المستوطنون البيض في جنوب أفريقيا بالتوسع على حساب السكان الأصليين البوشمان والهوتنتوت والبانتو، تماماً مثلما قام المستوطنون الصهاينة بالتوسع على حساب الفلسطينيين.
ويتقاضى العمال من السكان الأصليين أجوراً أقل كثيراً من التي يتقاضاها العمال الاستيطانيون. كما أن معظم العمال من السكان الأصليين عليهم الانتقال من أماكن انتقالهم إلى أماكن عملهم، وهو ما يعني جهداً إضافياً شاقاً يتجشمه العامل دون مقابل. كما يقوم النظام الاستيطاني بإعاقة تطوُّر اقتصاد محلي للسكان الأصليين أو أي شكل من أشكال التراكم الرأسمالي.
12 ـ ويُلاحَظ على المستوى الثقافي ظهور نظامين قوميين: القومية الأولى قومية أصحاب الأرض الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة في كلتا الدولتين، أما القومية الثانية فهي قومية مصطنعة، وهي قومية المستوطنين الذين لا تتوافر لهم في مجموعهم من البداية غالبية خصائص القومية الواحدة. ومع هذا يُحتفَل "بالقومية" الاصطناعية الواحدة وتصبح رموزها هي الرموز السائدة في الدول الاستيطانية. وفي مجال التعليم، لا تُتاح لأبناء السكان الأصليين فرص تعليمية متميِّزة، خشية أن يحققوا حراكاً اجتماعياً وثقافياً وتظهر بينهم نخبة متعلمة تقود كفاحهم الوطني.

13 ـ تواجه الجيوب الاستيطانية مشكلة ديموجرافية دائمة إذ أن السكان الأصليين يأخذون في التكاثر. ولذا لابد أن يضمن الجيب الاستيطاني تدفُّق الهجرة من الغرب. وتُستصدَر التشريعات المختلفة لهذا الهدف (كما أسلفنا) وتُعدُّ الهجرة قضية أمنية عسكرية.
14 ـ لابد أن تساند نظرية الحقوق هذه ومحاولة ترجمتها إلى بنية اجتماعية وسياسية قدراً كبيراً من العنف الفكري والإرهاب الفعلي والقمع المستمر بهدف إبادة السكان أو طردهم أو استرقاقهم. وآليات الإرهاب تبدأ من عمليات المذابح المباشرة (دير ياسين وشاربفيل) والطرد الجماعي والعقاب الجماعي ووضع السكان في معازل جماعية (البانتوستان في جنوب أفريقيا ـ المناطق العسكرية من الضفة في فلسطين المحتلة) ، وفرض شبكة أمنية ضخمة وشبكة مواصلات ومجموعة من القوانين (مثل ضرورة استصدار تصريح من السلطات) بهدف تقييد حرية انتقال السكان الأصليين من مكان لآخر وتقليل الاحتكاك بين السكان الأصليين والمستوطنين.
15 ـ رغم كل عمليات القمع هذه يظهر ما يمكن تسميته «شرعية الوجود» ، أي إحساس المستوطنين الوافدين أن السكان الأصليين لا يزالون هناك يطالبون بحقوقهم ويحاربون من أجلها، وتأكيد هذا الوجود يعني في واقع الأمر غياب/اختفاء المستوطنين. ولذا يصر المستوطنون على أن وجودهم مهدد دائماً. ولذا فهدف الأمن القومي في النظم الاستيطانية هو البقاء (وأهم مقومات البقاء القوة العسكرية وتدفُّق المادة البشرية بشكل دائم) .

وهذا التوافق والإدراك المتبادل لوحدة المصير أدَّى إلى خلق درجة كبيرة من الاعتماد المتبادل بين الدولتين في عدة مجالات. ففي المجال التجاري كانت العلاقات بين الجيبين الاستيطانيين من القوة بحيث نجد أن جنوب أفريقيا ـ قبل زوال النظام العنصري ـ كانت شريكة إسرائيل الأولى في التجارة. ولم يكن التعاون العسكري بين الدولتين أقل قوة، فقد أرسلت الدولة الصهيونية متطوعين إسرائيليين ليحاربوا جنباً إلى جنب مع قوات جنوب أفريقيا في حربها ضد قوى التحرر الوطني. وشاركت جنوب أفريقيا بدورها في إمداد إسرائيل بالسلاح في حرب إسرائيل ضد العرب. ويُعدُّ التعاون في مجال صناعة الأسلحة من أهم أشكال التعاون، وكانت الدولتان تحاولان تنسيق جهودهما لتحقيق الاستقلال في مجال إنتاج المعدات العسكرية وفي مجال السلاح النووي.
ومع بداية التسعينيات تمت تصفية كل الجيوب الاستيطانية في أنحاء العالم. ولم يتبق غير إسرائيل وجنوب أفريقيا: الأولى تقبع على بوابة أفريقيا (تفصل بينها وبين آسيا) ، والثانية تقبع في أطرافها. فكأنهما كانا يُشكلان ما يشبه الكماشة التي تطبق على أفريقيا. وبزوال الجيب الاستيطاني في جنوب أفريقيا، لم يبق سوى إسرائيل، الحفرية الأخيرة في نظام قضي وانتهى.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية - إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
‏Depopulation as a Structural Trait of Zionist Settler Colonialism
كلمة «إحلال» من فعل «أحلَّ» ، والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يُطلَق على هذا النوع من الاستعمار حين يقوم العنصر السكاني الوافد (عادةً الأبيض) بالتخلص من السكان الأصليين إما عن طريق الطرد أو عن طريق الإبادة حتى يُفرغ الأرض منهم ويحل هو محلهم. وفي أمريكا اللاتينية، كان هدف الاستعمار الاستيطاني هو استغلال كلٍّ من الأرض وسكانها عن طريق إنشاء المزارع الكبيرة التي يقوم السكان الأصليون بزراعتها لتحقيق فائض القيمة من خلالهم، ولذا لم يُطرَد السكان الأصليون. أما في الولايات المتحدة، فقد كان المستوطنون البيوريتان يبغون الحصول على الأرض فقط لإنشاء مجتمع جديد، فكان طرد أو إبادة السكان الأصليين وإحلال عنصر جديد محل العنصر القديم أمراً لا مفر منه. وكانت جنوب أفريقيا، حتى عهد قريب، من هذا النوع الإحلالي، فنجد أن المستوطنين البيض استولوا على خير أراضيها وطردوا السكان الأصليين منها. ولكن، بمرور الزمن، طرأت تغيرات بنيوية على الدولة الاستيطانية في جنوب أفريقيا، وأصبح تحقيق فائض القيمة واستغلال السكان الأصليين أحد الأهداف السياسية. ولذا، كان يوجد في جنوب أفريقيا استعمار استيطاني يقوم بتجميع السود في أماكن عمل ومدن مستقلة (بانتوستان) تقع خارج حدود المناطق والمدن البيضاء، ولكنها تقع بالقرب منها حتى يتسنى للعمال السود الهجرة اليومية داخل المناطق البيضاء للعمل فيها.
والأمر بالنسبة لإسرائيل لا يختلف كثيراً عنه في جنوب أفريقيا إذ أن الهدف من الصهيونية هو إنشاء دولة وظيفية قتالية تستوعب الفائض البشري اليهودي وتقوم بحماية المصالح الغربية. وحتى تحتفظ هذه الدولة بكفاءتها القتالية، لابد أن تظل هذه الدولة بمعزل عن الجماهير (العربية) التي ستحارب ضدها، ولذا كان طرد العرب من نطاق الدولة الصهيونية ضرورياً حتى تظل يهودية خالصة، فكأن يهودية الدولة مرتبطة بوظيفتها القتالية ووظيفتها مرتبطة بإحلاليتها.

وقد كان جابوتنسكي مدركاً لشيء من هذا القبيل حين بيَّن أن الدولة الصهيونية المحاطة بالعرب من كل جانب، ستسعى دائماً إلى الاعتماد على "إمبراطورية قوية غير عربية غير إسلامية". وقد اعتبر جابوتنسكي هذه الانعزالية "أساساً إلهياً لإقامة تحالف دائم بين إنجلترا وفلسطين اليهودية (واليهودية فقط) ". (يرى أعضاء الجماعات الوظيفية أن عزلتهم علامة من علامات الاختيار الإلهي ومن علامات تميُّزهم على العالمين) ، وإصرار جابوتنسكي على صفة اليهودية هو إصرار على العزلة، فالعزلة هي أساس الكفاءة الوظيفية. ففلسطين عربية ستدور في الفلك العربي (على حد قوله) ، بل وستهدد المصالح الغربية (على حد قول نوردو) ، ذلك لأن العرب عنصر مشكوك في ولائه. أما فلسطين اليهودية (الوظيفية) ذات التوجه الحضاري الغربي فستكون حليفاً موثوقاً به وسيشكل سكانها عنصراً موالياً للغرب بشكل دائم، فهو بسبب عزلته لا ينتمي للمنطقة (على حد قول جابوتنسكي ونوردو ووايزمان) .
وقد قام الصهاينة بتهويد دوافع طرد العرب بطرق مختلفة. وتذهب العقيدة الصهيونية إلى أنها تهدف إلى توطين اليهود في دولة يهودية خالصة (ومن ثم طرد العرب) لأيِّ سبب من الأسباب الآتية:
1 - أن تصبح الدولة مركزاً ثقافياً ليهود العالم.
2 - أن يحقق اليهود حلمهم الأزلي بالعودة لوطنهم الأصلي.
3 - أن يتم تطبيع الشخصية اليهودية حتى يصبح اليهود أمة مثل كل الأمم (ومن هنا المفاهيم العمالية المختلفة عن اقتحام العمل والحراسة والزراعة والإنتاج) .
4 - أن يؤسس اليهود دولة يمارسون من خلالها سيادتهم ومشاركتهم في صنع القرار والتاريخ.

وعلى كل صهيوني أن يختار الديباجات التي تلائمه. ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن الأمر المهم هو أن تكون الدولة المُزمَع إنشاؤها دولة يهودية خالصة ليس فيها عنصر غير يهودي بحيث أصبح حضور الدولة يعني غياب العرب (ومن ثم أصبح حضور العرب يؤدي إلى غياب الدولة) ، ومن هنا طرح كل من الاستعماريين غير اليهود والصهاينة اليهود شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» . ولكن مثل هذه الأرض لا توجد إلا على سطح القمر (على حد قول حنه أرنت) . ولذا، كان يتحتم على الاستعمار الصهيوني أن يستولي على قطعة أرض ثم يفرغها من سكانها عن طريق العنف. ولذا فطرد الفلسطينيين من أراضيهم جزء عضوي من الرؤية الاستيطانية الصهيونية، ولا تزال هذه هي السمة الأساسية للاستعمار الصهيوني في فلسطين، فهو استعمار استيطاني إحلالي، وإحلاليته إحدى مصادر خصوصيته بل تفرُّده، وهي في الواقع مصدر صهيونيته ويهوديته المزعومة.

وإخلاء فلسطين من كل سكانها أو معظمهم (على أقل تقدير) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو أمر منطقي ومفهوم إذ لو تم الاستيلاء على الأرض مع بقاء سكانها عليها لأصبح من المستحيل تأسيس الدولة اليهودية، ولتم تأسيس دولة تمثل سكانها بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الإثني وتكتسب هويتها الإثنية الأساسية من الانتماء الإثني لأغلبية سكانها. ومثل هذه الدولة الأخيرة لا تُعَدُّ تحقيقاً للحلم الصهيوني الذي يطمح إلى تأسيس الدولة/الجيتو. ومن هنا، كان اختفاء العرب ضرورياً. والعنصرية الصهيونية ليست مسألة عَرَضية، ولا قضية انحلال خلقي أو طغيان فرد أو مجموعة من الأفراد. وإنما هي خاصية بنيوية لأنه (لكي يتحقق الحلم الصهيوني) لابد أن يختفي السكان الأصليون، ولو لم يختفوا لما تحقق الحلم. ولهذا، نجد أن الصهاينة (كل الصهاينة، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو السياسي، وبغض النظر عن القيم الأخلاقية التي يؤمنون بها) يسهمون في البنية العنصرية وينمونها. فالمستوطن اليهودي الذي يصل إلى فلسطين سوف يسهم - حتى لو كان حاملاً مشعل الحرية والإخاء والمساواة وملوِّحاً بأكثر الألوية الثورية حُمرة - في اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفي تشويه علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، ويعمل (شاء أم أبى) على تقوية مجتمع استيطاني مبني على الاغتصاب. وهذه مشكلة أخلاقية حقيقية تواجه الإسرائيليين الذين يرفضون الصهيونية، والمولودون على أرض فلسطين المحتلة. ويؤكد كل هذا التوجه إسرائيل زانجويل إذ يقول: "إن أردنا أن نعطي بلداً لشعب بلا أرض، فمن الحماقة أن نسمح بأن يصبح في هذا الوطن شعب".

وقد كان بن جوريون مدركاً تماماً للفرق بين الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الإحلالي. وفي إطار إدراكه هذا، اقترح على ديجول أن يتبنَّى الشكل الإحلالي من الاستعمار الاستيطاني حلاًّ للمشكلة الجزائرية، فتقوم فرنسا بإخلاء المنطقة الساحلية من الجزائر من سكانها العرب، ليُوطَّن فيها الأوربيون وحدهم أو يقيموا فيها المستوطنات، ثم تُعلَن دولة مستقلة لسكانها حق تقرير المصير (وكان رد ديجول يتسم بالذكاء التاريخي إذ قال: "أتريدني أن أخلق إسرائيل أخرى؟ ") . وقد أشار كارل كاوتسكي إشارة عابرة لتلك السمة المميِّزة والأساسية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في كلاسيكيته هل يُشكِّل اليهود جنساً؟ كما تَكهَّن بأن يعاني المستوطنون اليهود الكثير خلال النضال العربي من أجل الاستقلال، "ذلك لأن الاستعمار اليهودي لفلسطين يدل على أنهم ينوون البقاء فيها، وعلى أنهم لا ينوون عدم استغلال السكان الأصليين فحسب بل طردهم نهائياً".
وثمة عناصر خاصة بالاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني تضمن استمرار آليات الاحتكاك والتوتر بينه وبين السكان الأصليين وسكان المنطقة ككل. فمعظم التجارب الإحلالية الأخرى حلت مشكلتها السكانية (أي وجود سكان أصليين) بعدة طرق: التهجير أو الإبادة أو التزاوج مع عناصر السكان الأصليين، أو بمركب من هذه العناصر. ولكن التجربة الاستيطانية الصهيونية تختلف عن معظم التجارب الإحلالية الأخرى فيما يلي:
1 - أنها بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، أي في تاريخ متأخر نوعاً عن التجارب الأخرى.
2 - أنها لم تتم في المناطق النائية عن العالم القديم (الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا) وإنما تمت في وسط المشرق العربي، في منطقة تضم كثافة بشرية لها امتداد تاريخي طويل وتقاليد حضارية راسخة وامتداد بشري وحضاري يقع خارج حدود فلسطين.

ولكل هذا، فإن حل التهجير صعب إلى حدٍّ ما، كما أن حل الإبادة يكاد يكون مستحيلاً. والتزاوج أمر غير مطروح أصلاً، وهو ما يجعل المسألة الفلسطينية (السكانية والتاريخية) مستعصية على الحل الاستعماري التقليدي الذي مورس في مناطق أخرى في مراحل تاريخية سابقة، ولذا فإن من المتوقع استمرار التوتر والعزلة والشراسة.
والتعرف على الجذور الحضارية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي له أهميته، إذ يبدو أن النوع الاستيطاني (غير الإحلالي) في الجزائر وأنجولا قد نشأ في الدول الكاثوليكية بينما تعود جذور النوع الإحلالي في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة إلى الدول البروتستانتية ذات النزوع الحلولي. فالحلولية الكمونية تؤدي إلى حلول المطلق في النسبي وكمونه فيه بل توحُّده به، ولذا يتوحد الدال والمدلول وتُسد كل الثغرات، وهو ما يؤدي إلى انتشار التفسيرات الحرفية للعهد القديم والتي تخلق حالة عقلية تُسهِّل عملية نقل السكان وتجعلها أمراً طبيعياً، فالأوامر المقدَّسة الحرفية بتدمير الكنعانيين قد جاءت من عل ولا يمكن تفسيرها إلا بشكل حرفيّ. كما أن معظم اعتذاريات الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الاستيطاني الإحلالي مُستمَدة من العهد القديم. والكنيسة القومية هي عادةً كنيسة حلولية، إذ أنها موضع الحلول وكل عضو فيها وكل مؤمن بعقيدتها هو عضو في جماعة مقدَّسة - جماعة من الأنبياء أو أشباه الأنبياء. وهي، لهذا السبب، كنيسة مقتصرة على مجموعة بشرية يجمعها انتماء إثني أو عرْقي واحد (كما هو الحال مع الكنيسة الهولندية الإصلاحية في جنوب أفريقيا التي لا تسمح للسود بالانضمام إليها) . مثل هذه الكنيسة تضفي قدراً من القداسة على الأفعال التي يأتيها أعضاؤها، وتقدم التبريرات الدينية التي تكون عادةً ذات طابع إنجيلي مقدَّس. فتسوغ عمليات الطرد باعتبار أن الآخر يقع خارج نطاق القداسة. أما الكنيسة الكاثوليكية، فقد حاصرت الحلول الإلهي، وهي تؤمن

بالتفسيرات الرمزية والروحية بحيث تفسر أوامر الطرد والإبادة تفسيراً رمزياً، الأمر الذي يخلق مجالاً للحوار مع النص المقدَّس. وهي أيضاً كنيسة عالمية، أي كنيسة تفتح أبوابها لأي إنسان، فهي تمنح المؤمن (سواء كان من المستوطنين أو كان من السكان الأصليين) حقوقاً معينة بغض النظر عن انتمائه القومي أو العنصري، وهو ما يجعل تبنِّي المستوطنين الذين يتبعون الكنيسة العالمية الرؤية الحلولية للكون والنمط الإحلالي من الاستعمار أمراً صعباً.
وكان هرتزل يدرك تماماً الاعتراض الكاثوليكي على مشروعه، ولكنه كان يعتقد أن هذا الموقف قد نَجَم عن المنافسة المستعرة بين كنيستين أو ديانتين عالميتين (اليهودية والكاثوليكية) تتنازعان القدس (باعتبارها قاعدة أرشميدس) ، وهو تفسير ينم عن عدم الفهم وعن عدم إدراك لطبيعة اليهودية. ومهما يكن الأمر، فيبدو أن هناك نوعاً من العلاقة الأساسية التي تستحق المزيد من الدراسة بين الشكل المحدد الذي تتخذه مختلف الجيوب الاستيطانية، وبين جذورها الحضارية. ولعل أطروحة فيبر، بشأن علاقة الرأسمالية بالبروتستانتية، قد تساعد بعض الشيء في هذا المضمار، شريطة أن يضع الدارس في الاعتبار الأطروحات الخاصة بالحلولية والإحلالية والعلاقة بينهما.
ومهما كان الأمر، فإن إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني صفة بنيوية لصيقة به، ويشهد الواقع التاريخي بذلك. ففي عام 1948 (أي قبل إعلان الدولة) ، بلغ عدد اليهود في الأراضي المحتلة 649.633 يهودياً. ولو جمعنا هذا العدد في عائلات تتألف الواحدة منها من خمسة أشخاص لحصلنا على رقم 129.927 عائلة على حين كانت أملاك اليهود المشتراه حتى 1948 لا تتسع إلا إلى 35.521 عائلة يهودية - أي أن هناك 97.406 عائلة فائضة عن القدرة الاستيعابية التي يفترض وجودها في الأملاك. ولهذا، فإن استقلال إسرائيل كان يعني طرد العرب.

وترى وثيقة أصدرها مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل أن عدد اللاجئين بعد حرب 1948 هو 577.000 لاجئ، وتخالفها وثيقة وزارة الخارجية البريطانية التي صدرت بهذا الصدد وقد حسبتهم بما يقارب 711.000 لاجئ عربي. ويشير تقرير المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أوثروا) في شهر يوليه 1993 إلى مليون و199 ألف لاجئ (1960) زاد عددهم إلى مليون و425 ألف لاجئ عام 1970 ثم إلى مليون 844 ألف عام 1980 وإلى مليونين و423 ألف لاجئ عام 1990، ليصل العدد عام 1994 إلى مليونين و908 ألف لاجئين.
وقد واصلت إسرائيل الإبعاد في الفترة من 1967 وحتى عملية إبعاد "مرج الزهور" وقد بلغ عدد المُبعدين 1.120.889 لاجئاً عام 1994.
هؤلاء المبعدون حل محلهم مستوطنون بطبيعة الحال بلغ عددهم في الفترة من 1948 - 1966 (1.199.739) مهاجراً، وفي الفترة 1967 - 1970 (109.425) مهاجراً، وفي الفترة 1971 - 1985 (403.706) . وقد استمرت الهجرة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية مع ضغط الرئيس الأمريكي ريجان على نظيره السوفيتي جورباتشوف لتهجير يهود سوفييت. وقد تصاعدت معدلات الهجرة الاستيطانية الإحلالية بعد عام 1948 واستمرت عمليات طرد السكان الأصليين. وفيما يلي جدول يبيِّن الميزان السكاني في فلسطين المحتلة قبل وبعد إعلان الدولة الاستيطانية الإحلالية:
تطور عدد سكان إسرائيل، اليهود والعرب، ونسبة العرب من مجموع السكان
بين 8/11/1948 ونهاية 1993
) الأعداد بالآلاف (
السنة / العدد الإجمالي / يهود / عرب / نسبة العرب من مجموع السكان
8-11-1948 / 872.7 / 716.7 / 156.0 / 17.9
نهاية 1948 /---- / 758.7 / ---- / -----
نهاية 1949 / 1.173.9 / 1.013.9 / 160.0 / 13.6
نهاية 1950 /1.370.1 / 1.203.0 / 167.1 /12.2
نهاية 1951 /1.577.8 / 1.404.4 / 173.4 / 11.0
نهاية 1952 / 1.629.5 / 1.450.2 / 179.3 / 11.0

نهاية 1953 / 1.669.4 / 1.483.6 / 185.8 / 11.2
نهاية 1954 / 1.717.8 / 1.526.0 / 191.8 / 11.2
نهاية 1955 / 1.789.1 / 1.590.5 / 198.6 / 11.1
نهاية 1956 / 1.872.4 / 1.667.5 / 204.9 / 10.9
نهاية 1957 / 1.976.0 / 1.762.8 / 213.1 / 10.8
نهاية 1958 / 2.031.7 / 1.810.2 / 221.5 / 10.9
نهاية 1959 / 2.088.7 / 1.858.8 / 229.8 / 10.9
نهاية 1960 / 2.150.4 / 1.911.3 / 239.2 / 11.1
نهاية 1961 / 2.234.2 / 1.981.7 / 252.5 / 11.3
نهاية 1962 / 2.331.8 / 2.068.9 / 262.9 / 11.3
نهاية 1963 / 2.430.1 / 2.155.6 / 274.6 / 11.3
نهاية 1964 / 2.525.6 / 2.239.2 / 286.4 / 11.3
نهاية 1965 / 2.598.4 / 2.299.1 / 299.3 / 11.5
نهاية 1966 / 2.657.4 / 2.344.9 / 312.5 /11.8
نهاية 1967 / 2.776.3 / 2.383.6 / 392.7 / 14.1
نهاية 1968 / 2.841.1 /2.432.8 / 406.3 / 14.3
نهاية 1969 / 2.929.5 / 422.6 / 422.6 / 14.4
نهاية 1970 / 3.022.1 / 2.582.0 / 440.0 / 14.6
نهاية 1971 / 3.120.7 / 2.662.0 / 485.6 / 14.7
نهاية 1972 / 3.225.0 / 2.752.7 / 472.3 / 14.6
نهاية 1973 / 3.338.2 /2.845.0 / 493.2 / 14.8
نهاية 1974 / 3.421.6 / 2.906.9 / 514.7 / 15.0
نهاية 1975 / 3.493.2 / 2.959.4 / 533.8 / 15.3
نهاية 1976 / 3.575.4 / 3.020.4 / 555.0 / 15.5
نهاية 1977 / 3.653.2 / 3.077.3 / 575.9 / 15.8
نهاية 1978 / 3.737.6 / 3.141.2 / 596.4 / 16.0
نهاية 1979 / 3.836.2 / 3.218.4 / 617.8 / 16.1
نهاية 1980 / 3.921.7 / 3.282.7 / 639.0 / 16.3
نهاية 1981 / 3.977.7 / 3.320.3 / 657.4 / 16.5
نهاية 1982 / 4.063.6 / 3.373.2 / 690.4 / 17.0
نهاية 1983 / 4.118.6 / 3.412.5 / 706.1 / 17.1
نهاية 1984 / 4.199.7 / 3.471.7 / 727.9 / 17.3
نهاية 1985 / 4.226.2 / 3.517.2 / 749.0 / 17.6
نهاية 1986 / 4.331.3 / 3.561.4 / 769.9 / 17.8

نهاية 1987 / 4.406.5 / 3.612.9 / 793.6 / 18.0
نهاية 1988 / 4.876.8 / 3.659.0 / 817.7 / 18.3
نهاية 1989 / 4.559.6 / 3.717.1 / 842.5 / 18.5
نهاية 1990 / 4.821.7 / 3.946.7 / 875.0 / 18.1
نهاية 1991 / 5.058.8 / 4.144.6 / 914.3 / 18.1
نهاية 1992 / 5.195.9 / 4.242.5 / 953.4 / 18.3
نهاية 1993 / 5.327.6 / 4.335.2 / 992.5 / 18.6
ويُعدُّ قانون العودة التعبير القانوني الواضح عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. ويبدو أن الاستعمار الصهيوني بدأ يفقد شيئاً من طبيعته الإحلالية بعد عام 1967، ويكتسب بدلاً من ذلك شكلاً مماثلاً للاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا القائم على التفرقة اللونية والذي يقوم على استغلال الأرض والسكان معاً. ولكن، تجب الإشارة إلى أن ثمة رفضاً عميقاً لهذا التحول بين بعض الصهاينة، لأنه يعني أن الدولة اليهودية ستفقد هويتها الخالصة. ولم تحل اتفاقية أوسلو أياً من الإشكاليات الأساسية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني.
حتمية طرد الفلسطينيين ونقلهم (ترانسفير (
‏Inevitability of the Zionist Tranfer of the Palestinians
يهدف المخطَّط الصهيوني (شأنه شأن أي مشروع استيطاني إحلالي) إلى طَرْد وترحيل السكان الأصليين الذين يشغلون الأرض التي سيُقام فيها التجمُّع الصهيوني. وهذا أمر حتمي حتى يتسنى إقامة دولة يهودية خالصة لا تشوبها أية شوائب عرْقية أو حضارية أخرى. ولذا طُرح شعار "أرض بلا شعب". وهو ما يجعل طرد الفلسطينيين أمراً حتمياً نابعاً من منطلق الصهيونية الداخلي.

وقد كتب هرتزل في يومياته عن الطرق والوسائل المختلفة لنزع ملكية الفقراء، ونقلهم، واستخدام السكان الأصليين في نقل الثعابين وما شابه ذلك، ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة. وحينما كتب هرتزل لتشامبرلين عن قبرص، بوصفها موقعاً ممكناً آخر للاستيطان الصهيوني، لم يتردد في أن يرسم له الخطوط العريضة لطريقة إخلائها من السكان "سيُرحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير ثمن مرتفع ثم يهاجرون إما إلى اليونان أو إلى كريت".
كما نجد أن إسرائيل زانجويل، المفكر الصهيوني البريطاني، يؤكد في كتاباته الأولى ضرورة طرد العرب وترحيلهم، فيقول: "يجب ألا يُسمَح للعرب أن يحولوا دون تحقيق المشروع الصهيوني ولذا لابد من إقناعهم بالهجرة الجماعية ... أليست لهم بلاد العرب كلها ... ليس ثمة من سبب خاص يحمل العرب على التشبث بهذه الكيلو مترات القليلة ... فهم بدو رُحل يطوون خيامهم ويَنْسَلون في صمت وينتقلون من مكان لآخر".
وذكر جوزيف وايتز، مسئول الاستيطان في الوكالة اليهودية، في عدد 29 سبتمبر 1967 من جريدة دافار، أنه، هو وغيره من الزعماء الصهاينة، قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه "لا يوجد مكان لكلا الشعبين (العربي واليهودي) في هذا البلد" وأن تحقيق الأهداف الصهيونية يتطلب تفريغ فلسطين، أو جزء منها، من سكانها، وأنه ينبغي لذلك نَقْل العرب، كل العرب، إلى الدول المجاورة. وبعد إتمام عملية نَقْل السكان هذه ستتمكن فلسطين من استيعاب الملايين من اليهود.

وكان جابوتنسكي بطبيعة الحال من مؤيدي هذا المخطَّط، فأعد حيلة جديرة بعقله الصهيوني الصغير، إذ اقترح أن تعلن المنظمة الصهيونية العالمية معارضتها نزوح العرب عن فلسطين، وبذا تهدئ مخاوف العرب بشأن مخطَّط نَقْل السكان الأصليين، بل سيظن هؤلاء السكان، السذج، أن الصهاينة يريدون منهم البقاء حتى يتسنى لهم استغلالهم، ولذا فإنهم سيحملون متاعهم ويرحلون. وهذه الخطة، أو الحيلة تتسم بالغباء أكثر مما تتسم بالخبث، فقد أثبت الفلاحون العرب أنهم أقل جهلاً مما كان يتصور الزعيم الصهيوني، وأكثر ارتياباً مما تَعشَّم.
ويمكن القول بأن جابوتنسكي "متطرف"، ولكن سنجد أن وايزمان كان من المطالبين بهذا، وقد نشرت مجلة الجويش كرونيكل، في 13 أغسطس 1937، وثيقة، وقعها وايزمان بالحروف الأولى من اسمه، تدل على أن الزعيم الصهيوني كان يرى أن نجاح مشروع التقسيم يتوقف على مدى إخلاص الحكومة البريطانية للتوصية الخاصة بنقل السكان. ولا يختلف آرثر روبين مدير دائرة الاستيطان الصهيوني كثيراً عن ذلك. فقد اقترح منذ مايو 1911 "ترحيلاً محدوداً" للفلاحين العرب الذين سيُجرَّدون من أملاكهم إلى منطقتي حلب وحمص في شمال سوريا. كان تجريد المزارعين العرب وإجلاؤهم عن أراضيهم، كما كتب روبين بعد تسعة عشر عاماً، أمراً لا مفر منه، لأن "الأرض هي الشرط الحيوي لاستيطاننا فلسطين. لكن لما لم يكن ثمة أرض قابلة للزراعة إلا وهي مزروعة من قبل، فقد نجد أننا حيثما نشتري أرضاً ونسكنها لابد لزرَّاعها الحاليين من أن يُطرَدوا منها ... ".

ولم تكن خطة نقل المواطنين اليهود مقصورة على أولئك الذين استوطنوا الأرض من أجل أغراض رأسمالية دنيئة، أو لأسباب قومية عادية، بل كانت أيضاً خطة تبناها أولئك الذين استوطنوا فلسطين لكي يقيموا فيها مجتمعاً مثالياً قوامه المساواة. وقد أبدى بوروخوف، أبو اليسار الصهيوني، وعياً ملحوظاً بحقيقة أن الحل الصهيوني، الذي يتلخص في نقل اليهود وتوطينهم في أرض خاصة بهم، لا يمكن أن يتم "بدون نضال مرير وبدون قسوة وظلم وبدون معاناة البريء والمذنب على السواء". وفي تحديد إطار تَصوُّره لمستقبل المواطنين، قال إن المهاجرين اليهود سيقومون ببناء فلسطين، وأن السكان الأصليين سيتم استيعابهم، في الوقت المناسب، من جانب اليهود من الناحيتين الاقتصادية والثقافية على السواء. "إن تاريخ الاستيطان الصهيوني سيُكتَب بالعرَق والدموع والدم".
وقد وصف الكاتب الإسرائيلي موشي سميلانسكي ما تصوَّره اجتماعاً للرواد الصهاينة الاشتراكيين، في عام 1891، حيث تم توجيه بعض الأسئلة الخاصة بالعرب:
ـ "إن الأرض في يهودا والخليل يحتلها العرب".
ـ "حسناً سنأخذها منهم".
ـ "كيف؟ " (صمت) .
ـ "إن الثوري لا يوجه أسئلة ساذجة ".
ـ "حسناً، إذن، أيها الثوري، قل لنا كيف؟ ".
وجاءت الإجابة في شكل عبارات واضحة لا لبس فيها ولا إبهام: "إن الأمر بسيط جداً. سنزعجهم بغارات متكررة حتى يرحلوا.. دعهم يذهبوا إلى ما وراء الأردن". وعندما حاول صوت قَلق أن يعرف ما إذا كانت هذه ستكون النهاية أم لا، جاءت الإجابة، مرة أخرى، محددة وقاطعة: "حالما يصبح لنا مُستوطَنة كبيرة هنا، سنستولي على الأرض وسنصبح أقوياء وعندئذ سنولي الضفة الشرقية اهتمامنا وسنطردهم من هناك أيضاً، دعهم يعودوا إلى الدول العربية".

ثمة رؤية إحلالية صهيونية واضحة لها منطقها الواضح الحتمي، تحوَّلت إلى خطة لحل مشكلة الصهاينة الديموجرافية (التي تشبه مشكلة الإنسان الأبيض الديموجرافية في جميع الجيوب الاستيطانية) وهذه المشكلة عادةً ما يُطرَح حل نهائي جذري لحلها، وقد تتأرجح بين حد أقصى (الترانسفير الكامل أو الإبادة الجسدية الكاملة) أو حد أدنى، خلق أغلبية من العنصر السكاني الجديد. المتحرك هو الحدان الأعلى والأدنى، أما الثابت فهي رؤية الترحيل والإحلال. وبين سنتي 1937 و1948، صيغت وقُدِّمت عدة خطط ترحيل صهيونية، منها: خطة سوسكين للترحيل القسري (سنة 1937) ، وخطة فايتس للترحيل (ديسمبر 1937) ، وخطة بونيه (يوليه 1938) ، وخطة روبين (يونيه 1938) ، وخطة الجزيرة (1938ـ 1942) ، وخطة إدوارد نورمان للترحيل إلى العراق (1934 ـ 1948) ، وخطة بن جوريون (1943 ـ 1948) ، وخطة يوسف شختمان للترحيل القسري (1948) ، وأثناء الفترة نفسها أُلِّفت ثلاث لجان ترحيل، نيطت بها مهمة مناقشة وتصميم الطرق العملية لترويج خطط الترحيل: اللجنتان الأوليان ألفتهما الوكالة اليهودية (1937 ـ 1942) ، أما اللجنة الثالثة فقد ألفتها الحكومة الإسرائيلية سنة 1948.

والثوابت واضحة والخطة ليست أقل وضوحاً، والآلية في مثل هذه التجارب الاستيطانية الإحلالية معروفة، فالبشر لا يتركون أرضهم هكذا، ولا يطوون خيامهم ويَنْسَلون من الأرض ويختفون، كما كان يتمنى زانجويل، ولابد من استخدام القوة والعنف. ومع هذا لا تفتأ الدعاية الصهيونية تنفي عن نفسها تهمة العنف العسكري الموجه ضد العرب. بل إن بن جوريون بلغت به الجرأة أن يزعم أن كل مفكري الصهيونية العظماء لم يطرأ لهم على بال قط أن الحلم الصهيوني لا يمكن تحقُّقه إلا من خلال الانتصار العسكري على العرب. ولكن بن جوريون، بلا شك، قرأ رسالة هرتزل إلى البارون دي هرش، التي يحدثه فيها عن خطته لخلق البروليتاريا اليهودية المثقفة من قيادات وكوادر الجيش الصهيوني التي ستبحث وتكتشف ثم تستولي على الأرض، أي الوطن القومي. ولا شك في أنه سمع بخطاب زانجويل (في مانشستر في أبريل 1905) الذي قال للصهاينة فيه: "لابد أن نُعد أنفسنا لإخراج القبائل [العربية] بقوة السيف كما فعل آباؤنا، أو أن نكابد مشقة وجود سكان أجانب كُثر، معظمهم من المحمديين" (أي المسلمين) . ولابد أنه قرأ ما كتبه أهرون أهرونسون عن ضرورة "إخراج المزارعين العرب بالقوة". وبعد وفاة هرتزل، واصل صديقه نوردو الدفاع عن العنف العسكري، فاقترح تعبئة جيش ضخم، قوامه 600.000 يهودي للذهاب إلى فلسطين حتى يفرض نفسه، بوصفه أغلبية سكانية على الفلسطينيين. وقد كان الزعيم الصهيوني العمالي جوزيف ترومبلدور أكثر تواضعاً، إذ اقترح تكوين جيش قوامه 100.000 فحسب.

أما جابوتنسكي، الوريث الحقيقي لفكر هرتزل، فقد رسم خطة لخلق أغلبية يهودية فورية في فلسطين، وسماها «مشروع نوردو» . وعندما حذر أحد الصهاينة الألمان من نشوب حرب شاملة مع العرب، سخر جابوتنسكي منه، ثم ضرب أمثلة استقاها من تاريخ الاستعمار الغربي في أفريقيا وآسيا: "إن التاريخ يعلمنا أن كل المستعمرين قوبلوا بقليل من التشجيع من جانب السكان الأصليين.. وقد يكون ذلك مدعاة للحزن. ونحن اليهود لن نشذ عن القاعدة". وفي خطابه أمام اللجنة الملكية لفلسطين، عام 1937، قال جابوتنسكي "إن أمة كأمتكم، عريقة في تجربتها الاستعمارية العملاقة، تعرف بكل تأكيد أن المشروع الاستعماري لم ينجح دون نزاعات مع السكان.. (ولذا يجب) السماح لليهود بإقامة حرس خاص بهم، مثل الأوربيين في كينيا". وبعد عام من ذلك التاريخ، وخلال اجتماع فرعة منظمة بيتار في بولندا ـ وهي منظمة عسكرية صهيونية ـ لعب مناحم بيجين، تلميذ جابوتنسكي المخلص، دوراً مؤثراً وفعالاً في تغيير يمين الولاء ليتضمن قسماً بالاستيلاء على الوطن اليهودي بقوة السلاح. وقد تولَّى بيجين زعامة المنظمة عام 1939.

ومن المعروف أنه مع بداية هذا القرن كان الشباب، من عمال صهيون الذين استوطنوا فلسطين يسيرون مسلحين بعصي كبيرة وبعضهم يسير حاملاً مدى ومسدسات. وفي عام 1907 تأسست منظمة عسكرية صهيونية سرية شعارها "لقد سقطت يهودا بالدم والنار وستنهض بالطريقة نفسها". وقد تحوَّل اسم هذه المنظمة عام 1909 إلى منظمة الهاجاناه. وقد أسقطت الهاجاناه وهي الذراع العسكري للوكالة اليهودية، وللمنظمة الصهيونية العالمية، الشعار الإرهابي آنف الذكر. ولكن الأرجون (أو هاجاناه بيت) ، التي كان يترأسها مناحم بيجين، احتفظت به. وقد اتخذت الأرجون ـ رمزاً لها ـ يداً تمسك بندقية فوق خريطة فلسطين وشرق الأردن، أيضاً، نقشت تحته هذه الكلمات: "هكذا فقط"، وفي سنة 1948 اندمجت كل من الهاجاناه، والأرجون لتكوِّنا جيش الدفاع الإسرائيلي. ومن المستحيل أن يكون كل هذا قد فات على بن جوريون، وقد كان واحداً من أهم المخططين الأساسيين في مُخطَّط الاستيطان والتوسع الصهيوني.
وخلال السنوات الأولى للاستيطان الصهيوني تم تحصين المستوطنات التعاونية الزراعية بمعدات بدائية، تحوَّلت فيما بعد إلى التاكتيك المسمى «البرج والسور» . وبعد عام 1948 أصبحت إسرائيل كلها "الدولة القلعة" أو "الجيتو المسلح". وقد تنبأ جابوتنسكي بهذا الوضع حينما قال إن "سوراً حديدياً من القوات المسلحة اليهودية سيقوم بالدفاع عن عملية الاستيطان الصهيوني". وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، أصبح الحديث عن نقل (ترانسفير) العرب خافتاً ولكنه لم ينته قط، إذ لا تزال مشكلة إسرائيل السكانية قائمة، وخصوصاً أن المصادر البشرية للهجرة الاستيطانية آخذة في الجفاف.
طرد ونقل (ترانسفير) الفلسطينيين
‏Transfer of the Palestinians

إن إفراغ فلسطين من سكانها هو هدف صهيوني، وضرورة يحتمها منطق الأسطورة والعنف الإدراكي الصهيوني. ولكي يحقق الصهاينة مخططهم تبنوا تكتيكات مختلفة، فلم يكن العنف المسلح الوسيلة الوحيدة، وإنما استخدموا وسائل أخرى أيضاً. وقد اتهم عالم الاجتماع البولندي اليهودي، لودفيج جومبلوفيتش، هرتزل بالسذاجة السياسية، ثم طرح عليه سؤلاً بلاغياً: "هل تريد أن تؤسس دولة بدون عنف مسلح أو مكر؟ هكذا ... بالتقسيط المريح؟ ". ومن المؤكد أن العنف المسلح والمكر هما الأداتان اللتان استخدمهما الصهاينة. ويتمثل المكر في نشر الذعر والإرهاب بين العرب، أما العنف فيتمثل في تعريضهم للإرهاب الفعلي. ويمكن القول بأن الإرهاب الصريح ضد الفلسطينيين قد استُخدم قبل 1948، ثم خلال فترة الحرب كلها، أما نشر الرعب بين السكان، أي الحرب النفسية، فقد تصاعدت حدتها في المرحلة الأخيرة. وليس لهذا التمييز بين العنف المسلح والمكر أية أهمية، إلا من الناحية التحليلية البحتة، حيث إن الأسلوبين متداخلان، بل إنهما، في الواقع، مجرد عنصرين في مخطط واحد متكامل. ففي حالة مذبحة دير ياسين، على سبيل المثال، حرص الصهاينة حرصاً شديداً على إطلاع جميع الفلسطينيين على الحادث، ليقوموا من خلاله بغرس الخوف والهلع في القلوب.

وكان أكثر أساليب الحرب النفسية شيوعاً هو أسلوب استخدام مكبرات الصوت والإذاعات لخلق جو من الذعر بين سكان قُضي على قياداتهم أثناء الثورات المتكررة السابقة، ولا سيما بعد قمع ثورة عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني. وعلى سبيل المثال، فقد حذر راديو الهاجاناه العرب، يوم 19 فبراير عام 1948، من أن الزعماء العرب سيتجاهلون أمرهم. وفي الساعة السادسة من مساء يوم 10 مارس أذاع الراديو أن "الدول العربية تتآمر مع بريطانيا ضد الفلسطينيين". وفي الساعة السادسة من مساء يوم 14 مارس عام 1948 أذاع الراديو "إن سكان يافا في حالة ذعر كبيرة؛ إلى درجة أنهم ظلوا داخل منازلهم". وأشار الكاتب اليهودي هاري ليفين في مذكراته إلى البيان، الذي كان قد سمعه يوم 15 مايو أثناء إذاعته من عربات مكبرات الصوت الصهيونية باللغة العربية، والذي كان يحث العرب على "مغادرة الحي قبل الساعة الخامسة والربع صباحاً"، ثم نصحهم بقوله: "ارحموا زوجاتكم وأطفالكم، واخرجوا من حمام الدم هذا ... اخرجوا من طريق أريحا، الذي ما زال مفتوحاً. وإن مكثتم هنا، فإنكم بذلك ستجلبون على أنفسكم الكارثة"، وقد تجولت أيضاً مكبرات الصوت التابعة للهاجاناه في جميع أنحاء حيفا، تهدد الناس، وتحثهم على الفرار مع أسرهم (وذلك وفقاً لما جاء في كتاب المؤلف الصهيوني جون كيمشي الأعمدة السبعة المنهارة) .

إن الإشارات المتكررة إلى الكوارث المُتوقَّعة والانهيار الوشيك هي من الموضوعات الأساسية التي ركزت عليها إذاعة الهاجاناه، ومكبرات الصوت التابعة لها، في المناطق الآهلة بالسكان العرب. وثمة موضوع آخر تكرر في الحرب النفسية التي شنها المستعمرون الاستيطانيون، هو خطر انتشار الأوبئة الوشيك. ففي الساعة السابعة والنصف مساء يوم 20 مارس 1948 بدأت الإذاعة الصهيونية في إذاعة بيان باللغة العربية جاء فيه: "هل تعلمون أنه يُعتبَر واجباً مقدَّساً عليكم أن تُطعِّموا أنفسكم على وجه السرعة ضد الكوليرا والتيفوس وما شابه ذلك من الأمراض، حيث إن من المتوقع انتشار مثل هذه الأمراض في شهري أبريل ومايو بين العرب في التجمعات الحضرية". وقد تم استخدام الموضوع نفسه يوم 18 فبراير عام 1948، عندما أكدت السلطات الصهيونية، عن طريق الراديو، أن المتطوعين العرب "يحملون وباء الجدري"، وأضافت تقول، يوم 27 فبراير، إن "الأطباء الفلسطينيين قد أخذوا يفرون".

ويُقدِّم إيجال آلون، وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، تقريراً في كتاب البالماخ عن مساهمته في تكتيكات الإرهاب: "جمعت جميع العمد اليهود، الذين لهم صلة بالعرب في مختلف القرى، وطلبت منهم أن يهمسوا في أُذن بعض العرب بأن قوة عسكرية يهودية كبيرة وصلت إلى منطقة الجليل، وأنها ستحرق سائر قرى منطقة الحولة. وينبغي عليهم أن يقترحوا على هؤلاء العرب، بصفتهم أصدقاء لهم، الهرب، حيث ما زال هناك وقت لتنفيذ ذلك". وشرح آلون كلامه بقوله: "وانتشرت الشائعة في جميع مناطق الحولة بأن الوقت قد حان للفرار، وبلغ عدد الهاربين آلافاً لا تُحصَى. وبذلك حقق التكتيك هدفه تماماً ... وتم تنظيف المناطق الواسعة ". وكلمة «تنظيف» مناسبة جداً للتعبير عما يدور في ذهن الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الذي لم يُردْ الأرض فحسب، وإنما أراد تفريغها من سكانها. (وهي الكلمة نفسها التي استخدمها الصرب في حديثهم عن إبادة أهل البوسنة من المسلمين) .
هذا عن أساليب الحرب النفسية، أو أساليب المكر التي اتبعها الصهاينة، وهي، بلا شك أساليب كانت مبتكرة. ولكن الملاحظ الموضوعي لا يملك إلا أن يشهد بأن العقل الصهيوني بمقدرته اللامتناهية على الإبداع في مجال العنف المسلح أو الإرهاب، قد طوَّر وجدَّد في مجال العنف المباشر، أكثر من تجديده في مجال المكر والحرب النفسية.

ولعل من أهم الشخصيات في مجال العنف المسلح الصهيوني غير اليهودي أورد وينجيت. ويمكننا أن نذكر هنا مساهماته في تدعيم تقاليد الإرهاب الصهيوني وتطويرها بما يتفق مع خصوصية الموقف في فلسطين. وقد نجح وينجيت في الحصول على موافقة القيادة البريطانية على تشكيل الفرقة الليلية، التي كان الهدف منها هجومياً وليس دفاعياً. فبدلاً من انتظار الهجوم العربي، طالب وينجيت بأن يقوم المستوطنون بتشكيل وحدات متحركة ليقوموا بالبحث عن العدو في أرضه خلال ظلمة الليل. والافتراضات هنا غريبة بعض الشيء، إذ تفترض أن الفلاحين الفلسطينيين، داخل فلسطين نفسها، يمكن أن يكونوا في حالة "هجوم" في أي وقت من الأوقات. ففي تصوري أنهم طالما ظلوا في فلسطين، فهم في حالة دفاع مشروع عن النفس، ولكن إذا ما عدنا للتصورات الصهيونية والاسترجاعية فإننا سنجد أن الأغيار الذين يقطنون فلسطين هم معتدون، بالضرورة. وقد اعترض بعض أعضاء الهاجاناه على خطط وينجيت خشية أن يؤدي الموقف الهجومي المقترح إلى زيادة حدة توتر العلاقات بين المستوطنين الصهاينة وجيرانهم العرب. بيد أن وينجيت أصر على موقفه، وتم تشكيل الفرقة الليلية.
وكانت العمليات العسكرية تبدأ عادةً بأن يطلق وينجيت بعض العيارات النارية على إحدى القرى العربية، فيستفز العرب بذلك ويردون بوابل من الطلقات النارية. وحينما يتجمع العرب بحثاً عن المهاجمين، يتم حصارهم بسرعة. وفي إحدى الغارات قتل الصهاينة، تحت قيادة وينجيت، خمسة من تسعة من العرب الذين ذهبوا يبحثون عن المهاجمين، وأُسر الأربعة الآخرون. وقام وينجيت بتهنئة أعضاء فرقته في "هدوء وسكون"، ثم بدأ التحقيق مع العرب بشأن أسلحتهم المخبأة. وعندما رفض العرب الإدلاء بأية معلومات عنها، انحنى وينجيت وتناول حفنة من الرمال والزلط من الأرض وأرغم أول عربي على مضغها ودفع بها في حنجرته حتى كادت أن تخنقه "وتزهق روحه". ولكن العرب مع هذا لم يستسلموا.

وهنا انتهج الصهيوني غير اليهودي أسلوباً آخر، إذ التفت إلى أحد اليهود وأشار إلى العربي قائلاً: "أطلق الرصاص على هذا الرجل". فتردد اليهودي، في بادئ الأمر، ولكن وينجيت قال: في صوت يشوبه التوتر "ألم تسمع؟ أطلق الرصاص عليه". فقام المستوطن الصهيوني ـ ممتثلاً ـ بإطلاق الرصاص على العربي، واضطر المسجونون العرب الآخرون إلى أن يتكلموا في النهاية. وقد أشار الجنرال دايان في مذكراته إلى أن الكثير من الرجال الذين كانوا يعملون مع وينجيت "قد أصبحوا ضباطاً في الجيش الإسرائيلي، الذي حارب العرب وهزمهم". وأوضح دايان أن الذين استفادوا من معرفة وينجيت وتكتيكاته لم يكونوا مساعديه المباشرين فقط بل إن كل قائد في الجيش الإسرائيلي حتى اليوم هو تلميذ من تلاميذ وينجيت: "لقد أعطانا التكتيك الذي نسير عليه اليوم، وكان هو الإلهام الذي نستوحي منه تكتيكاتنا، لقد كان ـ بالنسبة لنا ـ الديناميكية التي تعطينا القوة".
استفادت قوات الغزو الصهيونية من فكر وينجيت الإرهابي العسكري قبل 1948وبعدها (فكرة الضربة المجهضة على سبيل المثال) ، ولكن ما يهمنا هنا هو الغارات الليلية التي كانت تشنها الهاجاناه والبالماخ عام 1948. فقد أشار دايان إلى أن الهاجاناه والبالماخ كانتا تشنان هذا النوع من الغارات خلال عام 1948. وكما أشار المؤرخ اليهودي أرييه يتشاكي فإن التكتيكات كانت شديدة البساطة: "هجوم على قرية العدو، ثم تدمير أكبر عدد ممكن من المنازل". وكانت النتائج بسيطة بالمثل: "مصرع عدد كبير من المسنين والنساء والأطفال في أيِّ مكان تواجه فيه القوة التي تشن الهجوم أية مقاومة".

ولكن الهاجاناه أدخلت، على ما يبدو، بعض التحسينات المهمة على تكتيكاتها، ولا سيما في نهاية عهد الانتداب. ففي الهجوم على القرى العربية كان رجال الهاجاناه يضعون، أولاً، وبهدوء، شحنات متفجرة حول المنازل المبنية من الحجارة، ويبللون إطارات النوافذ والأبواب بالبنيزين. وبمجرد أن يتم تنفيذ هذه الخطوة، يفتحون نيرانهم، في الوقت الذي يبدأ انفجار الديناميت، فيحترق السكان النائمون حتى الموت.
وقد علق حاييم وايزمان على نتائج الإرهاب والمكر الصهيونيين قائلاً: إن خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إسرائيل ونجاحاً مزدوجاً: انتصار إقليمي، وحل ديموجرافي نهائي. إن الأرض، بعد تفريغها من سكانها، أصبحت بلا شعب حتى يأتي الشعب الذي لا أرض له.
قانون العودة: قانون صهيوني أساسي
‏Law of Return: A Zionist Basic Law

«قانون العودة» قانون صدر في إسرائيل عام 1950 يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة إلى فلسطين وأن يصبح مواطناً فور وصوله. ومن المعروف أن جميع أجنحة الصهيونية تعاونت في مرحلة ما قبل 1948 على إنجاز أهم عنصر مُتضمَّن في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، أي التخلص من السكان الأصليين وتغييبهم. وثمة أدبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبيتة لطرد العرب، وتبيِّن الطرق المختلفة التي لجأت إليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين وتفريغ فلسطين من سكانها. ولكن المشروع الصهيوني لم يُحقِّق النجاح الكامل إذ بقيت أقلية من العرب (وهي آخذة في التزايد) . وقد لجأت دولة المستوطنين إلى اتخاذ إجراءات قانونية للضرب على يد هذه الأقلية العربية وتكبيلها. ولم يكن ذلك أمراً عسيراً، إذ ورثت هذه الدولة، فيما ورثت، خاصية اليهودية باعتبارها خاصية رئيسية ومحورية تسم اليهود الذين تقوم على خدمتهم مجموعة من المؤسسات الاستيطانية المقصورة عليهم. وبصدور قانون العودة في يوليه 1950، تحوَّلت خاصية اليهودية هذه إلى مقولة قانونية تمنح صاحبها حقاً تنكره على غير اليهود.
وقد صدر هذا القانون عن الكنيست الأول عام 1950، وخضع لتعديل لاحق في أغسطس عام 1954، وهو ينطلق من الافتراض الصهيوني القائل بأن اليهود "شعب بلا أرض"، شعب عضوي نُفي قسراً من وطنه فلسطين منذ ألفي عام. ولكن هذا النفي لم يؤثر في أعضاء هذا الشعب، فغالبيتهم ـ حسب التصوُّر الصهيوني ـ مرتبطون عضوياً ارتباطاً تاماً بوطنهم ويريدون "العودة" إليه لينهوا حالة الشتات وليحققوا وحدة الشعب اليهودي بأرضه اليهودية. ومن هنا تسمية القانون بـ «قانون العودة» .

ويعني هذا الافتراض أيضاً أن فلسطين "أرض بلا شعب"، وأنه إن وُجد شعب فيها في عشرات القرون الماضية فهو وجود عرضي ومؤقت ولا يُضفي على أعضاء هذا الشعب أية حقوق ثابتة، إذ أن اليهود وحدهم لهم حقوق عضوية مطلقة في أرض فلسطين، أو إرتس يسرائيل، كما يُقال في الأدبيات الصهيونية والإسرائيلية واليهودية.
لكل هذا نص قانون العودة صراحةً على حق كل يهودي في الهجرة أو العودة إلى إسرائيل (بعد آلاف السنين "من الغياب المؤقت") ، وأنكر بشكل ضمني هذا الحق على الفلسطينيين الذين هاجروا من أرضهم عام 1948 حتى يبقى المجال الحيوي لليهود وللدولة اليهودية. خالياً من العرب. ونص القانون على حق كل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل ما لم يكن وزير الداخلية مقتنعاً بأن طالب الهجرة يمارس نشاطاً موجَّهاً ضد اليهود، أو يمكن أن يعرض الأمن والصحة العامة للخطر، أو أن له ماضياً إجرامياً. وتضمَّن مواد هذا القانون الفريد حق اليهودي، في حالة رفض هجرته لغير الأسباب السابقة، في اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإجبار السلطات على السماح له بذلك حتى لو ظل مواطناً أجنبياً على أرض دولة أخرى. كما يمنح القانون الأشخاص الذين يدخلون إسرائيل بموجبه الجنسية وحقوق المواطنة على الفور.
وبموجب المادة الرابعة من قانون العودة، يُعتبَر كل يهودي هاجر إلى فلسطين (قبل سريان القانون) وكل يهودي مولود فيها (قبل سريانه أو بعده) شخصاً جاء إلى فلسطين بصفة "مهاجر عائد". ورغم أن هذا القانون قانون هجرة وليس قانون جنسية، فإن اعتماد جوهره في قانون الجنسية الإسرائيلية جعل منهما كلاًّ متكاملاً.

وقد أشار بن جوريون إلى طبيعة قانون العودة إبان عرضه على الكنيست، حيث ذكر أن هذا القانون لا يمنح اليهودي "الحق" في الهجرة إليها، فهذا الحق كامن في كل يهودي باعتباره يهودياً، وإنما يهدف القانون إلى تحديد طابع الدولة الصهيونية وهدفها الفريد، فهذه الدولة تختلف عن بقية دول العالم من حيث عناصر قيامها وأهدافها، وسلطتها محصورة في سكانها ولكن أبوابها مفتوحة لكل يهودي حيث وُجد. وأكد بن جوريون أن قانون العودة هو التعبير القانوني عن الرؤية الصهيونية (من هنا وصفنا لقانون العودة بـ «الصهيوني» ) .
وفي مارس عام 1970، أدخل الكنيست تعديلاً جديداً على القانون، عقب نشوب أزمة وزارية متكررة الحدوث حول تعريف اليهودي. وتَضمَّن التعديل أن اليهودي هو «المولود لأم يهودية أو المهتدي إلى الدين اليهودي والذي لا يدين بدين آخر» . كما نص على أن تُمنَح الجنسية الإسرائيلية بصورة آلية لجميع أفراد الأسرة المهاجرة من غير اليهود.
وعُدِّل قانون العودة فيما بعد، ووفقاً لهذا التعديل لا تُشتَرط الإقامة في إسرائيل أو إتقان اللغة العبرية أو حتى التنازل عن الجنسية الأخرى، ويُكتفى للاستفادة بقانون العودة أن يعرب المهاجر على نيته في الاستقرار في إسرائيل.
وقد قارن كثير من الكُتَّاب اليهود والإسرائيليين بين قانون العودة والقوانين النازية. فعلى سبيل المثال، أعرب الأستاذ الإسرائيلي د. كونفيتس ـ خلال النقاش الذي دار قبل الموافقة على قانون العودة ـ عن مخاوفه من احتمال مقارنة هذا القانون بالقوانين النازية، ما دام يُجسِّد مبدأ التمييز بين الأفراد على أساس ديني أو عرْقي.
وبعد صدور هذا القانون، حذَّرت جريدة جويش نيوزلتر، في عددها الصادر في 12 مايو 1952، من أن هذا القانون يعيد إلى الذاكرة النظرية العنصرية الخطيرة القائلة بأن الفرد الألماني يتمتع بمزايا جنسيته، بغض النظر عن المكان الذي يوجد فيه.

وفي مقارنة عقدها روفن جراس بين قانون العودة والقوانين النازية، بيَّن أن قانون العودة يمنح امتيازات الهجرة لأيِّ يهودي بموجب تعريف قوانين نورمبرج: أي أن يكون جده يهودياً. ويؤكد حاييم كوهين، الذي كان قاضياً بالمحكمة العليا في إسرائيل أن "من سخرية الأقدار المريرة أن تُستخدَم نفس الأطروحات البيولوجية والعنصرية التي روَّج لها النازيون والتي أوحت لهم بقوانين نورمبرج الشائنة، كأساس لتعريف الوضع اليهودي داخل دولة إسرائيل".
وهناك، على الأقل، حالة واحدة معروفة، قامت فيها السلطات الدينية في إسرائيل بالرجوع إلى السجلات النازية، للتأكد من الهوية العنصرية الدينية الإثنية لأحد المواطنين الإسرائيليين. ورغم أن قانون العودة هو الإطار القانوني للإحلالية والتوسعية والعنصرية الصهيونية، وهو مصدر الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية (ومن ثم فهو أساس عزلتها وعدائها لجيرانها) ، ورغم أن أعداد اليهود التي ترغب في "العودة" إلى إسرائيل آخذة في التناقص (ومن هنا الضغط على اليهود السوفييت للهجرة إلى إسرائيل) ، فإن جميع اتفاقيات ومعاهدات السلام لم تتعرض له من قريب أو بعيد. بل طُلب من منظمة التحرير الفلسطينية أن تلغي بنوداً أساسية في ميثاقها، بينما لم يطلب أحد من إسرائيل أن تلغي قانون العودة.
ونحن نرى أن قانون العودة هو أهم تجسد للاستيطانية الإحلالية الصهيونية، أي أهم تجسد لجوهر الصهيونية. ولا يوجد حل إلا بمحو هذا الجوهر، أي نزع الصبغة الصهيونية عن الكيان الصهيوني. ويمكن أن يأخذ هذا المطلب المجرد شكلاً إجرائياً متعيناً من خلال إما إلغاء قانون العودة أو أنسنته بمعنى أن يطبق على كل من الفلسطينيين واليهود دون تمييز، وأن يكون المقياس الوحيد هو حاجة فلسطين المحتلة إلى كثافة بشرية ومقدرتها الاستيطانية.
الطرق الالتفافية
‏By-Pass Roads

هي طرق تبنيها الدولة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية يقتصر استخدامها على المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية بحيث تتحوَّل التجمُّعات الفلسطينية إلى كانتونات مُحاصَرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمنشآت العسكرية. والطرق الالتفافية بذلك تكون بمنزلة سياج أمني حول المستوطنات، كما أنها تجعل المستوطنين الذين يعيشون وسط القرى والمدن العربية قادرين على التحرك دون أن يضطروا إلى عبور الأراضي الفلسطينية أو مواجهة الفلسطينيين.
وتستند خطة الاستيطان أمناه (وهي برنامج واسع للاستيطان والبناء في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة) على نظام متكامل من الطرق الالتفافية أعلنها الجيش الإسرائيلي رسمياً في أواخر سنة 1994 أثناء حكم حزب العمل واكتسبت شرعيتها من خلال اتفاق توسيع الحكم الذاتي عام 1995 (أوسلو ـ2) وموافقة السلطة الفلسطينية عليها لارتباطها بخطة إعادة الانتشار من المناطق الفلسطينية الآهلة.
وقد كثَّفت إسرائيل بناء هذه الطرق التي تخترق معظم مناطق الضفة الغربية المأهولة بالسكان منذ عام 1995، يتم من خلالها تجديد طرق ترابية قائمة وشق أخرى، إضافة إلى فتح طرق سريعة من الشمال إلى الجنوب عبر وادي الأردن، وشق مداخل ومخارج جديدة في شمال الضفة الغربية، وشق مجموعة طرق عسكرية. وأهم هذه الطرق الطريق رقم 60، والطريق رقم 20.
وقد بلغ عدد هذه الطرق عام1996 حوالي عشرين طريقاً تغطي 400 كم تتفرع من الطريق الرئيسي المعروف باسم «الطريق 60» الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب لجزئي الضفة الغربية. وبعض هذه الطرق ما زال قيد الإنشاء، وتعتزم سلطات الاحتلال بناء خمس طرق أخرى. ويلتف الطريق 60 حول المدن الفلسطينية في الضفة ويربط عشرات المستوطنات المنتشرة في كل أنحاء الضفة.

ويتم الاستيلاء على معظم الأراضي اللازمة لبناء هذه الطرق من خلال أوامر وضع اليد، وهي غطاء قانوني يحجب المصادرة، وهي أولى الخطوات نحو المصادرة النهائية، والتبرير المعطى في أكثرية أوامر وضع اليد هو الأمن والضرورة العسكرية، وهو تبرير لا يمكِّن المُلاك الفلسطينيين من الاحتجاج ضده.
وتؤدي هذه الطرق إلى إتلاف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وتدمير مئات المنازل، وإلحاق خسائر فادحة لأن هذه الأراضي مزروعة بكثافة بأشجار الزيتون، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير مصدر رزق العائلات الفلسطينية الوحيد. كما يؤدي شق هذه الطرق إلى إعاقة نمو القرى الفلسطينية والحد من قدرة البلديات الفلسطينية على توسيع الخدمات البلدية.
كل هذا يجعلنا نرى الطرق الالتفافية لا باعتبارها مجرد ظاهرة سياسية اقتصادية وإنما صورة مجازية تعبِّر بشكل متبلور عما آل إليه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في فلسطين المحتلة. فهو استيطان يستند إلى أكذوبة (أرض بلا شعب) لم يَعُد بمقدور صاحبها الاستمرار فيها فدب فيها الموت. ولكن الأكذوبة أساسية لبقائه واستمراره ولذا فهو يحاول أن يتشبث بها ويبث فيها الحياة بقدر الإمكان بالطرق الالتفافية، فهي محاولة أخيرة يائسة بعد أن فشل الاستيطان الصهيوني في جانبه الإحلالي، ولم يتمكن من إبادة الشعب أو طرده أو حتى تقليل كثافته وأثبتت فلسطين أنها ليست أرضاً بلا شعب بل أرض مأهولة يزرعها ويحرثها نسلها. ولذا فالحل أن تصبح فلسطين "أرضاً يسكنها شعب لا تقع عيوننا عليه، فكأنها بالفعل أرض بلا شعب، وإن ظهر الشعب على طرقنا الالتفافية حصدته رصاصات جيش الدفاع الإسرائيلي، فتستمر الأكذوبة".

ومن الواضح أن فلسطين ثابتة، فمدنها وقراها لا تتحول، وسكانها لا يكفون عن المقاومة. فالطرق الالتفافية من ثم تعبير عن قدرة الصهاينة على خداع الذات. ولكنه خداع للذات يكلف صاحبه الكثير من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية. فالطرق الالتفافية تتناقض مع أبسط معايير الجدوى الاقتصادية (أن يكون هناك طريق للمستعمر وآخر للسكان الأصليين) وهدفها تحقيق قدر كبير من الراحة النفسية لصاحبه. ولكن لا شك في أن وجود الجنود الإسرائيليين لحراسة هذه الطرق يؤدي إلى القلق ويُذكِّر المستوطنين "بالشعب الذي لا تقع عيوننا عليه".
والطرق الالتفافية تُذكِّر المرء بتجربة أعضاء الجماعات اليهودية في أوكرانيا حين أسس النبلاء البولنديين (شلاختا) للمتلزمين اليهود (أرانداتور) مدناً صغيرة شُتلت شتلاً في أوكرانيا (الشتتل) وهي جيتوات متكاملة كان أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية يمارسون فيها حياتهم كاملة، لا يتعاملون مع البيئة الجغرافية والتاريخية والاجتماعية المحيطة (بل والمحدقة) بهم، فهم فيها وليسوا منها، لا يتعاملون مع الأغيار إلا في السوق، في عمليات التبادل المجردة، التي لا تتخللها أية حميمية ولا تعبِّر عن أيِّ تراحم. والطرق الالتفافية تحقق هذا للمستوطنات الصهيونية المشتولة في الضفة الغربية، فهم في الضفة الغربية وليسوا منها، ولا يقابلون السكان الأصليين إلا في السوق.

ورغم أن إقامة الشتتلات كان يهدف إلى حماية أعضاء الجماعة اليهودية، حتى يمكنهم الاستمرار في استغلال الفلاحين الأوكرانيين لصالح النبلاء البولنديين، فإن الشتتلات تحوَّلت إلى معازل محصنة مسلحة، وحتى المعبد اليهودي نفسه تمت إعادة صياغته معمارياً بحيث أصبح معبداً وقلعة في آن واحد، يتعبد فيه اليهود ومنه يقاتلون، معبداً له أبراج بها كوات تخرج منها المدافع والبنادق، وهو ما يُذكِّرنا بالدولة الصهيونية الوظيفية، التي تزعم أنها في الشرق الأوسط وليست منه، والتي تحاول ألا تتعامل مع العرب إلا في السوق الشرق أوسطية. فهي الدولة/الشتتل، أو الدولة/الجيتو وهي في الوقت نفسه المعبد/القلعة.
وقد كان الجنود البولنديون يقومون على حراسة الشتتلات حتى لا يهاجمها الفلاحون الأوكرانيون، وهذا ما يفعله الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي الذي يصب في الكيان الصهيوني فيقوي عضده ويجعله قادراً على بناء طرق التفافية ليس لها أية جدوى اقتصادية. وحينما هبت انتفاضة شميلنكي لم تكتسح في طريقها القوات البولندية وحسب وإنما اكتسحت الشتتلات المحصنة والمعابد/القلاع أيضاً.
ومن هنا خطورة الطرق الالتفافية، فبدلاً من أن يواجه الإسرائيليون طبيعة وضعهم ويتعاملوا معه خارج الإطار الصهيوني (الذي يؤدي إلى عَزْل الآخر وتحصين الذات وإطاحتها بسياج عسكرية) فإنهم يحاولون إطالة عمر الأكذوبة، وهو ما يعني أن الفلسطينيين لن ينالوا حقوقهم إلا من خلال الانتفاضات المتتالية، التي ستقضي على الطرق الالتفافية وغيرها من الطرق.
المعازل
‏Ghettos; Palestinustans

«المعازل» كلمة عربية تُستخدَم لوصف القرى والمدن العربية في الضفة الغربية، وربما يقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة «جيتو» . فبعد أن تحقَّق الصهاينة من أن فلسطين أرضاً بلا شعب، وبعد إدراكهم أن الشعب لا يود أن يخضع لآليات الترانسفير المختلفة، بل إنه يتوالد ويتكاثر تقرَّر تأسيس مستعمرات استيطانية صهيونية في مناطق إستراتيجية وطرق التفافية مختلفة تربط هذه المستعمرات بحيث تتحوَّل القرى والمدن الفلسطينية إلى "مناطق" مأهولة بالسكان معزولة خاضعة للرقابة العسكرية الصارمة، وتمارس حق تقرير المصير في حدود المفهوم الصهيوني للإدارة الذاتية بحيث تتحول فلسطين من وطن إلى أرض، ومجموعة من القرى والمدن الممتازة "يُعزَل" الفلسطينيون فيها ويتم حصارهم.
وهذا المفهوم ليس جديداً. فالنازيون أسَّسوا جيتوات خاصة باليهود (في وارسو ولودز) كانت تتمتع بصلاحيات إدارية واسعة لا تختلف كثيراً عن الصلاحيات التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية. كما أن مفهوم البانتوستان أي المعازل التي تم تأسيسها في جنوب أفريقيا للسكان السود لا تختلف كثيراً عن المعازل التي أسَّسها المستوطنون الصهاينة ومن هنا تسميتنا لها «الفلسطينوستان» .
البلدوزر الإسرائيلي
‏The Israeli Bulldozer
يرتبط الاستيطان الصهيوني في الأذهان بالمدفع الرشاش والنابالم والقنابل. ولكن هناك رموزاً أخرى أصبحت ذات أهمية خاصة. فمع بدايات الاستيطان كان هناك أسلوب السور والبرج في اغتصاب الأرض وطرد سكانها حيث كان يُحضر مئات من المستوطنين الصهاينة أبراج مراقبة والأكواخ الجاهزة في ظلام الليل، ثم يحيطون قطعة أرض بالأسلاك الشائكة يقيمون فيها أبراج الحراسة بحيث يستيقظ أصحاب الأرض في الصباح فيجابهون أمراً واقعاً مسلحاً لا يملكون إلا الخضوع له أو الحرب ضده.

ومع ظهور الدولة الصهيونية تطوَّر هذا الأسلوب، فلم يعد هناك حاجة لبرج الحراسة، إذ تأتي القوات الإسرائيلية ومعها البلدوزر الإسرائيلي.
والبلدوزر الإسرائيلي له طبيعة مزدوجة فهو يُستخدَم لهدم بيوت الفلسطينيين من جانب وبناء المستوطنات من جانب آخر، ومن ثم فهو رمز حقيقي للاستعمار الاستيطاني الإحلالي. وعملية هدم بيت فلسطيني تشبه عملية حربية يشارك فيها مئات الجنود الإسرائيليون في سواد الليل أو عند الفجر ويصحبها حظر التجول في عموم القرية أو البلدة. وهذا الاستخدام المُبالَغ فيه بل الاستعراضي لرموز العنف يجعل هدم بيت واحد بمنزلة رسالة نفسية لبلدة بأسرها. وعملية الهدم نفسها تجرى بشكل بالغ التكثيف والكثافة (دقائق معدودة بين الإنذار بمغادرة البيت وبين تفجيره بالديناميت وإزالته بالبلدوزر) .
ولا يخفى ما يحمله هذا التكثيف من دلالة، فالبيت الذي بناه الأجداد والآباء وتحوَّل إلى مخزن للحياة المشتركة والتراث والذكريات والأحلام على مدى عشرات السنين ينهار أمام أصحابه في دقائق وربما دون أن يتمكنوا من إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقتنيات تحتضن معنى الحياة المشتركة عميقة الجذور.
ثم يبدأ البلدوزر بعد ذلك في عمليات تمهيد الأرض اللازمة لبناء المستوطنات الصهيونية.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية - التهجير الترانسفير والهجرة الاستيطانية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الترانسفير (التهجير) الغربي لبعض أعضاء الجماعات اليهودية
‏Western Transfer of Some Members of Jewish Communities
إن انتقال (هجرة) إنسان من وطن إلى أي مكان آخر عملية بالغة القسوة، فعلى هذا الإنسان أن يقتلع نفسه من جذورها ويستقر في مكان آخر، ويغيِّر نمط حياته بل ومنظومته القيمية أحياناً. وعملية نَقْل الإنسان قسراً (تهجير أو ترانسفير) مسألة وحشية. ومع هذا، يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة حضارة توجد داخلها إمكانية كامنة للهجرة والتهجير، فهي حضارة الترانسفير المستمر: أن ينتقل الإنسان بنفسه دائماً، ويقوم بنقل الآخرين.
والحضارة الغربية الحديثة تنظر لأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية تُنقل وتُوظَّف، لا يختلفون عن أية مادة بشرية أخرى. ومع هذا، فإن ثمة عناصر خاصة بالجماعات اليهودية جعلتهم عُرضة للنقل (الترانسفير) أكثر من غيرهم من العناصر البشرية:
1 ـ حلت أوربا مشكلة أعضاء الجماعات اليهودية منذ العصور الوسطى عن طريق طرد اليهود من إنجلترا ثم فرنسا فإيطاليا فألمانيا إلى أن استقر بهم المقام في بولندا وروسيا. وقد كانت عملية الطرد تتم في إطار أنهم جماعة وظيفية حركية يمكن توظيفها في أي مكان، فالجماعة الوظيفية لا ترتبط بوطن وإنما بوظيفة. وحينما بدأت الحركة الاستعمارية الاستيطانية الغربية أصبح يهود أوربا جزءاً لا يتجزأ منها، وتوجهت حركة الهجرة اليهودية حيثما توجَّه الاستعمار الاستيطاني الغربي. وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أن اليهود أعضاء في جماعة وظيفية تتسم بالحركية وينظر لها المجتمع نظرة محايدة، فهي جزء يُوظَّف وموضوع يُستخدَم. ولذا، حينما تعثَّر التحديث في روسيا وشرق أوربا، طُرحت فكرة تهجير اليهود ونقلهم كحل للمسألة اليهودية.

2 ـ ومما ساعد على جعل فكرة نَقْل اليهود مطروحة دائماً تصوُّر الغرب لهم وتصوُّرهم هم لأنفسهم أحياناً كجزء من تاريخ يهودي مستقل عن التاريخ الأوربي، وبالتالي فهم ليسوا جزءاً من أوربا، وإن تواجدوا فيها فهم متواجدون على الهامش وحسب وبشكل عرضي مؤقت، وهي فكرة دعمها وضعهم الهامشي في العصور الوسطى.
3 ـ ارتبط اليهود دائماً بفكرة الخروج من المنفى (مصر ـ بابل) والتغلغل في كنعان (فلسطين) ، وهو ما يوحي بأنهم دائماً في حالة خروج من المنفى (أوربا) وفي حالة ارتباط عضوي دائمة بفلسطين.
4 ـ ولا شك في أن الرؤية الدينية المسيحية البروتستانتية الحلولية رؤية حرفية ترى اليهود كياناً مستقلاً له تاريخ مستقل هو في جوهره امتداد للتاريخ التوراتي، وهي رؤية ترى أن روايات العهد القديم وأساطيره لا تزال لها دلالتها الحرفية ومصداقيتها «الآن وهنا» . ومن أهم هذه الأساطير أسطورة الخروج من مصر. بل إن التاريخ اليهودي يبدأ، حسب هذه الرؤية، بهذا الخروج ويصل ذروته بعد الاستقرار في فلسطين، ثم يأتي بعد ذلك التهجير إلى بابل والعودة منها، ثم الخروج من القدس بعد سقوط الهيكل والأمل في العودة. وداخل هذا الإطار الأسطوري أصبحت مسألة نَقْل اليهود مطروحة على مستوى الوجدان الديني (المسيحي واليهودي) .
5 ـ خلقت صهيونية غير اليهود (بديباجاتها المختلفة) المناخ الملائم لعملية النقل هذه، وقد تسربت هذه الرؤية إلى اليهود بكل حرفيتها بحيث بدأت قطاعات من اليهود تنظر لأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم شيئاً يمكن نَقْله.
6 ـ أدَّى تدهور الدولة العثمانية وبروز أهمية فلسطين الإستراتيجية إلى زيادة الاهتمام بنَقْل اليهود نظراً لارتباطهم بفلسطين في الوجدان الغربي.

7 ـ يبدو أنه كان ثمة وهم أن فلسطين يمكن شراؤها، وهو موضوع يتكرر في الكتابات الصهيونية. وقد ذكر أحد المؤرخين الصهاينة أنه، في تلك الفترة، قامت أمريكا بشراء فلوريدا من إسبانيا وألاسكا من روسيا ولويزيانا من فرنسا. وهذا تعبير عن علمنة الحيز والمكان بشكل عام.
لكل هذا، يمكن القول بأن عملية نَقْل اليهود كانت مطروحة على الوجدان الغربي ولم تكن مسألة بعيدة عن الأذهان، وهو ما أدَّى إلى ظهور الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. هذا لا يعني أن العوامل التي أسلفنا الإشارة إليها هي التي أدَّت إلى نَقْل اليهود وتهجيرهم، فمثل هذا القول بسيط ساذج ومخل يسقط في السببية البسيطة. وكل ما نقوله هو أن هذه العوامل خلقت المناخ العاطفي الذي يسمح بتقبُّل مثل هذه الفكرة الوحشية الهمجية. وقد طُرح مشروع نَقْل اليهود بشكل جماعي من رومانيا، وقد استحسنه القنصل الأمريكي في بوخارست وعارضه زعماء الجماعة اليهودية هناك.
ولكن الصهيونية بين اليهود قامت بتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حتى أصبح من اليسير على أعضاء الجماعات اليهودية استبطانها وأصبح الترانسفير مسألة مطروحة داخل وجدانهم.
الترانسفير (التهجير) الصهيوني لبعض أعضاء الجماعات اليهودية
‏Zionist Transfer of Some Members of Jewish Communities
يعبِّر التهجير في العادة عن نَقْل جماعة سكانية من مكان إلى أخر بدون سعي منها أو بدون موافقتها، وذلك لأسباب تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهو يختلف عن الهجرة التي تتم بإرادة المهاجر. ومن أهم الأمثلة على التهجير: تهجير اليهود إلى بابل والذي يُسمَّى «السبي البابلي» ونطلق عليه هنا «التهجير البابلي» ، وتهجير الهنود الحمر (سكان أمريكا الأصليون) من المناطق التي كانوا يستقرون فيها إلى مناطق أخرى (وهو تهجير كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى إبادة أعداد كبيرة منهم) .

ويُشار إلى التهجير أحياناً بأنه «ترانسفير» أي «نَقْل» . ويمكن القول بأن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي في جوهرها عملية نقل (ترانسفير) لمجموعة من المصطلحات والمفاهيم الدينية من مستواها الديني والمجازي إلى المستوى الزمني المادي الحرفي (وهذه سمة أساسية في الخطاب الحلولي التجسيدي حيث تتحول الكلمة إلى مادة ويتحول الدال إلى مدلول ويتداخل المطلق والنسبي) . فالشعب المختار، حسب المفهوم الديني اليهودي، جماعة دينية تلتزم بمجموعة من العقائد، فينقل هذا المفهوم من السياق الديني ليصبح شعباً بالمعنى العرْقي أو يصبح مادة بشرية فائضة. أما صهيون، وهي المكان الذي سيعود إليه الماشيَّح في آخر الأيام، فتصبح بقعة جغرافية في الشرق الأوسط ذات قيمة إستراتيجية واقتصادية يُصدَّر لها الفائض البشري ويُوطَّن ويُوظَّف فيها. والواقع أن عملية نَقْل المصطلحات هذه من مستواها الديني والمجازي إلى المستوى الزمني والحرفي ينجم عنها ظهور صيغة تنطوي على عمليتي نَقْل سكاني:
1 ـ نَقْل اليهود من المنفى إلى فلسطين.
2 ـ نَقْل الفلسطينيين من فلسطين إلى المنفى.
وقد بدأت عملية النقل السكاني الثانية، بشكل متقطع وغير منظم، في أواخر القرن التاسع عشر على يد الصهاينة التسلليين، ثم استمرت بطريقة منهجية بعد وعد بلفور تحت رعاية حكومة الانتداب في النصف الأول من القرن العشرين، ثم وصلت إلى ذروتها عام 1948. واستمرت العملية بشكل منظم من قبل الدولة الصهيونية لتصل إلى ذروة أخرى عام 1967 وهكذا. ولا يزال التهجير القسري للعرب مستمراً حتى الوقت الحاضر إما عن طريق "تشجيع" العرب على تَرْك فلسطين أو إرهابهم أو طردهم بموجب قرار من الحكومة الإسرائيلية.

ولكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن الصهيونية كانت وما زالت حركة مبنية أيضاً على تهجير اليهود، فهي حركة توطينية استيطانية، كما أن تدفُّق المادة البشرية القتالية على المُستوطَن الصهيوني مسألة أساسية وحيوية بالنسبة له حتى يستمر في الاضطلاع بوظيفته القتالية. ولذا، نجد أن الحركة الصهيونية كثيراً ما تلجأ إلى عملية تهجير قسرية لبعض يهود العالم.
وتبدأ عملية التهجير القسري بمحاولة خَلْق ما يمكن تسميته «الصهيونية البنيوية» أي الصهيونية التي تتجاوز المشروع المعلن والشعارات المطروحة لتخلق وضعاً (بنيوياً) يجعل استمرار أعضاء الجماعات اليهودية في الحياة في أوطانهم صعباً ويجعل رفضهم الصهيونية شبه مستحيل. وأولى هذه المحاولات كانت وعد بلفور حيث سعى الصهاينة إلى استخدام عبارة «العرْق اليهودي» بدلاً من «الشعب اليهودي» حتى يجعلوا كل يهودي، شاء أم أبى، عضواً في هذا الشعب، إذ أن الانتماء العرْقي لا يترك مجالاً لاختيار، ومن ثم تسقُط صفة المواطنة عن يهود العالم فيضطرون إلى الهجرة.
وقد أخذ التهجير شكل التعاون مع القوى المعادية لليهود (فون بليفيه، وزير داخلية روسيا القيصرية، وبتليورا، الزعيم الأوكراني، وأخيراً النظام النازي نفسه) وتوقيع معاهدة الهعفراه (أي التهجير أو الترانسفير) . وتأخذ محاولة التهجير أيضاً شكل إغلاق باب الهجرة في العالم أمام أعضاء الجماعات اليهودية بحيث يتجهون، شاءوا أم أبوا، إلى أرض الميعاد. وينطبق هذا على يهود روسيا السوفيتية حيث تحاول المنظمة الصهيونية تحويل الهجرة التلقائية إلى الولايات المتحدة إلى تهجير قسري إلى إسرائيل عن طريق إغلاق باب الولايات المتحدة أمامهم وفتح أبواب إسرائيل، ومنع المنظمات اليهودية من مساعدة اليهود السوفييت المهاجرين إلى الولايات المتحدة.

ويمكن أن نرى هجرة يهود العالم العربي، وخصوصاً يهود العراق، على أنها عملية تهجير قام بها الصهاينة بخلقهم الظروف الموضوعية والبنيوية التي أضطرت أعضاء الجماعة اليهودية إلى الهجرة، مثل وضع القنابل في المعبد اليهودي في العراق أو تجنيد بعض يهود مصر لوضع قنابل في السفارات الأجنبية، وهو ما أدَّى إلى تدهور وضع الجماعات اليهودية في مصر. وغني عن القول أن الخطاب الصهيوني، حينما يتحدث عن التهجير (الترانفسير) ، يتحدث عن العرب وحسب. ولكن مع الهجرة السوفيتية الأخيرة ومع جفاف مصادر الهجرة البشرية للدولة الصهيونية ومع رفع شعارات مثل السوق الشرق أوسطية وعملية السلام فإن الدولة الصهيونية تلجأ إلى الإغواء أكثر من القسر.
الخلاص الجبري
‏Forcible Redemption
«الخلاص الجبري» مصطلح قمنا بسكه لوصف المحاولات الصهيونية التي تهدف إلى غزو الدياسبورا، أي الجماعات اليهودية في العالم، لإرغام أعضائها على ترك أوطانهم والهجرة إلى إسرائيل، ذلك لأن هجرتهم هذه (تهجيرهم ـ ترانسفير) فيها خلاص لهم من النفي في أرض الأغيار. فالصهيونية تفترض أنها تعرف ما فيه صالح أعضاء الجماعات اليهودية وأن يهود المنفى غافلون عما يحيق بهم من أخطار مادية ومعنوية، ونظراً لغفلتهم هذه فإنهم لا يُبدون حماساً كبيراً للهجرة إلى إسرائيل. وقد وصف أحد المسئولين الإسرائيليين هذا الوضع بقوله: "إننا نجد أنفسنا مضطرين إلى سحب كل مهاجر جديد إلى إسرائيل وكأنه بغل حرون". وطالب بضرورة التدخل الجراحي، أي ضرورة تخليص اليهود بالإكراه.

والخلاص الجبري يأخذ أشكالاً كثيرة من بينها إصدار تصريحات وممارسة نشاطات صهيونية من شأنها تعريض أعضاء الجماعات اليهودية لتهمة ازدواج الولاء. ومن الأمثلة على هذا ما قامت به جولدا مائير حين كانت تشغل منصب وزير خارجية إسرائيل (عام 1960) إذ بعثت رسالة رسمية إلى بعض الحكومات الغربية تحتج فيها على أحداث وقعت في تلك الدول تنطوي على عداء لليهود، وكأن إسرائيل هي المسئولة عن يهود العالم، وكأنها بالفعل قادرة على التدخل لحمايتهم، وكأن يهود العالم قد فوضوها أن تتحدث باسمهم وتدافع عنهم.

ويأخذ الخلاص الجبري أحياناً شكل قَطْع المعونات عن المهاجرين اليهود الذين يرفضون الاتجاه لإسرائيل كما حدث مع بعض نزلاء معسكرات المرحَّلين بعد الحرب العالمية الثانية الذين كانوا يرغبون في الهجرة إلى الولايات المتحدة. فقد مارس الصهاينة شتى أنواع الضغط عليهم من حرمان من حصص الطعام وطرد من العمل وحرمان من الحماية القانونية وضمن ذلك حق الحصول على تأشيرة السفر. وكانوا في بعض الأحيان يُطردون من المعسكر كليةً. وتجري ممارسة نفس الضغط في الوقت الحاضر على المهاجرين السوفييت الذين يودون الاتجاه إلى الولايات المتحدة. ومن أشكال الخلاص الجبري الأخرى، توريط المستوطنين الجدد في إسرائيل من خلال إعطائهم معونات كبيرة يقومون بإنفاقها ويصبح من المستحيل عليهم سدادها. وقد مورست هذه الحيلة على نطاق واسع جداً مع المهاجرين السوفييت في السنين الأخيرة. وقد صرح كاتب في جريدة دافار بأنه لو كان الأمر بيده لبعث مجموعة من الشبان الإسرائيليين الصهاينة المتحمسين ليتولوا مهمة الخلاص الجبري ليهود الشتات المتفرقين عن طريق التخفي وإثارة ذعر اليهود بإطلاق شعارات معادية لليهود مثل "اليهود الملاعين" و"أيها اليهود اذهبوا إلى فلسطين" (والشعار الأخير، على كلٍّ، هو شعار صهيوني ومعاد لليهود في آن واحد) . ولعل أهم حوادث الخلاص الجبري التي قامت بها الحركة الصهيونية هي عملية العراق حين بعثت الدولة الصهيونية عملائها إلى العراق حيث زرعوا المتفجرات في أماكن تجمُّع أعضاء الجماعة اليهودية، وفي المعابد اليهودية، لإرهابهم "وتشجيعهم" على الفرار أو الخلاص الجبري.
إرهاب (ترانسفير) يهود العراق
‏Transfer of Iraqi Jews

من أهم العمليات الإرهابية التي قام بها الصهاينة ضد إحدى الجماعات اليهودية لإرغام أعضائها على الهجرة (الترانسفير) ، وذلك لتحقيق الخلاص الجبري أو غزو الدياسبورا، وهي العملية التي دُبِّرت ضد يهود العراق بعد إعلان الدولة الصهيونية.
كان المجتمع العراقي يمر بمرحلة انتقالية في الأربعينيات، وكانت هناك صعوبات تكتنف حياة جميع الأقليات الدينية والعرْقية هناك، وضمنها الأقلية اليهودية. وفي سنة 1941، قامت مظاهرات معادية للجماعة اليهودية، ولكنها "الأولى من نوعها" كما تقول موسوعة الصهيونية وإسرائيل. وفي النهاية، كان لليهود العراقيين نصيبهم العادي من السعادة والشقاء، ففي ديسمبر 1934 أرسل السير ف. همفري، السفير البريطاني في بغداد، برقية سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية، قال فيها أن الجماعة اليهودية في العراق "تتمتع" بوضع موات أكثر من أية أقلية أخرى في البلاد، وأوضح أنه "ليس هناك عداء طبيعي بين اليهود والعرب في العراق"، ويبدو أن تقرير السفير البريطاني كان دقيقاً بصفة عامة، فيهود العراق كانوا مؤمنين بأنهم عراقيون (أساساً) يرجع نَسبَهم إلى أيام النفي البابلي، وكان عدد كبير منهم يتمتع برخاء نسبي.

وكانت نسبة قيد يهود العراق في المدارس والكليات أعلى كثيراً من النسبة على المستوى القومي، فقد أوضح رافي نيسان (اليهودي العراقي الذي هاجر إلى إسرائيل واستوطن فيها) أنه، على الرغم من أن اليهود العراقيين تركوا ممتلكاتهم خلفهم في العراق، فإنهم أتوا معهم بشيء أكثر أهمية "من المال" وهو "خبرتنا وعلمنا"، على حد تعبيره. فثلث المهاجرين من يهود العراق تلقوا تعليماً لمدة أحد عشر عاماً على الأقل وهي نسبة تعلو حتى على النسبة المقابلة بين أولئك القادمين الجدد (إلى الدولة الصهيونية) من أوربا وأمريكا. وأضاف رافي أن "أكثر من 80 في المائة من أرباب الأسر المهاجرة كانوا من الحرفيين المهرة وأصحاب المحال التجارية والمديرين والمحامين والموظفين والمعلمين". وفيما يتعلق بمقدار المشاركة في الحكومة والسلطة، فقد أعلنت الحكومة العراقية "حرية الدين والتعليم والتوظف ليهود بغداد الذين لعبوا دوراً مهماً جداً في تحقيق رخاء المدينة وتطوُّرها". وكان هناك ستة أعضاء يهود في البرلمان العراقي.

ورغم هذا السلام والاستقرار اللذين كانت تتمتع بهما الجماعة اليهودية، قرر الصهاينة جعل العراق هدفاً لنشاطهم. والعراق ـ مثلها في هذا مثل ليبيا ومصر وفلسطين ـ كانت هي الأخرى مطروحة في وقت من الأوقات هدفاً محتملاً لخطة الاستيطان الصهيوني، الأمر الذي كان كافياً في حد ذاته لإثارة التوتر بين أغلبية السكان والجماعة اليهودية. وعندما اقتصرت المخططات الصهيونية على فلسطين (وتخومها) ، تحوَّلت الأنشطة الصهيونية عن أرض العراق، وتركزت على يهود العراق، فأسَّس أهارون ساسون (سنة 1919) جمعية في بغداد تُدعى «اللجنة الصهيونية» . وأنشأت هذه المنظمة فروعاً لها في عدة مدن عراقية (نحو 16 فرعاً) ، بل أرسلت وفداً عنها إلى المؤتمر الصهيوني الثالث عشر (1923) ، كما قامت بتنظيم جماعات شبابية لإعداد الشباب المهجرين وطبع عدة نشرات شهرية بالعبرية والعربية، وأسَّست مكتبة صهيونية. وكان الصهاينة يقومون أحياناً ـ بغرض تسميم العلاقات بين يهود العراق وباقي الشعب العراقي ـ بتوزيع منشورات في المعابد تحتوي على شعارات مهيجة، مثل "لا تشتروا من المسلمين" متعمدين أن تصل هذه المنشورات إلى أيدي المسلمين. ونجحت الدعاية الصهيونية، إلى حدٍّ ما، في بذر الشقاق و"المرارة" كما ألمح السفير البريطاني في برقيته سنة 1934 لبيان أن منع النشرات الصهيونية من الصدور قد يكون في "صالح اليهود أنفسهم".

ويبدو أنه، برغم الجهود الصهيونية، وبرغم تشاؤم السفير البريطاني، فإن يهود العراق لم يكونوا منعزلين تماماً عن وطنهم. فبعد النشاط الصهيوني الطويل في العراق، وبعد مظاهرات 1941 المؤسفة، استأنف اليهود العراقيون (بجذورهم الثابتة في البلاد) حياتهم الطبيعية، فأقاموا حياً يهودياً. واستثمروا مبالغ ضخمة في مجال البناء في مدينة بغداد، فقد جاء في كتاب لمؤلفة إسرائيلية أن المبعوثين الصهاينة في العراق "أدركوا أن الأيديولوجية الصهيونية لن تلقى قبولاً في معظم الدوائر اليهودية". وقد حاول أحد هؤلاء المبعوثين تجنيد عناصر من بين المثقفين "إلا أنه فشل". ثم جاء قيام الدولة الصهيونية والهزيمة العربية، الأمر الذي أدَّى كما هو متوقع إلى تعقيد الأمور بالنسبة للجميع. فقد أُعفي اليهود العراقيون، الذين كانوا يتولون مناصب تتطلب الاتصال بدول أجنبية، من مناصبهم. وباستثناء مثل هذه الحالات، فإن رد الفعل العراقي كان يتسم بضبط النفس إذا ما أخذنا في الحسبان أبعاد الموقف.
ورغم النشاط الصهيوني المكثف داخل العراق، ورغم تورُّط بعض يهود العراق البارزين في هذا النشاط، لم تنشأ حالة هستيريا شعبية من ذلك النوع الذي يجتاح الرأي العام عادةً في زمن الحرب، وبصفة خاصة في أعقاب الهزيمة. وقد قال كبير حاخامات العراق للحاخام بيرجر سنة 1955: "إننا نسمع أنكم، في الولايات المتحدة، لم تعاملوا مواطنيكم اليابانيين معاملة طيبة أثناء موجة الانفعال العاطفي التي أعقبت بيرل هاربر"، وكان يشير بذلك إلى اعتقال آلاف من الأمريكيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية.

لقد كان من الممكن أن تنتهي المتاعب وقتها (سنة 1948) ، وكان من الممكن أن يستأنف يهود العراق حياتهم، بدرجات مختلفة من التوتر والتوافق، وكان الزمن كفيلاً بجعل الجروح تلتئم. غير أن الصهاينة كان لديهم مخطط مختلف عن هذا، فقد كانت هناك خطوات أساسية لابد من اتخاذها بهدف تحقيق الخلاص "لمائة وثلاثين ألف يهودي ولتحسين موقف إسرائيل، في الوقت نفسه، من حيث عدد السكان". ونحن نعرف من مصادر صهيونية أن حركة صهيونية سرية ـ مثل تلك التي كانت تعمل في مصر ـ قد تأسست في العراق سنة 1941. وأعطيت المنظمة الجديدة (التي بدأت في تعليم الشبان اليهود كيفية استخدام الأسلحة النارية وتصنيع المتفجرات) اسم «حركة الرواد البابليين» . وكونت الحركة السرية جيشاً شبه مستقل داخل العراق كانت له أسلحته ومجندوه. وفي سنة 1947، كتب إيجال آلون، قائد البالماخ، رسالة إلى دان رام وصفه فيها بأنه "قائد جيتو العراق". وقامت الهاجاناه بتهريب الأسلحة ـ من بنادق وذخائر وقنابل ـ إلى العراق. وقال آلون في رسالته إلى دان رام "إن الهدف من إرسال هذه الأسلحة هو تشجيع كل أشكال الهجرة".
ولكن ما الذي كان يراد من كل هذه الأسلحة (التي عُثر عليها فيما بعد) ؟ "هل كنا سنحارب العراق كله بها، هذا على افتراض أن ولاءنا كان متجهاً لإسرائيل، وهو ما لم يكن كذلك في الواقع". إن هذا التساؤل الذي طرحه حاخام عراقي عام 1955 كان له ما يسوغه، وكان من الممكن أن يظل دون إجابة لو لم تتكشف بعض القرائن.

شهدت بغداد عدداً من الحوادث سنة 1950، فقد أُلقيت شحنة ناسفة داخل مقهى اعتاد المثقفون اليهود الاجتماع فيه، ثم انفجرت قنبلة في المركز الإعلامي للولايات المتحدة. ومرة أخرى، نجد أن هذا المركز كان مكاناً اعتاد الشباب ـ وبخاصة اليهود منهم ـ أن يجلسوا فيه ويقرأوا، وعندما انفجرت قنبلة ثالثة في معبد ماسودا شيمتوف، أودى الحادث بحياة صبي يهودي، كما فَقَد رجل يهودي إحدى عينيه. ولا شك في أن المؤرخين الصهاينة كانوا سيصوِّرون هذه الفترة على أنها مذبحة جماعية أخرى ضد اليهود، لولا أن النقاب أزيح، بطريق الصدفة، عن مخطط صهيوني منظم للأعمال الاستفزازية.
ومن اليهود الذين ظنوا أن الانفجارات كانت من صنع العرب، يهودي عراقي يُدعَى كوخافي، أصبح فيما بعد مواطناً إسرائيلياً وعضواً بجماعة الفهود السود. لكنه قال إنه سمع إشاعة تتردد في إسرائيل (بعد أن كان أفراد الجماعة اليهودية العراقية، جميعهم تقريباً، قد هاجروا إلى الدولة الصهيونية) مفادها أن الحادث كان من فعل عميل صهيوني "وقد نُشر هذا الموضوع في الصحف أيضاً، ولم ينفه أحد". وربما كان كوخافي يشير بهذا إلى المقال الذي نشرته صحيفة هاعولام هازيه يوم 29 مايو سنة 1966، والتقرير الذي نشرته مجلة الفهود السود يوم 9 نوفمبر سنة 1972 وهما العملان اللذان أعادا ترتيب الحوادث التي وقعت أثناء المذابح الصهيونية المنظمة وأزاحا النقاب عن الحقيقة البشعة بأكملها.

ففي سنة 1951، أي بعد الانفجار الغامض مباشرةً، شاهد لاجئ فلسطيني من عكا (كان يعمل في أحد المحال الكبيرة في بغداد) أحد رواد المتجر، وعرف أنه يهودا تاجر (الضابط بالحكومة العسكرية الإسرائيلية في عكا) . فأبلغ اللاجئ الشرطة العراقية عن وجود الضابط الإسرائيلي الذي قُبض عليه ومعه شالومك تزلاه وخمسة عشر آخرين من أعضاء المنظمة السرية الصهيونية. وكشف تزلاه أثناء التحقيق عن حقيقة المخطط الصهيوني، وأرشد الشرطة العراقية إلى مخابئ الأسلحة في المعابد. وقد حوكم العملاء من أعضاء المنظمة الصهيونية السرية بتهمة محاولة "إثارة ذعر اليهود العراقيين لدفعهم للهجرة إلى إسرائيل"، وصدر الحكم بالإعدام على اثنين من هؤلاء العملاء، وبالسجن لمدد طويلة على الباقين. وقال محام عراقي (من سكان تل أبيب الآن) : "لقد كانت الأدلة من القوة بحيث لم يكن شيء ليمنع صدور الأحكام". والآن، يحاول قدوري سليم ـ المواطن الإسرائيلي اليهودي العراقي الذي فقد عينيه في حادث معبد شيمتوف ـ الحصول على تعويض من الحكومة الإسرائيلية.
الهجرة الصهيونية الاستيطانية قبل عام 1948: تاريخ
‏Zionist Settler Immigration before 1948: History

يطلق الصهاينة على هجرتهم إلى فلسطين كلمة «عالياه» وهي كلمة عبرية مشتقة من «يعلو» ، والمهاجرون هم «عوليم» . ولكلمة «عالياه» العبرية معان عدة أولها «الصعود إلى السماء» ، وثانيها «الصعود لقراءة التوراة في المعبد أثناء الصلاة» ، وثالثها «الصعود إلى إرتس يسرائيل بغرض الاستيطان الديني» . وفي العهد القديم، نجد أن الذهاب إلى فلسطين يعبَّر عنه بعبارة «الصعود إلى الأرض» ، ومن هنا كانت التسمية «عالياه» من «العلا» ، أما الذهاب إلى مصر فيعبَّر عنه «بالنزول إليها» ، أي أن المصطلح العبري مرتبط بطقوس دينية عديدة وله إيحاءات عاطفية. وقد كانت للعالياه أغراض عديدة في التقاليد اليهودية، فمثلاً كانت تتم بغرض الشفاء من الأمراض وللتخلص من الفقر، كما كان الكهول يهاجرون لاعتقادهم أن الدفن في أرض الميعاد يجلب ثواباً كبيراً. وكان البعض «يعلو» إلى إرتس يسرائيل بغرض دراسة التوراة.
وقد استخدمت الحركة الصهيونية هذا المصطلح الديني وجردته من بُعده الإيماني المجازي وأطلقته على حركة الهجرة الصهيونية من شرق أوربا إلى فلسطين في العصر الحديث، وفي هذا تعمية أيديولوجية. فالعالياه مصطلح ديني يصف أفعالاً فردية وأوامر يُفترض فيها أنها ربانية ذات قداسة معينة من وجهة نظر من يقوم بها، ولا يمكن إطلاقه على ظاهرة اقتصادية اجتماعية سياسية يقوم بها فريق من الصهاينة لا يؤمن معظمه بالعقيدة اليهودية. ومن هنا فإننا في دراستنا لظاهرة هجرة اليهود إلى فلسطين سنسقط تماماً كلمة «عالياه» الدينية ونستخدم مصطلح «الهجرة الاستيطانية الصهيونية» . ومما له دلالته أن كلمة «هجيراه» العبرية كلمة محايدة تؤدي نفس المعنى، ولكن الحركة الصهيونية تؤثر استخدام المصطلحات التقييمية على المصطلحات الوصفية حتى يمكِّنها فَرْض غمامات أيديولوجية (ومن هنا استخدام مصطلح «يريدا» أي «الارتداد» للإشارة إلى اليهودي الذي يهاجر من إسرائيل) .

والاستيطان هو الدعامة الأساسية للمشروع الصهيوني، ولذلك تحاول الحركة الصهيونية أن تدفع اليهود إلى تلك الهجرة وتيسرها لهم.
1 ـ تُقسَّم موجات الهجرة الصهيونية إلى خمس موجات فيما بين عامي 1882 و1944:
الموجة الأولى:
استغرقت الموجة الأولى السنوات من 1882 إلى 1903 تقريباً، وضمت عدداً يصل من 20 ـ 30 ألف مهاجر (بمعدل 1000 مهاجر كل عام) . وقد جاءت الأكثرية الساحقة من المهاجرين من روسيا ورومانيا وبولندا (أي من يهود اليديشية) ، وقد ارتبطت تلك الموجة بتعثُّر التحديث في تلك البلاد وصدور قوانين مايو، وقد تمت هذه الهجرة تحت رعاية جماعة أحباء صهيون والبيلو بتمويل المليونير روتشيلد. وكان الطابع الاجتماعي العام للمستوطنات التي أقاموها طابعاً رأسمالياً تقليدياً حيث كان اليهود يمثلون «أرستقراطية زراعية مصغرة» يستغلون العمال من اليهود والعرب الذين يعملون بالأجر على السواء. ويبدو أن الأحوال قد ساءت جداً بهذه الجماعات، ولذا كانوا من مؤيدي مشروع شرق أفريقيا الاستيطاني. كما أن اليهود المتدينين الذين كانوا يقيمون في فلسطين من قبل (فيما يُطلَق عليه «اليشوف القديم» ) لم يرحبوا بهم بسبب سلوكهم العدواني تجاه اليهود العرب، ولإثارتهم المشاكل بين الأقلية اليهودية والأغلبية العربية. وكان من أسباب سخط اليهود المتدينين استخدام المهاجرين اللغة العبرية في حديثهم اليومي الدنيوي (فقد كانت العبرية حسب التصور الديني لغة دينية وحسب) . كما أثارت مشكلة دينية في سنة شميطاه المفروض فيها إراحة الأرض المقدَّسة وعدم زرعها. ومما هو جدير بالذكر أن عدد اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة في تلك الفترة كان أكثر من نصف مليون، أي أن عدد المهاجرين إلى فلسطين كان حوالي 2% من مجموع المهاجرين اليهود عامة.
الموجة الثانية:

استغرقت الموجة الثانية السنوات من 1904 إلى 1914 تقريباً وضمت عدداً يتراوح بين 35 و40 ألفاً من اليهود (بمعدل 3000 مهاجر سنوياً) معظمهم من العمال الروس. وقد ارتبطت تلك الموجة تاريخياً بالاضطرابات السياسية التي سادت روسيا بعد هزيمتها على يد اليابان. وينحدر معظم أعضاء هذه الموجة من أصول يديشية، وقد كانوا يعيشون في مدن صغيرة (شتتل) الأمر الذي ترك أثره في تفكيرهم وتصوراتهم. ومما يُذكر أن أفراد الصفوة الحاكمة في إسرائيل (بن جوريون وإشكول) كانوا أعضاء فى الموجة الثانية. ويتميَّز أعضاء هذه الموجة بأنهم حَمَلة أفكار الصهيونية العمالية (كما عبَّر عنها سيركين وبوروخوف) : المطالبة بالاعتماد على الذات، ممارسة العمل اليدوي، وإبراز الهوية اليهودية. وقد ترجمت هذه الأفكار نفسها في شكل مؤسسات عسكرية زراعية استيطانية مثل الكيبوتس، وفي شكل الإصرار على التحدث بالعبرية (التي كانوا لا يعرفونها لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية) وعلى فلكلور يهود اليديشية الذين كانوا يعتبرونه التراث اليهودي. وبينما اعتمد أعضاء الموجة الأولى على الفلاحين العرب ولم يقووا على الاستمرار دون معاونة المليونير اليهودي روتشيلد، نجد أن أعضاء الموجة الثانية (أصحاب فكرة اقتحام الأرض والعمل) كانوا يعتبرون فلسطين لا بمنزلة ملجأ وحسب وإنما بمنزلة قاعدة إستراتيجية لتنفيذ المشروع الصهيوني.
وجدير بالملاحظة أن عدد اليهود الذين تركوا روسيا القيصرية وبولندا والنمسا ورومانيا في الفترة من عام 1882 ـ 1914 (التي تغطي الموجتين الأولى والثانية) بلغوا أربعة ملايين، على حين كان عدد اليهود في فلسطين عشية الحرب العالمية الأولى 90.000 وضمنهم أعضاء اليشوف القديم. وأثناء الحرب، هاجر أكثر من نصفهم إلى الولايات المتحدة (وكان من بينهم مؤلف نشيد هاتيكفاه، نشيد الحركة الصهيونية والدولة الصهيونية فيما بعد) .
الموجة الثالثة:

تُعَدُّ الموجة الثالثة استمراراً لسابقتها (وكانت تضم بين أعضائها جولدا مائير) وقد استغرقت السنوات من 1919 إلى 1923 تقريباً (لم تكن هناك هجرة أثناء الحرب) ، وضمت حوالي 35 ألف يهودي غالبيتهم من روسيا وبولندا من أبناء الطبقة العاملة ممن كانوا متأثرين بالفكر الاشتراكي والتعاوني فأسسوا الكيبوتسات والهستدروت. وجدير بالذكر أن الزيادة النسبية في هذه الموجة تعود إلى أن الولايات المتحدة كانت قد أخذت في تطبيق نظام النصاب (بالإنجليزية: كوتا quota) أو العدد المصرح به لأعضاء فئة اجتماعية أو قومية ما بالهجرة، وهذا ما جعل أبواب الولايات المتحدة مغلقة نسبياً. وقد أسَّس أعضاء هذه الموجة جماعة الحارس الفتي. وبانتهاء الموجة الثالثة نجد أن عدد اليهود الذين قرروا الهجرة إلى فلسطين لم يزد عن 80 ألفاً من مجموع يهود العالم البالغ عددهم آنئذ 15 مليوناً، وهذا مع الأخذ في الاعتبار أن الفترة من 1920 إلى 1924 شهدت نزوح 12% من المستوطنين عن فلسطين.
الموجة الرابعة:

وتُسمَّى أيضاً هجرة جرابسكي (نسبة إلى رئيس وزراء بولندا المعروف بمعاداته لليهود واليهودية) وقد استغرقت هذه الموجة السنوات من 1924 إلى 1931 تقريباً، وضمت حوالي 82 ألف يهودي غالبيتهم من روسيا وبولندا. وكان الطابع الغالب على تلك الموجة أن أفرادها كانوا من البورجوازية الصغيرة أو كانوا رأسماليين أُمِّمت أموالهم ( «رأسماليون دون رأسمال» ) فكانوا مجموعة من صغار التجار أو «بروليتاريا الطبقات الدنيا» ، كما كان يحلو لأرلوزوروف تسميتهم. ولعل أصولهم البورجوازية الصغيرة وعزوفهم عن العمل في الزراعة يفسر سبب امتلاء تل أبيب فجأة بالحوانيت بحيث أصبح يخص كل خمس عائلات حانوت. وكان وضعهم الاقتصادي السيئ يجعل منهم أداة ضغط على الحركة الصهيونية، وهو ما شكَّل أساساً لانتقاد جابوتنسكي للأسلوب المتدرج للحركة الصهيونية ومطالبته بإقامة الدولة اليهودية فوراً على كل أراضي فلسطين تحت الانتداب بالإضافة إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن. وقد هاجر معظم أعضاء الموجة الرابعة إلى فلسطين بغرض الربح الاقتصادي وبسبب التشدد في تطبيق نظام النصاب في الولايات المتحدة. وقد نزح عن فلسطين كثير منهم (أكثر من 33% من عدد المهاجرين حسب بعض التقديرات) بسبب سوء الأحوال الاقتصادية. وقد لاقى أعضاء هذه الموجة الكثير من الصعوبات من جانب أعضاء الموجات السابقة بسبب اختلاف الانتماء الاجتماعي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بانتهاء الموجة الرابعة، بلغ عدد اليهود الموجودين في فلسطين 174.000 وحسب (منهم 30 ألفاً من اليشوف القديم يمثلون 16% من عدد السكان) . وهذا هو كل العدد الذي هاجر خلال مدة 50 عاماً، أي بمعدل 2500 يهودي كل عام من مجموع يهود العالم الذي بلغ آنذاك 16 مليوناً.
الموجة الخامسة:

واستغرقت الموجة الخامسة السنوات من 1932 إلى 1944 تقريباً وضمت حوالي 265 ألف يهود، وهو أعلى رقم بلغته أفواج المهاجرين إبان الانتداب. وترتبط تلك الموجة باستيلاء النازيين على السلطة، ولذا كانت غالبية أعضائها من بولندا وألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا، أي وسط أوربا، بينما كان المهاجرون حتى الموجة الرابعة من شرقها.
وقد كان أعضاء هذه الموجة من الرأسماليين وأرباب المهن الحرة ذوي ثقافة عالية وكان بينهم 25.130 مهاجراً يحمل كل واحد منهم أكثر من ألف جنيه. وقد دخل فلسطين في عام 1935 وحده 6309 من هؤلاء الأثرياء. وقد أثر هذا في الحركة الصهيونية، فالتكوين الطبقي الجديد شد من أزر الصهاينة التصحيحيين باتجاههم الرأسمالي الفاشي. وقد وظَّف المهاجرون رؤوس أموالهم في فلسطين، وأسفر ذلك عن نمو كبير في الصناعة الصهيونية، وخصوصاً صناعات النسيج والصناعات الكيميائية والمعادن. كما نمت عملية إنتاج وتصدير الحمضيات نمواً كبيراً وتضاعف عدد المؤسسات الصناعية. ومع الحرب العالمية الثانية وإغلاق أبواب المنافسة ضد البضائع الأجنبية أخذت الصناعة الصهيونية فرصتها التاريخية للتوسع والازدهار (كانت حصة الصناعة من الناتج الكلي للاقتصاد الصهيوني عام 1936 نحو 26%، ارتفعت هذه النسبة بتأثير الحرب حتى بلغت 41.3% عام 1945. ويُقال إن هذه الفترة هي التي شهدت تشييد البنية التحتية للكيان الصهيوني) .
وقد استمرت الهجرة بعد ذلك، ووصل إلى فلسطين 192 ألف مهاجر، وجاء بعد الحرب العالمية مجموعة من 161 ألفاً معظمهم «مهاجرون غير شرعيين» . ولعل من المفيد في هذا المضمار أن نذكر أن معظم من نجوا من معسكرات الاعتقال والإبادة لم يستوطن فلسطين وإنما شق طريقه إلى الولايات المتحدة أو إلى إحدى دول العالم الأخرى.

والملاحَظ أن هذه الموجات المتكررة تسببت في إفساد البناء الاقتصادي الفلسطيني وفي تحويل أعداد كبيرة من الفلاحين الفلسطينيين إلى عمال غير مؤهلين وإلى تفشِّي البطالة بينهم لأن أبواب الصناعات الجديدة الصهيونية كانت موصدة دونهم. على عكس العمال في جنوب أفريقيا الذين كانوا يُقتَلعون من قراهم وقبائلهم ويُقذَف بهم في المدن أو على مقربة منها. ولكن الاقتصاد الجديد كان يستوعبهم، لأن الهجرة الأوربية إلى جنوب أفريقيا كانت استيطانية ولم تكن إحلالية. وقد كانت انتفاضات الفلسطينيين المختلفة (وخصوصاً انتفاضة 1936) تعبيراً عن السخط العربي على الهجرة اليهودية.
ولابد من الإشارة إلى أن الإحصاءات السابقة ليست على جانب كبير من الدقة لأن الحركة الصهيونية (وإسرائيل من بعدها) تجعل أعداد المهاجرين إلى فلسطين أسراراً عسكرية تتلاعب بها حسبما يتفق مع أهوائها الإعلامية. فمثلاً نجدها أحياناً تضم أعداد السائحين والحجاج إلى إحصاءات المهاجرين، كما تتعمد إغفال ذكر عدد المهاجرين إلى خارج فلسطين أحياناً أخرى.

ومع هذا، يمكن القول بأن عدد اليهود في فلسطين عام 1948 قد بلغ 649.623 يهودياً. ولو جمعنا هذا العدد في عائلات تتألف الواحدة منها من خمسة أشخاص لكان العدد 129.927 عائلة، بينما كانت الأملاك القومية اليهودية المشتراه حتى عام 1948 لا تتسع إلا لنحو 32.521 عائلة يهودية، أي أن هناك 97.406 من العائلات الفائضة عن القدرة الاستيعابية التي يُفتَرض وجودها في الأملاك الصهيونية وفقاً للحسابات التي أجراها الصهاينة أنفسهم. ومن هذا نستنتج أن الغرض الأساسي أو النتيجة الحتمية للهجرة اليهودية هي طرد الشعب الفلسطيني، أي أنها هجرة «إحلالية» بالضرورة، بل إن هذه الهجرة لا يمكن رؤيتها إلا بوصفها الترجمة السكانية للعنف الصهيوني (وقد احتل المهاجرون المنازل العربية التي تركها سكانها، بل كانوا يتسابقون عليها للحصول على المساكن الجيدة في الأحياء الجديدة. أما الذين وصلوا فيـ مرحلة متأخرة، مثل اليهود الشرقيين، فقد حصلوا على منازل عربية عتيقة آيلة للسقوط) .
الهجرة الصهيونية الاستيطانية بعد عام 1948: تاريخ
‏Zionist Settler Immigration after 1948: History
بلغ عدد اليهود الذين هاجروا بعد إنشاء الدولة حتى عام 1951 حوالي 687 ألف. من بينهم 106.163 ألف يهودي من بولندا و17.912ألف يهودي من رومانيا و24.731من تشيكوسلوفاكيا. وهاجر أيضاً ما يُعرَف بيهود المعسكرات (وهم بقايا الهجرة غير الشرعية) كما هاجرت أعداد من يهود البلقان ويوغوسلافيا.

ويبدو أن الحركة الصهيونية حينما كانت تتحدث عن اليهود كانت تعني حينئذ يهود أوربا وحسب، ومن ثم لم توجه نشاطها نحو تهجير يهود البلاد العربية رغم قربهم من فلسطين مكانياً. غير أن إنشاء الدولة الصهيونية كان من نتيجته خَلْق كثير من المشاكل لليهود العرب، وخصوصاً أن الدولة الصهيونية حاولت التدخل في شئون اليهود العرب الداخلية، كما ظهر في فضيحة لافون. ويُلاحَظ أن المجتمع العربي كان يتجه نحو الاشتراكية ونحو تأميم القطاع الخاص، وكان أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي مرتبطين بالاقتصاد الحر والمصالح المالية الأجنبية (وقد كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود العرب يحملون جوازات سفر أجنبية) . وفي نهاية الأمر كانت الهجرة إلى الدولة الصهيونية تحقق قدراً لا بأس به من الحراك الاجتماعي لبعض قطاعات اليهود العرب. لكل هذا، هاجرت أعداد كبيرة من يهود البلاد العربية، منهم 45.731 ألف يهودي يمني و123.625 ألف يهودي عراقي و30.242 ألف يهودي ليبي و16.607 يهودي من مصر و21.784 يهودي من إيران.

ومنذ عام 1969 بدأ تدفُّق جديد للمهاجرين اليهود حيث وصل عددهم ذلك العام 38.111 والعام الذي يليه 36.750. وأخذ العدد في التزايد التدريجي 41.930 (1971) و55.888 (1972) و54.886 (1973) . والغالبية الساحقة من المهاجرين تأتي من أوربا (روسيا أساساً) وأمريكا الشمالية واللاتينية (أي من العالم الغربي) ، ومن المعروف أن هجرة يهود جورجيا تمت خلال هذه الفترة حيث هاجرت أعداد ضخمة منهم. وبعد حرب عام 1973 هبط العدد إلى 31.981، وابتداءً من عام 1975 عاد إلى معدله العادي 20.028 (1975) ـ 19.754 (1976) ـ 21.429 (1977) ـ 26.394 (1978) ـ وزاد العدد إلى 37.222 (عام 1979 الذي شهد توقيع اتفاقية كامب ديفيد) . ولكنه تراجع مرة أخرى إلى 20.428 (1980) ـ 12.599 (1981) ـ 13.723 (1982) ـ 16.906 (1983) ـ 19.981 (1984) ـ 10.642 (1985) . وعلى هذا، فإن الغالبية الساحقة لا تزال من العالم الغربي. ولا يمكن تفسير هذا التراجع إلا في إطار أزمة المجتمع الإسرائيلي الاقتصادية والمعنوية (انظر: «أزمة الصهيونية» ) وتآكل الهويات اليهودية في الخارج (انظر: «هجرة اليهود السوفييت» ) بحيث أصبح الدافع للهجرة دافعاً اقتصادياً محضاً، واكتسب العنصر الاقتصادي وحده مركزية تفسيرية.
ومع بدايات عام 1989، تبدأ هجرة اليهود السوفييت وهجرة يهود الفلاشاه، وقد وصل إلى إسرائيل عام 1990 نحو 20.038 يهودي.
وقد علقت إحدى الجرائد الصهيونية (دافار عدد 13 يوليه 1984) على الإحصاءات المختلفة للهجرة بما يلي: "لم يهاجر إلى إسرائيل بين عامي 1978 و1983 سوى 127 ألف مهاجر فقط مقابل 224 ألف مهاجر خلال السنوات 1971 ـ 1976 (أي خلال سنوات حكم المعراخ) بينما بلغ عدد المهاجرين من الشرق والغرب في الفترة من 1948 إلى 1953 حوالي 717 ألف مهاجر تم استيعابهم بواسطة كيان صغير لم يزد عدد سكانه وقتها عن 80.000 فقط".

وتهدف هذه الجريدة إلى تفسير تناقص الهجرة إلى الكيان الصهيوني على أساس أن إسرائيل في حكم بيجين لا تمثل مركز جاذبية بالنسبة ليهود العالم، وذلك على عكس الحكومة العمالية. ومن الواضح أن انخفاضاً حاداً قد حدث بالفعل لحجم الهجرة اليهودية عام 1980 (20.428) ثم ازداد ذلك تدنياً عام 1981 (12.599) ، وهو أدنى رقم يُسجَّل منذ 29 عاماً (إذ سجَّل عام 1953 أدنى رقم في تاريخ الهجرة حيث بلغ 11.575 مهاجر) . ومع هذا، يُعَدُّ رقم عام 1981 أكثر تدنياً بالنسبة لعدد السكان اليهود في فلسطين المحتلة حيث كان لا يتجاوز المليون عام 1953، ثم اقترب من الأربعة ملايين عام 1981.
وتبيِّن أرقام عامي 1982 و1983 أن النمط نفسه مستمر. وقد سجل عام 1984 ارتفاعاً نسبياً بسبب هجرة يهود الفلاشاه، ثم عادت الأرقام للهبوط عام 1985.
إن عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين المحتلة (حتى بداية هجرة اليهود السوفييت عام 1989) كان آخذاً في التناقص ولا شك. ولكن هذا التناقص في الهجرة لا يمكن تفسيره على أساس وجود الليكود في الحكم وجود المعراخ العمالي في المعارضة، فثمة فترات عديدة امتدت لعدة سنوات تدنت فيها الهجرة وكانت الأحزاب العمالية أثناءها هي الأحزاب الحاكمة، مثل الفترة من عام 1952 إلى 1954، والفترة من عام 1965إلي 1968 (وهي الفترة التي سبقت العدوان الصهيوني عام 1967 والتي تلته) . ويُقال إن تدنِّي الهجرة في ذلك الوقت كان حاداً إلى درجة أن صافي الهجرة كان سلبياً. ويرى بعض المحللين السياسيين أن ذلك كان أحد الأسباب التي دفعت العدو الصهيوني لشن العدوان على مصر والأردن وسوريا.

لكن تغيَّر الحزب الحاكم في فلسطين المحتلة لا يفسر بتاتاً زيادة أو قلة الأعداد المهاجرة، ذلك لأن نقاط الاختلاف بين حزب صهيوني وآخر لا تعني المهاجر الصهيوني كثيراً، وإنما تفسرها حركيات تقع خارج نطاق الإرادة الصهيونية أو اليهودية. فهي تفسر على أساسين رئيسيين لا ثالث لهما، عناصر الطرد من البلد الأصلي وعناصر الجذب في إسرائيل. وعناصر الطرد هي حجم المشاكل التي يجابهها اليهود في البلاد التي يعيشون فيها أو في تلك التي يفكرون في الهجرة إليها، فإن زادت المشاكل وتضخمت زادت الرغبة في الهجرة (هتلر في ألمانيا ـ الضغوط الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي ـ إغلاق باب الهجرة إلى الولايات المتحدة) . وتتمثل عناصر الجذب في أن يكون الكيان الصهيوني متمتعاً بقدر من الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي، وهو ما حدث بعد المساعدات الاقتصادية الألمانية، وبعد حرب 1967، حيث انهالت المساعدات المالية من يهود العالم ومن الولايات المتحدة على الكيان الصهيوني، وحيث تم ضم أراض شاسعة تُعَدُّ مجالاً حيوياً يتحرك فيه المستوطنون ويجنون ثمراته.
وعناصر الطرد في الوطن الأصلي يمكن أن تكون من القوة بحيث يصبح أي مكان آخر عنصر جذب. ولكن، مهما كان الأمر، فإن الدافع وراء الهجرة الصهيونية أبعد ما يكون عن الصهيونية. فالحركة الصهيونية قد جعلت الهجرة إلى أرض الميعاد لتأسيس دولة صهيونية فكرة محورية. وقد ادعى الصهاينة أن الهدف الحقيقي من إنشاء الدولة الصهيونية هو إيواء المهاجرين، ولكن الواقع يبين أن الهدف الحقيقي هو إنشاء دولة وظيفية لحماية المصالح الغربية، ولذا فإن المهاجر اليهودي إن هو إلا أداة، جزء من الحائط المقام للدفاع عن الدولة الإسرائيلية، وهو حائط بشري من لحم ودم وليس حائطاً من حجارة، على حد قول بن جوريون.

وقد ظهر هذا في مؤتمر إفيان عام 1938 الذي عُقد لبحث مشكلة المهاجرين اليهود والذي حضرته وفود 31 دولة. وقد سمحت الحكومة النازية لوفد يهودي من ألمانيا بحضور المؤتمر. ولم يتحمس ممثلو الدول الغربية لفتح أبواب بلادهم أمام اللاجئين، وإن كانت الولايات المتحدة قد أعلنت عن استعدادها لقبول 30 ألف مهاجر سنوياً، كما وافقت جمهورية الدومينيكان على دخول 100 ألف مهاجر من أولئك اللاجئين دفعة واحدة، وكان أعضاء المؤتمر من اليهود فاترين في موقفهم من الهجرة اليهودية لبلادهم أما أعضاء المنظمة الصهيونية العالمية فقد قابلوا فكرة المؤتمر باللامبالاة والعداء إذ أن هذا يعني في واقع الأمر تحويل تيار الهجرة الاستيطانية عن فلسطين. وهذا الموقف الصهيوني من الهجرة اليهودية، والذي يحوِّل اليهودي إلى أداة ووسيلة، هو نفسه الذي يفسر سَعْي الحركة الصهيونية لدى الولايات المتحدة لإغلاق أبوابها أمام المهاجرين السوفييت.
ملاحظة مني انا: هنا يوجد جدول بأعداد المهاجرين الاستيطانيين إلى فلسطين منذ 1882 حتى عام 1997. ولكن فيه اخطاء بالترتيب في السيدي لذلك فضلت عدم نقله خوفا من ان انقل لكم اي اخطاء
الهجرة الصهيونية الاستيطانية غير الشرعية
‏Illegal Settler Immigration
«الهجرة الصهيونية الاستيطانية غير الشرعية» (في المصطلح الصهيوني تُسقط كلمة «استيطانية» ) اصطلاح يُطلَق على المهاجرين اليهود الذين استوطنوا في فلسطين عن طريق التسلل إليها، مخالفين بذلك القوانين التي أصدرها العثمانيون، ثم سلطات الانتداب، بهدف تنظيم الهجرة بما يتناسب مع قدرة البلاد على الاستيعاب. وقد ساهمت الهاجاناه في عمليات الهجرة غير الشرعية، كما ساهم أيضاً الجستابو النازي وفرق الـ إس. إس. في التخلص من الجماعة اليهودية وفي تسريب بعض الجواسيس النازيين إلى المنطقة.

ومن وجهة نظر عربية، تُعَدُّ الهجرة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية ـ بغض النظر عن شكلها القانوني ـ هجرة «غير شرعية» . ولهذا، لا تُعالَج الهجرة غير الشرعية (حتى في المصادر الصهيونية) كظاهرة منفصلة عن الهجرة الاستيطانية الصهيونية. فهما عنصران متداخلان وينتميان إلى بناء واحد.
المجتمع الاستيطاني الصهيوني كمجتمع مهاجرين
‏Zionist Settler Society as an Immigrant Society
المجتمع الصهيوني هو أساساً تجمُّع مستوطنين، وقد ترك هذا الوضع أثراً عميقاً في بنية هذا المجتمع وسماته الأساسية، نورد بعضها فيما يلي:
1 ـ يعتمد التجمُّع الصهيوني حتى الآن على الهجرة لزيادة عدد سكانه ولنموه الاقتصادي، فالزيادة الطبيعية للسكان كانت تشكل، حتى عهد قريب، أقل من نصف حجم الزيادة الكلية.
2 ـ يتسم سكان هذا التجمُّع بعدم التجانس، فقد تكوَّنت النخبة السياسية التي تسلمت زمام السلطة عام 1948 من مهاجري شرق أوربا من يهود اليديشية (وخصوصاً من الهجرة الثانية والهجرة الثالثة) ومعظمهم كان علمانياً يؤمن بأيديولوجية جماعية يُقال لها «عمالية» . وكانت سلطتها مطلقة في تحديد قواعد اللعبة، وكذلك في أسلوب ومعايير توزيع الموارد وتحديد الأهداف السياسية والاقتصادية، وكان المفهوم ضمناً أن قيم هذه النخبة قيم صهيونية عامة يجب على جميع الفئات أن تتبناها وأن تتكيف معها. ولكن الهجرة جاءت بأنواع مختلفة من المهاجرين فانقسم المجتمع بحدة إلى غربيين وشرقيين، وكل فريق ينقسم إلى فئات وأقليات متعدِّدة. بل إن المجتمع ينقسم على نفسه من الناحية الدينية، فهناك الأرثوذكس والمحافظون والإصلاحيون، وهناك كذلك الحاخاميون والقراءون وغيرهم من الفئات الدينية. ويؤدي عدم التجانس الإثني والديني إلى إخفاق التجمُّع الصهيوني في التوصل إلى هوية قومية.

3 ـ يؤدي عدم التجانس هذا إلى تخفيف حدة الصراعات الطبقية داخل الكيان الصهيوني لأن الصراعات الإثنية والجيلية تطغى على الصراعات بين أعضاء الطبقات المختلفة. فالمهاجر إنسان متطلع باحث عن الحراك وانتماؤه هو انتماء عرْقي وإثني بالدرجة الأولى، وهو يحاول تحقيق ذاته ومصالحه من خلال الانتماء لجماعته الإثنية.
4 ـ تسببت الهجرة السوفيتية الإشكنازية في تعميق حدة الصراع الطائفي، لأن المهاجرين السوفييت يُعاملون معاملة خاصة، ويتم إسكانهم في منازل فاخرة، وهو ما يثير حفيظة الصهاينة الآخرين المقيمون خلف الخط الأخضر، حدود 1948، وفي إثارة سخط الشرقيين الذين هاجروا في الخمسينيات.
5 ـ يُلاحَظ أن النظام الحزبي في إسرائيل لا يزال يعكس الطابع الاستيطاني للدولة؛ فهو يساهم في عملية استيعاب المهاجرين، كما أن كثيراً من المؤسسات السياسية والعسكرية في فلسطين المحتلة تأخذ طابعاً خاصاً بل فريداً لأنها تحاول أن تتكيف مع متطلبات مجتمع المهاجرين الصهيوني.
6 ـ تتأثر الانتخابات الإسرائيلية، بل التوجه العام للمجتمع الإسرائيلي، بنوعية المهاجرين التي تتدفَّق عليه، ولعل هذا يُفسِّر سرّ تحمُّس المؤسسة الصهيونية الإشكنازية للهجرة من الاتحاد السوفيتي، فهذه الهجرة ستحقق لها ثلاثة أهداف:
أ) خَلْق كثافة سكانية يهودية تعادل الكثافة السكانية العربية.
ب) خَلْق كثافة سكانية إشكنازية تعادل الكثافة الشرقية.
جـ) خَلْق كثافة سكانية علمانية تعادل الكثافة الدينية.
وفي الانتخابات الأخيرة ظهرت أحزاب "المهاجرين" مرة أخرى ولعبت دوراً أساسياً في التحالف الوزاري.

7 ـ ونظراً لأن مجتمع المهاجرين مهدد بالتآكل والتفسخ في أية لحظة بسبب عدم تجانسه، وبسبب ضعف انتماء أعضائه، فإن النخبة الصهيونية الحاكمة تحاول دائماً أن تضخِّم الخطر "العربي"، أو الخطر الأصولي (الخارجي) حتى تدفع العناصر المتصارعة المختلفة إلى التماسك في مواجهته. وهكذا تصبح حالة شبه الحرب الدائمة حالة مثالية بالنسبة لهذا المجتمع الذي يحتاج إلى عقلية الحصار.
8 ـ يمكن تفسير تفشِّي الجريمة والمؤسسات الإجرامية المختلفة في الكيان الصهيوني على أساس أنه تجمُّع مهاجرين لا يتسم بالتماسك ولا بتوحُّد القيم.
9 ـ تعتمد التوسعية الصهيونية على تدفُّق المهاجرين من الخارج فهم يشكلون المادة البشرية التي تجعل مثل هذا التوسع ممكناً. وقد رفض بن جوريون تعريف حدود الكيان الصهيوني بفلسطين عام 1948 باعتبار أن ما سيحدد ذلك هو حجم المهاجرين المستوطنين، فكلما ازدادت أعداد المهاجرين اتسعت الحدود!
10 ـ مجتمعات المهاجرين عادةً مجتمعات دينامية، فالهجرة تعني التضخم السكاني السريع والحاجة إلى إعادة تأهيل المهاجرين واستيعابهم، وهي تعني أيضاً استيراد فكر جديد ومعارف جديدة وتجارب وخبرات وأموال وموارد بشرية وثقافات متعددة. والمجتمع الإسرائيلي من أكثر المجتمعات دينامية ومقدرة على تغيير توجهه وأدواره. ومما يساعد على ذلك صغر حجم المجتمع. كما أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تدعو إلى أن يبدأ المستوطنون من نقطة الصفر، ومن ثم فالمجتمع لا ينوء بعبء التقاليد والماضي.
هجرة اليهود الشرقيين
‏Immigration of Oriental Jews

رغم الخلافات الأيديولوجية بين التيارات الكثيرة التي انضمت إلى مؤسسات الاستيطان المنظم، فقد كانت جميعها متفقة على المبادئ الأساسية للحركة الصهيونية، وكانت منسجمة اجتماعياً وإثنياً، على اعتبار أنها تنتمي إلى الأصول الاجتماعية الإشكنازية نفسها. وأدَّت هجرة اليهود الشرقيين بعد إقامة الدولة إلى تحولات جوهرية في المجتمع الجديد، وهي:
1 ـ تحوُّل جذري في البناء الطبقي، فقد أدَّت الهجرة إلى حراك سريع نحو الأعلى لعدد كبير من السكان القدامى؛ إذ تضخَّم الجهاز الإداري بسرعة، واستوعب جزءاً كبيراً منهم، ومُنحوا الوظائف في جهاز التعليم والمهن الحرة والجيش والحكم العسكري. وكان منهم رجال العلم والبحث والأدب والفن وغير ذلك. وضمنت هذه الأعمال دخلاً عالياً نسبياً ومكانة اجتماعية وقوة سياسية. كما توجَّه جزء منهم إلى المبادرة الاقتصادية بدعم ومساعدة من الدولة، فنشأت بذلك طبقة وسطى جديدة من صنع الدولة وتابعة لها.
أما بالنسبة لليهود الشرقيين، فقد سبَّبت الهجرة لجزء كبير منهم الحراك نحو الأسفل، لا سيما أنهم كانوا في عداد الطبقة الوسطى في مجتمعاتهم الأصلية، فتحوَّلوا في الغالب من موظفين وتجار إلى عمال بسطاء في الزراعة.
2 ـ أضافت الهجرة الجديدة إلى الدولة قوة بسبب ضخامة عدد المهاجرين، لكنها سبَّبت عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على ميزانية الدولة. وقد تم استيعابهم على نحو سريع نسبياً، وبثمن منخفض، إذ استُوعبوا في مستوطنات أُقيمت على أنقاض القرى الفلسطينية المهجورة، وخصوصاً في المناطق الحدودية، وأُقيمت مستوطنات جديدة خاصة بهم تُسمَّى «مدن التطوير» . كذلك بقي عدد كبير منهم في معسكرات انتقالية أعواماً عدة. وتم توطين جزء صغير منهم في الضواحي العربية في المدن، ولا سيما في اللد والرملة وعكا وحيفا ويافا والقدس.

وتميَّز استيعاب المهاجرين الشرقيين بتوطينهم في المناطق البعيدة عن مركز البلد، ولا سيما في شماله وجنوبه. وهكذا تحوَّلوا إلى فئة محيطية هامشية جغرافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
3 ـ لم يُعتبَر الشرقيون استمراراً للهجرات الإشكنازية السابقة، ولذلك سُمِّيت هجرتهم «الهجرة الجماهيرية» بدلاً من «الهجرة السادسة» . كما أن طبيعة أعمالهم لم تُحسب ضمن الأعمال الطليعية والبطولات التي يمكن أن تُترجَم إلى مكانة وقوة سياسية.
4 ـ تحوَّل الشرقيون بعد فترة وجيزة من وصولهم إلى شريحة اجتماعية تابعة للدولة، وشكَّلوا دعماً لها. وكانت تعبئتهم سهلة، فساهموا في تقوية الدولة في وجه الجماهير العربية الفلسطينية.
5 ـ شكَّل الشرقيون بعد أعوام قليلة من توطينهم مشكلة اجتماعية/ اقتصادية كبيرة وعبئاً ثقيلاً. إذ بدأوا يطالبون بتوزيع أكثر عدالة للموارد وبالمساواة في الفرص. لكن الدولة كانت دائماً ترد مطالبهم بحجة المشكلة الأمنية وعدم إمكان معالجة المشكلات كلها في وقت واحد، وهو ما عبَّر عنه موشي ديان بمشكلة رفع العَلمين: عَلم الأمن وعَلم الرفاه الاجتماعي. وقد ساعد هذا الادعاء في احتواء ظاهرة الفقر واستيعابها.
هكذا يمكن القول بأن هجرة الشرقيين أدَّت إلى تغيير التركيب الاجتماعي في إسرائيل على نحو جوهري.
النزوح
‏Emigration; Yeridah
حاولت الصهيونية منذ البداية أن تصوِّر العلاقة بين اليهود وأرض فلسطين العربية بوصفها علاقة مطلقة تستمد مغزاها من "وعد الإله لشعبه المختار"، وهي لذلك لا تخضع لأية متغيرات تاريخية أو اجتماعية، ولكن هذا ما يصطدم مع ما يرونا من حقائق عن تزايد معدلات الهجرة والنزوح، وهي حقائق تؤكد أن العلاقة بين اليهودي و"أرض الميعاد" هي علاقة نسبية تؤثر فيها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

والمقصود بالنزوح هو حركة الهجرة المضادة إلى خارج إسرائيل وتُسمَّى بالعبرية «يريداه» أو «النزول» ، ويُطلَق على المهاجرين إلى الخارج اسم «يورديم» أي «نازحين أو هابطين» أو «مرتدين» مقابل «عوليم» أي «صاعدين» . ولعل هذه التسمية في حد ذاتها تعكس رؤية الصهاينة لحركة النزوح باعتبارها جريمة أخلاقية وخيانة للمبادئ الصهيونية، بل إن هؤلاء النازحين يُطلَق عليهم اصطلاح «الدياسبورا الإسرائيلية» بما يسببه من حرج للحركة الصهيونية باعتبار أن الدياسبورا مصطلح يشير إلى اليهود الذين يقطنون خارج فلسطين ولا يمكنهم الهجرة إليها لسبب أو آخر، أما أن تنشأ "دياسبورا" كانت تسكن فلسطين فهذا ما لا يقبله منطق الصهاينة. فالدياسبورا تفترض حالة غربة من الصعب في هذه الحالة تعريف مضمونها. بل إن من التطورات المهمة أن قرار النزوح أصبح مقبولاً اجتماعياً حيث يظهر بعض النازحين على التليفزيون الإسرائيلي ليتحدثوا عن قصص نجاحهم في الولايات المتحدة، كما تظهر في الصحف إعلانات عن إسرائيليين يودون بيع شققهم استعداداً للهجرة، وهذه أمور كانت في الماضي تتم سراً لأن نزوح أعداد كبيرة من الإسرائيليين، تماماً، مثل تساقط أعداد كبيرة من المهاجرين السوفييت، فيقوِّض دعائم الشرعية الصهيونية.

ولذلك تحاول المؤسسة الصهيونية تقليل حجم المشكلة، فالأرقام المعلنة عن النزوح، وإن كانت تعطي مؤشرات ودلالات مهمة، لا تمثل الحقيقة تماماً، إذ أن معظمها مأخوذ عن الإحصاءات الرسمية للهيئات الصهيونية داخل وخارج إسرائيل، وهي مثار شكوك عديدة من جانب القادة الصهاينة أنفسهم، فكثيراً ما عبَّر أناس لا يشك المرء في صهيونيتهم مثل إيريل شارون عن أن الأرقام المعلنة تقل كثيراً عن الحقيقة، ومن ناحية أخرى فلا يوجد تعريف "قانوني واضح وملزم" لكلمة «نازح» ، من حيث مدة بقائه خارج إسرائيل، وخصوصاً أن جزءاً كبيراً من المهاجرين لا يغادر إسرائيل بتأشيرة مهاجر، علاوة على أن الإحصاءات لا تضم الذين يعيشون في الخارج ويحملون جنسيات مزدوجة، حيث يسجلون أنفسهم "إسرائيليين" تهرباً من الضرائب ومن أداء الخدمة العسكرية. كما أن أعداداً كبيرة من الطلاب الذين يمضون عدة سنوات للدراسة في الخارج يقررون عدم العودة لإسرائيل، وتكشف الأرقام والجداول الآتية عن حجم الظاهرة وتناقُض المعلومات بشأنها وإن كانت تعبِّر في النهاية عن ظاهرة خطيرة بالنسبة للمشروع الصهيوني.
هنا ايضا يوجد جدولين لم انقلهم لنفس السبب
الاول: السكان الذين مر على بقائهم خارج البلد عاماً متواصلاً فأكثر (أعداد مطلقة ونسب مئوية) .المصدر: دليل إسرائيل (خليفة وجريس) .
والثاني:هجرة ونزوح المستوطنين الصهاينة: معدلات سنوية المصدر: نقلاً عن مقال تسيون رافي، هآرتس 5 و 6 يناير 1986.

ويكشف الجدولان السابقان (1، 2) عن اختلاف المعلومات بشأن أعداد النازحين، ولكن نستنتج منها أن نسبة النازحين بلغت في مجمل عهد الانتداب البريطاني نحو 17% من مجموع المهاجرين إلى فلسطين، ويمكن تقدير عدد النازحين من إسرائيل منذ قيامها وحتى نهاية عام 1993 طبقاً للإحصاءات الإسرائيلية بنحو 471.800 شخص، أي بمعدل 10500 نازح في العام الواحد، وإذا تذكرنا أن عدد الذين هاجروا إلى إسرائيل في الفترة نفسها هو 2.363.477 شخصاً، أي بمعدل 52.500 تقريباً في العام الواحد، فإن نسبة النازحين حتى نهاية عام 1993 تبلغ 20% تقريباً من مجموع المهاجرين إلى إسرائيل، ويُلاحَظ أن هذه النسبة (نسبة الهابطين إلى الصاعدين) كانت نحو 14% حتى أواسط السبعينيات، وبدأت هذه النسبة ترتفع بعد ذلك حتى وصلت ذروتها في أوائل التسعينيات، إذ بلغت 40.8 عام 1993، وهو مؤشر لارتفاع أعداد النازحين مقابل انخفاض أعداد المهاجرين إلى إسرائيل.
وهناك الكثير من الدلائل تشير إلى تقدير عدد النازحين بحوالي نصف مليون فقط هو محاولة من جانب المؤسسة الصهيونية التقليل من حجم الظاهرة. فبعض المصادر ترى أن عدد النازحين يصل إلى حوالي 750 ألف، وهو نفس عدد سكان المُستوطَن الصهيوني عام 1948، وهو ما حدا ببعض الصحف الإسرائيلية إلى الإشارة لهذه المفارقة وأشارت إلى ما سمته "الخروج من صهيون". وكلمة "خروج" مرتبطة في المعجم الديني اليهودي بالخروج من مصر والصعود إلى صهيون، أما أن يكون الخروج من صهيون فهو أمر يقف على طرف النقيض من الأسطورة الصهيونية.

والجدير بالذكر أن معظم النازحين من ذوي المهارات المهنية والأكاديمية، بل إن من النازحين أعداداً كبيرة من الضباط والدبلوماسيين، فقد ذكرت صحيفة هآرتس 24 أغسطس 1987 أنه نزح عن إسرائيل 171 ضابطاً كبيراً في الاحتياط برتبة عقيد فما فوقها، وهو ما يعادل نسبة 10% من مجمل الضباط برتبة عقيد فما فوقها من الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي. كما أن 400 من الدبلوماسيين الذين أُرسلوا في بعثات حكومية إلى الولايات المتحدة من 1966 ـ 1985 غيَّروا وضعهم واستقروا في الولايات المتحدة، وقد كانت نسبة النازحين في البداية من بين المهاجرين، ولكن مع أواخر السبعينيات كان ثُلث النازحين من جيل الصابرا، أي الجيل الذي وُلد ونشأ على "أرض الميعاد". بل وصلت النسبة إلى 70 ـ 80% في منتصف الثمانينيات، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من النازحين من بين أبناء الكيبوتسات.
ويمكن القول بأن حركة النزوح ترتبط إلى حدٍّ كبير بأوضاع إسرائيل الأمنية حيث ارتفعت نسبة النازحين منذ منتصف السبعينيات، وبالتحديد بعد حرب عام 1973، وارتفعت بصورة أكثر حدة مع اندلاع الانتفاضة وذلك مقابل انخفاض الهجرة إلى إسرائيل في الفترة نفسها. بل إن عدد النازحين (14.600) أصبح أكبر من عدد المهاجرين إلى إسرائيل بحوالي 12% وذلك في عام 1988. ورغم الانخفاض النسبي في بداية التسعينيات مقابل تزايُد هجرة اليهود السوفييت، فإن حركة النزوح ارتفعت إلى 24 ألف نازح عام 1992، و31 ألف نازح عام 1993.

ورغم قدرة إسرائيل على تدبير الموارد الاقتصادية من خلال المعونات فإن العامل الاقتصادي يُعَد أحد أهم أسباب النزوح، وهذا ليس غريباً، باعتبار أن الدافع وراء الاستيطان في المقام الأول كان اقتصادياً، كما يرتبط النزوح بالتركيب المهني فهو يزداد بازدياد حدة الاختلاف بين مهن المهاجرين في الأقطار التي جاءوا منها وبين مجالات استيعابهم في إسرائيل، ويُتوقَّع أن يزداد نزوح المهاجرين السوفييت الذين تدفَّقوا على إسرائيل في أوائل التسعينيات وذلك بسبب فائض المهن العلمية والأكاديمية والفنية لديهم، وعدم قدرة سوق العمل الإسرائيلية على استيعابهم.
وتُشكِّل صعوبات الاندماج الاجتماعي بين المستوطنين في إسرائيل عاملاً مهماً من عوامل الهجرة للخارج حيث يحمل المستوطنون ثقافات وعادات وسمات قومية وحضارية متباينة إلى أقصى حد، بجانب انعدام المساواة وشيوع التفرقة بين الطوائف اليهودية، ومشاكل الجهل بالدين اليهودي التي تواجه المهاجرين إلى إسرائيل، فالكثير منهم يأكل لحم الخنزير ويتزوج من نساء غير يهوديات ولا يعرف أبسط قواعد الشريعة اليهودية، ثم يُفاجأ في إسرائيل بهيمنة المؤسسة الأرثوذكسية ورفضها الاعتراف بزواجه من غير يهودية.
إن ظاهرة النزوح المتفاقمة من إسرائيل تُشكِّل ـ على مستوى الممارسة ـ ضربة في الصميم لمقدرات المشروع الصهيوني العسكرية، فإذا كان اليهودي المهاجر من بلده إلى فلسطين المحتلة يتحول إلى مستوطن صهيوني مقاتل، فإن الحركة العكسية (النزوح والتساقط) تؤدي إلى تحوُّل المستوطن الصهيوني المقاتل إلى مواطن يهودي في بلد آخر، وبخاصة مع وجود نسبة كبيرة من النازحين من بين أعضاء الكيبوتسات وكبار الضباط والطيارين والمهندسين في صناعة السلاح، وفي ظل كون المشروع الصهيوني مشروعاً مسلَّحاً بالدرجة الأولى، يكتسب قدراً كبيراً من شرعيته الحقيقية أمام نفسه وأمام الغرب (بل وأمام العرب) من مقدراته القتالية.

ويمكن القول بأن تفاقم ظاهرة النزوح تثير قضية العلاقة بين الحركة الصهيونية من جهة ويهود العالم من جهة أخرى، وهو ما يؤكد عزلة الحركة الصهيونية عن يهود العالم وعجزها عن التأثير في أوساطهم بشكل فعال وحثهم على الهجرة والاستقرار في فلسطين المحتلة، بل يكشف عن زيف الدعايات الصهيونية والتناقُض الكامن في بنية الأيديولوجية الصهيونية نفسها القائمة على تهجير اليهود وعودتهم من المنفى إلى أرض الميعاد. ولكن الوقائع تثبت أن المنفى البابلي في الولايات المتحدة قوة لا تُقاوم حتى من جانب طليعة الشعب اليهودي، أي المستوطنين الصهاينة.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية - هجرة اليهود السوفييت

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

موقف الدولة السوفيتية من هجرة أعضاء الجماعات اليهودية
‏Attitude of the Soviet State to the Immigration of Members of Jewish Communities
يمكننا بشيء من التبسيط القول بأن سياسة السوفييت تجاه الهجرة كانت تحكمها ثلاثة اعتبارات أساسية:
1 - الاعتبارات العقائدية والتي يشكل صالح الدولة السوفيتية جزءاً أساسياً منها، وغني عن القول أن رأي البلاشفة في المسألة اليهودية بُعد أساسي في الاعتبارات العقائدية.
2 - اعتبارات السياسة الداخلية خارج الإطار العقائدي.
أ) فعلى سبيل المثال، يُقال إن بعض العناصر الروسية القومية داخل الحزب كانت تهدف (في السبعينيات) إلى "تنظيف" المجتمع من اليهود باعتبارهم عناصر أممية، وكان هذا يعني في الوقت نفسه إخلاء عدد لا بأس به من الشقق.
ب) كما كانت توجد عناصر في المخابرات السوفيتية ترى أن اليهود عنصر مسبب للقلق وأنه لو سُمح بهجرة بعض العناصر من اليهود الرافضين الذين كانوا قد بدأوا يتصلون بعناصر الرفض في ليتوانيا ولاتفيا وأوكرانيا لقُضي على عنصر أساسي من عناصر الرفض.

جـ) يذهب البعض إلى أن أعضاء القوميات الأخرى غير الروسية يعتبرون اليهود من دعاة الترويس (أي صبغ الأقليات بالصبغة الروسية) ورحيلهم يعني إخلاء بعض الوظائف التي يشغلها الروس لأبناء جلدتهم.
3 - اعتبارات السياسة الخارجية مثل العلاقة مع العرب والرغبة في التقارب مع الغرب، أو التصدي له.
وفي الغالب كانت العناصر الثلاث تلتقي حتى بداية السبعينيات حين بدأت العقيدة الماركسية في التآكل وبدأت الاتجاهات الذرائعية في الظهور. وقد صاحبت ذلك رغبة في الوفاق مع الغرب والتقرب منه والتخلي عن المبادئ الماركسية.
هذه هي بعض المحدِّدات العامة للسياسة السوفيتية تجاه هجرة اليهود السوفييت. ويمكننا الآن أن نتناول التطور التاريخي نفسه.

حينما قامت الثورة البلشفية تناقص عدد المهاجرين إلى فلسطين بحيث بلغ عددهم في الفترة من عام 1919 إلى تاريخ إعلان الدولة الصهيونية 52.350، أي أقل من ألفي مهاجر كل عام (من مجموع اليهود السوفييت الذين كان يصل عددهم إلى حوالي 2.5 مليون) . وظل موقف السوفييت من الهجرة لا يتغيَّر في أساسياته بعد إعلان الدولة إذ يبدو أن عدد اليهود الذين هاجروا في الفترة من 15 مايو 1948 حتى نهاية 1969 حوالي عشرة آلاف - أي أقل من خمسمائة مهاجر كل عام. وفي الفترة من 1954 حتى 1964، بلغ عدد المهاجرين 1452 (بمعدل 140 كل عام) . وفي الفترة من 1957 إلى 1960، بلغ عدد المهاجرين 224 (أي حوالي 80 مهاجراً كل عام) . ومع هذا، لابد أن نشير إلى أن 20 ألف يهودي روسي تمت إعادة توطينهم في بولندا في الفترة 1956 - 1959 مع علم الاتحاد السوفيتي بأنهم كانوا سيهاجرون في نهاية الأمر إلى إسرائيل. ولعل المحرك الأساسي للسياسة السوفيتية تجاه الهجرة بعد إعلان الدولة وحتى السبعينيات هو مركب من الاعتبارات العقائدية واعتبارات المواجهة مع الإمبريالية والرغبة في الوقوف ضد إسرائيل، قاعدة الاستعمار الغربي في الشرق الأوسط. كما أن الاعتبارات الداخلية لعبت دوراً ولا شك، إذ أن الاتحاد السوفيتي كان يحتاج إلى المادة البشرية اليهودية في فترة بنائه بعد الحرب. كما أنه كان يرفض التعاون مع أية اتجاهات قومية تهدد وحدته.

وقد تغيَّر موقف السوفييت، ومن ثم زاد عدد المهاجرين، ابتداءً من عام 1971، ولا يمكن تفسير هذا التغير على أساس الضغوط الصهيونية أو تصاعُد الروح القومية اليهودية، وإنما هو أمر مرتبط تماماً بحركيات المجتمع السوفيتي (والمجتمع الأمريكي) إذ يبدو أن الاتحاد السوفيتي بدأ يصبح أكثر انفتاحاً واستجابة للضغوط الدولية وضغوط الأحزاب الشيوعية الأوربية التي كانت قد بدأت في تحسين صورتها أمام الغرب (وهي العملية التي انتهت في نهاية الأمر بأن فَقَد الجميع توجهاتهم الماركسية ثم سقط الاتحاد السوفيتي) . كما أن الاتحاد السوفييتي كان يفكر في تحسين علاقاته الاقتصادية مع الغرب، بل يُقال إنه كان يود أيضاً التخلص من العناصر المقلقة والمشاغبة داخله. ولذا، هاجر عام 1970 نحو 1.027 يهودياً وحسب من الاتحاد السوفيتي، على حين أن عام 1971 شهد هجرة 13.022 زادت إلى 3.681 في العام التالي، ووصلت إلى 34.733 عام 1973 (وقد شهدت هذه الفترة أيضاً فتح أبواب الهجرة أمام أعضاء الأقليات الأخرى فهاجر 9.064 ألمانياً و4.000 أرمنياً) . وقد تراجع عدد المهاجرين اليهود إلى 20.628 عام 1974 ثم إلى 13.222 عام 1975. ويبدو أن التراجع يعود إلى حرب 1973، وتوتُّر العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وفشل المحادثات الأمريكية السوفيتية الخاصة بإعطاء الاتحاد السوفيتي معاملة الدولة الأكثر تفضيلاً. ويُقال إن الاتحاد السوفيتي بدأ يفكر في الخسارة الناجمة عن هجرة العقول منه. وكان بين المهاجرين عدد ضخم من اليهود الذين تلقوا تعليماً عالياً. كما كان هناك بعض الاعتبارات الأمنية إذ كان بين المهاجرين عدد كبير من المطلعين على الأسرار العسكرية وأسرار الدولة.

وقد زاد عدد المهاجرين في الفترة من 1976إلى 1979، فكان عدد المهاجرين اليهود 111.195 والألمان 36.659. ويبدو أن هذا يعود إلى مؤتمر هلسنكي لحقوق الإنسان ومحاولة الاتحاد السوفيتي تحسين علاقاته الاقتصادية. ولكن السياسة السوفيتية تغيَّرت عام 1980 (وخصوصاً في عام 1981) بالنسبة لليهود وغير اليهود. ويبدو أن السبب هو تدهور العلاقات مع الغرب. وقد ازداد التدهور مع انتخاب ريجان. ويُقال إن الاتحاد السوفيتي ترك أعداداً اسمية من المهاجرين تستمر في الخروج ليؤكد للعالم أن عنده سلعة ثمينة يمكنه التفاوض بشأنها ليحصل على الثمن.

ويبدو أن عام 1989 كان عاماً حاسماً إذ قفز عدد المهاجرين إلى 31.297، ولكن هذا الأمر لم يحدث بشكل تلقائي إذ يبدو أنه حدثت اتصالات بين الجانبين الإسرائيلي والسوفييتي، وتوصل البلدان إلى توقيع أول اتفاق تجاري علمي منذ سنة 1967. إلا أن كلاًّ منهما كان يلتمس من وراء ذلك صيداً ثميناً مختلفاً. فقد كان الإسرائيليون يودون رفع القيود عن خروج اليهود السوفييت الراغبين في الذهاب إلى إسرائيل. أما السوفييت، الذين كانوا مقتنعين بأن «اللوبي اليهودي» يتحكم في صنع قرارات الولايات المتحدة، فكانوا يريدون سياسة أمريكية أكثر ليناً في مجالي التسليف والتجارة معهم، بحيث يتمكَّنون من تحقيق الإصلاحات التي جاء جورباتشوف بها. ثم نُشرت أخبار في جيروساليم بوست (إبريل 1989) عن أن "موجة مهاجرين تتكون من مئات الألوف من اليهود الروس قد باتت وشيكة، وأنها تفوق قدرة الولايات المتحدة على الاستيعاب". والعبارة الأخيرة لها دلالتها. أما بالنسبة للولايات المتحدة، التي ضغطت على الاتحاد السوفيتي لإخراج اليهود وهيجت من أجل حقوق الإنسان، فقد اكتشفت أنها كانت قد منحت اليهود السوفييت وضع لاجئ سياسي وهو ما أعطاهم الحق في الهجرة إليها دون التقيد بأيِّ نصاب، وقد أدَّى ذلك إلى هجرة الغالبية الساحقة من اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة، ولذا كان على الولايات المتحدة أن تغيِّر سياستها حتى يمكن توجيه المادة البشرية اليهودية السوفيتية إلى إسرائيل. وبدأت وزارة الخارجية الأمريكية تناقش علانية فرض القيود على الهجرة إلى الولايات المتحدة، وسرعان ما اكتشفت بسرور بالغ أن المنظمات اليهودية الأمريكية التي سعت فيما مضى بقوة لفتح المجال أمام هجرة اليهود القادمين، كانت الآن (نزولاً عند طلب إسرائيل) مستعدة لقبول هذه القيود. وعندما بدأ اليهود السوفييت فعلاً يغادرون بأعداد كبيرة، شعرت إدارة بوش بأنها حرة التصرف. وقد أنهت الولايات المتحدة حق

اليهود السوفييت شبه التلقائي في الدخول كلاجئين في سبتمبر 1989، وأعادت تصنيفهم كلاجئين عاديين، ووضعت سقفاً لا يتجاوز 50.000 لطلبات تأشيرة الدخول من الاتحاد السوفيتي تتوزع بين اليهود وبين غيرهم من الجماعات الأخرى.
وأكد الجهاز المركزي للإحصاء في إسرائيل في يونيه 1997 أن 40 ألف مهاجر يهودي من بين 656 ألف يهودي من أصل روسي ممن هاجروا من الاتحاد السوفيتي السابق في الفترة بين 1990 و1996 إلى إسرائيل قد غادروا البلاد في إطار الهجرة المعاكسة من إسرائيل.
ويُلاحَظ أنه ابتداءً من عام 1990 ترتفع نسبة المهاجرين اليهود السوفييت الذين يتوجهون إلى إسرائيل بشكل ملحوظ، فهي تقفز من 15.5% عام 1989 إلى 90.5% عام 1990. ويعود هذا بطبيعة الحال إلى السياسة الأمريكية التي أوصدت دونهم أبواب الهجرة إلى الولايات المتحدة. ولكن النسبة تعود للهبوط. وفيما يلي جدول بأعداد المهاجرين السوفييت في الفترة من 1993 - 1997:
السنة / عدد المهاجرين
1993 / 64.652
1994 / 67.956
1995 / 64.771
1996 / 59.049
1997 / 51.745
هجرة اليهود السوفييت في التسعينيات
‏Soviet Jewish Immigration in the Nineties

ذهب كثير من الدوائر العربية للتعامل مع ظاهرة هجرة اليهود السوفييت بموضوعية متلقية مباشرة وتوثيقية لا أثر فيها للاجتهاد، الأمر الذي دفعها إلى الوصول إلى استنتاجات تتسم بقدر كبير من التهويل. فالهجرة - حسب هذه الرؤية - هي «جريمة العصر» لأنها ستكون بمنزلة الحل السحري لجميع مشاكل إسرائيل الاقتصادية والسكانية والاستيطانية. وهي ستعزز قوى اليمين الإسرائيلي وستضرب كل القوى التي تطالب بالسلام مقابل الأرض. كما ستعمل على تقوية تلك القوى المطالبة بالتهجير الجماعي للفلسطينيين (الترانسفير) . وقد ظهرت التقديرات المختلفة حول حجم الهجرة اليهودية المتوقعة إلى إسرائيل حيث تراوحت ما بين 400 ألف و70 ألفاً ثم صعدت إلى مليون وسبعة ملايين واثنى عشر مليوناً. وتناقلت الصحف العربية هذه الأرقام بموضوعية متلقية وحياد شديد.
ولا شك في أنه لا يصح التهوين من خطورة هذه الظاهرة، فهجرة اليهود السوفييت تشكل لحظة بالغة الأهمية - قد تصبح نهائية وحاسمة - في الصراع العربي الصهيوني. فهذه المجموعة البشرية كانت ولا تزال آخر مستودع من مستودعات المادة البشرية لدعم طاقة الكيان الصهيوني الاستيطانية والقتالية في ظل نضوب المصادر الأخرى للمهاجرين (فيهود الولايات المتحدة لا يهاجرون، ويهود العالم الغربي وأمريكا اللاتينية يتجهون إلى الولايات المتحدة) .

وقد بلغ عدد المهاجرين من اليهود السوفييت إلى إسرائيل 185.227 مهاجر عام 1990 من مجموع المهاجرين في ذلك العام والبالغ عددهم 204.700، أي بنسبة 90.5% من إجمالي المهاجرين، وزاد إلى 147.839 مهاجر عام 1991 من مجموع عدد المهاجرين البالغ عددهم 189.800، وفي عام 1992 هاجر من الاتحاد السوفيتي 118.600 مهاجر لم يذهب منهم إلى إسرائيل سوى 65.093، ويمثلون نسبة 83% من جملة الهجرة إلى إسرائيل في ذلك العام والبالغ قدرها 77.057 مهاجر. وذهبت النسبة الباقية إلى دول غير إسرائيل حيث هاجر 41.3% إلى الولايات المتحدة والبقية الباقية هاجرت إلى دول أخرى (ألمانيا بالأساس) . وقد هبطت نسبة المهاجرين حتى وصلت إلى51.745 عام 1997.

ولكن بدلاً من رصد الحقيقة بشكل مباشر وبدلاً من تناقل الأخبار التي تذيعها وكالات الأنباء كما لو كانت حقائق، قمنا في كتاب هجرة اليهود السوفييت برصد الظاهرة من خلال صياغة نموذج تفسيري مركب ومتتاليات افتراضية احتمالية ومن خلال استخدامهما، بدلاً من الرصد الموضوعي المتلقي المباشر، أصبحنا - في تصوُّرنا - أكثر إلماماً بالواقع مهما بلغ من تركيبية، فوضعنا نصب أعيننا كل الاحتمالات القريبة والبعيدة التي قد تتحقق في إطار معطيات معيَّنة وقد لا تتحقق في إطار معطيات أخرى. ومن خلال هذا المنهج بيَّنا أن هجرة اليهود السوفييت ظاهرة تخضع لمركب من العوامل والاعتبارات المختلفة مثل عدد يهود الجمهوريات السوفيتية السابقة وفقاً للإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، وعوامل الطرد والجذب في هذه الجمهوريات وفي مراكز التجمع اليهودي في العالم، وهوياتهم الإثنية والعقائدية والدينية، وتركيبتهم الوظيفية والمهنية، ودوافعهم ومطامعهم في الهجرة. ومن خلال التوصل إلى هذه الحقائق، أمكننا أن نقرر الحجم الحقيقي لهذه الهجرة المتوقعة (وكان مغايراً للتوقعات السائدة) واحتمالات استمرار تدفقها أو انعدام ذلك، ومدى أثرها في التجمع الصهيوني ثم كيفية التصدي لها. وقد استند توقُّعنا إلى رصد عناصر الطرد والجذب في كلٍ من المجتمعين السوفيتي والصهيوني، وإلى دراسة أعداد يهود الاتحاد السوفيتي عند صدور الكتاب (عام 1990) :
1 - عناصر الطرد والجذب.
أ) عناصر الطرد والجذب في المجتمع السوفيتي:

وبدايةً، وجدت الدراسة أن اليهود السوفييت حققوا نجاحاً وحراكاً اجتماعياً كبيراً في ظل الدولة السوفيتية، وتمتعوا بأعلى مستوى تعليمي، وتركزوا في المهن العلمية والأدبية والصحافة والمهن الحرة (مثل الطب والهندسة والعلوم) ، وتميَّزوا في مجالاتهم بحيث وُصفوا بأنهم نخبة علمية ومتخصصة وصلت إلى قمة الهرم المهني والوظيفي. وقد ساعد ذلك على تزايد الاندماج، خصوصاً مع تزايد معدلات العلمنة والزواج المُختلَط. وهذا الوضع عادةً ما يُعَدُّ من عناصر الجذب فقد حقَّق لليهود السوفيت الاستقرار الذي ينشده معظم البشر والانتماء الذي يحتاجونه. ولكنه، مع هذا، شكَّل، في حالة اليهود السوفييت، عنصر طرد أيضاً، وذلك لأن من يصل إلى قمة الهرم لا يمكنه الصعود أو الحراك أكثر من هذا. ولذا تحوَّل النجاح الاجتماعي من عنصر جذب إلى عنصر طرد، وبدأ الكثيرون يفكرون في الهجرة بحثاً عن مزيد من الحراك الاجتماعي الذي تقلصت فرصه داخل المجتمع السوفيتي، وخصوصاً بعد وصول كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى أقصى ما يمكن تحقيقه داخل المجتمع السوفيتي، وهو ما لا يتفق بالضرورة مع أقصى طموحاتهم. ولكن، من ناحية أخرى، ومع تفكُّك الاتحاد السوفيتي، وتحوُّل أغلب جمهورياته السابقة عن الاشتراكية وانفتاحها أمام الشركات متعددة الجنسيات، قد انفتح مجالات عديدة لا بأس بها أمام المهنيين اليهود للحراك. وبالإضافة إلى ذلك، كان أحد أهم عوامل الطرد ارتباط عدد كبير من اليهود بالسوق السوداء واشتغالهم بالأعمال التجارية والمالية المشبوهة والممنوعة، الأمر الذي جعلهم يضيقون بالنظام الاشتراكي. ومع عملية التحول آنفة الذكر، أصبح كثير من الأنشطة التي كانت تُعَدُّ مشبوهة أنشطة شرعية، وزاد نشاط ودور القطاع التجاري الحر. وقد أدَّى هذا إلى فتح مجال العمل والحراك أمام هذه العناصر اليهودية، وخصوصاً أنها تمتلك الخبرات التجارية التي اكتسبتها في الخفاء وهو ما يؤهلها أكثر

من غيرها للحركة داخل المجتمع الجديد.
ومن عناصر الطرد الأخرى، ظهور معاداة اليهود بين صفوف العناصر القومية الروسية في كلٍّ من روسيا وأوكرانيا، وعودة الاتهامات العنصرية القديمة التي تجعل اليهود مسئولين عن كل الشرور وتجعل الوضع المتردي في الاتحاد السوفيتي نتيجة مباشرة للتآمر اليهودي الذي أخذ شكل النظام الشيوعي. ولكن الدلائل وأقوال المختصين في شئون يهود روسيا وأوكرانيا كانت تشير إلى أن الأشكال الفظة والعنيفة القديمة لمعاداة اليهود لم يَعُد لها وجود، وإلى أن كثيراً من اليهود الذين لديهم وعي ضئيل بيهوديتهم كان بوسعهم التكيف مع هذه الأشكال الطفيفة من معاداة اليهود، وذلك بالإضافة إلى وجود منظمات وصحف روسية تهاجم معاداة اليهود وتناهض الجماعات التي تروج له.
وتختلف عوامل الطرد والجذب والقابلية للهجرة باختلاف الهويات الإثنية والعقائدية والدينية لليهود السوفييت. ومن المعروف أن يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) لم يشكلوا أبداً مجموعة حضارية أو دينية أو اجتماعية واحدة، بل شكلوا جماعات غير متجانسة تتحدث عدة لغات وتعيش في مناطق مختلفة. وبالتالي، فإن القابلية للهجرة تختلف من جماعة إلى أخرى.

فهناك اليهود الإشكناز (يهود اليدشية) البالغ عددهم 1.376.910 والموزعون على النحو التالي في أواخر الثمانينيات: روسيا 551 ألفاً حسب إحصاء 1989 - أوكرانيا 488 ألفاً - روسيا البيضاء 112 ألفاً. وهم من أكثر العناصر اليهودية اندماجاً وعلمنة، حيث بدأت عملية دمجهم منذ عهد القياصرة ثم تصاعدت مع الثورة البلشفية. ولم يبق عند هذه العناصر ما يمكن تسميته "حس أو وعي يهودي"، وخصوصاً أن العناصر اليهودية ذات الحس القومي بينهم هاجرت في فترة الهجرة اليهودية في السبعينيات ثم الثمانينيات، وبالتالي فهم لا يفكرون إطلاقاً في إطار صهيوني ولا يرغبون في الذهاب إلى إسرائيل، فهم يتمتعون بمستوى عال من التأهيل العلمي والمهني، وبالتالي لا يمكنهم تحقيق أيَّ حراك داخل المجتمع الصهيوني. ولذلك، فإن نسبة التساقط بينهم (حيث يزعم اليهودي أنه ذاهب إلى إسرائيل ثم يتجه إلى الولايات المتحدة حيث يمكنه تحقيق معدلات عالية من الحراك الاجتماعي) تصل أحياناً إلى ما يزيد على 90%.

أما يهود البلطيق، وهم أيضاً من الإشكناز، فعددهم هو 39.500 موزعين كالتالي: أستونيا 4500 - لاتفيا 23 ألفاً - ليتوانيا 12 ألفاً - مولدافيا 66 ألفاً. وهؤلاء من أكثر العناصر التي يمكن اعتبارها عناصر صهيونية ومن أكثرها رغبة في الهجرة إلى إسرائيل، فلم تُضَم هذه المناطق إلى الاتحاد السوفيتي إلا خلال الحرب العالمية الثانية. ولذلك، فلا يزال عندهم بقايا حس أو وعي يهودي ولا يزالون محتفظين بهويتهم اليهودية، كما أن بعضهم لا يزال يتحدث اليديشية. وقد كانت ليتوانيا، على سبيل المثال، من أهم المراكز التقليدية للدراسات التلمودية في العالم. ولكن من ناحية أخرى، فإن من الأرجح أن أكثر العناصر الصهيونية الراغبة والقادرة على الهجرة كانت قد أقدمت على ذلك بالفعل كما أن نسبة المسنين بينهم مرتفعة جداً. أما يهود مولدافيا، فهم من أهم الجماعات من منظور القابلية للهجرة حيث يعيشون في منطقة حدودية مع رومانيا تطالب بالانضمام إلى رومانيا. وقد اندلعت في هذه المنطقة، بالفعل، مواجهات شديدة بين المولدافيين وأعضاء الجماعة اليهودية (الذين يُصنَّفون أيضاً على أنهم روس) ، وبالتالي فهي منطقة طرد، وقد قدَّم 70% من أعضاء الجماعة بها طلبات هجرة إلى إسرائيل وإن كان من غير المؤكد إن كانوا سيتجهون جميعاً إلى إسرائيل. وتشير الإحصاءات السابقة إلى أن نسب التساقط بينهم ضئيلة.

وبالنسبة ليهود جورجيا ويهود الجمهوريات الإسلامية، فإن عددهم 667.37، وهم موزعون على النحو التالي: يهود الجبال 19.516 - يهود جورجيا 16.23 - يهود بخارى 36.568 - الكرمشاكي 1.559، وقد احتفظ أعضاء هذه الجماعات أيضاً بوعي وحس يهودي نظراً لأنهم ينتمون إلى مجتمعات تقليدية مبنية على الفصل بين الجماعات والطبقات. ومن ثم، فهم من العناصر المرشحة للهجرة إلى إسرائيل، وخصوصاً أن هذه الجمهوريات تشبه الدول النامية اجتماعياً واقتصادياً إلى حدٍّ كبير وتضم جماعات عرْقية وإثنية مختلفة تزيد احتمالات الاحتكاك والصراع فيما بينها. كما تمثل إسرائيل بالنسبة لهم فرصة أكبر للحراك الاجتماعي عن الولايات المتحدة نظراً لأن مستواهم التعليمي منخفض نوعاً. ولكن، من جهة أخرى، نجد أن 25% من الجماعات اليهودية في جورجيا والجمهوريات الإسلامية من اليهود الإشكناز قد يجدون فرصاً جديدة تتفتح أمامهم في ظل التحولات الجديدة وتبنِّي سياسات السوق. كما أن كثيراً من العناصر الشرقية بدأت تفقد هويتها التقليدية وتقبلت عملية الترويس أو الروسنة وقد تفضل الهجرة إلى المدن الروسية الكبرى لتحقيق ما تطمح إليه من حراك. كما تجب الإشارة إلى أن كثيراً من العناصر القادرة، أو الراغبة، على الهجرة قد هاجرت في الفترة ما بين عام 1970 و1990، الأمر الذي يعني أن نسبة القادرين أو الراغبين بين العناصر المتبقية صغيرة.
أما على الصعيد الديني، فإننا نجد أن 3% فقط من يهود اتحاد دول الكومنولث المستقلة متدينون، وقد اتجهت حركة الإحياء اليهودي اتجاهاً دينياً روحياً وهو صدى لحركة الإحياء الديني في الاتحاد السوفيتي والعالم بأسره. وهم في الأغلب من العناصر غير الصهيونية وأحياناً المعادية للصهيونية، وبالتالي فهذا التيار يشكل حركة جذب للاتحاد السوفيتي، وخصوصاً أن أغلب سكان إسرائيل علمانيون.

ولنا أن نلاحظ أن أغلب اليهود في اتحاد دول الكومنولث المستقلة علمانيون تماماً أو تآكلت هويتهم الدينية بل والإثنية تماماً. لكن ذلك لا يعني اختفاء هذه الهوية إذ أنهم يعرِّفون هويتهم اليهودية على أساس عرْقي/إثني إلحادي. وأحياناً تكون هذه الهوية العرْقية الإلحادية بالغة الضئالة، فهم من "يهود الصدفة"؛ يهود بالمولد دون أن يكون لديهم أي انتماء يهودي ديني أو إثني حقيقي. ويمكن الإشارة إليهم بوصفهم "يهود غير يهود" بمعنى أنهم يهود فقدوا كل مكونات يهوديتهم، ومع هذا يصنفهم المجتمع ويصنفون أنفسهم على أنهم كذلك. ومع ذلك، هناك حركة بَعْث ثقافي يهودي هي جزء من حركة بَعْث إثنية عامة في روسيا وأوكرانيا. وهذا البَعْث يتخذ شكلين: أولهما حركة بَعْث ثقافي يديشي ينظر أنصارها إلى يهود شرق أوربا أو يهود اليديشية باعتبارهم قومية أو أقلية قومية شرق أوربية لها تجربتها التاريخية المحددة وتراثها الثقافي ولغتها اليديشية. ولذا، فقد اصطدم هؤلاء منذ البداية مع التيار الصهيوني، وهم يضمون في صفوفهم عناصر معادية للصهيونية والعبرية. وإلى جانب هذه الحركة اليديشية، يوجد بعث ثقافي روسي يهودي وهو بَعْث مرتبط بالثقافة واللغة الروسيتين، مع اهتمامه بحياة وقضايا الروس اليهود. وفي كلتا الحالتين، فإن المضمون اليهودي للهوية مرتبط تماماً بالمضمون الروسي أو اليديشي وهو ما يعني أن الحركة الناتجة من هذا التعريف ليست طاردة وإنما جاذبة.
ب) عناصر الطرد والجذب في المُستوطَن الصهيوني:

لعل أهم عناصر الجذب في المُستوطَن الصهيوني هو أنه يتيح فرصة الحراك الاقتصادي للمهاجرين المرتزقة. ولكن هذا العنصر تم تحييده إلى حدٍّ ما بسبب مشاكل الاستيعاب الحادة داخل إسرائيل. ومن أهم هذه المشاكل، مشكلة الإسكان حيث خلقت الهجرة أزمة إسكان حادة وهي مشكلة آخذة في التفاقم بسبب الأزمة الاقتصادية. ونظراً لأن هؤلاء المرتزقة يتحركون في إطار ما نسميه «الصهيونية النفعية» ويسعون إلى الحياة المترفة، فقد تمركزوا في الأحياء السكنية المترفة واشتد ضيقهم عندما وضعتهم السلطات الإسرائيلية في مراكز سكنية فقيرة أو في أحياء لا تتوفر فيها البنية التحتية الجيدة، وقد رفضت غالبيتهم الساحقة الاستيطان في الضفة الغربية. ولكن لأزمة الإسكان جانبها السلبي - من منظور عربي - وهو أنها قد تدفع المهاجرين للاستيطان في الضفة الغربية حيث يوجد سكن مدعوم. كما يبدو أن بعض المهاجرين اختاروا السكن في الكيبوتسات برغم طابعها التنظيمي الجماعي بعد أن تبيَّن لهم أنها ليست مؤسسات اشتراكية وأنها تحوَّلت إلى مؤسسات إشكنازية أرستقراطية تتمتع بأعلى مستوى معيشي في إسرائيل. وقد نجحت الكيبوتسات التي تعاني منذ عدة سنوات من أزمة مالية وبشرية حادة في تبديد شكوك ومخاوف المهاجرين الذين بدأوا في التدفق عليها حتى أن طلبات السكن بها فاقت حجم المساكن المتوفرة.

ولكن المشكلة الحقيقية كانت متمثلة في البطالة. إذ كانت إسرائيل تعاني من معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى 10%، لكن هذه النسبة كانت ترتفع بين العلماء وذوي المؤهلات العالية ممن تكتظ بهم إسرائيل. ويتمتع كثير من المهاجرين اليهود السوفييت بمؤهلات تفوق المستوى المطلوب في سوق العمل الإسرائيلي الذي يحتاج إلى العمال الفنيين والعمال المهرة. وقد اضطر كثير من العلماء والأطباء والمهندسين اليهود إلى العمل كعمال نظافة وعمال بناء وفي غير ذلك من المهن المماثلة، الأمر الذي يعني هبوطاً في السلم الاجتماعي لجماعة بشرية جاءت لتحقيق حراك اجتماعي.
كما تمثل المؤسسة الدينية لهؤلاء المهاجرين اللادينيين مصدر أرق وضيق، فكثير من اليهود السوفييت لا يكترثون بالمسائل الدينية والشرعية في الزواج والطلاق، وبالتالي يجدون عند قدومهم إلى إسرائيل أن أبناءهم غير شرعيين، وتجد كثير من المهاجرات المطلقات أن طلاقهن غير شرعي وبالتالي لا يحق لهن الزواج من رجل آخر. كما تتمسك الحاخامية بالتحقق من الأصول اليهودية قبل إبرام عقد الزواج، وعلى كل من يريد أن يحصل على زواج أو طلاق شرعي (حتى لا يوسم أولاده بأنهم غير شرعيين) أن يخضع لمراسم التهود وهي طويلة ومعقدة.
2 - تعداد اليهود بين الزيادة والنقصان:

أما بالنسبة لتعداد الجماعات في الجمهوريات السوفيتية السابقة، فإن التقديرات تذهب إلى أن عددهم حوالي مليون ونصف. وإذا أجرينا مقارنة بالهجرات السابقة، فإننا سنجد أن نسبة المهاجرين خلال الهجرة اليهودية الكبرى (1882 - 1914) لم تزد عن 25%، وهي فترة كانت الولايات المتحدة مستعدة فيها لتوطين كل من يشاء. كما يجب أن تتوافر في المهاجر مواصفات جسدية ونفسية ووظيفية معيَّنة تمكِّنه من بداية حياته من جديد. وعادةً ما يكون سن المهاجر بين العشرين والأربعين، ولكننا نجد أن نسبة المسنين بين اليهود السوفييت مرتفعة حيث إن 50% منهم فوق الخمسين، وإذا استبعدنا المعوقين والمرضى فإن نسبة القادرين على الهجرة ستكون أقل من النصف. وفي ضوء المعطيات السابق ذكرها، فإن حجم الهجرة اليهودية التي قدَّرنا أنها ستخرج من الاتحاد السوفيتي كان حوالي 25% من تعداد الجماعات أي حوالي 400 ألف. وإذا قدَّرنا أن الولايات المتحدة ستستوعب حوالي 50 ألفاً والدول الأخرى 15 ألفاً كل عام، فإن 65 ألف مهاجر لن يدخلوا إسرائيل سنوياً. وإذا امتدت الهجرة إلى حوالي خمسة أعوام، فإن هذا يعني أن جزءاً كبيراً منها سيتسرب إلى خارج إسرائيل. ولكن هناك احتمالات مهمة يجب أخذها في الاعتبار (وهذه من المتتاليات الافتراضية الاحتمالية) مثل حدوث تدهور اجتماعي واقتصادي كامل في الجمهوريات السوفيتية السابقة الأمر الذي قد يدفع الملايين من اليهود وغير اليهود إلى النزوح إلى خارج البلاد. وبالفعل صاحب عملية تفكُّك الاتحاد السوفيتي عام 1991، ثم انتقال جمهورياته إلى اقتصاد السوق، أزمة اقتصادية طاحنة وارتفاع في معدلات البطالة وتزايد النزاعات العرْقية والمواجهات المسلحة، ولا يزال الوضع غير مستقر ويحمل كثيراً من الاحتمالات المفتوحة.

وهناك أيضاً ظاهرة بالغة الأهمية وهي ظاهرة اليهود المتخفين، وهم اليهود الذين ينكرون هويتهم لأسباب عملية مختلفة ويذوبون وينصهرون في مجتمعاتهم عدة أجيال ثم يُظهرون هويتهم اليهودية تحت ظروف معيَّنة. ويقدِّر البعض عددهم بحوالي 1.3 - 1.5 مليون. كما أن هناك قضية العناصر شبه اليهودية أو غير اليهودية التي قد تنضم إلى الهجرة للاستفادة من الفرص المتاحة أمام اليهود في إسرائيل والولايات المتحدة. وقد أعلنت الحاخامية في إسرائيل بالفعل أن ما بين 30% و40% من المهاجرين السوفييت ليسوا يهوداً وفقاً للشريعة اليهودية للأسباب التالية: الزوجة ليست يهودية - الزوج لم يُختن - الأبناء ليسوا يهوداً لأن الأم ليست يهودية - أحد الزوجين لا تربطه أية صلة بالديانة اليهودية. ونظراً لأن قانون العودة الإسرائيلي يسمح لأي شخص له جد يهودي، سواء من ناحية الأم أو من ناحية الأب، بالهجرة إلى إسرائيل، فقد بدأ الكثيرون في اكتشاف أن لهم جدوداً يهوداً برغم عدم ارتباطهم بالديانة اليهودية. بل إن هناك عناصر من مدَّعي اليهودية تحاول أيضاً الانضمام إلى الهجرة. وتشير الإحصاءات بالفعل إلى أن أكثر من 30% من المهاجرين السوفييت سجلوا أنفسهم على أنهم غير يهود. وقد تكون هذه النسبة أكبر، فمن المعروف أن كثيراً ممن سجلوا أنفسهم يهوداً، رغم أنهم ليسوا يهوداً، فعلوا ذلك خوفاً من الحرمان من المزايا الممنوحة للمهاجرين اليهود.

ويقودنا ذلك إلى نقطة مهمة وهي مدى استعداد الكيان الصهيوني لأن يضم إلى الدولة اليهودية عناصر شبه يهودية أو غير يهودية. ونحن نذهب إلى أنه قد يقدم على ذلك بالفعل حتى تتوفر له المادة البشرية الاستيطانية والقتالية اللازمة لتحل المشكلة السكانية الحادة في إسرائيل وتخلق تعادلاً مع العرب بغض النظر عن مدى يهوديتها (وهو الأمر الذي حدث بالفعل) . ونحن نستند في ذلك إلى تجربة إسرائيل مع يهود الفلاشاه حيث تم تهجيرهم إلى إسرائيل رغم عدم نقاء عقيدتهم وهويتهم الدينية ورغم اعتراضات المؤسسة الحاخامية الدينية ثم أخيراً ترحيبه بيهود الموراه فلاشاه.
وهذه العوامل السابقة الذكر تفسر لنا حجم الهجرة الفعلي الذي وصل إلى إسرائيل وهو 400 ألف مهاجر. وقد توقَّف سيل الهجرة عند هذا الرقم حتى أواخر عام 1992 انضم لهم حوالي 280 ألف بعد ذلك. وأعداد المهاجرين التي تصل إلى إسرائيل في الوقت الحاضر لا تزيد عن معدلات الهجرة العادية، وهذا الرقم أقل كثيراً من الأرقام المتضخمة التي أُذيعت عند بدء الهجرة ويتطابق مع الرقم الذي قدرناه للهجرة التي ستخرج من الجمهوريات السوفيتية السابقة.

وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة وهي ما ستنتج عنه هذه الهجرة من احتكاكات عديدة على المستويات الاقتصادية والطبقية والاجتماعية بين المهاجرين الجدد والأعضاء القدامى في التجمُّع الصهيوني، وخصوصاً مع اليهود الشرقيين الذين يشعرون بتهديد هذه الهجرة لأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وطموحاتهم السياسية، ذلك أن هؤلاء المرتزقة سينقضون على الكثير من الفرص والامتيازات التي كان يمكن توجيهها إلى اليهود الشرقيين، كما أنهم سيساعدون على عودة التحيز الإشكنازي ضد الشرقيين، هذا بالإضافة إلى أن قدوم المهاجرين الجدد سيكثف استهلاك البنية التحتية والموارد المائية والرقعة الزراعية. كما أن تزايد معدلات الجريمة (بسبب الهجرة السوفيتية) وعدم قبول الكتلة الروسية (من قبل المستوطنين الصهاينة) لابد وأنه سيزيد حجم التوتر الاجتماعى.
ومن المتوقع أن تزيد المشكلات الناجمة عن وصول اليهود السوفييت (ازدحام المساكن - زيادة التوتر الاجتماعي - نقصان الفرص) من عدد النازحين من إسرائيل، بل سينضم إلى هؤلاء بعض المهاجرين المرتزقة. ومن الطبيعي أن تكون أرقام النازحين من المهاجرين الجدد أمراً خاضعاً للرقابة، ولذلك فإن من الصعب معرفة حجمهم على وجه الدقة. ولكن من المعروف أن 18 ألف قادم جديد طلبوا العودة إلى موطنهم عام 1990. وهؤلاء النازحون أو المطالبون بالنزوح يُشكِّلون نزيفاً من التجمُّع الصهيوني، كما يُشكِّلون عنصر خلخلة وقلق.

ومن ناحية أخرى، بدأت إسرائيل في وضع خطة كبرى وشاملة بعيدة المدى تهدف إلى استغلال القدرات العلمية للمهاجرين الجدد بغرض تحويل إسرائيل في القرن الحادي والعشرين إلى قوة تكنولوجية عظمى تحل من خلال صادراتها من السلع التكنولوجية مشكلة ميزان المدفوعات، بالإضافة إلى توفير فرص العمل للمهاجرين. وتهدف الخطة إلى إقامة عدد من الشبكات بتمويل خاص تقوم بتطوير إنتاج وتصدير السلع التكنولوجية باستخدام التكنولوجيات التي تم تطويرها في الاتحاد السوفيتي. وتضم الخطة أيضاً بعض الإجراءات التي يجب اتخاذها لتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية الخاصة في هذا القطاع. وهذه خطة طموحة ستواجه كثيراً من الصعوبات في التنفيذ، إلا أن احتمال تحققها يُشكِّل خطورة حقيقية بالفعل.
الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة) : المهاجرون السوفييت في إسرائيل
‏Utilitarian (or Mercenary) Zionism: Soviet Immignats in Israel
«الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة) » مصطلح قمنا بسكه لوصف اتجاه عام وشائع بين يهود العالم الذين يدَّعون أنهم صهاينة. والصهيونية عقيدة علمانية مادية، ولذا فهي تحتوي على توجُّه نفعي قوي، شأنها في هذا شأن العقائد العلمانية كافة، ولكن معدل النفعية في الصهيونية أعلى كثيراً من العقائد العلمانية الشاملة الأخرى لأن الصهيونية برنامج إصلاحي واع يطرح نفسه باعتباره الإطار الذي يستطيع يهود العالم أن يحققوا من خلاله لأنفسهم مستوى معيشياً أعلى وأمناً أقوى مما حققوه لأنفسهم في أوطانهم.

ولكن الدافع المادي وحده ليس كافياً لأن تقتلع الإنسان نفسه اقتلاعاً من مجتمعه وماضيه وهويته، ولذا طورت الصهيونية الصيغة الصهيونية الشاملة المهوَّدة التي أسقطت على المشروع الصهيوني بُعداً مثالياً. ولكن المثاليات الصهيونية كانت ديباجات سطحية ولذا اتضح التوجه النفعي من البداية، فكان المستوطنون التسلليون (قبل ظهور هرتزل) يبذلون جهدهم في ابتزاز أموال روتشيلد وغيره من أثرياء الغرب، واستمر هذا الوضع قبل إعلان الدولة إذ كان المُستوطَن الصهيوني يحاول الحصول على أقصى قدر من الأموال من يهود العالم عن طريق الدعاية أو الابتزاز بتوليد إحساس عميق بالذنب لديهم باعتبار أنهم لم يهاجروا إلى إسرائيل. وبعد إعلان الدولة، تحوَّلت الدولة بالتدريج إلى دولة تعيش على المعونات الأجنبية، وهي معونات تحصل عليها باعتبارها دولة وظيفية تؤدي دوراً فهي دولة مرتزقة.
لكل هذا، نجد أن كثيراً من اليهود الذين يستوطنون إسرائيل (فلسطين) يفعلون ذلك لأسباب نفعية لا علاقة لها بمثاليات دينية أو أيديولوجية. ويمكن رؤية هجرة يهود البلاد العربية بعد عام 1948 في هذا الإطار، فهم لم يكونوا قط جزءاً من الحركة الصهيونية، سواء في شكلها الاستيطاني أم في شكلها التوطيني. وقد استوطنوا فلسطين لتحقيق الحراك الاجتماعي.
وقد تصاعدت معدلات هذا الاتجاه بعد عام 1967 داخل وخارج المستوطن الصهيوني مع انتقال المستوطن الصهيوني من المرحلة التقشفية التراكمية إلى المرحلة الفردوسية الاستهلاكية، ففي الداخل ظهر ما يُسمَّى عقلية «روش قطان» ، أي «الرأس الصغير» التي تُتوج جسماً كبيراً لا يكف عن الالتهام والاستهلاك. كما تصاعدت خارجه، وخصوصاً بين أعضاء المستودع البشري اليهودي الوحيد القابل للهجرة، يهود الاتحاد السوفيتي.

والجزء الأكبر من اليهود السوفييت علمانيون شاملون ولا يؤمنون بالصهيونية أو بأية عقيدة أخرى، كما لا توجد عندهم هوية يهودية واضحة فهم جماعة بشرية لا تكترث كثيراً بأية قيم دينية أو ثقافية أو خصوصية حضارية وهدفها الأساسي هو البحث عن المنفعة واللذة. ولكنهم مع هذا يتسمون بسمة جوهرية واضحة مركزية وهي أنهم ينتمون إلى ما يُسمَّى في علم الاجتماع الغربي «عصر ما بعد الأيديولوجيا» ، أي أن يعيش المرء في الحياة الدنيا بشكل إجرائي كفء، لا يفكر إلا في يومه، وإن فكَّر في مستقبله فهو يفعل ذلك بنفس المعايير الكمية الإجرائية، وهو عادةً لا يفكر في الماضي. وعملية التفكير لديه عادةً ما تكون بريئة من أية أثقال أيديولوجية أو أعباء نظرية أو أخلاقية، فالمعايير المستخدمة علمية مادية دقيقة تهدف إلى تعظيم المنفعة واللذة. فهم يؤمنون بقيم المنفعة (عادةً الكمية) واللذة (عادةً المباشرة) ، وتطلعاتهم الاستهلاكية شرهة لا تخفف حدتها أية قيم، وهي تطلعات لا تقبل أي إرجاء، وذلك بسبب غياب أية مُثُل عليا أو نظريات دينية أو عقائدية (ولهذا السبب، نجد أن الوعي السياسي لليهود السوفييت ضعيف جداً وإن كانوا يتسمون بعداء حقيقي للاشتراكية. ولكن عداءهم هنا لا يعني موقفاً نظرياً وإنما هو عداء ذرائعي لكل النظريات والمطلقات، فالاشتراكية في نهاية الأمر تحوي داخلها قدراً من المثاليات ينبع من إيمانها بالإنسان كمطلق) .

مثل هؤلاء البشر يتسمون بحركية غير عادية ورغبة عارمة في تحقيق الحراك الاجتماعي وتحسين المستوى المعيشي دون اكتراث بأية قيم ثقافية أو دينية أو خصوصية حضارية أو أيٍّ من هذه المطلقات التي تسبب الصداع للرؤوس الاستهلاكية، أي أن قابليتهم للهجرة بحثاً عن الفرص الاقتصادية والحراك الاجتماعي مرتفعة إلى أقصى حد. فإن من المنطقى أن يتجهوا إلى الولايات المتحدة، ولذا يُلاحَظ أن أعداداً كبيرة منهم تجيد الإنجليزية إذ كانوا يُعدِّون أنفسهم للهجرة إليها.
ومع سقوط الاتحاد السوفيتي حاول الكثير من اليهود (وغير اليهود) السوفييت الهجرة إلى الولايات المتحزة، ولكن إسرائيل أوصدت الأبواب دونهم. ومن ثم أصبحت إسرائيل بالنسبة لهم هي السبيل الوحيد للخروج من الاتحاد السوفيتي. ولذا، فإن كثيراً من المهاجرين يأتون صاغرين لا يحملون في قلوبهم أيَّ تطلُّع لصهيون أو أيَّ حب لها "فهم لا يريدون سماع أي شيء عنها" (على حد قول يوري جوردون رئيس قسم الاستيعاب في الوكالة اليهودية المسئول عن توطين اليهود السوفييت) ، كما أنهم لم يُبدوا موافقة أو ترحيباً باستئناف العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل لأن هذا الأمر سيؤدي إلى نَقْل المهاجرين مباشرةً إلى إسرائيل، وهو ما يفوِّت فرصة الهجرة إلى الولايات المتحدة. بل إن بعضهم يدَّعي اليهودية، بل لم يمانعوا في أن يُختنوا في سبيل الحصول على الدعم المالي على أمل أن تُتاح له فرصة الفرار من أرض الميعاد الصهيونية في فلسطين المحتلة إلى أرض الميعاد الحقيقية في الولايات المتحدة. وتحاول الدولة الصهيونية من جانبها أن تكبلهم بالمساعدات المالية التي يصعب عليهم سدادها حينما تحين لحظة الفرار.

وقد لخص أحد المهاجرين المرتزقة الموقف بقوله: "لم يكن أمامي خيار سوى أن أذهب إلى إسرائيل بعد أن قضينا سبعة شهور في روما". ولكنه أعلن عن تصميمه على عدم البقاء. وقد بدأت الصحف الصادرة بالروسية في إسرائيل بتخصيص مساحة كبيرة يحتلها معلنون يعرضون تزويد القراء بالسلعة التي تطمح لها غالبية المهاجرون الجدد: تأشيرات دخول إلى كندا (أرض ميعاد أخرى مجاورة للولايات المتحدة) . وقد وصف أرييه ديري، وزير الداخلية، المهاجرين المرتزقة وصفاً دقيقاً حين قال: إنهم بعد وصولهم ستجدهم جالسين على حقائب السفر. وقال أوبليون: "بعض ممن لا يمكنهم الذهاب إلى الولايات المتحدة سيأتون إلى إسرائيل بهدف استخدامها كمحطة على الطريق، وسيقومون باستغلالنا أيضاً، وسيأخذون أية خبرات قد نقدمها لهم، وقد ينتهي بنا الأمر إلى أن يتجمع عندنا عدد كبير من الناس الذين يشعرون بالبؤس والذين ينتظرون أول فرصة لينزحوا عن إسرائيل"، فهم يعرفون تماماً "أن إسرائيل بلد صعب وأن الولايات المتحدة بلد سهل بالمقارنة". والسهولة قيمة أساسية بالنسبة لهؤلاء الباحثين عن "الراحة والترف" (كما وصفهم يوري جوردون) .
وقد وصفت إحدى المؤسسات اليهودية المهاجر اليهودي السوفيتي النماذجي (في السبعينيات) بأنه شخص لم يهرب من الاضطهاد وإنما هاجر بإرادته ولدوافع غير عقائدية أصلاً. وقد أيَّد نتائج هذا التقرير تقرير آخر نشره مجلس المعابد اليهودية في نوفمبر 1974 جاء فيه: بينما ينظر الأمريكيون إلى الحملة من أجل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي على أنها محاولة لإنقاذ بقايا الشعب اليهودي هناك، فإن المهاجرين السوفييت لا يشاركون في مثل هذه الأوهام الرومانتيكية أو الديباجات الصهيونية.

وفي جيروساليم بوست 30 أبريل 1987، صرح إسرائيل فاينبلوم (المهاجر السوفيتي المقيم في إسرائيل) ، وهو صهيوني حقيقي، أن من بين الـ 163 ألف مهاجر سوفيتي الذين استقروا بالفعل في إسرائيل حضر 20% منهم فقط بسبب الدوافع الدينية أو النفسية (أي العقائدية) ، أما الآخرون فقد وجدوا أنفسهم في إسرائيل (على حد قوله) .
وقد وصف بعض المهاجرين الأسباب التي دعتهم إلى ترك الاتحاد السوفيتي، فقال أحدهم: إن الحياة هناك أصبحت مملة. فالهجرة إلى إسرائيل هي مجرد بحث عن الإثارة. وقال أحد أساتذة علم الجبر إنه ترك الاتحاد السوفيتي لأنه أدرك أن الوقت قد حان لأن يفعل ذلك، وأشار مهاجر ثالث إلى أنه ترك الاتحاد السوفيتي لأنه يريد أن يعيش حياة أفضل. وحتى يؤكد مدى عمق التزامه بهذه الفلسفة، ذكر أنه جاء لا ليشتري سيارة ولكن ليكون لديه سيارة بمحرك أكبر. ومن المستحيل أن نعرف كم مهاجراً (سوفيتياً) يشبه إيفان الذي ترك إسرائيل بعد أن عمل سنة في الكيبوتس، لأنه يكره التعصب الديني والطقس الحار، وكأنه كان يتوقع أن تكون أرض الميعاد في القطب الشمالي أو على مسافة صغيرة من روسيا، أو أن الحركة الصهيونية قد وعدته بأرض ميعاد مكيفة الهواء.
والوكالة اليهودية تسبح مع التيار ولذا فهي تقوم بمحاولة جذب أعضاء الجماعات اليهودية للاستيطان في إسرائيل على أسس نفعية محضة فلا تهيب الإعلانات بحسهم الديني أو بارتباطهم بالأسلاف، وإنما تتحدث بشكل صريح عن البيت المريح، أو الإمكانيات الاستثمارية للمستثمرين وإمكانيات البحث العلمي للعلماء، وكأن فندق صهيون تحوَّل هنا إما إلى شركة صهيون الاستثمارية أو إلى معمل صهيون للبحوث العلمية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى الذروة مع هجرة اليهود السوفييت الأخيرة التي بدأت بعد عام 1990.

ويبلغ عدد الإسرائيليين من منشأ روسي (من الصهاينة المرتزقة) حوالي 800 ألف (أي حوالي خُمس سكان إسرائيل) يشكلون كتلة "قومية" مستقلة، لها تميزها وحضورها الخاص، فهم كيان مستقل داخل الكيان الإسرائيلي، فلهم محطة، إذاعة وتليفزيون خاصة بهم، وصحافة باللغة الروسية وأندية ومدارس. فهم - كما قال أحدهم - "يفكرون بالروسية ويتواصلون فيما بينهم". وتنبع قوة الثقافة الروسية المحلية (المنقطعة الصلة بالثقافة الإسرائيلية والمرتبطة بثقافة الوطن القديم) من حجمها الكبير ومن المؤهلات البشرية التي في حيازتها. ولذا فهي تحافظ بشراسة على استقلالها، بل إن أحدهم أشار إلى تكوين حزب إسرائيل بعالياه على أنه بداية حرب الاستقلال الخاصة بالروس. ولذا لا يُصنِّف سوى 16% من المهاجرين السوفييت نفسه على أنه "إسرائيلي" مقابل 26% اعتبر نفسه "من رابطة الدول المستقلة" و32% اعتبر نفسه "يهودياً" بشكل عام، واكتفى 12% بأن يسمي نفسه تسمية محايدة «مهاجر جديد» .
ولم يتم قبول هذه الكتلة الروسية من قبل المجتمع الإسرائيلي، ولذا يشعر 59% من المهاجرين السوفييت أن المجتمع الإسرائيلي يستوعب الهجرة إما بلا مبالاة أو بعدائية. وفي المقابل حين سُئل الإسرائيليون عن وصفهم للمهاجرين السوفييت قال حوالي 36% إنهم بروفسير كناس وسمسار وعاهرات (واتهام المهاجرين السوفييت باحتراف البغاء والجريمة المنظمة، اتهامات لها أساس في الواقع) .

ولم يستخدم أحد لفظ «مرتزقة» ومع هذا يمكن القول بأنه مصطلح كامن في خطاب كثير من الكُتَّاب الذين تَعرَّضوا للمهاجرين السوفييت بالوصف. فقد وصفهم أحد الكُتَّاب بأنهم «مهاجرون اقتصاديون» ، كما وصفهم آخر بأنهم «هاربون من الاتحاد السوفيتي وليسوا مهاجرين إلى إسرائيل» . أما جوليا ميرسكي (عالمة نفس في الجامعة العبرية) ، فقد وصفتهم بأنهم «لاجئون وليسوا مهاجرين» . ووصفهم كارل شراج (في جيروساليم بوست) بأنهم «مستوطنون بالإكراه أو رغم أنفهم» . ولكنني أفضل وصفهم بلفظ «المرتزقة» ، والاصطلاح الذي أقترحه أكثر دقة فالمرتزق هو الذي لا يقوم بعمل إلا نظير مقابل، والتزامه بالعمل هو التزام خارجي تعاقدي أي أنه لا يشعر نحوه بأي ولاء حقيقي. ويتميَّز مصطلحنا بأنه مصطلح مُتداوَل في علم الاجتماع، وهو ما يعني أنه يحوي قدراً من العمومية ولا يَسقُط في التخصيص الكامل.
وهناك نوع آخر من الصهاينة النفعيين، وهم اليهود المسنون الذين يتقاعدون في إسرائيل حيث يمكنهم أن يعيشوا حياة مترفة على معاشاتهم الصغيرة (فكأن إسرائيل هي بيت المسنين أو فلوريدا الصهيونية) .
وهناك، أخيراً، اليهود الذين يرسلون جسمانهم ليُدفَن في إسرائيل: فهم يرفضون العيش في إسرائيل، ولكنهم لا يرفضون الموت فيها. وعلى حد قول أحد الكُتَّاب الإسرائيليين، فإنهم يعهدون بالجانب التاريخي في حياتهم إلى أوطانهم، أما الجانب الكوني الذي يتعلق بالموت فهم يعهدون به لإسرائيل!
صهيونية المرتزقة
‏Mercenary Zionism
انظر: «الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة) : المهاجرون السوفييت في إسرائيل» .
إسرائيل بعالياه
‏Israel Bealaya

«إسرائيل بعالياه» عبارة عبرية تعني «إسرائيل مع الهجرة» وهو حزب سياسي جديد يتزعمه ناتان شارانسكي، وهو تعبير عما يُسمَّى «اليمين الرخو» المؤيد لنتنياهو، وهو يمين لا يهتم كثيراً بالأيديولوجيا وإنما بمصلحته المباشرة (فهو يمين عصر ما بعد الحداثة) ، كما أنه تعبير عن عودة ما يمكن تسميته «السياسة الإثنية» ، أي أن تكون دوافع الأحزاب والجماعات السياسية ليست الأيديولوجية الصهيونية وإنما انتماءهم الإثني، بحيث يكوِّنون جماعة مصالح لا تكترث بالمسلمات الصهيونية. والسياسة الإثنية عرفها النظام السياسي الإسرائيلي في بداياته، ثم اختفت مما أعطى الانطباع العام بأن المستوطن الصهيوني قام بتجميع عدد كبير من المنفيين ونجح في مزجهم من خلال أتون الصهر الإسرائيلي/الصهيوني. وعودة السياسة الإثنية (متمثلة في جزب جيشر وشاس وإسرائيل بعالياه) يدل على سقوط الادعاء بأن اليهود شعب واحد ويشير إلى إخفاق الصهاينة في عملية "مزج المنفيين".
ولفهم الخلفية الأساسية التي أدَّت إلى ظهور إسرائيل بعالياه لابد أن ندرك أن المهاجرين اليهود السوفييت قد حضروا لإسرائيل لتحقيق الحراك الاجتماعي، فهم صهاينة مرتزقة، غير ملتزمين بأية أيديولوجية. وقد شكَّلوا أكبر كتلة انتخابية في إسرائيل، ومع هذا يصعب التنبؤ بسلوكها الانتخابي، فكل ما يبغونه هو الحصول على جزء من الدخل القومي أو "الفطيرة القومية". ولذا صوَّت هؤلاء لحزب العمل، حينما وجدوا أن هذا في صالحهم، في الوقت الذي تنبأ فيه كثير من المحللين أنهم سيعززون قوى اليمين ومن يصوتوا لحزب ذي طابع اشتراكي.

وقد حَمَّل هؤلاء المهاجرون حزب الليكود مسئولية التقصير في عملية استيعابهم ومسئولية وَقْف ضمانات القروض الأمريكية البالغ حجمها 10 مليارات دولار بسبب إصراره العقائدي (الذي لا ضرورة له من وجهة نظرهم) على مواصلة عمليات الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن ثم تبديد الموارد التي يمكن أن تُوجَّه لخلق فرص عمل جديدة لهم. كما أكدت الاستطلاعات التي جرت بين الناخبين من اليهود السوفييت أن لديهم ارتياباً ورفضاً عميقين للأحزاب الدينية، ولذلك فقد رفضوا التصويت لها. كما وجدوا في جماهير حزب العمل فئة اجتماعية مماثلة لهم، فهم من الفئات المثقفة ذات الأصول الأوربية، على عكس جماهير حزب الليكود التي تضم أغلبية سفاردية وشرقية.
ولكن حينما عرض عليهم الليكود الاشتراك في عملية إدارة المستوطن الصهيوني وإعطائهم جزء أكبر من الفطيرة القومية مقابل الاشتراك في حكومة ائتلافية تضم عناصر دينية كثيرة لم يترددوا في تغيير مواقفهم ونمط تصويتهم.
ولعل من الأمثلة الطريفة على مدى "واقعية" و"عملية" الكتلة الانتخابية الروسية هو استطلاع في الرأي كانت نتيجته أن شارانسكي لم يحصل على أصوات كافية (بسبب أنه ملوث بالأيديولوجيا إلى حدٍّ ما) فلم يأتهم، على سبيل المثال، بالوظائف التي وعدهم بها، بينما حصل لابيرمان (مستشار نتنياهو المشهور بلقب «راسبوتين» ) بعدد كبير من الأصوات، كما حصل تسفي بن آرى (مليونير روسي مهاجر كان يُسمَّى جريجوري ليرنر) على عدد كبير آخر من الأصوات رغم أنه على علاقة بالجريمة المنظمة، كما اتُهم بتقديم الرشاوي وتُجرى معه التحقيقات بهذا الشأن، ولكن هذا شأن سياسي لا يهم الصهاينة المرتزقة كثيراً.

ومما يُلاحَظ أن 1% فقط من هؤلاء المرتزقة يعيش في الأرض المحتلة بعد عام 1967، ومع هذا فهم لهم ماضي إمبريالي ولذا فهم لا يمانعون في ضم الأراضي ولا يرون ضرورة للتنازل عنها (كما يقول إدوارد كوزينتسوف محرر جريدة يومية تصدر بالروسية في إسرائيل تُسمَّى فستي) . كما أنهم يكرهون العرب بشكل غريزي، ربما بسبب عنصرية المجتمع الصهيوني المتأصلة، وما حملوه من "عداء للعرب"، الأمر الذي كان متفشياً بين العناصر الرجعية في المجتمع السوفيتي.
وحتى مطلع عام 1996 لم يكن للمهاجرين الروسو حزب سياسي، ولكن المنبر الصهيوني كان ممثلهم الرئيسي. وكان رئيسه شارانسكي يعارض بشدة تأليف حزب للمهاجرين خشية الانعكاسات السلبية التي قد تعني تحويل المهاجرين إلى مجموعة عرْقية. ولكن الانقسامات الحزبية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، علاوة على القوة الانتخابية الضخمة التي يشكلها المهاجرون الروس، دفعت شارانسكي إلى تحويل حركته السياسية إسرائيل بعالياه إلى حزب يحمل الاسم نفسه في 11 فبراير 1996. ويزعم شارانسكي أن حزب إسرائيل بعالياه حزب إسرائيلي بمعنى الكلمة، إذ يطالب بحل المشاكل التي تعاني منها غالبية الإسرائيليين ويطرح نفسه على أنه حزب وسط بين طرفي القوس السياسي (العمل والليكود) يبرز المسائل غير المختلفة بشأنها، والتي يمكنها توحيد الشعب، ومن ضمن هذه المسائل تحويل إسرائيل إلى مجمع للشتات (بما في ذلك قيام اقتصاد ليبرالي قائم على التنافس يقوم باجتذاب أعضاء الجماعات اليهودية إلى الدولة الصهيونية) .

ويطالب الحزب بتعزيز شئون الهجرة والاستيعاب، ولذا يطالب بإصدار قانون يحدد حقوق المهاجر وواجباته ووضع الخطط اللازمة لذلك. ويرى الحزب أن استمرار الهجرة يشكل عاملاً سكانياً حاسماً في التخطيط الإستراتيجي الطويل الأمد. لكل هذا يؤكد الحزب كثيراً من المسلمات الصهيونية (إلغاء قانون العودة - حق الشعب اليهودي في كامل أرض إسرائيل - القدس الموحدة غير قابلة للتفاوض فهي عاصمة الدولة اليهودية - رفض قيام دولة فلسطينية) . علاوة على هذا يرى الحزب ضرورة توسيع صلاحيات المجالس المحلية فيما يتعلق بإنفاق الأموال المخصصة للاستيعاب واستعمال ضمانات القروض التي قدمتها الولايات المتحدة في خدمة غرضها الأصلي المتمثلة في استيعاب المهاجرين. ويرى الحزب ضرورة إيجاد حل للمشكلات الصعبة المتعلقة بزيجات غير اليهود ودفنهم.
ورغم كل الادعاءات الصهيونية الأولية فإن صهيونية المرتزقة تطل برأسها بكل صراحة وعنف في الجزء الثاني من برنامج الحزب، فحزب إسرائيل بعالياه حزب إثني في نهاية الأمر له مصالحه الروسية الخاصة. وكما قال شارانسكي نفسه: "قررنا إقامة حزب عندما اتضح أن الفصل بين المهاجرين والمجتمع يشتد. فحتى الناجحون بين المهاجرين يشعرون بأنهم ينتمون إلى أقلية مشبوهة وغير موالية، والنظرة إليهم سلبية. إن المهاجرين من روسيا تركوا دولة كانوا يشعرون فيها دائماً بأنهم ليسوا جزءاً من المجتمع. جاؤوا إلى هنا معتقدين أن هذا هو البيت. وفجأة أخذوا يشعرون بأنهم عبء. يُقال إنهم يجلبون الجريمة والدعارة، وعندما يديرون أعمالاً يكونون مرتبطين بالمافيا ... المعادون للسامية في روسيا كانوا على الأقل يحترمون اليهود؛ إذ كانوا يقولون إن اليهود أذكياء. هنا تحوَّل مهاجرو روسيا إلى طفيليات» .

وبسبب اثنية الحزب وروسيته نجد أن قائمة مرشحيه كادت تقتصر على ممثلي المهاجرين الروس، وكانت الدعاية الانتخابية في معظمها باللغة الروسية. وحصلت قائمة إسرائيل بعالياه على 174.928 صوت أتت لها بسبعة مقاعد في الكنيست. ولذا تُعَد سادس أكبر كتلة في الكنيست (بعد العمل والليكود وشاس والمفدال وميرتس، على الترتيب) . ولابد أن يؤخذ في الاعتبارأن المهاجرين الروس لم يستنفذوا كامل طاقتهم في الانتخابات الأخيرة.
فاعد
‏Vaad
«فاعد» كلمة عبرية تعني «لجنة» وهي المنظمة المظلة التي تضم كل التنظيمات اليهودية في كومنولث الدول المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) وقد تأسَّست عام 1989. وتضم المنظمة ما يزيد عن مائتي جماعة ثقافية. وفاعد عضو في المؤتمر اليهودي العالمي. وقد استمرت في الوجود بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. ومن أهم الشخصيات فيها وأحد مؤسسيها ميخائيل تشيلينوف. وتتعرض منظمة فاعد الآن للهجوم من فروعها في الجمهوريات السوفيتية السابقة إذ يطالبون بأن تكون فاعد أقل مركزية وأن تصبح تنظيماً كونفدرالياً. وهذا الانقسام داخل فاعد إن هو إلا صدى للانقسام الأكبر بين أعضاء كومنولث الدول المستقلة التي تتنازعها الرغبة في التحالف مع روسيا والاستقلال عنها.
ميخائيل تشيلنوف (1938 (–
‏Mikhail Tschelenov
عالم لغة سوفيتي يهودي، ومؤسِّس الحركة الثقافية اليهودية في موسكو في السبعينيات، والرئيس المناوب لمنظمة فاعد (المنظمة المظلة للمنظمات اليهودية في اتحاد دول الكومنولث المستقلة) . ويمكن القول بأن تشيلينوف نموذج متبلور للمواطن الروسي اليهودي إذ يتبدَّى من خلاله كثير من خصائص هذا المواطن.

يعمل تشيلينوف عالم لغة متخصص في الإثنوغرافيا، ولعله عَالم فيما يُسمَّى «اللغويات الإثنية» ، وهو متخصص أساساً في قبائل الإسكيمو وشعوب المحيط الهادي في جزر إندونيسيا، كما أنه يجيد العبرية بل يُعَدُّ من أهم معلمي العبرية في روسيا. وهو حفيد واحد من أهم القادة الصهاينة الذين هاجروا إلى فلسطين واستوطنوا فيها، وهو يحيل تشيلينوف. وأم تشيلينوف ليست يهودية، وكذلك زوجته وابنه، والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية داخل وخارج إسرائيل لا تعتبره يهودياً. ويبدو أن اهتمامه بالعبرية ليس له أي مضمون صهيوني وإنما هو اهتمام بالجذور الإثنية لشخصيته الروسية الثقافية (وهذه سمة مشتركة بين يهود الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فيهود أمريكا مولعون بشكلٍّ يكاد يكون مرضياً بالبحث عن جذورهم) .

ويعمل تشيلينوف رئيساً للجماعة اليهودية الثقافية في موسكو، أي أنه يسعى إلى بَعْث ثقافي لهويته الروسية اليهودية. وجماعته أول جماعة يهودية منظَّمة منذ الثورة وتضم آلاف الأتباع. ومجموعة اهتماماته هذه تضعه في مجابهة الصهيونية التي تهدف إلى تصفية الجماعات اليهودية في العالم وإلى تحويلها إلى وقود لآلة الاستيطان والحرب الصهيونية. ولذا، فليس من الغريب أن يصرح تشيلينوف أنه لا ينوي الهجرة إلى إسرائيل لأنه يعلم جيداً الجو السيئ في إسرائيل بشأن الزوجات غير اليهوديات، وأنه غير مستعد لإخضاع زوجته لهذه المعاملة. ثم أضاف أنه يرى أن الهجرة ليست سوى عنصر واحد للتعبير عن الهوية اليهودية (الروسية) . ويمكن أن نضيف أن تخصُّص تشيلينوف في قبائل الإسكيمو يجعل هجرته مستحيلة، إذ أنه سيجد نفسه في إسرائيل بعيداً عن المادة التي يعمل عليها (وكم عدد علماء اللغويات والإثنوغرافيا الذين يستطيع المجتمع الإسرائيلي استيعابهم؟) . ويمكن القول بأن تشيلينوف نموذج جيد لكثير من اليهود السوفييت. ومما يجدر ذكره أنه رغم أنه قد قرَّر عدم الهجرة إلا أنه يؤيد هجرة اليهود السوفييت بل ويشجعها، أي أنه صهيوني توطيني. وقد تعرَّض تشيلينوف لهجوم في الفترة الأخيرة إذ وُجِّه إليه الاتهام بأنه حوَّل فاعد إلى منظمة مركزية تتركز قيادتها في يده.
ناتان شارانسكي (1948 (-
‏Natan Sharansky

رئيس حزب إسرائيل بعالياه ووزير الصناعة والتجارة في وزارة نتنياهو. اسمه الأصلي أناتولي ثم قام بعبرنته. وُلد في أوكرانيا ودرس الرياضيات وعلوم الكمبيوتر في معهد الفيزياء التكنولوجية في موسكو. تقدَّم بطلب للحصول على تأشيرة هجرة إلى إسرائيل عام 1973. وقد قام شارانسكي بحملة إعلامية ضخمة للمطالبة بحق اليهود السوفييت في الهجرة إلى إسرائيل وكان يُشكِّل حلقة اتصال بين يهود الاتحاد السوفيتي الممنوعين من الهجرة والصحافة الغربية. وفي عام 1976 اتهمته جريدة أزفستيا بالتعاون مع المخابرات الأمريكية ثم قُبض عليه بتهمة الخيانة والجاسوسية وحُكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاماً. وأُفرج عنه في 11 فبراير عام 1986 وترك بلده في اليوم نفسه وهاجر إلى إسرائيل حيث أعلن أنه سيستمر في الكفاح من أجل حق يهود الاتحاد السوفيتي في الهجرة.
ويذهب شارانسكي إلى أن يهود الاتحاد السوفيتي مندمجون تماماً في مجتمعهم وأنهم في طريقهم للاختفاء، ومن ثم فدعوته لمنح اليهود حق الهجرة ليس من أجل إنقاذهم وإنما من أجل خدمة مصلحة الدولة الصهيونية. ومع هذا، فمع الهجرة السوفيتية الجديدة في التسعينيات بدأ شارانسكي يوظف اندماجية هؤلاء المهاجرين وأنهم كتلة بشرية مستقلة لها مصالح مستقلة، ولذا انتهى به الأمر أن كوَّن حزباً سياسياً من المهاجرين الروس (وهو الأمر الذي تزامن مع تكوين حزب مغربي وآخر من الفلاشاه) يتجاوز المُثُل الصهيونية تماماً ليعبِّر عن مصالح المهاجرين الروس الذين لا يدينون بالولاء إلا لمصالحهم الخاصة.

الفصل التاسع *الدولة الصفوية [907 - 1148 هـ = 1502 - 1736م].
النشأة والتكوين: ينتسب الصفويون إلى «صفى الدين الأردبيلى» الذى عاش فى الفترة من (650هـ = 1252م) إلى (735هـ = 1334م)، وهو أحد شيوخ الصوفية، وقد درس فى مطلع حياته العلوم الدينية والعقلية فى موطنه، ثم ارتحل إلى «شيراز»، واتصل بالشاعر المعروف «سعدى الشيرازى»، ثم رحل إلى «أردبيل» ومنها إلى «كيلان»، ودخل فى زمرة الشيخ «زاهد الكيلانى» وتزوج ابنته، وخلفه فى الطريقة، وعهد إلى أبنائه وأتباعه بالعمل على جذب الأتباع والدراويش، والاجتهاد فى نشر طريقتهم والدعاية لها، وكان هؤلاء ينتسبون إلى المذهب الشيعى.
الوضع الداخلى: شهدت «إيران» فترة عصيبة ضاعت فيها حقوق المواطنين، وساءت معاملتهم، فى الفترة التى سبقت قيام «الدولة الصفوية»، فمهد ذلك الطريق أمام شيوخ الصفويين، وتحولوا من أصحاب دعوة وشيوخ طريقة إلى مؤسسى دولة لها أهدافها السياسية والمذهبية.
وكانت «إيران» - آنذاك - مقسمة إلى عدة أجزاء، يحكمها عدة حكام، ويستقل كل منهم بما تحت يديه، فعاش الناس حياة قلقة يشوبها الصراع على الحكم، وبحثوا عن مخرج لذلك ناشدين الراحة والهدوء، فلم يجدوا أمامهم سوى أن يكونوا مريدين وأتباعًا لشيوخ الصفويين وطريقتهم، وذلك فى الوقت الذى آلت فيه رئاسة الأسرة الصفوية إلى «إسماعيل»، الابن الثالث لحيدر حفيد الشيخ «صفى»، فأسس «إسماعيل» «الدولة الصفوية» فى عام (907هـ = 1502م)، ثم دخل «تبريز» وأعلن نفسه فيها ملكًا على «إيران»، وتلقب بأبى المظفر شاه إسماعيل الهادى الوالى، وأصدر السكة باسمه، وفرض المذهب الشيعى، وجعله المذهب الرسمى لإيران بعد أن كانت تتبع المذهب السنى، وقال حين أعلن ذلك: «لا يهمنى هذا الأمر، فالله، وحضرات الأئمة المعصومين معى، وأنا لا أخشى أحدًا، وبإذن الله - تعالى - لو قال واحد من الرعية حرفًا، فسأسحب سيفى، ولن أترك أحدًا يعيش».
الفصل الثاني عشر *الدولة الغزنوية [351 - 582 هـ = 962 - 1186 م].
النشأة والتكوين: اعتمد السامانيون على الأتراك فى صفوف الجيش، وفى تولى المناصب الكبيرة فى «الدولة السامانية»، فعلا شأن الأتراك، وازداد نفوذهم، ويعد «البتكين» الذى ولى منصب صاحب الحجاب للأمير «عبدالله بن نوح» (343 - 350هـ = 954 - 961م) أبرز الشخصيات التركية فى بلاط السامانيين، وبلغ من نفوذه أن خشى الأمير «عبدالله بن نوح» منه على ملكه فأبعده عن العاصمة، وأسند إليه ولاية «خراسان» فى عام (349هـ = 961م).
ولما تولى «منصور بن نوح» الإمارة خلفًا لأخيه «عبدالله» الذى توفى سنة (350هـ = 961م)؛ تمرد عليه «البتكين» فى «خراسان»، وأرسل جيشًا لمحاربته والقضاء على تمرده، وأسند «خراسان» إلى «أبى الحسين سيمجور»، فتوجه «البتكين» إلى «غزنة» واستولى عليها من حاكمها السامانى، وأسس بها إمارة مستقلة عن السامانيين، ثم جعلها مركز حكمه وعاصمة دولته المناهضة للدولة السامانية.
حاول الأمير «منصور» جاهدًا أن يقضى على تمرد «البتكين» فى غزنة، ويوقف تأسيس دولته المناهضة، لكن جهوده جميعها باءت بالفشل.
الوضع الداخلى: لم يتمكن «البتكين» أول حكام «الدولة الغزنوية» ومؤسسها من ترسيخ دعائم دولته الجديدة، فقد وافاه أجله فى سنة (352هـ)، بعد عام واحد تقريبًا من توليه الحكم، ثم خلفه ابنه «إسحاق»، ثم غلامه «بلكانين» - من بعده - ولكنهما لم يتمكنا من تحقيق ذلك، فلما ولى «سبكتكين» أمور الدولة سنة (366هـ)، تمكن بهمته العالية وحسن سياسته أن يبسط نفوذه ويُوطد دعائم دولته، ويحقق لها ما لم يقدر عليه سابقوه، فعُدَّ المؤسس الفعلى لها.
ويُعد «محمود الغزنوى» -الذى ولى الحكم فى الفترة من سنة (388هـ) إلى سنة (421هـ) - من أكبر الشخصيات فى التاريخ الإسلامى وأشهرها، إذ قاد الجيوش والحملات والفتوحات من أجل نشر الدين الإسلامى بالهند، ونزل من أعالى «إيران الشرقية» إلى
الفصل الثالث عشر *الدولة الغورية [543 - 612 هـ = 1148 - 1215م].
النشأة والتكوين: كان الغوريون أسرة صغيرة تحكم «ولاية الغور» التى تقع بين «هراة» و «غزنة»، وكانت «قلعة فيروزكوه» مقر حكمهم، ودأبوا على شن الغارات على رعايا «الدولة الغزنوية»، واتخذوا من وعورة بلادهم وصعوبة مسالكها معصمًا يقيهم من بطش السلطان «محمود الغزنوى»، حين أراد معاقبتهم بعد أن باتوا خطرًا جسيمًا يهدد دولته.
ولكن السلطان «محمود الغزنوى» تمكن من استمالة «محمد بن سورى» - أحد رؤسائهم - فى عام (401هـ = 1010م)، ثم عين أولاده فى حكم «فيروزكوه» و «باميان»، ومن ثَمَّ تصاهر الغوريون مع الغزنويين، واتحدوا مع ملوك «غزنة»، فلما قتل «بهرامشاه الغزنوى» «قطب الدين محمود» والد زوجته الغورية، نهض أخوه «سيف الدين سورى» مطالبًا بثأره، واحتل «غزنة» فى عام (543هـ = 1148م).
ولمَّا تمكن «بهرامشاه الغزنوى» من قتل «سيف الدين سورى» فى عام (543هـ = 1148م)، قام «علاء الدين حسين» (جهانسوز) الأخ الثانى لقطب الدين بالهجوم على «غزنة»، ثم دخلها ونهبها، ولكنه وقع أسيرًا - بعد فترة قصيرة- فى قبضة السلطان «سنجر السلجوقى»، وتُوفى فى عام (556هـ = 1161م)، فخلفه «غياث الدين محمد»، وأقيمت له الخطبة فى «غزنة»، ولكن الغز طمعوا فى «غزنة» بعد وفاة «علاء الدين» واستولوا عليها، وظلت فى أيديهم مدة خمس عشرة سنة، ثم ألحق «غياث الدين محمد» أمير الغور الهزيمة بالغز وطردهم من «غزنة»، إلا أنه لم يكتفِ بذلك، وعمل على استئصال شأفة «آل سبكتكين»، وتمكن منهم، وضم أملاكهم إلى دولته، ثم اتجهت فتوحات «الغور» إلى «الهند» لعدم قدرتهم على الزحف إلى أواسط «آسيا» حيث توجد «الدولة الخوارزمية»، ودولة الخطا، اللتان وقفتا حصنًا منيعًا أمام راغبى التوسع فى هذه المناطق، ثم جاءت نهاية «الدولة الغورية» على أيدى الخوارزميين فى عام (612هـ = 1215م).
العلاقات الخارجية:
الفصل الثاني *الدولة الطولونية فى مصر والشام [254 - 292 هـ = 868 - 905 م].
تنسب هذه الدولة إلى مؤسسها «طولون»، الذى ينحدر من أسرة كان موطنها «بخارى» ببلاد «التركستان»، وفى سنة (200هـ) وصل «طولون» إلى «بغداد» إبان خلافة «المأمون» (198 - 218هـ)، فأهدى بعض الرجال إلى الخليفة «المأمون»، الذى رأى فيه اتزانًا فى الفكر وبسطة فى الجسم، فجعله رئيسًا لحرسه الخاص، فعلا نجم طولون فى الدولة، ومهَّد لنفسه ولأسرته طريق السيادة والسلطة فيها.
أمراء الدولة الطولونية: أحمد بن طولون [254 - 272هـ = 868 - 885م].
وُلد «أحمد بن طولون» سنة (220هـ = 835م)، وعُنى أبوه بتربيته عناية كبيرة، فعلَّمه الفنون العسكرية، وعلوم اللغة والدين، وتردد على العلماء، وأخذ من معارفهم، وروى عنهم الأحاديث، فأصبح موضع ثقة الخلفاء العباسيين لشجاعته وعلمه، وعمل تحت رعايتهم فى خلافة «المتوكل» (242 - 247هـ)، و «المستعين» (248 - 252هـ)، و «المعتز» (252 - 255هـ)، و «المعتمد» (256 - 279هـ).
فلما مات «طولون» سنة (240هـ) عهد «المتوكل» إلى «أحمد بن طولون» بما كان يتولاه أبوه من الأعمال، فأظهر كفاءة عالية، وهمة نادرة، كما احتل مكانة بارزة فى قلوب رجال البلاط العباسى حين حاولت جماعة من اللصوص الاستيلاء على قافلة كانت متجهة من «طرسوس» إلى «سامراء» تحت قيادته، فتصدى لهم «ابن طولون»، وأظهر كفاءة عسكرية فريدة، وتمكن من القضاء على هؤلاء اللصوص، ونجا بقافلته، وعندما علم الخليفة بذلك ازداد إعجابًا به وتقديرًا له.
أحمد بن طولون فى مصر 254 272 هـ: كان من عادة الخلفاء أن يعينوا ولاة للأقاليم الخاضعة لسلطانهم، وكان هؤلاء الولاة يعينون من ينوب عنهم فى حكم هذه الولايات؛ رغبة منهم فى البقاء بالعاصمة؛ أملا فى الحصول على منصب أعلى وخوفًا من المؤامرات.
وكانت «مصر» - آنذاك - تحت ولاية القائد التركى «باكباك» الذى
الفصل الثالث *الدولة الإخشيدية [323 - 358 هـ = 935 - 969 م].
الولاة الإخشيديون: 1 - «أبو بكر محمد بن طغج الإخشيدى» [323 - 334هـ = 935 - 946م].
2 - «أبو القاسم أنوجور بن الإخشيد» [334 - 349هـ = 946 - 960م].
3 - «أبو الحسن على بن الإخشيد» [349 - 355 هـ = 960 - 966م].
4 - «أبو المسك كافور الإخشيدى» [355 - 357هـ = 966 - 968م].
5 - «أبو الفوارس أحمد بن على» [357 - 358 هـ = 968 - 969م].
وجميع هؤلاء الولاة من الأسرة الإخشيدية، ماعدا «كافوراً» الذى انتسب إليهم.
1 - «محمد بن طغج الإخشيد» [323 - 334هـ]: هو «محمد بن أبى بكر بن طغج (معناها فى التركية: عبدالرحمن) بن جق»، أحد أبناء ملوك «فرغانة» ببلاد «ما وراء النهر»، وكان الملوك فى هذه البلاد يتخذون من لفظة «الإخشيد» لقبًا لهم، فأطلق هذا اللقب على «محمد بن طغج»، وتسمت به دولته، وعُرفَت باسم «الدولة الإخشيدية».
اتصل «جق» جد «الإخشيد» بالخلفاء العباسيين، أما «طغج» والده؛ فقد كان على درجة عظيمة من الثراء وسعة العيش، واتصل بخدمة الطولونيين فى عهد «خمارويه»؛ الذى ولاه على «دمشق» و «طبرية»، فلما سقطت الدولة الطولونية، تولَّى «محمد ابن طغج» ولاية «دمشق»، ثم أُضيفت إليه ولاية «مصر»، ولكنه أناب عنه من يحكمها، ولم يغادر «دمشق»، ولكن محاولات الفاطميين للسيطرة على «مصر» جعلت الخليفة العباسى «الراضى» يطلب من «ابن طغج» أن يقوم بنفسه على حكم «مصر» والشام، حتى يُوقِف الزحف الفاطمى، ويعيد الاستقرار والأمان إلى الولايتين.
الإخشيد فى مصر: جاء «محمد بن طغج» سنة (323هـ)، وبدأ يؤسس دعائم دولته الكبرى بها، وضُمت إلىه «الحجاز» - التى ظلت مرتبطة بمصر عدة قرون بعد ذلك - كما حصل من الخليفة سنة (323هـ) على حق توريث حكم البلاد التى تحت يده لأسرته من بعده، فأصبحت هذه الولايات فى عداد الدول المستقلة.
بذل «محمد بن طغج» جهودًا كبيرة فى إعادة الاستقرار والأمان إلى
الفصل الرابع *الدولة الفاطمية (358 هـ - 567 هـ).
الخلفاء الفاطميون: 1 - عبيد الله المهدى.
2 - القائم.
3 - المنصور.
4 - المعز.
5 - العزيز.
6 - الحاكم.
7 - الظاهر.
8 - المستنصر.
9 - المستعلى.
10 - الآمر.
11 - الحافظ.
12 - الظافر.
13 - الفائز.
14 - العاضد.
أصل الشيعة الفاطمية: قامت الدولة الفاطمية على المذهب الإسماعيلى الشيعى القائل بالنص والتعيين، ويقصرون خلافة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الروحية والزمنية على ذرية الإمام «على» - رضى الله عنه - مستندين فى ذلك إلى حديث «غديرخم» الشهير، وقد لجأت الإسماعيلية بعد وفاة إمامهم «إسماعيل بن جعفر» إلى الاختفاء والعمل السرى، فقد افترق أشياع «جعفر الصادق» بعد وفاته إلى فرقتين، ولت الأولى ابنه «موسى الكاظم» إمامًا، وولت الثانية ابنه «إسماعيل» إمامًا، فعُرِفَت الفرقة الأولى بالإمامية أو الاثنا عشرية؛ لأنها سلسلت الإمامة حتى الإمام الثانى عشر «محمد» المُلقب بالمهدى المنتظر ابن الحسن العسكرى ابن على الهادى ابن محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم، وعُرفت الفرقة الثانية بالإمامية الإسماعيلية؛ لأنهم أبقوا الإمامة فى ذرية «إسماعيل بن جعفر»، ثم من بعده ابنه «محمد»، فابنه «جعفر الصادق»، فابنه «محمد الحبيب»، فابنه «عبيدالله المهدى» مؤسس الدولة الفاطمية.
دخول الفاطميين مصر: جانب التوفيق الحملات الثلاث التى أُرسلت من قبل الفاطميين لفتح «مصر» فى عهد أسلاف «المعز»، ولكن الوضع العام فى المشرق كان ينبئ بنجاح الحملة الرابعة، للضعف الذى حلّ بدار الخلافة فى «بغداد»، وكذلك ما وصلت إليه حال «مصر» من ضعف وبؤس وشقاء فى أواخر عهد «كافور»، كما كان لانخفاض النيل الذى استمر تسع سنوات أثر كبير فى انتشار الوباء والقحط فيها، فلم تستطع «مصر» مواجهة الغزاة، كما عجزت -بعد «كافور» - عن صد هجوم ملك «النوبة» من الجنوب، وثار الجند لعدم دفع رواتبهم، ونشط جواسيس
الفصل السادس *الدولة الأيوبية [567 - 648 هـ = 1171 - 1250م].
أصل الأيوبيين: يرجع أصل الأيوبيين إلى «نجم الدين أيوب» الكردى الأصل، وأبوهُ يُدعَى «شادى» من قبيلة «الهذبانية» إحدى القبائل التى استقرت ببلدة «روبن» بأطراف «أرمينية».
اتصل «شادى» والد «نجم الدين أيوب» برجل اسمه «بهروز» كان مربيًا لأبناء السلطان السلجوقى «مسعود»، ثم أصبح حاكمًا لبغداد تحت سلطة السلاجقة سنة (502هـ)، وكانت له مكانة سامية لدى السلطان السلجوقى، فأقطعه السلطان «قلعة تكريت»، فأسند «بهروز» حراستها إلى «نجم الدين أيوب بن شادى»؛ الذى ظل فى حكمها وحراستها عدة سنوات اكتسب خلالها الخبرة بشئون الإدارة، وتمتع فيها بحب الأهالى.
دب خلاف بين «بهروز» و «نجم الدين أيوب»، فخرج «نجم الدين» وأخوه «شيركوه» وأهلهما من «تكريت» عقب هذا الخلاف سنة (532هـ)، فحزن الأهالى على ذلك حزنًا شديدًا؛ لما كان يحظى به «نجم الدين» من محبة فى قلوبهم.
اتصال أيوب بعماد الدين زنكى: خرج «أيوب» من القلعة، وعزم على المغامرة فى حوادث الشرق الأدنى، وربط مستقبله بشخصية «عماد الدين زنكى» الذى عظمت مكانته، واشتدت قوته، ورحب بمقدم أسرة «أيوب» إلى «الموصل»، واستقبلهم وأكرم وفادتهم، ثم أسند حكم «بعلبك» بعد فتحها إلى «أيوب» سنة (534هـ)، وقلد «شيركوه» قيادة الجيش؛ فكانا عند حسن ظنه، وأصبح «أيوب» محبوبًا من رعيته لعدله، واتصف «شيركوه» بالشجاعة والإقدام والمغامرة وحب القتال.
صلاح الدين الأيوبى: شاءت الأقدار أن يولد لأيوب ولد أسماه «يوسف» ليلة رحيله عن «قلعة تكريت» سنة (526هـ)، فنشأ «يوسف» فى بلاط «زنكى» بالموصل وعُرف باسم «صلاح الدين»، وقضى طفولته فى ظل والده «أيوب» ببعلبك، وأخذ عنه براعته فى السياسة، وشجاعته فى الحروب، فشب خبيرًا بالسياسة وفنون الحرب، وتعلم علوم عصره وتثقف بثقافة أهل زمانه، وحفظ القرآن، ودرس الفقه والحديث.
الفصل الرابع *الدولة الرستمية [161 - 296هـ = 778 - 909م]: عبدالرحمن بن رستم [162هـ=779م]: بويع «عبدالرحمن» ليكون أول إمام للدولة الإباضية الناشئة فى ربوع «المغرب الأوسط»، وقد كان أحد طلاب العلم، ودرس على يد «أبى عبيدة مسلم ابن أبى كريمة»، فلما أتم تعليمه عمل على نشر «المذهب الإباضى» ودعمه، ثم عينه «أبو الخطاب» نائبًا له على «مدينة القيروان»، فاكتسب الخبرة الإدارية، وعرف طبائع الناس وظروفهم، ولم يدخر جهدًا فى محاربة الولاة العباسيين، وجَمْع شمل «الإباضية»، خاصة بعد مقتل «أبى الخطاب».
كان «عبدالرحمن» رجلاً زاهدًا، وذا صبر على الشدائد، وملتزمًا بكتاب الله وسنة نبيه، واشترط على الناس حين وقع اختيارهم عليه للإمامة أن يسمعوا له ويطيعوا ما لم يحد عن الحق، ثم اختط مدينة «تهيرت»، ودخل فى طاعته العديد من القبائل مثل: «لماية»، و «سدرانة»، و «مزاتة»، و «لواتة»، و «مكناسة»، و «غمارة»، و «أزداجة»، و «هوارة»، و «نفوسة»، وقد افترشت هذه القبائل مساحات واسعة، امتدت من «تلمسان» غربًا حتى «طرابلس» شرقًا.
ومضى «عبدالرحمن» فى حكم البلاد بالعدل، منتهجًا سياسة شرعية فى إدارتها، مما أشاع الاستقرار والأمن بين الناس، فلما شعر بدنو أجله اختار مجلسًا للشورى، ليُختار من بين أفراده مَن يصلح للإمامة من بعده، واختار ابنه «عبدالوهاب» ضمن أفراد هذا المجلس، ثم مات فى سنة (168هـ= 784م).
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم [168هـ=784م]: اختاره مجلس الشورى ليكون خلفًا لأبيه فى الإمامة، واتسم عهده ببعض الاضطرابات والقلاقل، وواجه العديد من الثورات التى اتخذ بعضها طابعًا مذهبيا، وبعضها الآخر طابعًا قبليا، فأثَّرت إلى حد بعيد على «الدولة الرستمية»، وعلى رمزها الدينى المتمثل فى الإمام.
ومات «عبد الوهاب» فى سنة (198هـ=814م).
أفلح بن عبدالوهاب [198هـ= 814م]: بويع الإمام «أفلح» خلفًا لأبيه، وكان ذا صفات طيبة، وجاءت مبايعته

6 - 8:الدولة الفاطمية بالمغرب

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الثامن *الدولة الفاطمية بالمغرب [296 - 362هـ = 908 - 973م] قامت «الدولة الفاطمية» ببلاد «المغرب» - وفق خطة مرسومة من قِبل دعاة الشيعة - على أكتاف قبيلة «كتامة»، التى تنتمى إلى بربر «البرانس»، وتميزت عن غيرها من القبائل بكثرة عددها، ومنعة منطقة سكناها بجبال «الأوراس» بين مدينتى «بجاية» و «قسنطينة»، فضلا عن عدم خضوعها لسلطة الولاة اعتزازًا بمنعتها وقوة بأسها.
وقد وقف زعماء الشيعة على ما اتصفت به هذه القبيلة، واختار «ابن حوشب» رئيس مركز الدعوة الشيعية باليمن «أبا عبدالله الحسين بن أحمد الشيعى» للاتصال بوفد «كتامة» بموسم الحج، لنشر الدعوة الشيعية بالمغرب، وإقامة الدولة المرتقبة هناك.
وقد تم لقاء «أبى عبدالله» بوفد «كتامة» بمكة، وجعله هذا الشيعى يبدو كأنه جاء مصادفة، وبدأ يتعرَّف أحوالهم وميولهم المذهبية، ولم يفصح عما أضمره وما جاء من أجله، ونجح فى استمالتهم والسيطرة على قلوبهم بمكره ودهائه وعلمه وجدله، ثم تظاهر بعد انقضاء موسم الحج برغبته فى السفر معهم إلى «مصر»، للتدريس لأبنائها، فاصطحبوه معهم، فلما وصلوها، ألحوا عليه بمصاحبتهم إلى بلادهم، فوافقهم، وذهب معهم إلى المغرب فى سنة (289هـ= 902م)، واتخذ من «إيكجان» مستقرا له، لأنها نقطة التقاء حجاج «الأندلس» و «المغرب الأقصى»، والمتوجهين لأداء فريضة الحج.
وبدأ «أبو عبدالله» فى تنفيذ خطته، وتظاهر بتعليم الصبية، وإلقاء دروسه عليهم، فزاده ذلك مكانة ومنزلة بين أبناء «كتامة»، وذاع صيته بين القبائل، وقصده البربر من أماكن متفرقة، لينهلوا من علمه، ويستفيدوا من نصائحه، ثم عمد «أبو عبدالله» إلى مصارحة بعضهم - بعد أن اطمأن إليهم- بحقيقة أمره، ورغبته فى إقامة دولة لآل البيت تقوم على أكتاف قبيلة «كتامة»، لأن الروايات - كما ادَّعى لهم - جاءت بذلك، وأخبرت عما ينتظرهم من عز الدنيا وثواب الآخرة.
وأخذ «أبو عبدالله» على عاتقه تنظيم صفوف أبناء «كتامة» وبعض

7 - 3:الدولة الأموية بالأندلس

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الثالث *الدولة الأموية بالأندلس عهد الإمارة الأموية الأندلسية [138 - 316هـ = 755 - 928م].
عبدالرحمن الداخل يحكم الأندلس (138 - 172هـ = 755 - 788م): سقطت الدولة الأموية بالمشرق سنة (132هـ = 749م)، واضطهد العباسيون الأمويين، وطاردوهم فى كل مكان، لكن واحدًا منهم هو «عبدالرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبدالملك» تمكن من الوصول إلى الأندلس، بعد أن عبر فلسطين ومصر، ثم لحق به مولاه «بدر» وهو رومى الأصل، ومولاه «سالم» ومعهما شىء من المال والجواهر، ثم وصل «عبدالرحمن» إلى «برقة» والتجأ إلى أخواله من «بنى نفزة» - من برابرة طرابلس - وأقام عندهم مدة، ثم غادر إلى المغرب الأقصى، وتجول هناك، متغلبًا على ما قابله من صعاب، وأقام حينًا عند شيوخ البدو، وحينًا عند بعض رجال قبيلة زناتة، وكان أثناء ذلك يدرس أحوال الأندلس، ويرقب الفرصة المناسبة للعبور إليها.
وقد اتصل بمعونة مولاه «بدر»، الذى كان قد نزل بساحل «لبيرة» فى كورة «غرناطة» موطن أهل «الشام» بموالى خلفاء البيت الأموى والقرشيين عامة، وبالكلبية اليمنية، خصوم الوالى يوسف الفهرى، ثم عبر عبدالرحمن إلى الأندلس فى ربيع سنة (137هـ = 754م)، ونزل بثغر «المنكبّ» لموقعه الممتاز، وقد التف الناس حوله بما فى ذلك جماعات البربر، على أمل أن ينقذهم من الأوضاع المتردية.
تقدم عبدالرحمن نحو العاصمة «قرطبة»، وجمع «يوسف الفهرى» و «الصميل» ما أمكنهما من قوات، والتقى الفريقان عند «المصارة» أو «المسارة» بالطرف الغربى، وتمكن عبد الرحمن من تحقيق انتصار حاسم، دخل على إثره قرطبة وصلى بالناس الجمعة، وخطب الجند، وعُد ذلك اليوم ميلادًا للدولة الأموية فى الأندلس، ولقب «عبدالرحمن بن معاوية» بعبدالرحمن الداخل، لأنه أول من دخل الأندلس من بنى أمية حاكمًا.
ولم يكن عمر «عبدالرحمن الداخل» حين حقق هذا الإنجاز يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، لكنه كان رجل الموقف، شحذت همته
الفصل الرابع *الدولة العامرية [368 - 399 هـ = 978 - 1009 م].
بعد أن أصبحت السيطرة كاملة لابن أبى عامر فكر فى إنشاء مدينة جديدة يتوافر فيها الأمان ومظاهر السلطان فكانت مدينته الزاهرة أو العامرية شرقى قرطبة والتى استغرق بناؤها عامين، وضمت قصرًا ومسجدًا ودواوين للإدارة ومساكن للحرس، ونقل خزائن المال والسلاح إليها، وأقيم حولها سور ضخم كما بنى خندقًا وتم إقطاع ضواحيها للوزراء والقادة، فابتنوا الدور وأنشئت الشوارع والأسواق حتى اتصلت مبانيها بضواحى قرطبة، وقد انتقل إليها ابن أبى عامر سنة (370هـ = 980م)، واتخذ له حرسًا خاصا من الصقالبة والبربر أحاطوا بقصره، ومنعوا الدخول والخروج إليه، وبذلك أقفرت قرطبة وأقفر قصرها ونقلت كل مظاهر السلطان إلى المدينة الجديدة، ومنع الخليفة من أى حركة إلا بإذن ابن أبى عامر حماية له من المتآمرين وحتى يتفرغ للعبادة كما زعم.
حاولت «صبح» بعد هذا التطور أن تستبعد «ابن أبى عامر» مستعينة بمنافسيه، ولجأت إلى القائد «غالب» - صاحب الثغر - فى سرية تامة، فرد ابن أبى عامر بتقريب «جعفر بن على بن حمدون الأندلسى» -وهو بربرى من زناتة - عبر البحر وتقلد الوزارة، واستعان به ابن أبى عامر على كسب مودة البربر الذين توافدوا من عدوة المغرب إلى الأندلس، وغمرهم بأمواله.
أراد غالب مصانعة ابن أبى عامر فدعاه إلى غزوة مشتركة فى أراضى قشتالة، وأقام له وليمة دخل معه خلالها فى نقاش عنيف ورفع السيف فأصيب ابن أبى عامر، لكنه استطاع الفرار وذهب إلى دار غالب بمدينة سالم واستولى على كل ما كان فيها، ثم دخل الفريقان فى قتال عند حصن «شنت بجنت» يعاون غالب ملك ليون، وانتهى الأمر بموت غالب وهزيمة أعوانه من المسلمين والنصارى فى (4 المحرم سنة 371هـ = 10يوليو 981م).
غزوات ابن أبى عامر: بدأت سلسلة هذه الغزوات الشهيرة بعد أن استقرت الأمور لابن أبى عامر، ووصل عددها إلى نحو أربع وخمسين غزوة استقصى المؤرخ
الفصل الثالث *الدولة الجغتائية [624 - 760 هـ = 1227 - 1358 م].
النشأة والتكوين: تنسب «الدولة الجغتائية» إلى مؤسسها «جغتاى» الابن الثانى لجنكيزخان الذى أصبح ولى عهده بعد وفاة أخيه الأكبر «جوجى» فى حياة والدهما، فلما مات «جنكيزخان» فى سنة (624هـ = 1227م)، آلت إلى «جغتاى» أملاك «الدولة الجغتائية» (خانات جغتاى)، التى تُعرف باسم: «منطقة التركستان»، وهى تعتبر حدا فاصلا بين دولة «القبجاق» ودولة الخاقانات.
حكم «جغتاى» مؤسس هذه الدولة منذ وفاة والده فى عام (624هـ = 1227م) إلى عام (639هـ =1242م)، وكان رجلا حازمًا وصارمًا وعنيدًا، ذلك لأنه كان المسئول عن تنفيذ الياسا، وقد اشتُهر بسوء معاملة المسلمين، وتعطشه لسفك دمائهم.
ثورة تارابى: تنتسب هذه الثورة إلى زعيمها «محمود الترابى»، الذى كان يعمل صانعًا للغرابيل، بقرية «تاراب»؛ أقدم قرى مدينة «بخارى»، وهدفت هذه الثورة - التى أطلق عليها بعض المؤرخين الفرس: حركة شعبية - إلى رفض الحكم المغولى، واعتمدت على الدين كأساس لها فى ذلك، فالتف الناس حولها، على الرغم من أن دعاتها اعتمدوا على الخرافات، وادعوا اتصالهم بالأرواح، إلا أن انضمام «شمس الدين المحبوبى» أحد علماء «بخارى» إليها أكسبها قوة؛ إذ كان على خلاف مع أئمة «بخارى»، فساند «محمود تارابى» زعيم الثورة، وذكر له أن أباه قرأ فى أحد الكتب نبوءة مفادها: أن رجلا سيظهر ببخارى، سيكون فتح العالم على يديه، وأن مواصفات هذا الرجل تنطبق على «محمود تارابى»، وأكد المنجمون صدق ذلك، وأعلنوا أن نجم «محمود تارابى» قد بزغ، وأن الحظ سيحالفه، ولأن هذه المعتقدات كانت سائدة آنذاك، فقد اهتم الناس بأقوال المنجمين، والتفوا حول زعيم هذه الثورة، وحققوا انتصارات كبيرة، ودخلوا «بخارى»، غير أن المغول تمكنوا من صد الثورة ومقاومتها، وسقط «التارابى» و «محبوبى» صريعين، فأعلن الثوار «محمدًا» و «عليا»،
الفصل الرابع *الدولة الإيلخانية فى إيران والعراق [654 - 744 هـ= 1256 - 1344م].
تعود تسمية الدولة الإيلخانية بهذا الاسم إلى هولاكو خان الذى لُقِّب بإيلخان، وهى كلمة مكونة من مقطعين «إيل» بمعنى تابع، و «خان» بمعنى ملك أو حاكم، والمقصود أن حاكم الدولة الإيلخانية تابع للخان الحاكم فى قراقورم.
1 - آباقا خان: يعد «هولاكو» المؤسس الأول لسلسلة سلاطين المغول فى «إيران» و «العراق» الذين ظلوا يحكمون هذه البلاد من سنة (654هـ) حتى سنة (756هـ)، وقد تُوفى «هولاكو» سنة (663هـ)، وخلفه ابنه «آباقا خان» فى حكم البلاد، التى امتدت من «نهر جيحون» حتى «العراق العربى» غربًا، ومن جنوبى روسيا شمالا حتى «البحر العربى» جنوبًا.
وقد جنحت الدولة الإيلخانية منذ إنشائها إلى الاستقلال عن العاصمة المغولية، فى أمور السياسة والحكم - منذ عهد «آباقا خان» - وكأن حكامها مستقلون تمامًا عن العاصمة قراقورم.
وساعد البعد الجغرافى الذى يفصل بين «منغوليا» والإيلخانيين فى «إيران» و «العراق»، على أن يتخذ الإيلخانيون أساليب وعادات ونظمًا وغير ذلك من التقاليد الحضارية التى كانت موجودة فى «إيران»، والتى لم يعهدها المغول من قبل، فأصبح الإيلخانيون وكأنهم من ملوك الفرس.
اتخذ «آباقا» من «تبريز» عاصمة له، فاحتلت فى عهده مكانة ممتازة، وجعل «آباقا» قائده الأمير «سونجاق» واليًا على «العراق» وإقليم «فارس»، ففوض هذا الأمير بدوره المؤرخ «علاء الدين عطا ملك الجوينى» فى حكم «العراق»، وعهد «آباقا» بمنصب الوزارة إلى «شمس الدين محمد الجوينى» أخى «علاء الدين»، فكانا سببًا من أسباب ازدهار دولة «آباقا»، وعلى الرغم من الجهود الذى بذلها الجوينيون فى خدمة هذه الدولة وتوطيد أسسها، ودعم أركانها، فإنهم تعرضوا - فى نهاية الأمر - لنكبة تشبه نكبة البرامكة عندما تكاثر عليهم الأعداء والخصوم، وقُتل الجوينيون جميعًا فى عهد
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت