المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الظَّاهِر) من أَسْمَائِهِ عز وَجل وَيُقَال قَرَأَهُ ظَاهرا حفظا بِلَا كتاب و (فِي الفلسفة) مَا يَبْدُو من الشَّيْء فِي مُقَابل مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي ذَاته (مج)
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الظَّاهِرَة) من الأَرْض وَغَيرهَا المشرفة وَمن الْعين الجاحظة وظاهرة الرجل عشيرته وَالْأَمر ينجم بَين النَّاس يُقَال بَدَت ظَاهِرَة الاهتمام بالصناعة (محدثة) وَالظَّاهِرَة الجوية مَا يُؤثر فِي الْبَصَر والخيال من أفاعيل الطبيعة (محدثة)
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي
|
طاهر الظّاهر:[في الانكليزية] Pure of any sinn [ في الفرنسية] Pur de tout peche من عصمه الله عن المعاصي.
|
|
الظّاهر:[في الانكليزية] Visible ،manifest ،exterior [ في الفرنسية] Apparent ،manifeste ،exterieur بالهاء في اللغة الواضح. وعند النحاة هو الاسم الذي ليس بضمير ويسمّى بالمظهر أيضا كما عرفت. وعند الأصوليين هو لفظ ظهر المراد منه بنفس الصيغة أي المراد المختصّ بالوضع الأصلي أو العرفي دون المراد المختصّ بالمتكلم، لأنّه لو علم مراد المتكلّم يكون نصا، لأنّ مراد المتكلم هو ما سيق لأجله الكلام.فبقيد الظهور خرج الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه. وبالقيد الأخير خرج النّصّ وهذا مبني على مذهب المتأخرين، فإنّهم شرطوا في الظاهر أن لا يكون معناه مقصودا بالسوق أصلا فرقا بينه وبين النّص، فلو قيل ابتداء جاءني القوم كان نصا في مجيء القوم لكونه مقصودا بالسوق؛ ففي النّص زيادة ظهور ووضوح بالنسبة إلى الظاهر لأنّه سيق للمقصود، ولذا كانت عبارة النّص راجحة على الإشارة عند التعارض.وأما المتقدمون فقالوا المعتبر في الظاهر ظهور المراد منه سواء كان مسوقا له أو لا، وفي النّص كونه مسوقا له سواء احتمل التخصيص والتأويل أو لا. فالظاهر عندهم أعمّ من النّص.وفي بحر النكات حاشية الهداية في باب الحيض في مسئلة جواز القربان عند انقطاع الدّم: الفرق بين الظاهر والإشارة وبين النّصّ والعبارة هو أنّ السّوق سوقان، سوق مقصود وسوق غير مقصود. والسوق المقصود لا يكون إلّا في النّص والعبارة، والسوق الغير المقصود يكون في الظاهر. فكلّ نصّ ظاهر وليس كل ظاهر نصا، والإشارة لا سوق فيها أصلا مقصودا ولا غير مقصود لأنّها أبدا تكون مفهومة من لفظ مجرّد من النظر إلى الإسناد الذي فيه، فتجرّدت عن السوق بالكلية إذ لا يتصوّر السّوق في لفظ مفرد خال عن الإسناد، بخلاف الظاهر فإنّه أبدا يكون بإسناد. وكلّ كلام يتضمّن إسنادا فهو لا يخلو عن سوق ما قطعا، غايته أنّ ذلك السّوق قد لا يكون مقصودا، وذلك لا يخلّ بكونه مسوقا، فينتج أنّ الظاهر لا يخلو عن الإسناد إمّا مقصود أو غير مقصود. ثم العبارة يشترط فيها مطلق السوق مقصودا كان أو لا، فهي أعمّ من النّص مطلقا ومساوية للظاهر ومباينة للإشارة. والظاهر أعمّ من النصّ مطلقا ومساو للعبارة ومباين للإشارة. والنّص أخصّ من الظاهر والعبارة مطلقا ومباين للإشارة انتهى كلامه. فعلم من هذا أنّ الظاهر والنّص من أنواع الكلام. وقد وقع في نور الأنوار شرح المنار أيضا أنّ الظاهر والنّص والمفسّر والمحكم والخفي والمشكل والمجمل والمتشابه كلّها من أنواع الكلام لا من أنواع الكلمة، لكنه قال: وكذا الحال في العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء. والمفهوم من كشف البزدوي أنّ الظاهر والنّص من أنواع اللفظ مفردا كان أو مركبا حيث قال: الظاهر ما دلّ على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا. وقيل هو ما لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره. ثم قال ما قيل أنّ قصد المتكلم إذا اقترن بالظاهر صار نصّا وشرط في الظاهر أن لا يكون معناه مقصودا بالسوق أصلا وإن كان حسنا، لكنه مخالف لعامة الكتب، فإنّ شمس الأئمة ذكر في أصول الفقه الظاهر ما يعرف المراد منه بنفس السّماع من غير تأمّل كقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، وهكذا ذكر القاضي الإمام أبو زيد في التقويم وصدر الإسلام أبو اليسر في أصول الفقه. ورأيت في نسخة من تصانيف أصحابنا الحنفية في أصول الفقه: الظاهر اسم لما يظهر المراد منه بمجرّد السّمع من غير إطالة فكرة ولا إحالة روية، كقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي الآية. وذكر أبو القاسم السمرقندي: الظاهر ما ظهر المراد منه لكنه يحتمل احتمالا كالأمر يفهم منه الإيجاب وإن كان يحتمل التهديد، وكالنهي يدلّ على التحريم وإن كان يحتمل التنزيه، فثبت بما ذكرنا أنّ عدم السوق في الظاهر ليس بشرط بل هو ما ظهر المراد منه سواء كان مسوقا أو لم يكن، ولم يذكر أحد من الأصوليين في تحديده للظاهر هذا الشرط، ولو كان منظورا لما غفل عنه الكلّ انتهى كلام كشف البزدوي. وهكذا يفهم من العضدي حيث قال من أقسام المتن الظاهر وهو ما دلّ على معنى دلالة ظنية فخرج النّص لكون دلالته قطعية. فالنّص ما دلّ على معنى دلالة قطعية. وقد يفسّر الظاهر بأنّه ما دلّ دلالة واضحة فيشتمل النّص أيضا إذ الدلالة الواضحة أعمّ من القطعية والظنية، ثم الدلالة الظنية إمّا بالوضع كالأسد للحيوان المفترس وإمّا بعرف الاستعمال كالغائط للخارج من الدبر بعد أن كان في الأصل للمكان المطمئن فيشتمل التعريف للمجاز وهو أقرب انتهى. والآمدي قال: إنّ الظاهر ما دلّ دلالة ظنية بالوضع أو بالعرف فيخرج المجاز عن الحدّ. وذكر الغزالي في المستصفى أنّ الظاهر هو الذي يحتمل التأويل والنّص هو الذي لا يحتمله كذا في كشف البزودي.فائدة:حكم الظاهر والنّص عند الحنفية وجوب العمل بما ظهر منهما قطعا ويقينا. وأمّا احتمال المجاز فغير معتبر لأنّه احتمال غير ناشئ عن دليل. وأما عند تعارضهما فالنّص أرجح لأن الاحتمال الذي في الظاهر تأيّد بمعارضة النّص.وعند الشافعية وجوب العمل واعتقاد حقية المراد لا ثبوت الحكم قطعا ويقينا، لأنّ الاحتمال وإن كان بعيدا قاطع لليقين. فالحنفية أخذوا القطع بمعنى ما يقطع الاحتمال الناشئ عن دليل، والشافعية أخذوا القطع بمعنى ما يقطع الاحتمال أصلا.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الظَّاهِرُ:
خطّة كبيرة بمصر بالفسطاط، سمّيت بذلك لأن عمرو بن العاص لما رجع من الإسكندرية واختطّ الفسطاط تأخر عنه جماعة من القبائل بالإسكندرية ثم لحقوا بالفسطاط وقد اختطّ الناس ولم يبق لهم موضع فشكوا ذلك إلى عمرو بن العاص وكان قد ولي الخطط معاوية بن حديج فأمره بالنظر لهم، فقال للقادمين: أرى لكم أن تظهروا على القبائل فتتخذوا منزلا ظاهرا عنهم، ففعلوا ونزلوا هذا الموضع وسموه الظاهر، فقال كردويه بن عمرو الأزدي ثم الرّهني: ظهرنا بحمد الله، والناس دوننا، ... كذلك مذ كنّا إلى الخير نظهر |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الظَّاهِرِيّةُ:
قريتان بمصر منسوبتان إلى الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم ملك مصر، إحداهما من كورة الغربية والأخرى من كورة الجيزة، قال أبو الأشهب عبد العزيز بن داود العامري: وجاورت في مصر لو تعلمي ... ن حيّا من الأزد في الظاهر هنالك غثنا فما مثلهم ... لطارق ليل ولا زائر تراني أبختر في دارهم ... كأني بدار بني عامر |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الظَّاهِرَةُ:
من قرى اليمامة، عن الحفصي، والله أعلم. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
أَمَة الظَاهِر
من (ظ ه ر) المملوكة للظاهر: اسم من أسمائه تعالى بمعنى الجليّ. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
إِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى الظَّاهِر: وإخراجه لَا على مُقْتَضَاهُ.
الأول: عبارَة عَن إِلْقَاء الْخَبَر إِلَى الْمُخَاطب على وفْق ظَاهر حَاله بِأَن يلقِي إِلَى خَالِي الذِّهْن عَن الحكم مُجَردا عَن مؤكدات الحكم وَإِلَى المتردد فِيهِ السَّائِل عَنهُ الطَّالِب عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر مؤكدا اسْتِحْسَانًا وَإِلَى الْمُنكر عَنهُ الْحَاكِم بِخِلَافِهِ مؤكدا وجوبا على حسب إِنْكَاره قُوَّة وضعفا. وَالثَّانِي: عبارَة عَن إِلْقَاء الْخَبَر إِلَى الْمُخَاطب لَا على وفْق ظَاهر حَاله بِأَن يلقِي الْكَلَام الْمُؤَكّد إِلَى غير الْمُنكر الَّذِي ظَاهر حَاله عدم الْإِنْكَار الْمُقْتَضِي أَن يلقِي إِلَيْهِ كَلَام مُجَرّد عَن التَّأْكِيد وَإِنَّمَا يكون هَذَا الْإِلْقَاء إِذا لَاحَ على غير الْمُنكر إمارات الْإِنْكَار. وَاعْلَم أَن ضابطة إِخْرَاج الْكَلَام سَوَاء كَانَ على مُقْتَضى الظَّاهِر أَو على خِلَافه. إِن أَحْوَال الْمُخَاطب منحصرة فِي الْأَرْبَعَة (1) الْعلم بِحكم الْخَبَر (2) والخلو (3) وَالسُّؤَال (4) وَالْإِنْكَار عَنهُ. فالأقسام الْعَقْلِيَّة سِتَّة عشر. ثَلَاثَة مِنْهَا بَاطِلَة لَا فَائِدَة فِيهَا تَنْزِيل الْخَالِي (1) منزلَة الْخَالِي (2) والسائل منزلَة السَّائِل (3) وَالْمُنكر منزلَة الْمُنكر. وَاحِد مِنْهَا لَا يتَصَوَّر مَعَه الْكَلَام على ظَاهر حَاله وَهُوَ الْعَالم فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر مَعَه إِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى ظَاهر حَاله لِأَن مُقْتَضَاهُ أَن لَا يُخَاطب بِمَا يُعلمهُ فَيبقى اثْنَا عشر قسما صَحِيحا. وتفصيله أَن الْعَالم لَا يُخَاطب بِمَا يُعلمهُ على مُقْتَضى ظَاهر حَاله إِلَّا بعد تَنْزِيله منزلَة غَيره من الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة أَعنِي الْخَالِي والسائل وَالْمُنكر يكون إِخْرَاج الْكَلَام مَعَه حِينَئِذٍ على خلاف مُقْتَضى ظَاهر حَاله فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام وكل من الْخَالِي والسائل وَالْمُنكر إِذا خُوطِبَ على مُقْتَضى ظَاهر حَاله من الْخُلُو والسائل وَالْإِنْكَار كَانَ إِلْقَاء الْخَبَر إِلَيْهِ إخراجا على مُقْتَضى الظَّاهِر وَهَذِه أَيْضا ثَلَاثَة أَقسَام وَإِن نزل كل وَاحِد مِنْهَا منزلَة أحد الآخرين بِأَن (1) نزل الْخَالِي منزلَة السَّائِل (2) أَو الْمُنكر (3) والسائل منزلَة الْخَالِي أَو الْمُنكر (4) وَالْمُنكر منزلَة الْخَالِي أَو السَّائِل. وَهَذِه سِتَّة أَقسَام كَانَ إِلْقَاء الْخَبَر على خلاف مُقْتَضى ظَاهر حَال الْمُخَاطب فإخراج الْكَلَام سَوَاء كَانَ على مُقْتَضى الظَّاهِر أَو على خِلَافه منحصر فِي اثْنَي عشر قسما ثَلَاثَة مِنْهَا إِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى الظَّاهِر تِسْعَة على خِلَافه ثَلَاثَة فِي الْعَالم وَسِتَّة فِي غَيره هَذَا توضيح مَا ذكره السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي حَوَاشِيه على المطول. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَواس الظَّاهِرَة: فَهِيَ السّمع - وَالْبَصَر - والشم - والذوق - واللمس.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
طَاهِر الظَّاهِر: من عصمَة الله تَعَالَى من الْمعاصِي.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الظَّاهِر: ظَاهر. وَفِي اصْطِلَاح أصُول الْفِقْه كل كَلَام يكون المُرَاد مِنْهُ ظَاهرا للسامع بِنَفس الصِّيغَة كَقَوْلِه تَعَالَى {{أحل الله البيع وَحرم الرِّبَا}} فَإِن كل عرب إِذا سمع هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة يفهم حلَّة البيع وَحُرْمَة الرِّبَا من غير تَأمل وَالظَّاهِر قد يحْتَمل التَّأْوِيل والتخصيص.
|
|
الظاهر: ما دل على معنى دلالة راجحة بحيث يظهر منه المراد للسامع بنفس الصيغة ويكون محتملا للتأويل والتخصيص.ظاهر العلم عند الصوفية: عبارة عن أعيان الممكنات. ظاهر الوجود: تجليات الأسماء، فإن الامتياز في ظاهر العلم حقيقي، والوحدة نسبية، وأما في ظاهر الوجود فالوحدة حقيقية والامتياز نسبي.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الجَمْع بين الفاعل الضمير والاسم الظاهر
مثال: يُخْطِئون كثيرًا هؤلاء الَّذين يربطون بين التنوير والتطاول على الأديانالرأي: مرفوضةالسبب: للجمع بين الفاعل الضمير والاسم الظاهر. الصواب والرتبة: -يُخْطِئ كثيرًا هؤلاء الذين يربطون بين التنوير والتطاول على الأديان [فصيحة]-يُخْطِئون كثيرًا هؤلاء الذين يربطون بين التنوير والتطاول على الأديان [صحيحة] التعليق: إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا فإن عامله يتجرد من علامة الجمع، ولكن هناك لهجة عربية تجمع بين الفاعل وعلامة الجمع، وعليها جاء قوله تعالى: {{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}} الأنبياء/3، وقد خرّج النحاة هذه اللهجة على أنَّ الفاعل هو الاسم الظاهر الجمع، وأنَّ الواو حرف دالٌّ على الجمع؛ لأنه لا يصح الجمع بين الفاعل الظاهر وضميره، أو على أنَّ الاسم الظاهر بدل من الضمير قبله، وقد عُرضت المسألة على مجمع اللغة المصري فرفض قياسيتها. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الظاهر: هو اسم لكلام ظهر المرادُ منه بصيغته ويكون محتملاً للتخصيص والتأويل، وضده الخفي. وظاهر الأمر: باديه.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الأموال الظاهرة: هي التي يأخذ زكاتها الإمامُ وهي السوائم وما فيه العشرُ أو عروضُ التجارة إذا مرَّ بها على العاشر. الأمِّي: منسوب إلى أُمَّة العرب وهي لم تكن تكتب وتقرأ فاستعير كل مَن لا يعرف الكتابةَ ولا القراءة.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الباهر، في أحكام الباطن والظاهر
للشيخ، نجم الدين: سليمان بن عبد القوي الطوفي، الحنبلي. المتوفى: سنة عشر وسبعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الباهر، في حكم النبي - عليه الصلاة والسلام - في الباطن والظاهر
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن السيوطي. المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة. ذكر فيه: قصة موسى عليه السلام مع الخضر. |
أبجد العلوم لصديق حسن خان
|
علم الظاهر والباطن
أما الظاهر فهو علم الشرع وقد تقدم. وأما الباطن فيقال له: علم الطريقة وعلم التصوف وعلم السلوك وعلم الأسرار وقد تقدم أيضا ولا حاجة لنا إلى الإعادة ولكن نتحفك هنا بفائدة جديدة وعائدة سديدة اشتملت على حكم هذا العلم. قال شيخنا الإمام العلامة القاضي محمد بن علي الشوكاني رضي الله عنه وأرضاه في الفتح الرباني ولفظه: اعلم أن معنى التصوف المحمود يعني: علم الباطن هو الزهد في الدنيا حتى يستوي عنده ذهبها وترابها. ثم الزهد فيما يصدر عن الناس من المدح والذم حتى يستوي عنده مدحهم وذمهم. ثم الاشتغال بذكر الله وبالعبادة المقربة إليه فمن كان هكذا فهو الصوفي حقا وعند ذاك يكون من أطباء القلوب فيداويها بما يمحو عنها الطواغيت الباطنية من الكبر والحسد والعجب والرياء وأمثال هذه الغرائز الشيطانية التي هي أخطر المعاصي أقبح الذنوب ثم يفتح الله له أبوابا كان عنها محجوبا كغيره لكنه لما أماط عن ظاهره وباطنه في غشاوة صار حينئذ صافيا عن شوب الكدر مطهرا عن دنس الذنوب فيبصر ويسمع ويفهم بحواس لا يحجبها عن حقائق الحق حاجب ولا يحول بينها وبين درك الصواب حائل ويدل على ذلك أتم دلالة وأعظم برهان ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزته بالمحاربة" وفي رواية: "فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وماترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه". ومعلوم أن من كان يبصر بالله سبحانه ويسمع به ويبطش به ويمشي به له حال يخالف حال من لم يكن كذلك لأنها تنكشف له الأمور كما هي وهذا هو سبب ما يحكى عنهم من المكاشفة لأنه قد ارتفع عنهم حجب الذنوب وذهب عنهم أدران المعاصي وغيرهم من لا يبصر ولا يسمعه به ولا يبطش به ولا يمشي به لا يدرك من ذلك شيئا بل هو محجوب عن الحقائق غير مهتد إلى مستقيم الطريق كما قال الشاعر: وكيف ترى ليلى بعين ترى بها...سواها وما طهرتها بالمدامع وتلتذ منها بالحديث وقد جرى...حديث سواها في خروق المسامع أجلك يا ليلى عن العين إنما...أراك بقلب خاشع لك خاضع وأما من صفا عن الكدر وسمع وأبصر فهو كما قال الآخر: ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه...من المسك كافورا وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هندا عشية...تمشت وجوت في جوانبه بردا ومما يدل على هذا المعنى الذي أفاده حديث أبي هريرة حديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله" وهو حديث صححه الترمذي فإنه أفاد أن المؤمنين من عباد الله يبصرون بنور الله سبحانه وهو معنى ما في الحديث الأول من قوله صلى الله عليه وسلم: "فبي يبصر". فما وقع من هؤلاء القوم الصالحين من المكاشفات هو من هذه الحيثية الواردة في الشريعة المطهرة وقد ثبت أيضا في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه في هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر بن الخطاب ففي هذا الحديث فتح باب المكاشفة لصالحي عباد الله وأن ذلك من الله سبحانه فيحدثون بالوقائع بنور الإيمان الذي هو من نور الله سبحانه فيعرفونها كما هي حتى كان محدثا يحدثهم بها ويخبرهم بمضمونها. وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقع له من ذلك الكثير الطيب في وقائع معروفة منقولة في دواوين الإسلام ونزل بتصديق ما تكلم به القرآن1 الكريم فمن كان من صالحي العباد متصفا بهذه الصفات متسما بهذه السمات فهو رجل العالم فرد الدهر وزين العصر والاتصال به مما تلين به القلوب وتخشع له الأفئدة وتنجذب بالاتصال به العقول الصحيحة إلى مراضي الرب سبحانه وكلماته هي الترياق المجرب وإشاراته هي طب القلوب القاسية وتعليماته كيمياء السعادة وإرشاداته هي الموصلة إلى الخير الأكبر والكرمات الدائمة التي لا نفاذ لها ولا انقطاع ولم تصف البصائر ولا صلحت السرائربمثل الاتصال بهؤلاء القوم الذين هم خيرة الخيرة وأشرف الذخيرة فيا لله قوم لهم السلطان الأكبر على قلوب هذا العالم يجذبونها إلى طاعات الله سبحانه والإخلاص له والاتكال عليه والقرب منه والبعد عما يشغل عنه ويقطع عن الوصول إليه وقل أن يتصل بهم ويختلط بخيارهم إلا من سبقت له السعادة وجذبته العناية الربانية إليهم لأنهم يخفون أنفسهم ويطهرون في مظاهر الخمول ومن عرفهم لم يدل عليهم إلا من أذن الله له ولسان حاله يقول كما قال الشاعر: وكم سائل عن سر ليلى كتمته...بعمياي عن ليلى بعين يقين يقولون خبرنا فأنت أمينها...وما أنا إن خبرتهم بأمين فيا طالب الخير إذا ظفرت يدك بواحد من هؤلاء الذين هم صفوة الصفوة وخيرة الخيرة فاشددها عليه واجعله مؤثرا على الأهل والمال والقريب والحبيب والوطن والسكن فإنا إن وزنا هؤلاء بميزان الشرع واعتبرناهم بمعيار الدين وجدناهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقلنا لمعاديهم أو للقادح في علي مقامهم أنت ممن قال فيه الرب سبحانه كما حكاه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وقد آذنته بالحرب" لأنه لا عيب لهم إلا انهم أطاعوا الله كما يحب وآمنوا به كما يحب ورفضوا الدنيا الدنية وأقبلوا على الله عز وجل في سرهم وجهرهم وظاهرهم وباطنهم وإذا فرضنا أن في المدعين للتصوف والسلوك من لم يكن بهذه الصفات وعلى هذا الهدى القويم فإن بدا منه ما يخالف هذه الشريعة المطهرة وينافي منهجها الذي هو الكتاب والسنة فليس من هؤلاء والواجب علينا رد بدعته عليه والضرب بها في وجهه كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وكل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد" وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل بدعة ضلالة" ومن أنكر علينا ذلك قلنا له وزنا هذا بميزان الشرع فوجدناه مخالفا له ورددنا أمره إلى الكتاب والسنة فوجدناه مخالفا لهما وليس المدين إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والخارج عنهما المخالف لهما ضال مضل ولا يقدح على هؤلاء الأولياء وجود من هو هكذا فإنه ليس معدودا منهم ولا سالكا طريقتهم ولا مهديا بهديهم فاعرف هذا فإن القدح في قوم بمجرد فرد أو أفراد منسوبين إليهم نسبة غير مطابقة للواقع لا تقع إلا ممن لا يعرف الشرع ولا يهتدي بهديه ولا يبصر بنوره. وبالجملة فمن أراد أن يعرف أولياء هذه الأمة وصالحي المؤمنين المتفضل عليهم بالفضل الذي لا يعد له فضل والخير الذي لا يساويه خير فليطالع الحلية لأبي نعيم وصفوة الصفوة لابن الجوزي فإنهما تحريا ما صح وأودعا كتأبيهما من مناقب الأولياء المروية بالأسانيد الصحيحة ما يجذب بعضه بطبع من يقف عليه إلى طريقتهم والاقتداء بهم وأقل الأحوال أن يعرف مقادير أولياء الله وصالحي عباده ويعلم أنهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنت مع من أحببت" فمحبة الصالحين قربة لا تهمل وطاعة لا تضيع وإن لم يعمل كعملهم ولا جهد نفسه كجهدهم انتهى حاصله. وأما ما يحدث من أولياء الله سبحانه وتعالى من الكرامات الظاهرة التي لا شك فيها ولا شبهة فهو حق صحيح لا يمتري فيه من له أدنى معرفة بأحوال صالحي عباد الله المخصوصين بالكرامات التي أكرمهم بها وتفضل بها عليهم ومن شك في شيء من ذلك نظر في كتب الثقات المدونة في هذا الشأن كحلية الأولياء للشرجي وكتاب روض الرياحين لليافعي وسائر الكتب المصنفة فيتاريخ العالم فإن كلها مشتملة على تراجم كثير منهم ويغني عن ذلك كله ما قصه الله إلينا في كتابه العزيز عن صالحي عباده الذين لم يكونوا أنبياء كقصة ذي القرنين وما تهيأ له مما تعجز عنه الطباع البشرية وقصة مريم كما حكاه الله تعالى. ومن ذلك قصة أصحاب كهف فقد قص الله علينا فيها أعظم كرامة وقصة آصف من برخيا حيث حكى عنه قوله: {{أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}} وغير ذلك مما حكاه عن غير هؤلاء والجميع ليسوا بأنبياء وثبت في الأحاديث الثابتة في الصحيح مثل حديث الثلاثة الذي انطبقت عليهم الصخرة وحديث جريج الراهب الذي كلمه الطفل وحديث المرأة التي قالت سائلة الله عز وجل أن يجعل الطفل الذي ترضعه مثل الفارس فأجاب الطفل بما أجاب وحديث البقرة التي كلمت من أراد أن يحمل عليها وقالت إني لم أخلق لهذا. ومن ذلك وجود القطف من العنب عند خبيب الذي أسرته الكفار. وحديث أن أسيد بن حضير وعبادة بن بشر خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصاحبين وحديث رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. وحديث لقد كان فيمن قبلكم محدثون. وحديث إن في هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر. ومن ذلك كون سعد بن أبى وقاص مجاب الدعوة وهذه الأحاديث كلها ثابتة في الصحيح وورد لكثير من الصحابة رضي الله عنهم كرامات قد اشتملت عليها كتب الحديث والسير. ومن ذلك الأحاديث الواردة في فضلهم والثناء عليهم كما ثبت في الصحيح أنه قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: "مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله" قال: ثم من؟ قال: "ثم رجل معتزل في شعب من شعاب يعبد ربه". وحديث "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وهذه الأحاديث كلها في الصحيح وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. |
الاعتماد في نظائر الظاء والضاد
|
الضاهر والظاهرالضاهر بالضاد: حجر يعرض في الجبل يخالف لونه. والظاهر بالظاء: البارز المنكشف من كل شيء.
|
سير أعلام النبلاء
|
2916- الظاهر 1:
صَاحِبُ مِصْرَ الظَّاهِر لإِعزَاز دينِ الله، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحَاكِمِ مَنْصُوْر بن العَزِيْز نزَارِ بنِ المُعِزّ، العُبَيْديُّ المِصْرِيُّ. وَلاَ أَسْتَحِلُّ أَنْ أَقُوْلَ العَلَوِيُّ الفَاطِميُّ، لمَا وَقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنَّهُ دَعِيٌّ. وَقِيْلَ: يُكْنَى أَبَا هَاشِمٍ. بُوْيِعَ وَهُوَ صَبِيّ لَمَّا قُتِلَ أَبُوْهُ فِي شَوَّالٍ سنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وكَانَتْ دولتُهُ عَلَى مِصْرَ وَالشَّام وَالمَغْرِب. وَلَكِنْ طمع فِي أَطرَاف بلاَده طوَائِفُ، فَتَقَّلبَ حَسَّانُ بنُ مفرِّج الطَّائِيّ صَاحِبُ الرَّمْلَة عَلَى كَثِيْرٍ من الشام. وضعفت الإمارة العبيدية قليلًا. وَوَزَرَ لَهُ نَجِيْبُ الدَّوْلَة عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ الجرْجَرَائِيّ وَلولده، وَكَانَ نَبِيْلاً مُحْتَشِماً مِنْ بَيْت وِزَارَةٍ، لكنَّه أَقْطَعُ اليَديْنِ مِنَ المِرْفَقَين. قطَعَهُمَا الحَاكِمُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ لِكَوْنِهِ خَانه، فَكَانَ يُعَلِّم العَلاَّمَة عَنْهُ القَاضِي أَبُو عَبْدِ اللهِ القُضَاعِيُّ. وَهِيَ "الحَمْدُ للهِ شكراً لِنِعْمَتِهِ". وفِي أَوَّل وَلاَيَة الظَّاهِر أَقْدَمَ مُتَوَلِّي بِتنِّيس مَا تحصَّل عِنْدَهُ، فَكَانَ أَلفَ أَلفِ دِيْنَارٍ، وَأَلفِي أَلف دِرْهَمٍ. قَالَ: المُحَدِّثُ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَلَوِيُّ الكُوْفِيُّ: فِي سَنَةِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ لمَا صَلَّيْتُ الجُمعَة وَالرَّكْبُ بَعْد بِمِنَىً، قَامَ رَجُلٌ فَضَرَبَ الْحجر الأَسودَ بدَبُّوسٍ ثَلاَثاً، وَقَالَ: إِلَى مَتَى يُعَبْد الْحجر فيمنعنِي مُحَمَّدٌ مِمَّا أَفْعَلُه؟ فَإِنِّي اليَوْم أَهْدِم هذا البيت، فاتقاه الناس، وكاد __________ 1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 90"، ووفيات الأعيان خلكان "3/ ترجمة 482"، والعبر "3/ 162"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 247"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 231". |
سير أعلام النبلاء
|
القراب، عبد الظاهر:
4008- القراب 1: الشَّيْخُ الإِمَامُ، الحَافِظُ الكَبِيْرُ، المصَنِّفُ، أَبُو يَعْقُوْبَ؛ إسحاق بن أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، السَّرَخْسِيُّ، ثُمَّ الهَرَوِيُّ القَرَّابُ، مُحَدِّثُ هَرَاة، وَصَاحِبُ التَّوَالِيفِ الكثيرَة. وَقَدْ مرَّ أَخُوْهُ. وَلد هَذَا فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَبَالَغَ فِي الطَّلَب إِلَى الغَايَة. قَالَ أَبُو النَّضْر الفَامِي: زَادَ عددُ شُيُوْخه عَلَى أَلفٍ ومائةين، وَعمل الوفيَات عَلَى السِّنين فِي مُجَلَّدين، وَكِتَاب نَسِيم المُهج، وَكِتَاب الأُنس وَالسّلوَة، وَكِتَاب شمَائِل العبَاد، وَغَيْر ذَلِكَ. قَالَ: وَكَانَ زَاهِداً مُقِلاًّ مِنَ الدُّنْيَا. قُلْتُ: سَمِعَ: العَبَّاسَ بن الفَضْلِ النَّضرويي، وَجدَّه لأُمِّهِ مُحَمَّدَ بنَ عُمَرَ بن حفصويه، وَأَبَا الفَضْل مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ السَّيَّارِي، وَعَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَمُّوَيْه السَّرَخْسِيُّ، وَزَاهِرَ بنَ أَحْمَدَ الفَقِيْه، وَأَحْمَدَ بنَ عَبْدِ اللهِ النُّعَيْمِيّ، وَالخَلِيْلَ بنَ أَحْمَدَ السِّجْزِيّ، وَأَبَا الحَسَنِ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بن حَمْزَةَ، وَالحُسَيْنَ بنَ أَحْمَدَ الشَّمّاخِي الصَّفَّار، وَأَبَا مَنْصُوْر مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ البَزَّاز، فَمَنْ بَعْدهُم، حَتَّى كتب عَنِ أقرَانه وَمَن دُوْنَهُ. حَدَّثَ عَنْهُ: شَيْخُ الإِسْلاَمِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيِّ، وأحمد بن أَبِي عَاصِمٍ الصِّيدَلاَنِيّ، وَالحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَتّ، وَأَهْل هَرَاة. وَكَانَ مِمَّنْ يُرجع إِلَيْهِ فِي العِلَل، وَالجَرْح وَالتَّعديل. مَاتَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وَقع لَنَا كِتَاب "الرمي" له. 4009- عبد القاهر 2: ابن طاهر، العَلاَّمَةُ البَارِعُ، المُتَفَنِّنُ الأُسْتَاذُ، أَبُو مَنْصُوْرٍ البَغْدَادِيُّ، نَزِيْلُ خُرَاسَان، وَصَاحِبُ التَّصَانِيْفِ البَدِيْعَةِ، وَأَحَدُ أَعلاَمِ الشافعية. __________ 1 ترجمته في تذكرة الحفاظ "3/ ترجمة 995"، والعبر "3/ 168"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 244". 2 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "3/ 203"، وبغية الوعاة للسيوطي "2/ 105". |
سير أعلام النبلاء
|
5330- الظاهر 1:
سُلْطَانُ حَلَبَ، المَلكُ الظَّاهِرُ، غِيَاثُ الدِّيْنِ، أَبُو منصور، غَازِي ابْنِ السُّلْطَانِ صَلاَحِ الدِّيْنِ يُوْسُفَ بنِ أيوب. مَوْلِدُهُ بِمِصْرَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي الطَّاهِرِ بنِ عَوْفٍ، وَعَبْد اللهِ بنِ بَرِّيٍّ النَّحْوِيِّ، وَالفَضْلِ ابْنِ البَانْيَاسِيِّ. وَحَدَّثَ. تَمَلَّكَ حَلَبَ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً. وَكَانَ بَدِيْعَ الحُسْنِ فِي صِبَاهُ، مَليحَ الشَّكلِ فِي رجولِيَّتِهِ، لَهُ عقلٌ وَغورٌ وَدهَاءٌ وَفكرٌ صَائِبٌ. كَانَ يُصَادِقُ مُلُوْكَ الأَطرَافِ وَيباطِنُهُم، وَيُوهمهُم أَنَّهُ لولاَهُ، لَقَصَدَهُم عَمُّه العَادلُ، وَيوهِمُ عَمَّه أَنَّهُ لولاَهُ، لَتعَامَلَ عَلَيْهِ المُلُوْكُ، وَلشقُّوا العصَا. وَكَانَ كَرِيْماً مِعْطَاءً، يُتْحِفُ المُلُوْكَ بِالهدَايَا السنِيَّة، وَيُكرم الرُّسُلَ وَالشُّعَرَاءَ وَالقُصَّادَ. وَكَانَ عَمُّه يَرْعَى لَهُ لِمَكَان بِنْتِهِ، فَمَاتَتْ، فَزَوَّجَهُ بِأُخْتِهَا وَالِدَةِ ابْنِهِ الملكِ العَزِيْزِ، فَلَمَّا وَلَدَتْ، زُيِّنَتْ حَلَبُ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ، وَأَنفَقَ عَلَى وِلاَدَتِهِ كرَائِمَ الأَمْوَالِ، وَكَانَ قَدِ انضمَّ إِلَيْهِ إِخْوَتُهُ وَأَولاَدُهُم، فَزوَّج ذكرَانَهُم بِإِنَاثِهِم، بِحَيْثُ أَنَّهُ عَقَدَ بَيْنَهُم فِي يَوْم نيفًا وعشرين عقدًا. وَعَمَّرَ أَسوَارَ حَلَبَ أَكمَلَ عمَارَةٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ عبث بالشاعر الحلي، وألح عليه، فقال الحي: أَنظِمُ ? يُعَرِّضُ بِالهجَاءِ. فَقَالَ الظَّاهِرُ: أَنْثُرُ ? وَقبضَ عَلَى السَّيْف. قَالَ سِبْطُ الجَوْزِيِّ: كَانَ مَهِيْباً سَائِساً، فَطناً، دَوْلَتُهُ معمورَةٌ بِالعُلَمَاءِ، مُزَيَّنَةٌ بِالمُلُوْكِ وَالأُمَرَاءِ، وَكَانَ مُحسناً إِلَى الرعيَّةِ، وَشَهِدَ مُعْظَمَ غَزَوَاتِ وَالِدِهِ، وَكَانَ يَزورُ الصَّالِحِيْنَ، وَيَتفقَّدهُم، وَلَهُ ذكَاءٌ مُفْرِطٌ، مَاتَ بِعلَّةِ الذَّربِ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: أَوْصَى فِي مَوْتِهِ بِالمُلْكِ لِولدِهِ مِنْ بِنْتِ العَادِلِ، وَأَرَادَ أَنْ يُرَاعِيْهَا إِخْوَتُهَا، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لأَحْمَدَ، ثُمَّ لِلْمَنْصُوْرِ مُحَمَّدِ ابْنِ أَخِيْهِ المَلِكِ العَزِيْزِ، وَفوَّضَ القَلْعَةَ إِلَى طغرِيل الخَادِمِ الرُّوْمِيِّ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَسِتِّ مائة عن خمس وأربعين سنةً. __________ 1 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "6/ 217-218"، وشذرات الذهب "5/ 55-56". |
سير أعلام النبلاء
|
عبد البر، الظاهر بأمر الله:
5593- عبد البر: ابْنُ الحَافِظِ الكَبِيْرِ أَبِي العَلاَءِ الحَسَنِ بنِ أحمد بن الحسن، الشيخ، المُسْنِدُ، أَبُو مُحَمَّدٍ الهَمَذَانِيُّ، العَطَّارُ. سَمِعَ: أَبَاهُ، وَعَلِيَّ بنَ مُحَمَّدٍ المُشْكَانِيَّ؛ الَّذِي رَوَى "التَّارِيْخَ الصَّغِيْرَ" لِلْبُخَارِيِّ، وَنَصْرَ بنَ المُظَفَّرِ البَرْمَكِيَّ، وَأَبَا الوَقْتِ السِّجْزِيَّ، وَأَبَا الخَيْرِ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ البَاغبَانِ. حَدَّثَ عَنْهُ البِرْزَالِيُّ، وَالضِّيَاءُ، وَالصَّدْرُ البَكْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، وَسَمِعنَا بِإِجَازَتِهِ مِنَ الشَّرَفِ ابْنِ عَسَاكِرَ. قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ نُقْطَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ المُشْكَانِيِّ "تَارِيخَ البُخَارِيِّ". قَالَ: وَذَكَرَ لِي إِسْحَاقُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ المُؤَيَّدِ المِصْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ البَرِّ تَغَيَّرَ بَعْدَ سَنَةِ عَشْرٍ وَسِتِّ مائَةٍ وَبَلَغَنَا أَنَّهُ ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِقَلِيْلٍ، وَحَدَّثَ، وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ بِرُوذَرَاورَ، فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. 5594- الظَّاهِرُ بِأَمْرِ اللهِ 1: الخَلِيْفَةُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ ابنُ النَّاصِر لِدِيْنِ اللهِ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ ابنِ المُسْتَضِيْءِ حَسَنٍ ابْنِ المُسْتَنْجِدِ يُوْسُفَ ابْنِ المُقْتَفِي، الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائة. وَبُوْيِعَ بِوِلاَيَةِ العَهْدِ، وَخُطِبَ لَهُ وَهُوَ مُرَاهِقٌ، وَاسْتمرَّ ذَلِكَ سِنِيْنَ، ثُمَّ خَلَعَهُ أَبُوْهُ، وَوَلَّى عَلِيّاً أَخَاهُ العَهْدَ، فَدَامَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ عَلِيٌّ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، فَاحتَاجَ أَبُوْهُ أَنْ يعيده إلى العهد، وقام الأمير بَعْدَ النَّاصِرِ، وَلَمْ يُطوِّلْ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ فِي "مُسْنَدِ أَحْمَدَ" بِإِجَازتِهِ مِنْ وَالِدِهِ. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ الجِيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الظَّاهِرُ بِقِرَاءتِي، أَخْبَرَنَا أَبِي كِتَابَةً، عَنْ عَبْدِ المُغِيْثِ بنِ زُهَيْرٍ، أَخْبَرْنَا ابْنُ الحُصَيْنِ -فَذَكَرَ حَدِيْثاً. __________ 1 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "6/ 265"، وشذرات الذهب "5/ 109، 110". |
سير أعلام النبلاء
|
المعظم الحلبي، الظاهر:
5950- المعظم الحلبي 1: المَلِكُ المُعَظَّمُ أَبُو المَفَاخِرِ تُوْرَانْشَاه ابْنُ السُّلْطَانِ الكَبِيْرِ المُجَاهِدِ صلاَحِ الدُّنْيَا وَالدّينِ يُوْسُفَ بنِ أَيُّوْبَ، آخر مَنْ بَقِيَ مِنْ إِخْوَته. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. فَسَمِعَ بِدِمَشْقَ من يحيى الثقفي، وابن صدقة الحراني، وأجز لَهُ عَبْد اللهِ بن بَرِّيّ. انتخبَ لَهُ شَيْخُنَا الدِّمْيَاطِيّ جُزْءاً سَمِعَهُ مِنْهُ هُوَ وَسُنْقُر القَضَائِيّ، وَالقَاضِي شُقَيْر أَحْمَد بن عَبْدِ اللهِ، وَالتَّاجُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ النَّصِيْبِيّ، وَجَمَاعَةٌ؛ سَمِعُوا مِنْهُ فِي حَال الاسْتقَامَةِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَل المُسكرَ. وَكَانَ كَبِيْرَ آلِ بَيْتهِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ الملكُ النَّاصِر يُوْسُفُ يَتَأَدَّبُ مَعَهُ وَيُجلّه لأَنَّه أَخُو جدّه، فَكَانَ يَتصرَّف فِي الخَزَائِنِ وَالمَمَالِيْكِ، وَقَدْ حضَرَ غَيْرَ مَصَافّ، وَكَانَ فَارِساً شُجَاعاً عَاقِلاً دَاهِيَةً، وَكَانَ مُقدّمَ العَسَاكِرِ الحَلَبيَّةِ مِنْ دَهْرٍ، وَهُوَ كَانَ المقدَّم يَوْمَ كسرهِ الخُوَارِزْمِيَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ بِقُرْبِ الفُرَات فَأُسِرَ يَوْمَئِذٍ مُثْخَناً بِالجرَاحِ، وَانْهَزَم أَصْحَابُهُ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ الملكُ الصَّالِحُ وَلدُ الملكِ الأَفْضَلِ علي ابن صلاح الدين. ولما أخذ هُولاَكو حَلَب، عَصَتْ قلعتُهَا وَبِهَا المُعَظَّم هَذَا، فَحمَاهَا، ثُمَّ سلَّمهَا بِالأَمَانِ، وَعجز عَنْهَا وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَهَا إلَّا أَيَّاماً. مَاتَ فِي أَوَاخِرِ رَبِيْعٍ الأَوّلِ، سَنَةَ ثمانٍ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، عن إحدى وثمنين سنة، ودفن بدهليز داره. 5951- الظاهر 2: الملكُ الظَّاهِرُ غَازِي ابْنُ الملكِ العَزِيْزِ مُحَمَّدِ ابْنِ الظَّاهِرِ غَازِي أَخُو صَاحِبِ الشَّامِ الملكِ النَّاصِرِ يُوْسُفَ، يُلَقَّبُ سَيْفَ الدِّيْنِ، وَهُوَ شقيقُ الناصر. __________ 1 ترجمته في تذكرة الحفاظ "4/ 1441"، والنجوم الزاهرة "7/ 90"، وشذرات الذهب "5/ 292". 2 ترجمته في النجوم الزاهرة "7/ 206"، وشذرات الذهب "5/ 298". |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
هو أحد أقسام واضح الدلالة، وهو مقابل للخفي من مبهم الدلالة. والظاهر يعني: ما دل على معناه بصيغته من غير توقف على قرينة خارجية، مع احتمال التخصيص والتأويل. أمثلة: 1 - وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: 3] الآية ظاهرة الدلالة في إباحة الزواج. 2 - وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [البقرة: 231] ظاهر الدلالة أن لا يزيد المسلم على تطليقة واحدة. حكم الظاهر: وجوب العمل والأخذ بمقتضاه حتى يقوم دليل يخصصه أو يأوله. |
|
المفسر: داود بن عليّ بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان البغدادي، الملقب بالظاهري، مولى المهدي.
ولد: سنة (201 هـ) إحدى ومائتين. من مشايخه: سليمان بن حرب، وعمرو بن مرزوق، والقُعنبي وغيرهم. من تلامذته: ابنه محمد، وزكريا بن يحيى الساجي وغيرهما. كلام العلماء فيه: • تاريخ بغداد: "هو إمام أصحاب الظاهر، وكان ورعًا ناسكًا زاهدًا، وفي كتبه حديث كثير، إلا أن الرواية عنه عزيزة جدًّا". وقال: "قال: أبو العباس ثعلب -وقد سئل عن داود الأصبهاني- فقال: كان عقله أكثر من علمه". وقال المحاملي: رأيت داود بن عليّ يصلي، فما رأيت مسلمًا يشبهه في حسن تواضعه". ثم قال: "قلت: وكان داود قد حُكيَ لأحمد بن حنبل عنه قول في القرآن بَدَّعَهُ فيه وامتنع من الاجتماع معه بسببه. فأنبأنا أبو بكر البرقاني حدثنا يعقوب بن موسى الأردبيلي حدثنا أحمد بن طاهر ابن النجم حدثنا سعيد بن عمرو البرذعي. قال: كنا عند أبي زرعة، فاختلف رجلان من أصحابنا في أمر داود الأصبهاني والمزني، وهم فضل الرازي، وعبد الرحمن بن خراش البغدادي، فقال ابن خراش: داود كافر، وقال فضل المزني: جاهل، ونحو هذا من الكلام، فأقبل عليهما أبو زرعة يوبخهما وقال لهما: ما واحد منهما لكما بصاحب، ثم قال: من كان عنده علم فلم يصنه، ولم يقتصر عليه. والتجأ إلى الكلام، فما في أيديكما منه شيء ثم ¬__________ * طبقات المفسرين للداودي (1/ 171)، معجم المفسرين (1/ 181)، تاريخ الإسلام (وفيات الطبقة السابعة والعشرون) ط. تدمري، الفهرست لابن النديم (271)، تاريخ بغداد (8/ 369)، الأنساب (1/ 175)، المنتظم (12/ 235)، وفيات الأعيان (2/ 255)، السير (13/ 97)، العبر (2/ 47)، تذكرة الحفاظ (2/ 572)، ميزان الاعتدال (3/ 26)، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 284)، البداية والنهاية (11/ 51)، لسان الميزان (2/ 490)، النجوم (3/ 47)، طبقات الحفاظ (253)، الشذرات (3/ 297)، مفتاح السعادة (2/ 312)، الوافي (13/ 473)، الكامل (7/ 412)، التاج المكلل (45)، روضات الجنات (3/ 302)، كشف الظنون (2/ 1839)، هدية العارفين (1/ 359)، الأعلام (2/ 333)، معجم المؤلفين (1/ 700)، الجواهر المضية (2/ 419). قال: إن الشافعي لا أعلم تكلم في كتبه بشيء من هذا الفضول الذي قد أحدثوه، ولا أرى امتنع من ذلك إلا ديانة، وصانه الله لما أراد أن ينفذ حكمته، ثم قال: هؤلاء المتكلمون لا تكونوا منهم بسبيل فإن آخر أمرهم يرجع إلى شيء مكشوف ينكشفون عنه، هانما يَتموَّه أمرهم سنة، سنتين، ثم ينكشف، فلا أرى لأحد أن يناضل عن أحد من هؤلاء، فإنهم إن تهتكوا يومًا قيل لهذا المناضل أنت من أصحابه، وإن طلب يومًا طلب هذا به، لا ينبغي لمن يعقل أن يمدح هؤلاء، ثم قال لي: ترى داود هذا؟ لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهل العلم لظننت أنه يكمد أهل البدع بما عنده من البيان والآلة، ولكنه تعدى. لقد قدم علينا من نيسابور فكتب إلي محمد بن رافع ومحمد بن يحيى وعمرو بن زرارة وحسين بن منصور ومشيخة نيسابور بما أحدث هناك، فكتمت ذلك لما خفت من عواقبه، ولم أبدِ له شيئًا من ذلك، فقدم بغداد وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسن، فكلم صالحًا أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه، فأتى صالح أباه فقال له: رجل سألني أن يأتيك؟ قال: ما اسمه؟ قال: داود، قال: من أين؟ قال: من أهل أصبهان، قال: أي شيء صناعته؟ قال: وكان صالح يروغ عن تعريفه إياه، فما زال أبو عبد الله يفحص عنه حتى فطن فقال هذا قد كتب إلى محمد بن يحيى النيسابوري في أمره إنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني. قال: يا أبت ينتفي من هذا وينكره، فقال أبو عبد الله: أحمد بن محمد بن يحيى أصدق منه، لا تأذن له في المصير إلي. أخبرنا الحسن بن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضي. قال: وفي شهر رمضان منها -يعني سنة سبعين ومائتين- مات داود بن علي بن خلف الأصبهاني يكنى أبا سليمان، وهو أول من أظهر انتحال الظاهر، ونفى القياس في الأحكام قولًا، واضطر إليه فعلًا، فسماه دليلًا. وأخبرني الحسين بن إسماعيل المحاملي -وكان به خبيرًا- قال: كان داود جاهلًا بالكلام. وأخبرني أبو عبد الله الوراق أنه كان يورق على داود، وأنه سمعه -وسئل عن القرآن- فقال أما الذي في اللوح المحفوظ فغير مخلوق، وأما الذي هو بين النّاس فمخلوق". وقال أيضًا في تاريخ بغداد: "أخبرني الأزهري حدثنا محمد بن حميد اللخمي حدثنا القاضي بن كامل إملاء، قال حدثني أبو عبد الله الوراق المعروف بجوار. قال: كنت أورق على داود الأصبهاني، وكنت عنده يومًا في دهليزه مع جماعة من الغرباء، فسئل عن القرآن فقال: القرآن الذي قال الله تعالى: {{لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ}} [الواقعة: 79 وقال {{فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ}} [الواقعة: 78 غير مخلوق، وأما الذي بين أظهرنا يمسه الحائض والجنب فهو مخلوق، قال القاضي: هذا مذهب يذهب إليه الناشئ المتكلم، وهو كفر بالله، صح الخبر عن رسول الله - ﷺ -: أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو، فجعل - ﷺ - ما كتب في المصاحف، والصحف، والألواح وغيرها قرآنا. والقرآن على أي وجه قرئ وتلى فهو واحد غير مخلوق" أ. هـ. • المنتظم: "قدم داود بغداد فسأل صالح بن أحمد بن حنبل أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه، فاستأذن له، فقال أحمد: قد كتب إلي محمد بن يحيى النيسابوري في أمره، أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني، وفي رواية عنه: أنه قال الذي في اللوح المحفوظ غير مخلوق، والذي يقرأ الناس مخلوق" أ. هـ • السير: "قال أحمد بن كامل القاضي: أخبرني أبو عبد الله الوراق: أنه كان يورق على داود بن علي، وأنه سمعه يسأل عن القرآن، فقال: أما الذي في اللوح المحفوظ: فغير مخلوق، وأما الذي هو بين الناس: فمخلوق. قلت: هذه التفرقة والتفصيل ما قالها أحد قبله، فيما علمت، وما زال المسلمون على أن القرآن العظيم كلام الله، ووحيه وتنزيله، حتى أظهر المأمون القول: بأنه مخلوق، وظهرت مقالة المعتزلة، فثبت الإمام أحمد بن حنبل، وأئمة السنة على القول: بأنه غير مخلوق. إلى أن ظهرت مقالة حسين بن علي الكرابيسي، وهي: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن ألفاظنا به مخلوقة، فأنكر الإمام أحمد ذلك، وعدَّه بدعة، وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن، فهو جهمي. وقال أيضًا: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، فزجر عن الخوض في ذلك من الطرفين. وأما داود فقال: القرآن محدث. فقام على داود خلق من أئمة الحديث، وأنكروا قوله وبدعوه، وجاء من بعده طائفة من أهل النظر، فقالوا: كلام الله معنى قائم بالنفس، وهذه الكتب المنزلة دالة عليه، ودققوا وعمقوا، فنسأل الله الهدى واتباع الحق، فالقرآن العظيم، حروفه ومعانيه وألفاظه كلام رب العالمين، غير مخلوق، وتلفظنا به وأصواتنا به من أعمالنا المخلوقة، قال النبي - ﷺ -: زينوا (القرآن بأصواتكم). ولكن لما كان الملفوظ لا يستقل إلا بتلفظنا، والمكتوب لا ينفك عن كتابة، والمتلو لا يسمع إلا بتلاوة تالٍ، صعب فهم المسألة، وعسر إفراز اللفظ الذي هو الملفوظ من اللفظ الذي يعني به التلفظ، فالذهن يعلم الفرق بين هذا وبين هذا، والخوض في هذا خطر. نسأل الله السلامة في الدين وفي المسألة بحوث طويلة، الكفُّ عنها أولى، ولا سيما في هذه الأزمنة المزمنة وقال: "وقيل إنه كان في مجلسه أربع مئة صاحب طيلسان أخضر، وكان من المتعصبين للشافعي، وصنف كتابين في فضائله والثناء عليه، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، وأصله من أصفهان، ومولده بالكوفة، ومنشؤه ببغداد، وقبره بها في الشونيزية. وقال أبو بكر الخلّال: أخبرنا الحسين بن عبد الله، قال: سألت المروذي عن قصة داود الأصبهاني، وما أنكر عليه أبو عبد الله، فقال: كان داود خرج إلى خراسان، إلى ابن راهويه، فتكلم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد الجيد والآخر. شهدا عليه أنه قال: القرآن محدث. فقال لي أبو عبد الله: من داود بن علي؟ لا فرج الله عنه. قلت: هذا من غلمان أبي ثور. قال: جاءني كتاب محمّد بن يحبى النيسابوري أن داود الأصبهاني قال ببلدنا: إن القرآن محدث. قال المروذي: حدثني عند بن إبراهيم النيسابوري، أن إسحاق بن راهويه لما سمع كلام داود في بيته، وثب على داود وضربه، وأنكر عليه. الخلال: سمعت أحمد بن محمّد بن صدقة، سمعت محمّد بن الحسين بن صبيح، سمعت داود الأصبهاني يقول: القرآن محدث، ولفظي بالقرآن مخلوق". ثم قال: "لا ريب أن كل مسألة انفرد بها، وقطع ببطلان قوله فبها، فإنها هدر وإنما يحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب أو تابع فهي من مسائل الخلاف، فلا تهدر. وفي الجملة، فداود بن عليّ بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر رأس في معرفة الخلاف، من أوعية العلم، له ذكاء خارق وفيه دين متين، وكذلك في فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر، وذكاء قوي، فالكمال عزيز، والله الموفق" أ. هـ. • تاريخ الإسلام: "فهؤلاء الظاهرية كذلك، يُعتد بخلافهم، فإن لم نفعل صار ما تفردوا به خارقًا للإجماع، ومن خرق الإجماع المتيقن فقد مرق من الملة، لكن الإجماع المتيقن هو ما علم بالضرورة من الدين: كوجوب رمضان، والحج، وتحريم الزنا، والسرقة، والربا، واللواط. والظاهرية لهم مسائل شنيعة، لكنها لا تبلغ ذلك، والله أعلم. وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: الذي اختاره أبو منصور وذكر أنه الصحيح من المذهب إنه يعتبر خلاف داود. قال ابن الصلاح: هذا هو الذي استقر عليه الأمر آخرًا هو الأغلب الأعرف من صفوة الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد، والماوردي، وأبي الطيب، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم. قال: ورأى أن يعتبر قوله إلا فيما خالف فيه القياس الجليّ، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، واتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله التغوط في الماء الراكد، وتلك المسائل الشنيعة، وقوله: لا زنا في السُّنَّة المنصوص عليها، فخلافه في هذا ونحوه غير مُعتدّ به، لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه، والله أعلم" أ. هـ. • ميزان الاعتدال: "هذا أدل شيء على جهله بالكلام، فإن جماهيرهم ما فرقوا بين الذي في اللوح المحفوظ وبين الذي في المصاحف، فإن الحدث لازم عندهم لهذا ولهذا وإنما يقولون القائم بالذات المقدسة غير مخلوق، لأنه من علمه تعالى، والمنزل إلينا محدث، ويتلون قوله تعالى: {{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}} [الأنبياء: 2 والقرآن كيفما تلي أو كتب أو سمع فهو وحي الله وتنزيله غير مخلوق" أ. هـ. • البداية والنهاية: "وقد كان من الفقهاء المشهورين، ولكن حصر نفسه بنفيه للقياس الصحيح، فضاق بذلك ذرعه في أماكن من الفقه، فلزمه القول بأشياء قطعية صار إليها بسبب اتباعه الظاهر الجرد من غير تفهم لمعنى النص، وقد اختلف الفقهاء القياسيون بعده في الاعتداد بخلافه. هل ينعقد الإجماع بدونه مع خلافه أم لا؟ على أقوال ... " أ. هـ. • لسان الميزان: "وقد ذكره ابن أبي حاتم فأجاد في ترجمته، فإنه قال: روى عن إسحاق الحنظلي، وجماعة من المحدثين، وتفقه للشافعي رحمه الله تعالى، ثم ترك ذلك، وتفقه القياس. وألف في الفقه على ذلك كتبا شذ فيها عن السلف، وابتدع طريقة هجره أكثر أهل العلم عليها، وهو مع ذلك صدوق في روايته ونقله واعتقاده، إلا أن رأيه أضعف الآراء، وأبعدها من طريق الفقه، وأكثرها شذوذا. ونقل وراق داود، عن أبي حاتم أنه قال في داود: ضال مضل، لا يلتفت إلى وساوسه وخطراته. وقال مسلمة بن قاسم: كان داود من أهل الكلام والحجة واستنباط لفقه الحديث، صاحب أوضاع، ثقة إن شاء الله تعالى. وقال النباتي في "الحافل"، بعد أن حكى قول الأزدي: لا يقنع برأيه ولا بمذهبه، تركوه. ماضر داود ترك تارك مذهبه أمن، ورائه فرأى كل أحد، ومذهبه متروك، إلا أن يعضده قرآن أو سنة، وداود بن علي، ثقة فاضل إمام من الأئمة، لم يذكره أحد بكذب ولا تدليس في الحديث، رحمه الله تعالى" أ. هـ. وفاته: سنة (270 هـ) سبعين ومائتين. |
|
اللغوي: محمّد فالح بن محمّد بن عبد الله بن فالح المهندي الظاهرى، أبو النجاح، وأبو اليسر.
ولد: سنة (1258 هـ) ثمان وخمسين ومائتين وألف. من مشايخه: الشيخ السنوسي، وأبو موسى عمران الياصلي الحسني وغيرهما. من تلامذته: الكتاني وغيره. كلام العلماء فيه: • الأعلام: "عالم بالحديث واللغة، من أهل المدينة المنورة وبها وفاته" أ. هـ. • معجم المؤلفين: "محدث، حافظ، فقيه، أصولي، لغوي، صوفي، شارك في عدة علوم" أ. هـ. • فهرس الفهارس: "هو محدث المدينة المنورة ومسندها وبقية ذوي الإسناد العالي فيها المتبحر في علوم الأدب واللغة والتصوف المعتقد في طريقة أهله، العارف بفقه الحديث وفنه، الداعي إلى السنة والأثر قولًا وعملًا واعتقادًا .. ولبس الخرقة عن الشيخ العارف السنوسي" أ. هـ. • قلت: قال صاحب الترجمة في كتابه (حسن الوفا لأخوان الصفا): اعلم أن المعتبر في الأسانيد الحديثية العلو وفي الأسانيد الصوفية النزول ¬__________ * إنباء الغمر (8/ 189)، الوجيز (2/ 504)، الضوء اللامع (8/ 138)، بغية الوعاة (1/ 169)، الشذرات (9/ 290). (¬1) البارنباري في الضوء (ببارنبار) قربة بالمزاحميتين. * فهرس الفهارس (2/ 895)، رياض الجنة (141)، معجم المطبوعات لسركيس (1433)، الأعلام (6/ 326)، معجم المؤلفين (3/ 579) و (2/ 609)، "حسن الوفا لإخوان الصفا" للمترجم له - طبعة شركة المكارم بالإسكندرية، سنة (1323 هـ)، موسوعة الفرق والجماعة والمذاهب الإسلامية (22). فالأول ليقل الخطأ والثاني لتعم البرك بكثرة الرجال كذا ذكره جماعة والله الموفق". وقال: "الولي المقرب سيدي العربي بن أحمد في الجواهر القرطاس: أنه لا أسرع بالمواهب اللدنية والفتوحات الربانية من ذكر الاسم (الله) مصورًا أحرفه الأربعة تصويرًا خياليًا بين عينيه، ويستمر هكذا مصورًا ذاكرًا إلى أن ينقطع النفس الأول وهكذا في النفس الثاني وهلم جرًا (ولبسهما) ابن حرزهم أيضًا من ابن العربي من الغزالي من أبي المعالي .. الخ، (المسلسل بالمصافحة): صافحني شيخنا الأستاذ الحافظ وقال من صافحني أو صافح من صافحني إلى يوم القيامة دخل الجنة .. " أ. هـ. وفاته: سنة (1328 هـ) ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف بالمدينة المنورة. من مصنفاته: "أنجح الساعي في الجمع بين صفتي السامع والواعي" في الفقه، و"صحائف العامل بالشرع الكامل"، و"حسن الوفا لإخوان الصفا". |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إن الثنائية الفضفاضة (ثنائية الخالق والمخلوق والإنسان/الطبيعة) ليست اثنينية أو ثنائية صلبة لأن الإنسان، من خلال النزعة الربانية داخله، ينفصل عن الإله وعن الطبيعة ولكنه يتفاعل ويتجاوب معهما، ومن خلال تفاعله يكتسب المقدرة على التجاوز وتزداد حريته. والوجود الإنساني الأمثل ليس محو النزعة الجنينية والتعبير الخالص عن النزعة الربانية، ولا هو محو النزعة الربانية والتعبير الخالص عن النزعة الجنينية، وإنما التكامل والتقابل بينهما. وهذه الثنائية الوجودية الأنطولوجية الأساسية الفضفاضة تتجلى في المنظومات المعرفية (مجهول/معروف ـ غيب/علم ـ مطلق/نسبي ـ روح/جسد) والمنظومات الأخلاقية (خير/شر) والدلالية (دال/مدلول) والجمالية (جميل/قبيح) ، وعلى كل المستويات (ذكر/أنثى ـ أعلى/أسفل ـ سماء/أرض) . وهناك ثنائية غير متعادلة تُفترَض فيها أسبقية العنصر الأول على العنصر الثاني (جميل/قبيح) ولكن هناك أيضاً ثنائيات لا تُفترَض فيها أسبقية عنصر على الآخر (ذكر/أنثى) وإن كانت تفترض الاختلاف.
الباب الرابع: الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية في كل المداخل السابقة حاولنا أن نبيِّن أن ثمة ثنائية فضفاضة تسم الوجود الإنساني (الخالق/المخلوق ـ النزعة الربانية/النزعة الجنينية ـ الإنسان/الطبيعة) . وثنائية الإنسان/الطبيعة هي أهم هذه الثنائيات. وقد عبَّرت عن نفسها في الجدل المثار في العلوم الإنسانية منذ بداية ظهورها في القرن التاسع عشر وهل هناك «علم طبيعي» مختلف عن «العلوم الإنسانية» أم أن هناك وحدة (أي واحدية) للعلوم. ويُطلَق مصطلح» العلم الطبيعي» على كل دراسة تتناول معطيات الواقع المادي بكلياته وجزئياته. ووسيلة هذه الدراسة هي منهج الملاحظة المباشرة والتجربة المتكررة والمتنوعة. والدراسة وكذلك عمليات التجريب تتم بهدف التفسير من خلال التوصل إلى تعميمات وقوانين تحقق الانتقال من الخاص إلى العام وتكشف عن العلاقات المطّردة الثابتة بين الظواهر. وهذه القوانين يتم التعبير عنها عن طريق تحويل صفات الكيف (التي لا تُقاس) إلى صفات كم بحيث يتم التعبير عنها برموز رياضية. وتتميَّز قوانين العلوم الطبيعية بأنها دقيقة وعامة تتخطى الزمان والمكان، وهي حتمية (ولكنها، بعد اهتزاز الحتمية، أصبحت احتمالية ترجيحية: ترجيحية تقارب اليقين وتظل صالحة للاستعمال حتى يثبت بطلانها (. ويذهب البعض إلى أن نموذج العلوم الطبيعية (بما ينطوي عليه من واحدية موضوعية مادية) لابد أن يُطبَّق في كل العلوم الأخرى (وضمن ذلك العلوم الاجتماعية والإنسانية) . وقد لاحظ كثير من العلماء في الشرق والغرب خلل مثل هذه المحاولة نذكر منهم د. حامد عمار، د. توفيق الطويل، د. حسن الساعاتي (الذين يعتمد هذا المدخل على كتاباتهم) وبينوا الاختلافات بين الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية، ونوجزها فيما يلي: 1ـ أ) الظاهرة الطبيعية مُكوَّنة من عدد محدود نسبياً من العناصر المادية التي تتميَّز ببعض الخصائص البسيطة، وهذا يعني أنه يمكن تفتيتها إلى الأجزاء المكوِّنة لها. كما أن الظاهرة الطبيعية توجد داخل شبكة من العلاقات الواضحة والبسيطة نوعاً والتي يمكن رصدها. ب) الظاهرة الإنسانية مُكوَّنة من عدد غير محدود تقريباً من العناصر التي تتميَّز بقدر عال من التركيب ويستحيل تفتيتها لأن العناصر مترابطة بشكل غير مفهوم لنا. وحينما يُفصَل الجزء عن الكل، فإن الكل يتغيَّر تماماً ويفقد الجزء معناه. والظاهرة الإنسانية توجد داخل شبكة من علاقات متشابكة متداخلة بعضها غير ظاهر ولا يمكن ملاحظته. 2ـ أ) تنشأ الظواهر الطبيعية عن علة أو علل يسهل تحديدها وحصرها، ويسهل بالتالي تحديد أثر كل علة في حدوثها وتحديد هذا الأثر تحديداً رياضياً. ب) الظاهرة الإنسانية يصعب تحديد وحصر كل أسبابها، وقد تُعرَف بعض الأسباب لا كلها، ولكن الأسباب تكون في العادة متداخلة متشابكة، ولذا يتعذر في كثير من الحالات حصرها وتحديد نصيب كل منها في توجيه الظاهرة التي ندرسها. 3ـ أ) الظاهرة الطبيعية وحدة متكررة تَطَّرد على غرار واحد وبغير استثناء: إن وُجدت الأسباب ظهرت النتيجة. ومن ثم، نجد أن التجربة تُجرَى في حالة الظاهرة الطبيعية على عينة منها ثم يُعمَم الحكم على أفرادها في الحاضر والماضي والمستقبل. ب) الظاهرة الإنسانية لا يمكن أن تَطَّرد بنفس درجة الظاهرة الطبيعية لأن كل إنسان حالة متفردة، ولذا نجد أن التعميمات، حتى بعد الوصول إلىها، تظل تعميمات قاصرة ومحدودة ومنفتحة تتطلب التعديل أثناء عملية التطبيق من حالة إلى أخرى. 4ـ أ) الظاهرة الطبيعية ليس لها إرادة حرة ولا وعي ولا ذاكرة ولا ضمير ولا شعور ولا أنساق رمزية تُسقطها على الواقع وتدركه من خلالها، فهي خاضعة لقوانين موضوعية (برانية) تحركها. ب) الظاهرة الإنسانية على خلاف هذا، ذلك لأن الإنسان يتسم بحرية الإرادة التي تتدخل في سير الظواهر الإنسانية، كما أن الإنسان له وعي يسقطه على ما حوله وعلى ذاته فيؤثر هذا في سلوكه. والإنسان له ذاكرة تجعله يُسقط تجارب الماضي على الحاضر والمستقبل، كما أن نمو هذه الذاكرة يُغيِّر وعيه بواقعه. وضمير الإنسان يجعله يتصرف أحياناً بشكل غير منطقي (من منظور البقاء والمنفعة المادية) ، كما أن الأنساق الرمزية للإنسان تجعله يُلوِّن الواقع البراني بألوان جوانية. 5ـ أ) الظواهر الطبيعية ينم مظهرها عن مخبرها ويدل عليه دلالة تامة بسبب ما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل يُوحِّد بينهما فيجعل الظاهرة الطبيعية كلاًّ مصمتاً تحكمه من الداخل والخارج قوانين بالغة الدقة لا يمكنها الفكاك منها، ولهذا تنجح الملاحظة الحسية والملاحظة العقلية في استيعابها كلها. ب) الظواهر الإنسانية ظاهرها غير باطنها (بسبب فعاليات الضمير والأحلام والرموز) ولذا فإن ما يَصدُق على الظاهر لا يَصدُق على الباطن. وحتى الآن، لم يتمكن العلم من أن يُلاحظ بشكل مباشر التجربة الداخلية للإنسان بعواطفه المكبوتة وأحلامه الممكنة أو المستحيلة. 6ـ أ) لا يوجد مكوِّن شخصي أو ثقافي أو تراثي في الظاهرة الطبيعية؛ فهي لا شخصية لها، مجردة من الزمان والمكان تَجرُّدها من الوعي والذاكرة والإرادة. ب) المكوِّن الشخصي والثقافي والذاتي مكوِّن أساسي في بنية الظاهرة الإنسانية. والثقافة ليست شيئاً واحداً وإنما هي ثقافات مختلفة، وكذا الشخصيات الإنسانية. 7ـ أ) معدل تحوُّل الظاهرة الطبيعية يكاد يكون منعدماً (من وجهة نظر إنسانية) ، فهو يتم على مقياس كوني، كما أن ما يلحق بها من تغير يتبع نمط برنامج محدد، ولذا فإن الظواهر الطبيعية في الماضي لا تختلف في أساسياتها عنها في الحاضر، ويمكن دراسة الماضي من خلال دراسة الحاضر. ب) معدل التغيُّر في الظواهر الإنسانية أسرع بكثير ويتم على مقياس تاريخي، وما يطرأ عليها من تغير قد يتبع أنماطاً مسبقة ولكنه قد ينسلخ عنها. وعالم الدراسات الاجتماعية لا يستطيع أن يرى أو يسمع أو يلمس الظواهر الإنسانية التي وقعت في الماضي، ولذا فهو يدرسها عن طريق تقارير الآخرين الذين يلونون تقاريرهم برؤيتهم، فكأن الواقعة الإنسانية في ذاتها تُفقَد إلى الأبد فور وقوعها. 8ـ أ) بعد دراسة الظواهر الطبيعية والوصول إلى قوانين عامة، يمكن التثبت من وجودها بالرجوع إلى الواقع. ولأن الواقع الطبيعي لا يتغيَّر كثيراً، فإن القانون العام له شرعية كاملة عبر الزمان والمكان. ب) بعد دراسة الظواهر الإنسانية، يصل الإنسان إلى تعميمات. فإن هو حاول تطبيقها على مواقف إنسانية جديدة فإنه سيكتشف أن المواقف الجديدة تحتوي على عناصر جديدة ومكونات خاصة إذ من غير الممكن أن يحدث في الميادين الاجتماعية ظرفان متعادلان تماماً، ومتكافئان من جميع النواحي. 9ـ أ) لا تتأثر الظواهر الطبيعية بالتجارب التي تُجرَى عليها سلباً أو إيجاباً، كما أن القوانين العامة التي يُجرِّدها الباحث والنبوءات التي يطلقها لن تؤثر في اتجاهات مثل هذه الظواهر، فهي خاضعة تماماً للبرنامج الطبيعي. ب) تتأثر العناصر الإنسانية بالتجربة التي قد تُجرَى عليها، فالأفراد موضوع البحث يحوِّلون من سلوكهم (عن وعي أو عن غير وعي) لوجودهم تحت الملاحظة، ففي إمكانهم أن يحاولوا إرضاء صاحب التجربة أو يقوضوا نتائجه. كما أن النبوءات التي يطلقها الباحث قد تزيد من وعي الفاعل الإنساني وتغيِّر من سلوكه. 10ـ أ) بإمكان الباحث الذي يدرس الظاهرة الطبيعية أن يتجرد إلى حدٍّ كبير من أهوائه ومصالحه لأن استجابته للظاهرة الطبيعية وللقوانين الطبيعية يَصعُب أن تكون استجابة شخصية أو أيديولوجية أو إنسانية، ولذا يمكن للباحث أن يصل إلى حدٍّ كبير من الموضوعية. ب) أما الباحث الذي يدرس الظاهرة الإنسانية فلا يمكنه إلا أن يستجيب بعواطفه وكيانه وتحيزاته، ومن خلال قيمه الأخلاقية ومنظوماته الجمالية والرمزية، ولذا يَصعُب عليه التجرد من أهوائه ومصالحه وقيمه التي تعوقه في كثير من الأحيان عن الوصول إلى الموضوعية الصارمة. ولكل ما تقدَّم، فإن من الممكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة المتكررة على العناصر الطبيعية ويمكن قياسها بمقاييس كمية رياضية فهي تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ويمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة تتسم بالدقة تنطبق على الظاهرة في كليتها وفي جوانيتها وبرانيتها. أما الظاهرة الإنسانية، فلا يمكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة عليها ويستحيل تصويرها بالمعادلات الرياضية الدقيقة إذ لا تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ولذا لا يمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة (وإن تم التوصل إلى قوانين فلابد أنه تعوزها الدقة والضبط) . وهناك عدد كبير من الكُتَّاب الغربيين من أوائلهم فيكو ومن أهمهم كانط وديلتاي وريكرت ينطلقون من محاولة التمييز بين الإنسان والطبيعة. ولكن غالبية المفكرين الغربيين يدورون في إطار الواحدية المادية (أو الواحدية المثالية) ويحاولون القضاء على هذه الثنائية تماماً وإلغاء الحيز الإنساني وبالتالي يدافعون عن وحدة (أو واحدية) العلوم. إشكالية الإنسانى والطبيعى في العالم العربى ثمة وعي عميق بإشكالية التمييز بين الإنساني والطبيعي في الأدبيات العربية، فالمفكر الماركسي د. فؤاد مرسي يدعو بوضوح في كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية (في دراسة له بعنوان "المنهج بين الوحدة والتعدد") إلى عدم التمييز بين الإنسان والطبيعة فيُعرِّف الإنسان بأنه "قوة من قوى الطبيعة"؛ إنسان طبيعي/مادي يتكيف معها ولكنه في الوقت نفسه يُعيد صياغتها. وهذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجه الماديين ودعاة العلمانية الشاملة: هل الإنسان الطبيعي/المادي يزعن للطبيعة أم يهيمن عليها؟ وتتضح الإشكالية في كتابات د. فؤاد مرسي نفسه، فهو يؤكد أن الإنسان سيزداد وعياً ومن ثم سيزداد بُعداً عن الحيوان. ولكنه يعود ويُعرِّف الإنسان في إطار طبيعي مادي ويجد أن "الاقتصاد هو مجال رئيسي للعلاقة المتبادلة بين الطبيعة والمجتمع"، فبعد أن "ابتعد" الإنسان عن الحيوان، وهو ما يعني ابتعاده عن الطبيعة وتفوقه عليها فإنه يعود فيدخل في علاقة "تبادلية" تفترض المساواة الكاملة. وتظهر هذه التبادلية بشكل أوضح حين يُوحِّد د. فؤاد مرسي بين الطبيعة والمادة فيقول "لهذا أصبح العلم كله، طبيعياً واجتماعياً، علماً ذا طابع اجتماعي". و"أصبح تَقدُّم البشرية حالياً رهناً إلى حدٍّ كبير بالتداخل الأكبر والتفاعل بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية". والتداخل والتفاعل قد يعني ثنائية (وهو ما يرفضه الفكر المادي) ، وقد يعني مساواةً وتَوحُّداً، وهو الأرجح، ولذا نجده في السطر التالي يقول: "إن كل محاولة للفصل بين المجتمع والطبيعة تصبح محاولة وهمية. فوجود المجتمع هو جانب من وجود الطبيعة". ولكنه يعود للثنائية فيقول: "وتاريخ المجتمع هو تاريخ امتلاك الإنسان للطبيعة"، ثم يعود للواحدية فيقول: "إن وحدة الثورتين التكنولوجية والاجتماعية كفيلة في المستقبل أن تجعل من البشر لأول مرة في التاريخ، السادة الحقيقيين للطبيعة". ثم يتحدث عن احتدام الصراع بين الطبيعة والإنسان وعن "الإنسان الشامل الذي يختزن في نفسه قدراً لا مثيل له من المعرفة بالكون كله". ولكن ما هي النتيجة النهائية لهذا التأرجح الكوميدي بين الاندماج العضوي في الطبيعة والإذعان لها من جهة، والانفصال عنها وتملكها والهيمنة عليها من جهة أخرى. يختتم الدكتور مرسي مقاله بقوله "هناك يتوحَّد الإنسان تماماً مع المجتمع والطبيعة"، أي أن الحالة الجنينية والواحدية المادية تنتصر تماماً. وعلى كلٍّ، فإن عنوان هذا الجزء من المقال هو "نحو وحدة الكون" وليس "نحو مركزية الإنسان في الكون أو هيمنته عليه". ولكن العدد الأكبر من علمائنا الأجلاء كانوا من المدافعين عن الإنسان ضد المادية والطبيعية. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور حامد عمار في كتابه من همومنا التربوية والثقافية: "إن منهج التفكير العلمي الذي أرسته العلوم الطبيعية قد شاع باعتباره المنهج الصحيح الوحيد في الوصول إلى المعرفة الصحيحة. واصطنعت العلوم الاجتماعية الإنسانية هذا المنهج في دراستها وبحوثها. بيد أن معظمها قد توقف عند المرحلة النيوتونية من مناهج البحث العلمي الطبيعي، واختزال المنهج إلى تجزئة الظواهر وتفكيك أجزائها، ومحاولة فرض الفروض المرتبطة بذلك الجزء أو ذاك، وإخضاع الفروض حوله للقياس والاختبار. وجرى العُرْف عند الكثيرين على اعتبار النتائج علمية ثابتة غير قابلة للتعديل. "وأُطلق على هذه التجزئة للظواهر وإخضاعها للدراسة الميدانية العينية ما عُرف باسم المنهج الإمبيريقي أو الوصفي، محللاً للظاهرة كما تُوجَد في موقعها الزماني والمكاني ... ودون تَصوُّر لأنواع العلاقات ودينامياتها في الظاهرة المدروسة مع سياقها الثقافي الاجتماعي. ومن ثم فقدت الدراسة منظوماتها العضوية الدينامية في إطار الزمان والمكان والبُعد التاريخي لنشأتها وتطورها وتوظيفها الاجتماعي. واستقر في أذهان كثير من الباحثين الاجتماعيين أن نتائجهم علمية لا يرقى إليها التصحيح ... وأصبح من المسلمات في الرسائل الجامعية في العلوم الاجتماعية الإنسانية ألا تُعاد دراسة الموضوع؛ لأن ما سبق من بحوث قد استقر [باعتباره] حقائق علمية. ثم إن هذه البحوث تدَّعي الموضوعية العلمية المطلقة، وأن لا شأن لذات الباحث أو أيديولوجيته أو تحيزاته أي تدخُّل في مختلف مراحل البحث وتفسيراته، فالنتائج جاءت «علمية» من خلال معطيات الواقع العيني. "ومع هذا الاختزال الإمبريقي الوضعي الوظيفي للمنهج العلمي الطبيعي في آفاقه الرحبة والمتجددة، فإن ثمة مناهج أخرى للمعرفة العلمية تبدأ من الملاحظة والمشاركة الملاحظة (بكسر الحاء) امتداداً إلى الحس التاريخي والوعي الذاتي. والبصيرة والحدس، والفهم الكيفي في السياق الثقافي الاجتماعي التاريخي والخبرة الإنسانية. وليس بالضرورة أن تلجأ تلك المناهج إلى البيانات الرقمية والقياس؛ إذ أن تلك الأدوات كثيراً ما تُشوِّه المعرفة بعالم الوعي والخبرة والفهم النوعي للواقع وإمكانات المستقبل، فضلاً عن قصورها عن فهم القيم وديناميات الدوافع والأخلاق. "إن هذه الأساليب والأدوات المعرفية تصبح علمية طالما قامت على ملاحظة منتظمة أو خبرة مطردة، وطالما كانت بياناتها وشواهدها منطقية ومتسقة في نموذج مفاهيمي. وتتدعم علميتها مع اختبارها وتقييمها على أرض الواقع ومن خلال الممارسة، وقد تتدعم فيما بعد بجوانب كمية للتوضيح والتعزيز. ومن هنا فإن على العلوم الاجتماعية الإنسانية أن تُعنَى بمعالجة القضايا النوعية والقيمية المستمدة من الخبرة الإنسانية ومجالاتها فيما يستقر بها من الشعور والوعي ومن اللاشعور والحدس دون أن تُنقص عوامل الذاتية من جدوى المعارف المُتوَلدة من مثل هذه المناهج. وفي قضايا التربية والاجتماع وعلم النفس مساحات عريضة لجدوى توظيف تلك المناهج بما فيها من ضبط وتنظيم وقابلية للمراجعة والتفنيد والتطوير". وفي كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية، يُبيِّن الدكتور حسن الساعاتي في مقال بعنوان "إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية" أن علماء الاجتماع الذين تأثَّروا بمناهج الدراسة والعلوم الطبيعية يذهبون إلى "أن العلوم الاجتماعية، وعلى رأسها علم الاجتماع، لا تكوِّن علوماً بمعنى الكلمة، أي دقيقة ومضبوطة النتائج، إلا إذا تَرسَّم علماؤها خطى الباحثين في العلوم الطبيعية التي يرتكز محور التفكير في ظواهرها على التجريب، أي ما يجرونه عليها من تغيير مقصود وبطريقة مرسومة من قبل، مستهدفين أهدافاً معيَّنة يستنتجون منها الحقائق، إذا تكرر استقراؤها من تجارب مماثلة صارت نظريات علمية أو قوانين ثابتة. "وقد فات هؤلاء العلماء ... ، وغيرهم ممن قلدوهم في مسارهم الفكري بدون رويّة واستبصار، أن الظواهر الاجتماعية تختلف تماماً عن الظواهر الطبيعية التي لا عقل ولا إرادة لعناصرها، والتي ينمُّ مظهرها عن مخبرها، لأنها، في رأينا، أحادية النسق، تحكمها كلاًّ أو جزءاً قوانين ونظريات واحدة لا تتبدل. ولذلك نجد أن كلاًّ من الملاحظة الحسية، أي المشاهدة، والملاحظة العقلية، أي التأمل والاستبصار، وجميع خطوات التجريب التي تُجرَى عليها، بوصفها ظواهر طبيعية أحادية النسق، تستوعبها كلها في جميع مظاهرها، لأن ظاهرها لا يختلف عن باطنها في شيء، حتى إنه ليدل عليه دلالة تامة، لما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل متكامل. "أما الظواهر الاجتماعية فتختلف عن الظواهر الطبيعية في أنها، بوصفها ظواهر عنصرها الأساسي الإنسان الاجتماعي العاقل ذو الإرادة، الذي يعيش مُعاشراً لغيره من البشر ومرتبطاً بهم بشتى العلاقات الاجتماعية، نقول تختلف في أنها ثنائية النسق. فكما أن للإنسان جوانية وبرانية، فهي بالمثل ذات نسقين، أحدهما جواني أي باطن، والآخر براني أي ظاهر. ومادامت كذلك، فإن البحث فيها ينقسم إلى قسمين: أحدهما يُعنَى بالنسق البراني، أي بما يتبدَّى من الظاهرة الاجتماعية للحواس فتدركه وتتعقله، والآخر يُركِّز على النسق الجواني الخفي منها، الذي يُعدُّ غرفة عمليات للنسق البراني، ليستجلبه ويدركه ويتعقله". إشكالية الموضوعية والذاتية: مقدمة تترجم الإشكاليات السابقة نفسها إلى إشكالية الموضوعي والذاتي، فإذا كان الإنسان كياناً طبيعياً مادياً فبالإمكان رصده بشكل مادي براني وكأنه شيء بين الأشياء، وهو شيء لا تفرُّد فيه ومن ثم يمكن رده باعتباره جزءاً إلى الكل الطبيعي/المادي يسري عليه ما يسري على الكائنات المادية الأخرى، ومن ثم لا يوجد فارق بين الجزء الإنساني والكل الطبيعي/المادي، فتمحي كل الثنائيات وتُرد كل الظواهر إلى مبدأ (مادي) واحد وننتهي في الواحدية الموضوعية المادية. أما إذا كان الإنسان كياناً مركباً يحوي عناصر مادية تُرد إلى عالم الطبيعة/المادة وعناصر غير مادية، فالرصد البراني، الموضوعي المادي، يصبح غير كاف، ويصبح كل إنسان فرد كيانه مستقل عن الكل، ولا يسقط الإنسان في قبضة الواحدية الموضوعية المادية. وليام ديلتاى (1833 – 1911 ( عالم اجتماع ألماني، كان قليل الكتابة، ويعود إسهامه الأساسي في محاولته التنبيه إلى أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية. وقد أكد ديلتاي أن معرفة الإنسان من خلال الملاحظة البرانية وتبادل المعلومات الموضوعية المادية عنه أمر غير ممكن، فهو كائن ذو قصد، أي أن سلوكه تحدده دوافع إنسانية جوانية (معنى ـ ضمير ـ إحساس بالذنب ـ رموز ـ ذكريات الطفولة ـ تأمل في العقل) يصعب شرحها وشرح أسبابها. والإنسان لا يعيش منعزلاً وإنما يتفاعل مع الآخرين وتتحدد تجربته الشخصية من خلال هذا التفاعل. ولكل هذا، لا يمكننا أن نشرح الإنسان وسلوكه بشكل براني أو نخضعه للتجريب. ولكن ديلتاي يشير إلى حقيقة أساسية وهي أننا قد لا نعرف العقل البشري بنفس الدرجة أو الطريقة التي تُعرَف بها الأشياء ولكن هناك مناهج أخرى غير مناهج العلوم الطبيعية. فالعلوم الطبيعية لا تنفذ إلى كينونة الأشياء والعمليات الفيزيائية، أما الجوهر الإنساني فيمكننا الوصول إليه مباشرةً من خلال تَفهُّم ومعايشة تجربة الآخر والتعاطف معها وتخيلها وفهم المعنى الذي يسقطه الفاعل الإنساني على فعله. كما أن ثمة ثنائية جوهرية تبين الفرق بين الإنساني والطبيعي وبين مناهج العلوم الاجتماعية ومناهج العلوم الطبيعية، وهي ثنائية تتبدَّى في قول دلتاي ليس بإمكاننا أن نشرح الإنسان وإنما نحن نشرح الطبيعة بطريقة برانية ونفهم أو نتفهم (فرشتيهن) الإنسان، أي نُفسِّره بطريقة اجتهادية جوانية. الهرمنيوطيقا «هرمنيوطيقا» من الكلمة اليونانية «هرمنويين hermeneuin» بمعنى «يُفسِّر» أو «يُوضح» . والفعل مشتق من كلمة «هرمنيوس» وهي كلمة مجهولة الأصل وإن كان يُقال إنها تعود إلى الإله هرميس رسول الإله زيوس. وفي اللاهوت المسيحي، تشير الكلمة إلى ذلك الجزء من الدراسات اللاهوتية المَعْنيِّ بتأويل النصوص الدينية بطريقة خيالية ورمزية تبعد عن المعنى الحرفي والسطحي المباشر وتحاول اكتشاف المعاني الحقيقية والخفية للنصوص المقدَّسة (وخاصةً الإنجيل) والقواعد التي تحكم التفرُّد المشروع للنص المقدَّس. وقد استخدم هايدجر هذا المصطلح ليشير إلى أن دراسته في طبيعة الوجود الإنساني هي دراسة ميتافيزيقية (أي هرمنيوطيقية (. والكلمة، في الوقت الحاضر، تعني محاولة فهم العالم لا باعتباره نظاماً ميتافيزيقياً وإنما باعتباره موضوع الفكر والعقل الإنساني وباعتباره تجربة معاشة (بالألمانية: ليبنزفلت Lebenswelt، أي عالم الحياة) كما أصبحت مرتبطة بالمعنى العميق (والروحي) للنصوص وتَميُّز الظاهرة الإنسانية عن الظواهر الطبيعية. وقد قام ديلتاي بنقل المصطلح من اللاهوت إلى الفلسفة ثم إلى العلوم الإنسانية. واستخدمه للإشارة إلى المناهج الخاصة بالبحث في المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني باعتباره سلوكاً تحدده دوافع إنسانية جوانية يَصعُب شرحها عن طريق مناهج العلوم الطبيعية. ومن ثم، فإن الهرمنيوطيقا لا تتناول فقط المعطيات الخام للحواس وإنما تحاول فهم معناها الداخلي. وأصبحت الهرمنيوطيقا بالنسبة لبعض العلماء هي الطريقة الوحيدة الممكنة لقراءة النصوص الدينية والشعرية والتاريخية والفلسفية وأي نص يتحدث عن الإنسان. والأطروحات الأساسية للهرمنيوطيقا هي (كما لخصها ديلتاي (: 1 ـ التفسير العلمي ليس هو الشكل الوحيد للتفسير. فالتفسير العلمي ينظر للإنسان باعتباره كياناً عضوياً تحركه الدوافع الفيزيقية، بينما يُفترَض أن ننظر إليه باعتبار أن له دوافع داخلية وقيماً. 2 ـ إننا نفهم العالم الإنساني من خلال طرح أسئلة عليه. ويتحدد كل سؤال، من ناحية الشكل والمضمون، بمقدار الاهتمام الكامن وراءه. 3 ـ السؤال ذاته يمثل تفسيراً جزئياً للظاهرة موضع السؤال. ومن هذه الأطروحات، يظهر ما يُسمَّى «الدائرة الهرمنيوطيقية» : 1 ـ لا يمكن أن نفهم أجزاء أية وحدة أو أن نتعامل معها إلا وعندنا إدراك مسبق بالمعنى الكلي، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع معرفة المعنى الكلي إلا من خلال معرفة معاني أجزائه. 2 ـ ويمكن طرح القضية بطريقة أخرى فنقول: إن التفسير لا يمكن أن يكون إلا بعد أن يبدأ التفسير، فالعالم لا يوجد كموضوع لوعينا إلا من خلال اللغة. ودائرة الهرمنيوطيقا ليست حلقة مفرغة، إذ أن فهمنا يتعمق من خلال عملية حلزونية تبدأ بالإحساس بالمعنى الكلي، ثم ندرس المكونات الجزئية في ضوء المعنى الكلي فيتعمق المعنى الكلي من خلال معرفة معنى الأجزاء، ثم نعود للأجزاء مرة أخرى ... وهكذا. الشرح والتفسير (فرشتيهن ( أصبحت كلمة «يشرح» تعني «يشرح تماماً» أو «يُزيل اللبس تماماً» . بل أصبحت لها أبعاد تفكيكية، فهي تعني «تعريف أسباب الظاهرة وردها إلى مبدأ عام واحد أو عدة مبادئ» . كما أنها قد تعني «يفضح» أو «ينزع السر عن» . وهذه الأبعاد ليست واضحة في اللغة العربية بالقدر الكافي، إلا أنها أكثر وضوحاً في اللغة الإنجليزية. فكلمة «يشرح» باللغة الإنجليزية هي «إكسبلين explain» من الفعل اللاتيني «إكسبلاناري explanare» بمعنى «يُسطِّح الشيء» أو «يسويّه» أو «يجعله مستوياً» (كلمة «بلين plane» الإنجليزية تعني «السطح المستوي» ) . هذا على عكس فعل «إنتربريت interpret» (من الفعل اللاتيني «إنتربريتاري interpretari» وهو يعني «يُفاوض» ) . ففعل «إنتربريت» يعني «يُبرز المعنى الكامن ويوضحه» و «يؤول النص» و «يعطي تفسيراً للموضوع» و «يترجم» أو «يقوم بدور المترجم» ، ومن الواضح أن كلمة «يشرح» تدور في إطار المرجعية الموضوعية: يُسطِّح وىُسوِّي حتى يستوي مع معيارية برانية، أما كلمة «يُفسِّر» ، فهي لا تنفي الأبعاد الذاتية الاجتهادية لعملية الإدراك. وهذا التداخل بين التفسير (بمعنى الاجتهاد في فهم الظاهرة وجعلها مفهومة إلى حدٍّ ما من خلال التعاطف معها وفهمها أو تفهمها من الداخل) والشرح (بمعنى إدخال الظاهرة في شبكة السببية الصلبة المطلقة والقوانين الطبيعية وكشف العلاقة الموضوعية بين السبب والنتيجة) يعود إلى أن العلوم الطبيعية والرياضة بنماذجها الواحدية الموضوعية المادية تلقي بظلالها الكثيفة على العلوم الإنسانية. فالاستنباط (العقلاني) هو منهج العلوم الرياضية، والاستقراء (التجريبي) هو منهج العلوم الطبيعية، وكلاهما يحاول أن يصل إلى درجة عالية من الدقة والعمومية في نتائجه. ومن ثم، يحاول بعض علماء الدراسات الإنسانية تبني المناهج السائدة في العلوم الطبيعية والرياضية (العلوم الدقيقة!) ويحاولون تفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية تماماً مثلما تُفسَّر الظواهر الطبيعية بطريقة كمية، فيتبنون نماذج رصد موضوعية واحدية مادية تُسقط الأبعاد الجوانية والخاصة والكيفية للظاهرة الإنسانية وتُهمل الدوافع والوعي والقيمة تماماً، ثم تُرَدُّ الظاهرة في كل تفاصيلها إلى قانون أو مبدأ عام واحد، وتُزال كل المسافات والثغرات والثنائيات والخصوصيات حتى نصل إلى ما يُتصوَّر أنه التفسير الموضوعي الكامل أو شبه الكامل للظاهرة، أي أن دراسة سلوك الإنسان لا يختلف عن دراسة سلوك اليرقات فكلاهما يُدرَس من خلال سلوكه البراني وحركته الخاصة (ومع هذا، ينبغي الإشارة إلى أن العلوم الطبيعية نفسها قد انسلخت عن هذه الرؤية وأصبحت أكثر احتمالية في رؤيتها، كما أنها أخذت بالتدريج تكوِّن لنفسها عالماً خاصاً بها مؤلفاً من كيانات عقلية ورياضية لا تستطيع أن تجد لها وجوداً في عالم الظواهر. ويبدو أن الفرض العلمي، الذي كان يمثل الخطوة الثانية التي تلي خطوة الملاحظة والتجربة والذي كان يشير إلى مُدرَكات حسية، أصبح في المنهج العلمي المعاصر فرضاً صورياً لا يشير إلى مدركات حسية ويأتي سابقاً على الملاحظة والتجربة. لكن الفرض العلمي لم يعد تعميقاً لوقائع تجريبية ـ كما كان شائعاً في الماضي ـ وإنما هو نتاج العبقرية العلمية الخلاقة التي تأتي به بأية طريقة أو بأي منهج. وما يهم في الفرض العلمي مدى مقدرته على أن تجعل هذا العالم مفهوماً ومعقولاً، أي أن الحاجة إلى حقائق صلبة أو سببية صلبة لم تَعُد موجودة) . وفي العالم الغربي، اكتشف كثير من العلماء سذاجة بل تفاهة الرؤية التجريبية والوضعية (الواحدية الموضوعية المادية) التي تصر على الحقائق الصلبة وعلى السببية الصلبة والمطلقة والتي ذهبت إلى أن قوانين التاريخ والمجتمع الإنسانيين تشبه قوانين الطبيعة (بالمعنى الساذج لفكرة القانون العلمي) وحاولت اكتشاف هذه القوانين وصياغتها بطريقة "علمية" دقيقة كمية، وأصر هؤلاء العلماء الذين رفضوا مثل هذه الرؤية الساذجة على ضرورة التمييز بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وعلى ضرورة رفض فكرة وحدة (أي واحدية) العلوم. ومن مظاهر هذه الثورة محاولة التمييز بين الشرح من جهة والفهم (بمعنى «التفهم» و «التفسير الاجتهادي» ) من جهة أخرى. وقد بدأ استخدام الفعل الألماني «فرشتيهن verstehen» بمعنى «يفهم» أو «يتفهم» مقابل «إركليرين erklaren» بمعنى «يشرح من خلال ملاحظة الحوادث وربطها بالحوادث الأخرى حسب القوانين الطبيعية» ، وذلك لوصف عملية فهم السلوك الإنساني المركب من خلال التعاطف وإدراك الدوافع الإنسانية الجوانية (مقابل شرح الأسباب البرانية) . وقد استخدم هذا المصطلح كلٌّ من فلهلم ديلتاي وجورج زيميل وكارل ياسبرز وماكس فيبر وآخرون. وقال ياسبرز: "إن الحياة النفسية [الإنسانية] لا يمكن دراستها من الخارج، كما أن الحقائق الطبيعية لا يمكن دراستها من الداخل. الأولى يمكن فهمها من خلال النفاذ النفسي، أما الثانية فيمكن شرحها من خلال دراسة العلاقة الموضوعية المادية". وقارن ياسبرز بين دراسة حَجَر يَسقُط من عل (من جهة) ودراسة علاقة تجارب الإنسان في طفولته ببعض الأمراض النفسية في شبابه وشيخوخته (من جهة أخرى) ، فالأول لا يمكن أن نراه إلا بشكل براني (في إطار قانون الجاذبية) ، أما الثاني فيتطلب عمليات فكرية وعقلية أكثر تركيباً. ولكن المصطلح ارتبط أساساً باسم ماكس فيبر. فقد بيَّن فيبر الفرق بين الرصد الموضوعي المتلقي المادي وعمليات التفسير الاجتهادية حين قال إن دراسة حظيرة الدجاج أمر جدُّ مختلف عن دراسة المجتمع الإنساني، فعلم اجتماع الدجاج لن يدرس سوى أنماط سلوكية متكررة من الخارج يمكن فهمها في إطار المثير المادي والاستجابة السلوكية. ونحن لا نعرف شيئاً عن العالم الجواني للدجاج وعواطفه وأفكاره وتأملاته إن كان هناك مثل هذا العالم. أما في حالة المجتمع الإنساني، فنحن مزودون بقدر كبير من المعرفة عن العالم الجواني للإنسان (نتوصل إليه من خلال معرفتنا لذواتنا ومن خلال ألفتنا للطبيعة البشرية) وعن الدوافع الداخلية المركبة وعالم المعنى الذي ينبع منه السلوك الإنساني. ولذا، إذا كان من الممكن شرح سلوك الدجاج في إطار شبكة السببية الصلبة المطلقة ومن خلال الملاحظة البرانية المباشرة، فلن يكون هذا كافياً بالنسبة للبشر. والمحاولة الوضعية السلوكية لوصف عالم الإنسان من خلال سلوكه البراني محكوم عليها بالفشل ومحكوم عليها بأن تظل سطحية تافهة، فهي بإصرارها على ضرورة الشرح البراني الموضوعي ستستبعد قضايا إنسانية أساسية مثل انشغال الإنسان بمصيره وتجربته في الكون وإحساسه بالاغتراب. ولكن هذا لا يعني أن السلوك الإنساني لا يخضع لأية سببية وإنما يعني أن الرصد البراني لا يكفي، والمطلوب هو عملية تفسير لا تدور في إطار الواحدية الموضوعية المادية وتسعى إلى الفهم العميق من خلال التعاطف المستمر والإدراك المبدع لتركيبية الدوافع الإنسانية وغموضها. التحول عن التنظير المركب إلى الممارسة الاختزالية هناك وعي محدد بقضية الفرق بين الطبيعي والإنساني واستقلال الحيز الإنساني عن الحيز الطبيعي في العالم العربي (كما أسلفنا) ، ولكننا مع هذا نجد أن النموذج الاختزالي المعلوماتي التراكمي (الواحدي الموضوعي المادي) الذي لا يُفرِّق بين الظاهرة الطبيعية البسيطة والظاهرة الإنسانية المركبة يهيمن على الدراسات والبحوث في جامعاتنا ومراكزنا البحثية بل يكتسحها تماماً. وأعتقد أن ما يحدث هو أنه رغم وجود الوعي النظري بالاختلاف الجوهري بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية إلا أنه لا يتم تفعيله ولا ينتقل إلى مستوى الممارسة البحثية نفسها. وأعتقد أن كثيراً من الباحثين يتخلون عن وعيهم هذا ويَسقُطون في الممارسة الاختزالية التي لا تُفرِّق بين الطبيعي البسيط والإنساني المركب. وعادةً ما يحدث هذا في مرحلة صياغة الفروض. وقد عُرِّف الفَرْض العلمي بأنه منطوق أو مقولة أو تقرير مبدئي لما نعتقد أنه علاقة بين متغيرين أو أكثر، ويعكس الفرض تكهنات الباحث بالنسبة لنتائج البحث المرتقبة. ويَتبنَّى الباحث الفرض بشكل مؤقت حتى يتحقق صدقُه أو كَذبه عن طريق الملاحظة والتجريب. ويقوم الفرض بتوجيه الباحث إلى المعلومات والبيانات التي يتعين جمعها وهو ما يوفر كثيراً من الوقت والجهد كان يمكن أن ينفقه في الحصول على بيانات محدودة أو عديمة القيمة تتصل بالمشكلة قيد الدراسة. فمن الواضح أن مرحلة صياغة الفروض هي من أهم مراحل البحث إن لم تكن أهمها. ولكنها، بدلاً من أن تكون المرحلة التي يبدأ الباحث فيها عملية التفكيك والتركيب بشكل مُتعمِّق وبلورة الإشكالية التي سيتناولها، أصبحت (في كثير من الأحيان) المرحلة التي يَتبنَّى فيها الباحث النماذج الاختزالية الواحدية المادية التي تقتل الواقع الإنساني وتميته وتقضي على أبعاده المركبة وتقذف بالباحث في براثن النماذج المعلوماتية التراكمية والموضوعية المتلقية. وقد صدرت بعض الدراسات التي تُميِّز بين الظواهر الطبيعية والإنسانية بحماس شديد وبراديكالية صارمة على المستوى النظري. ومع هذا، حينما وصلت هذه الدراسات إلى قضية الفروض، وصفتها في عبارات مثل: ـ كلما كانت الفروض واضحة، ساعد ذلك الباحث على دقة تحديد أهداف البحث وحسن اختيار عينة البحث وأسلوبه وأدواته. ـ يجب أن تُصاغ الفروض في كلمات بسيطة كلما أمكن. ـ يجب أن تكون الفروض محدَّدة في منظورها لا واسعة عريضة. ـ يجب أن تكون الفروض متمشية مع معظم الحقائق المعروفة السابقة التي ثبت صدقها أو صحتها. ولابد أن نقرر أن الأمثلة السابقة حالة متطرفة من الاختزالية ولكنها حالة متطرفة ممثِّلة. وما يهمنا تقريره هنا أن النموذج المهيمن في مرحلة صياغة الفروض هو عادةً نموذج اختزالي يستبعد الإنسان كإنسان ويحدد ويُشيِّئ الظاهرة الإنسانية ليجعلها تشبه الظاهرة الطبيعية في بساطتها وبرانيتها، وهو ما يخلق لدى الباحث وهماً مفاده أن الظاهرة الإنسانية يمكن رصدها بشكل براني، عن طريق مراكمة المعلومات التي تتوافر عنها. بل يمكننا القول بأن العلوم الإنسانية في بلادنا أصبحت تعيش في ظلال النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية باعتبارها نماذج بسيطة وواضحة ودقيقة، وأصبح الطموح الخفي للعلوم الإنسانية أن تصبح في بساطة ووضوح ودقة وموضوعية العلوم الطبيعية مما يعني افتراض أن الإنسان ظاهرة طبيعية وأنه جزء لا يتجزأ منها، مما يعني ضمور بل اختفاء الحيز الإنساني (وعلى العكس من هذا نجد أن افتراض انفصال الإنسان عن الطبيعة هو تأكيد للتركيب على حساب البساطة، وللكيف على حساب الكم، وللعمق على حساب الوضوح والدقة) . ومما ساعد على هذا الاتجاه نحو «تطبيع» الظاهرة الإنسانية (أي النظر إليها كما لو كانت ظاهرة طبيعية) اتساع قاعدة المعلومات وما يُسمَّى «ثورة المعلومات» أو "انفجارها". فإذا كان على الأستاذ الجامعي (أو المؤلف) أن يقرأ عشرات الكتب والحوليات ويحضر عشرات المؤتمرات ويشرف على عشرات المشاريع البحثية والرسائل الجامعية، فلابد أن يفضل التعامل مع المسلمات البسيطة الواضحة والدقيقة فمعالجتها أمر سهل، وتقبُّلها أمر حتمي، أما مناقشتها واختبارها فأمر يحتاج جهداً مركباً ووقتاً طويلاً. والخطاب التحليلي لنفس الأستاذ لابد أن يتسم بنفس البساطة والوضوح والدقة، والرسائل التي يناقشها لابد أن تتسم بالخصائص نفسها حتى يتمكن خط التجميع الأكاديمي من أن يستمر في السير وأن تستمر آلة المؤتمرات في الدوران. ولذا فكثيراً ما تُعزَل الفرضية عما حولها حتى يمكن "معالجتها" في رسالة أو كتاب. ويتحول الفكر إلى مجموعة أفكار متراصة، وكأن كل فكرة ليست سوى شيء لا يربطه رابط بالأفكار الأخرى، وكأنها ليست جزءاً من رؤية للكون. إن النموذج الفعال، الذي يُستخدَم أثناء صياغة الفروض في الرسائل الجامعية وفي عملية التأليف، يعيش في ظلال النماذج المستقاه من العلوم الطبيعية، ولذا نجده لا يُفرِّق في كثير من الأحيان بين مناهج البحث في العلوم الطبيعية وفي العلوم الإنسانية، ولا بين الظواهر الطبيعة والظواهر الإنسانية. وحيث إن النموذج الفعال مستبطن بشكل غير واع فإنه لا يُعلن عن نفسه بصراحة إلا في حالات نادرة (وعلى كل، من يجرؤ أن يصرح بالقول بأن الإنسان والشيء لا فرق بينهما؟) إلا أنه مع هذا يتبدَّى من خلال مجموعة من الافتراضات والآراء والاختيارات. فيُلاحَظ على سبيل المثال أن ثمة إيماناً في حقل العلوم الإنسانية بأن هناك معنى واحداً نهائياً صائباً ننجح في الاقتراب منه إن تحلينا بالموضوعية والحياد. ويسود الاعتقاد بأن المعرفة سلسلة مترابطة الحلقات كل حلقة تؤدي إلى التي تليها، ولا يمكن تَخطِّي الحلقات المتجاورة لأن سلسلة المعرفة ـ حسب هذا التصوُّر ـ سلسلة تراكمية صلبة (تماماً كما هو الحال في حقل العلوم الطبيعية) ، ومفهوم السببية الذي يسود فيها هو بنفس الصلابة. وتأخذ عملية التأليف من ثم شكل إضافة معلومات الواحدة للأخرى ومراكمتها، ويصبح التأليف هو إجراء تجارب في إطار النظرية العامة السائدة حتى نزداد اقتراباً من الحقيقة الواحدة (التي تعادل القانون الطبيعي أو الرياضي في العلوم الطبيعية) . ويتبدَّى هذا النموذج الفعال في اقتراحات الرسائل الجامعية في حقل العلوم الإنسانية. أذكر في الماضي (أي حتى أواخر الستينيات) حينما كان طالب الماجستير أو الدكتوراه يسجل موضوع بحثه كان يكتفي باختيار عنوان الموضوع (أي الإشكالية التي سيتناولها الباحث) في سطر أو سطرين، ويُترَك بعد ذلك هو وأستاذه، فالمسألة "بحث" والبحث لابد أن يكون منفتحاً، ولابد أن يؤدي إلى تحولات فكرية. أما الآن مع افتراض إجراء التجربة في إطار النظرية العامة السائدة، ومع افتراض فكرة التراكم المعلوماتي، فإن مشروع الرسالة يصل أحياناً إلى ستين صفحة حيث يذكر الباحث كل ما سيقوله مسبقاً، وكل المراجع بل فصول البحث. ولكن إذا كان "الباحث" يعرف ما سيقول، فلماذا يكتب الرسالة إذن؟ وانطلاقاً من نفس التصور التراكمي والطموح نحو البساطة والوضوح والدقة والموضوعية والإيمان بوجود معنى واحد نهائي صائب (يشبه القانون العام في العلوم الطبيعية) ، أصبح من الأمور الشائعة الآن في حقل الدراسات العليا في العلوم الإنسانية أن يتقدم الطالب باقتراح لكتابة دراسة عن "الفكر التربوي للشيخ محمد عبده"، على سبيل المثال، فيُقال له "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل" وأنه "تمت تغطيته". والافتراض هنا أن الدراسة تغطي موضوعاً (الفكر التربوي للشيخ محمد عبده بشكل عام) ، لا إشكالية أو إشكاليات محددة (علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكره الديني ـ التناقضات بينهما، إن كان ثمة تناقضات ـ علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكر من سبقه من المفكرين ومن أتوا بعده ـ علاقة فكره السياسي بفكره التربوي) . وإذا كان موضوع الرسالة هو موضوع بشكل عام (وليس إشكاليات محددة) يرصد بشكل موضوعي براني، فمن المنطقي أن يتحول كاتب الرسالة إلى عامل أرشيف ومن ثم يمكن أن يُقال له: "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل وتمت تغطيته"، بمعنى أن المعلومات الخاصة بهذا الموضوع تم جمعها، تماماً مثلما تُجمَع المعلومات البرانية عن إحدى الكائنات (وهي ـ في واقع الأمر ـ مرحلة دنيا من مراحل الدراسة في العلوم الطبيعية، لابد أن تعقبها مرحلة ربط المعلومات بعضها ببعض ثم التعميم منها، وهي عمليات عقلية تتطلب قدراً عالياً من الخيال والمقدرة على التجريد) . هذا الموقف يستبعد بطبيعة الحال الذات المركبة المُدركة المتفاعلة مع الموضوع التي تصوغ الإشكالية المحددة ويستبعد فكرة أن التساؤلات التي يطرحها باحث ما في العلوم الإنسانية، يحمل أعباءه النفسية والفلسفية الخاصة، لابد أن تكون مختلفة عن تلك التي يثيرها باحث آخر يحمل أعباء نفسية وفلسفية أخرى، وأن اختلاف التساؤلات لابد أن يؤدي إلى اختلاف النتائج. كما يعني هذا الموقف تجاه البحث والتأليف إنكار إمكانية التحولات الفكرية أثناء عملية البحث بسبب تركيبية الإنسان وتركيبية الظاهرة. ولذا انتهى الأمر بأن أصبحت عملية البحث والتأليف في العلوم الإنسانية هي مجرد إجراء تجارب في إطار النظرية والفروض العامة السائدة، وظهر ولع غير طبيعي بالأرقام والإحصاءات والجداول والرسوم البيانية، وأصبح الاستبيان سبيل الوصول إلى الدقة المزعومة والتوصل إلى الحقيقة الواحدة. وفي نهاية الأمر أصبح التأليف، عند الكثيرين، هو التوثيق: توثيق شيء معروف مسبقاً أو تطبيق لنظرية (ثبت صدقها تماماً) على جزئية ما دون أن تثمر عملية التطبيق الجديدة أي تعديل للنظرية أو اكتشاف للمنحى الخاص للظواهر موضع الدراسة، وهو ما أسميه التوثيق الأفقي: أن يأخذ الباحث مقولة معروفة مستقرة ويوثقها من كتب أخرى دون إبداع أو تساؤل، كأن يثبت الباحث بما لا يقبل الشك أن الصهيونية حركة عنصرية، وأن الرومانتيكية عودة للطبيعة والعواطف، وأن مصر هبة النيل، وأن حافظ إبراهيم شاعر الوطنية! وقد أصبح كثير من البحوث الأكاديمية التي يُقال لها «علمية» ، والتي يتقدم أصحابها من أساتذة الجامعة للترقية، ويحصلون عليها في معظم الأحيان، ليست إلا إعادة ترتيب لبعض الحقائق التي وردت في دراسات سابقة أو ربما اكتشاف حقيقة جديدة لا علاقة لها بنموذج أو نمط (وكأن الباحث مُخبر أو شرلوك هولمز) ، بحيث أصبح البحث العلمي مثل الكائن الطفيلي الذي يعيش على البحوث المنشورة أو مثل الطائر الجارح الذي ينقض على فريسته إن غفل الآخرون عنها. وأصبحت معايير الترقية مسألة كمية مثل: عدد المراجع ـ تاريخ نشرها ـ عدد اللغات التي كُتب بها ـ هل هي من آخر المراجع ... إلخ، وهي كلها تنم عن أن كثيراً من أساتذة الجامعة (من المتقدمين للترقيات وممن يقومون بمنحها) يدورون في هذا الإطار العقيم. وأصبحت الرسائل الجامعية دراسات في موضوعات عامة مثل "تاريخ ليبيا في النصف الأول من القرن العشرين" أو "المدرسة الطبيعية في الأدبين الإنجليزي والفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر". وتصبح القضية لبحث الطالب عن موضوع "لم يكتب عنه أحد من قبل". وحينما يختار "الموضوع" يقف الطالب مدهوشاً في حيرة من أمره لا يدري ماذا يفعل وأين يبدأ وأين ينتهي. ولكن عادةً ما يتم التغلب على هذه الحيرة عن طريق صيغة نمطية محددة: تحديد عدد الصفحات ـ كتابة فصل عن حياة الكاتب ـ فصل آخر عن خلفيته ـ فصل ثالث عن أفكاره ـ فصل رابع عن أعماله الأولى ـ فصل خامس عن أعماله في شبابه، وهكذا. وتبدأ الآلة في الدوران وفي مراكمة المعلومات ولا تتوقف إلا حينما يشعر الأستاذ أن الدارس قد أُنهك بما فيه الكفاية وجمع من المعلومات الكثير. ولابد أن تأتي الإشارة من الأستاذ لأن مثل هذه الدراسة لا يمكن أن تكون لها نهاية، فهي ليست لها بداية بسبب افتقار الإشكالية وعدم وجود أسئلة محددة. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة مناقشة الرسالة والتي لا تختلف عادةً في منهجها عن المنهج المتبع في كتابتها (وذاك الشبل من ذاك الأسد) ،فالمناقشات تدور في الغالب حول حصر آخر المراجع وآخر المعلومات وكم المعلومات. و"النقد الموضوعي" يأخذ شكل نقد معلوماتي كميّ، إذ يُحصي الأستاذ المناقش الأخطاء المطبعية والمعلوماتية التي وقع فيها الكاتب والمَرَاجع التي لم يَطلِّع عليها، أما وجود أو غياب الإشكالية، أما العملية الإبداعية الأساسية، عملية التفكيك والتركيب، فهذه أمور تُترَك وشأنها وكأنها أمر ثانوي لا أهمية له. وغني عن القول أن مناهجنا التعليمية تَصدُر عن فلسفة تراكمية ذرية مماثلة فكتبنا الدراسية تركز على المعلومات وكمها، لا على طريقة تصنيفها والربط بينها والتعميم منها وتفسيرها ونقدها، والهدف من العملية التربوية هو تلقين الطالب حشداً هائلاً من المعلومات (معلومة بجوار معلومة، درساً بعد درس) فيبرز متوسطو الذكاء الذين لا يتمتعون إلا بموهبة الحفظ والتكرار والاجترار، وتفقد الأجيال مقدرتها على التفسير والإبداع والنقد. ويصل النظام التربوي إلى قمته أو هوته في ظاهرة الدروس الخصوصية، حيث تصبح الكفاءة الأساسية هي الكفاءة في تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة. وعلى مستوى الجامعة يقوم الأستاذ بإملاء محاضراته فيدوِّنها الطلبة بكفاءة عالية، ثم تتطور الأمور فيطبع الأساتذة محاضراتهم فيما يُسمَّى «المذكرات الجامعية» فيقوم الطلبة بحفظها ويقوم الأساتذة بجَمْع "فائض القيمة". وتدور العملية التربوية بأسرها حول الامتحانات: أي كفاءة تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة وكفاءة كتابتها في بساطة ووضوح ودقة في ورقة الامتحانات في أسرع وقت! وتدريجياً تصبح القضية التربوية الأساسية هي الأرباح التي يتقاضاها المدرسون عن دروسهم الخصوصية والأساتذة عن مذكراتهم الجامعية. ويطالب بعض "المصلحين" بضرب هذه العملية الاستغلالية عن طريق تنظيم مجموعات في المدارس وعن طريق دعم الكتاب الجامعي، ويسقط الجميع في الموضوعية المتلقية حيث يصبح المعلم شيئاً مسيطراً ويصبح الطالب شيئاً مذعناً، ويتحرك الجميع داخل إطار جامد لا يؤدي إلى أية تحولات فكرية أو إثراء فكري أو معرفة جديدة، فما يُعرَف هو عادةً مجموعة من الحقائق المتناثرة (البسيطة الواضحة الدقيقة) التي ينساها الطالب بعد الامتحان ويصبح عقله مرة أخرى صفحة بيضاء من غير سوء، ويضمر الإبداع وتضيع الحقيقة. ولحسن الحظ فإن كثيراً من الباحثين الأذكياء يفلتون من قبضة هذه النماذج، ولكن هناك العديد أيضاً ممن يسقطون صرعى لها، فيسقطون الإبداع والخيال والمقدرة على التفكيك والتركيب ويراكمون المعلومات بشكل موضوعي متلق، محايد بارد. وترتبط هذه القضية ارتباطاً وثيقاً بمشكلة الموضوعية والذاتية في العلوم الإنسانية. الموضوع «الموضوع» بالإنجليزية «أوبجيكت object» من الفعل اللاتيني «أوبجيكتاري objcetare» ، ومعناه «يُعارض» أو «يُلقي أمام» ، المشتق من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يلقي بـ» ، و «أوب ob» بمعنى «ضد» . و «الموضوع» هو الشيء الموجود في العالم الخارجي وكل ما يُدرَك بالحس ويخضع للتجربة وله خارجيته وشيئيته، وكل ما هو مستقل عن الإرادة ويوجد خارج الوعي الإنساني مستقلاً عن رغائبنا وآرائنا. والموضوع ينطوي على طبيعته وحقيقته، ووجوده ليس رهناً بمعرفته ولا بتسميته. وعادةً ما يجري تصوُّر الموضوع على أنه ثابت مستقر. ويمكن القول بأن «الموضوع» في الفلسفات التي يمكن تصنيفها على أنها «موضوعية» هو الركيزة الأساسية للعالم، وهو المطلق الموجود بذاته، وهو الكل المركب المتجاوز للأجزاء، فليس له سبب متقدم عليه ولا فاعل ولا صورة ولا مادة ولا غاية فهو بمقام المحرك الأول. ويرى البعض أن الذات هي التي تضفي الحقيقة على الموضوع. وعند بعض المفكرين المحدثين، الموضوع هو الفعل وعند الآخرين هو نتائج وآثار الفعل. وتُستخدَم كلمة «موضوع» للإشارة إلى أي شيء نتحدث عنه وإلى المادة التي يَبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه وإلى مادة البحث، فنقول مثلاً: "موضوع هذا البحث هو كذا". وموضوع العلم هو معطياته ومادته وظواهره وحقائقه. وموضوع القضية (بالإنجليزية: سابجيكت subject) يقابل المحمول (بالإنجليزية: بردكيت predicate) ، فهو الذي يُتحدَث عنه ويُحكَم عليه في أي قضية إما إثباتاً أو نفياً. ونحن نذهب إلى أن الفلسفات العلمانية الشاملة تفترض الطبيعة/المادة كنقطة مرجعية نهائية وكركيزة أساسية، فهو الموضوع النهائي الذي يستوعب كل شيء بما في ذلك الذات الإنسانية. وتشير كلمة «موضوع» في هذه الموسوعة إلى هذا المطلق باعتباره الموضوع النهائي المتجاوز، كما تشير أيضاً إلى أية مجردات ومطلقات مادية لا إنسانية هي في جوهرها تنويع على الطبيعة/المادة ومرجعيتها النهائية واحدية مادية. وهذه المطلقات المادية تتجاوز الإنسان ولا يتجاوزها وتستوعب الإنسان ولا يستوعبها. ونشير إليها أحياناً بتعبير «المطلق العلماني» ، فهي مرجعية ذاتها (الدولة القومية ـ السوق/المصنع ـ الدافع الاقتصادي ـ المنفعة ـ اللذة ـ حتمية التاريخ (. كما نذهب إلى أن المنظومات الحلولية الكمونية، حيث يكون المركز كامناً حالاً في المادة، تنطوي على صراع حاد بين الذات والموضوع، فتتمركز الذات حول نفسها باعتبار أنها هي المركز ولكنها تفقد حدودها وتجد نفسها متمركزة حول الموضوع مذعنة له. الذات «الذات» بالإنجليزية «سابجيكت subject» عن نفس أصل كلمة «أوبجيكت object» ، وهما من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يُلقي» . ولكن، بدلاً من «أوب ob» والتي تعني «فوق» التي تضاف لكلمة «أوبجيكت object» ، يضاف مقطع «سب sub» بمعنى «تحت» أو «مع» . والأصل الإنجليزي يشير إلى حالة الاستقطاب بين الموضوعي والذاتي. والذاتي هو ما يُنسَب إلى الذات، أي ما يتصل بها أو يخضع لها: 1 ـ ذات الشيء هي جوهره وهويته وشخصيته. والذات هي حقيقة الموجود ومقوماته. ويقابله «العَرَض» ، أي التبدلات الظاهرة على سطح الأشياء. والذات ثابتة أما الأعراض فمتبدلة. 2 ـ ما به الشعور والتفكير، فتقف الذات على الواقع وتتقبل الرغبات والمطالب وتُوجِد الصور الذهنية وتُقابِل العالم الخارجي (غير موضوعي) الذي يقع خارج نطاق الوعي. 3 ـ العقل أو الأنا أو الفاعل الإنساني المفكر وصاحب الإرادة الحرة أو الكيان الذي يتصف بصفات محدَّدة (الموضوع هو المفعول به (. 4 ـ العقل الديكارتي أو الكانطي الذي يُدرَك العالم الخارجي من خلال مقولاته. 5 ـ صانع التاريخ كفرد أو طبقة (باعتبار أن التاريخ هو الموضوع (. ونحن نشير في هذه الموسوعة إلى الذات باعتبارها الذات الإنسانية الحرة الفاعلة المسئولة. وفي إطار المنظومة العلمانية العقلانية المادية، يمكن القول بأن الذات الإنسانية ذات طبيعية مادية ليس لها أصول ربانية. ومع أنها لا توجد إلا في الزمان والمكان، فإنها تصر على أنها مركز الكون وأنها ستحقق تجاوزاً لقوانين الطبيعة. ولكنها، لأنها ذات طبيعية، تفقد حدودها وتتفكك ويهيمن الموضوع النهائي على الطبيعة/المادة، وبذا يؤدي التمركز حول الذات (الإنسانية) داخل المنظومة المادية إلى التمركز حول الموضوع (الطبيعة/المادة) وتحل الموضوعية المادية محل الواحدية الذاتية الإنسانية. إشكالية الموضوعية والذاتية «الموضوعية» مصدر صناعي من كلمة «موضوع» . والموضوعية هي إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوهها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كره. ولذا، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره موضوعي"، فإن هذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه تستند إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل وبعد معرفة كل الملابسات والظروف والمكونات. والموضوعية هي الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجوداً مادياً خارجياً في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائليها ومدركيها، وبأن ثمة حقائق عامة يمكن التأكد من صدقها أو كذبها، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المُدركة) إدراكاً كاملاً، وأن بوسعه أن يحيط بها بشكل شامل، هذا إن واجه الواقع بدون فرضيات فلسفية أو أهواء مسبقة، فهو بهذه الطريقة يستطيع أن يصل إلى تَصوُّر موضوعي دقيق للواقع يكاد يكون فوتوغرافياً. وكلمة «الذاتي» تعني «الفردي» ، أي ما يخص شخصاً واحداً، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره ذاتي" فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه. ويُطلَق لفظ «ذاتي» توسعاً على ما كان مصدره الفكر لا الواقع، ومنه الأحكام الذاتية (مقابل الأحكام الموضوعية) وهي الأحكام التي تعبِّر عن وجهة نظر صاحبها وشعوره وذوقه. فمعرفتنا بالواقع محدودة تماماً عن طريق خبرتنا الذاتية الخاصة وتجربتنا الفريدة ووعينا وإدراكنا. و «الذاتي» في الميتافيزيقا هو رد كل وجود إلى الذات، والاعتداد بالفكر وحده. أما «الموضوعي» ، فهو رد كل الوجود إلى الموضوع، المبدأ الواحد المتجاوز للذات. أما في نظرية المعرفة، فإن «الذاتية» تعني أن التفرقة بين الحقيقة والوهم لا تقوم على أساس موضوعي، فهي مجرد اعتبارات ذاتية، وليس ثمة حقيقة مطلقة، أما «الموضوعية» فترى إمكانية التفرقة. وفي عالم الأخلاق، تذهب الذاتية إلى أن مقياس الخير والشر إنما يقوم على اعتبارات شخصية إذ لا تُوجَد معيارية متجاوزة، أما الموضوعية فترى إمكانية التوصل إلى معيارية. وفي عالم الجمال، تذهب الذاتية إلى أن الأحكام الجمالية مسألة ذوق، أما الموضوعية فتحاول أن تصل إلى قواعد عامة يمكن عن طريقها التمييز بين الجميل والقبيح. ورغم أن هذه التعريفات تبدو سلسة وبسيطة، ورغم أن التعارض بين الذاتي والموضوعي سلس وواضح، فإن ثمة مفاهيم معرفية كلية نهائية متضمَنة غير واضحة تجيب على الأسئلة الكلية النهائية (ما الإنسان؟ ما العناصر المكونة له؟ ما علاقة عقله بالواقع؟ ما الهدف من وجوده؟ أيهما يسبق وجوده وجود الآخر ـ الإنسان أم الطبيعة؟) . وسنلاحظ ابتداءً أن هناك أشكالاً كثيرة من الموضوعية (تماماً كما أن هناك أشكالاً كثيرة من العقلانية) ، ولكن المرجعيات عادةً غير واضحة. فإذا قلنا "فلنكن موضوعيين" أو "فلنُحكِّم العقل" ولم نزد، فنحن نقول في واقع الأمر "فلنكن موضوعيين ولنُحكِّم العقل في إطار المنظومة المعرفية السائدة التي تسبق كلاًّ من الموضوع والعقل". وفي العصر الحديث، نجد أن المنظومة المهيمنة هي المنظومة المادية ونموذج الطبيعة/ المادة حيث لا فرق بين الطبيعة والإنسان. ولذا، فإن عبارة بريئة مثل «فلنكن موضوعيين» تعني في واقع الأمر «فلنتجرد من عواطفنا وذكرياتنا ومنظوماتنا الأخلاقية وتراثنا ولنرصد الواقع الإنساني والطبيعي كما هو» ، أي أن كلمة «موضوعية» بشكل مجرد تعني عادةً «الموضوعية المادية» أو «المتلقية» (تماماً كما أن كلمة «عقل» بشكل مجرد تعني «العقل المادي» ) . وبهذا المعنى، فإن الموضوعية هي، في واقع الأمر، العقلانية المادية في مرحلة التمركز حول الموضوع (لا التمركز حول الذات) . وأنها نتاج الرؤية المتمركزة حول الطبيعة/المادة، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الطبيعة/المادة (على عكس الذاتية، فهي نتاج الرؤية المتمركزة حول الذات والإنسان، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الذات) . ويمكن تلخيص الأبعاد الكلية والنهائية (المعرفية) للموضوعية (المادية) بأنها الإيمان بأن العالم (الإنسان والطبيعة) كل متجانس مكتف بذاته. وتبدأ المتتالية النماذجية للموضوعية المادية (شأنها شأن أية منظومة حلولية كمونية مادية) بمرحلة إنسانية ذاتية (واحدية ذاتية ـ تَمركُز حول الذات) . ومع تحقُّق المتتالية وبعد مرحلة قصيرة من الثنائية الصلبة تصبح الطبيعة/المادة هي المركز وتهيمن الواحدية الموضوعية المادية (التمركز حول الموضوع) وهذا يعني في واقع الأمر استبعاد الإنسان كعنصر فاعل وتحويله إلى عنصر سلبي متلق، والطبيعة نفسها تتحول إلى كيان بسيط منبسط مُسطَّح يستوعب هذا الإنسان، أي أن ثنائية الإنسان والطبيعة الفضفاضة يتم القضاء عليها لصالح الطبيعة وتسود الواحدية المادية. وتتبدَّى هذه الأبعاد التفكيكية للموضوعية (المادية) في موقفها من القضايا التالية: 1 ـ عقل الإنسان: أ) العقل السليم من منظور الرؤية الموضوعية (المادية) إن هو إلا صفحة بيضاء أو سطح شمعي (باللاتينية: تابيولا رازا tabula rasa) ، وهو ما يعني أنه مادة محضة، فهو دماغ أو مخ أكثر منه عقلاً (فالعقل مفهوم فلسفي وليس مجرد وجود فسيولوجي) . ب) العقل سلبي بسيط محايد، فهو كالآلة تنطبع عليه المعطيات والمدركات الحسية وتتراكم. جـ) عقل الإنسان لا متناه في قدرته الاستيعابية والامتصاصية والتسجيلية. د) العقل السليم يسجل ويمتص ويرصد بحياد شديد دون أن يُشوِّه أو يغيِّر أو يُعدِّل ما يصله من معطيات حسية وحقائق صلبة. هـ) هذا العقل جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة، أي أن الحيز الإنساني ليس له وجود مستقل، ولهذا السبب تسري على عقل الإنسان القوانين المادية العامة التي تسري على الأشياء، فهو لا يتمتع بأي استقلال عنها ومن ثم فلا هوية له ولا شخصية ولا حدود (حدوده تتطابق تماماً مع حدود الطبيعة/المادة) ، وهو مثل الطبيعة يتحرك في إطار القانون المادي العام ويرى العالم في إطار التشابه والتجانس. وهذا هو المعنى الحقيقي للقول بأن ثمة تقابلاً بين قوانين العقل وقوانين الواقع، وبين الذات والموضوع. و) ولهذا السبب نفسه، فإن العقل قادر على التعامل مع العالم الموضوعي الخارجي، أي العالم المحسوس، بكفاءة بالغة، أما حينما يتعامل مع عالم الإنسان الداخلي، فهو أقل كفاءة. 2 ـ الواقع: أ) الواقع الموضوعي (الطبيعة) واقع خام بسيط (يأخذ في أغلب الأحوال شكل ذرات متحركة) ، وهو مجموعة من الحقائق الصلبة والوقائع المحددة (التي تنطبع على العقل) . ب) ثمة قانون طبيعي واحد يسري على الظواهر الطبيعية وعلى الظواهر الإنسانية، وعلى جسد الإنسان وعقله، وعلى الأمور المادية والمعنوية. وهذا يعني أيضاً أن تُعامَل الظاهرة الإنسانية تماماً مثلما تُعامَل الظواهر الطبيعية، وتُزال الفروق بين الإنسان والطبيعة بحيث يتحول الإنساني إلى طبيعي، أي أن الموضوعية تَصدُر عن الإيمان بوحدة (أي واحدية) العلوم بحيث يصبح الإنسان موضوعاً لا يختلف عن الموضوع الطبيعي، يُوصَف ويُرصَد من الخارج وتُستخدَم مناهج العلوم الطبيعية لدراسته. جـ) الحقائق، لهذا السبب، عقلية وحسية (فالعقل جزء من الطبيعة) وقابلة لأن تُعرَف من جميع جوانبها، والموجود هو ما نحسه ونعقله وما وراء ذلك فأوهام. المعرفة، إذن، عقلية وحسية فقط (ولكن العقلي والحسي متقابلان فهما شيء واحد) . د) أجزاء الواقع الموضوعي تترابط من تلقاء نفسها حسب قوانين الترابط الطبيعية/المادية العامة، وحسب حلقات السببية الواضحة المطلقة، وبشكل صلب لا تتخلله ثغرات أو فجوات، فكل شيء يدخل شبكة السببية الصلبة ومن ثم يمكن رد كل الأجزاء المتعينة المتفردة إلى الكل العام المجرد. هـ) هذه السببية كامنة في الأشياء أو لصيقة بها تماماً. 3 ـ الإدراك: أ) عملية الإدراك تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة، ولذا فهي عملية اتصال بسيطة مباشرة (جسدية مادية؟) بين صفحة العقل البيضاء والواقع البسيط الخام (منبه فاستجابة) ، وهي عملية محكومة مسبقاً بقوانين الطبيعة/المادة، تلك القوانين التي تسري على الإنسان سريانها على الأشياء. ب) وهي عملية تلقٍ موضوعية مادية تراكمية (ذرية) إذ يقوم العقل بتلقي الحقائق الصلبة والوقائع المحددة المتناثرة التي تأتي من الواقع الموضوع الطبيعي/المادي الذي يتراكم فوق عقل الإنسان. جـ) وبإمكان هذا العقل أن يقوم بعمليات تجريبية، أي أن يختار عناصر من الواقع ويستبعد عناصر أخرى ثم يربطها ببعضها البعض. ولكنه، حتى في نشاطه هذا، لا يمكنه أن يكون مستقلاً عن قوانين الطبيعة/المادة. ولذا، سيختار العقل (بشكل تلقائي أو آلي) الجوانب العامة والمشتركة والمتشابهة في الظواهر (فهي وحدها المحسوسة والقابلة للقياس والنظر العقلي) وهي التي تساعد على التوصل إلى القانون العام. د) ونحن حين نقول «العقل يربط» فهذا من قبيل التجاوز. فالأشياء ـ كما أسلفنا ـ مرتبطة في الواقع برباط السببية الواضح. والواقع والمعطيات الحسية ترتبط في عقل الإنسان من تلقاء نفسها، بشكل آلي، حسب قوانين الترابط المادية الألية العامة. إذ تترابط الأحاسيس الجزئية وتتحوَّل إلى أفكار بسيطة، ثم تترابط الأفكار البسيطة لتتحوَّل إلى أفكار مركبة تترابط بدورها لتصبح أفكاراً أكثر تركيباً، وهكذا حتى نصل إلى الأفكار الكلية. هـ) عملية الإدراك عملية عامة لا تتأثر بالزمان والمكان أو بموقع المدرك من الظاهرة. و) العقل قادر على زيادة التجريد إلى أن يصل إلى القوانين العامة للحركة ويصوغ هذه القوانين في لغة بسيطة عامة يُستحسن أن تكون لغة الجبر، حتى لا تختلف لغة الإفصاح من مدرك لآخر. 4 ـ بعض نتائج الموضوعية) المادية: ( تُلغي الموضوعية (المادية) كل الثنائيات، وخصوصاً ثنائية الإنسان والطبيعة، وتُرجِّح المرجعية الكامنة الموضوعية على المرجعية الكامنة الذاتية: أ) تدور الموضوعية (المادية) في إطار الواحدية السببية (المرتبطة تمام الارتباط بوحدة [أي واحدية] العلوم) ، فثمة سبب واحد أو عدة أسباب لتفسير كل الظواهر. ب) ثمة إيمان بضرورة الوصول إلى درجة عالية من اليقينية وشمولية التفسير تتفق مع الواحدية السببية. جـ) تنقل الموضوعية (المادية) مركز الإدارك من العقل الإنساني إلى الشيء نفسه، ولذا فإن هناك اتجاهاً دائماً نحو تأكيد الحتميات الموضوعية المادية المختلفة. د) تستبعد النماذج الموضوعية (المادية) الإنسان كعامل قادر على تَجاوُز المعطيات المادية حوله، بل ترده في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير لهذه المعطيات. هـ) الموضوعية (المادية) لا تعترف بالخصوصية، ومنها الخصوصية الإنسانية، فهي تُركِّز على العام والمشترك بين الإنسان والطبيعة، ولذا فإن الفكر الموضوعي يُعبِّر عن نفور عميق من الهوية والخصوصية. و) لا تعترف الموضوعية (المادية) بالغائيات الإنسانية ولا بالقصد، فالغائيات لا يمكن دراستها أو قياسها، كما أنها مقصورة على الإنسان دون عالم الطبيعة، ولذا تستبعد الموضوعية فكرة المعنى. ز) لا تعترف الموضوعية (المادية) بالإبهام، فهي تُفضِّل الدقة الكمية التي يمكن استخدامها في دراسة كلٍّ من الإنسان والطبيعة، ولذا فهي تستبعد، بقدر الإمكان، عناصر الإبهام وعدم التحدد في الطبيعة والإنسان. ح) تفضل الموضوعية (المادية) البراني (فهذا هو المشترك بين الإنسان والحيوان) وتهمل الجواني. ط) دوافع الإنسان بسيطة واضحة برانية مستمدة إما من البيئة الاجتماعية أو من العناصر الوراثية، وهي دوافع يمكن رصدها ببساطة. ي) المعرفة نتاج تراكم براني للمعلومات. ك) يمكن تفسير سلوك الإنسان وأفكاره في إطار التأثير والتأثر (البراني) لا التوليد أو الإبداع (الجواني) . ل) تفضل الموضوعية الاستمرار (استمرار عالم الطبيعة والإنسان كعنصر أساسي في وحدة العلوم) وترفض الانقطاع (أي تَميُّز الإنسان عن الطبيعة) ، أو تنظر له بكثير من الشك. م) الالتزام بالموضوعية (المادية) يعني أن يتجرد الباحث من ذاتيته وخصوصيته الحضارية بل الإنسانية، ومن عواطفه وحواسه وحسه الخلقي وكليته الإنسانية، بحيث يمكنه أن يُسجِّل ويصف بحياد شديد لدرجة تموت معها الأشياء، ويتشيأ الإنسان ويُرصَد من الخارج كما تُرصَد الأشياء. فالالتزام يُعبِّر عن موقف مسبق قد يؤثر في الرؤية الموضوعية، كما أنه يفترض غائية إنسانية لا أساس لها في الطبيعة/المادة. 5 ـ الموضوعية (المادية) والنموذج التراكمي: النموذج الكامن في الرؤية الموضوعية (المادية) نموذج تراكمي: أ) فثمة إيمان بأن كل المشتركين في العلوم (إن توافرت لهم الظروف الموضوعية) يفكرون بنفس الطريقة ويسألون نفس الأسئلة، وهذا يعني أن ثمة حقيقة موضوعية ثابتة واحدة نحاول الوصول إليها جميعاً وبنفس الطريقة، وهو ما يؤدي إلى تراكم الإجابات وتشابكها على مستوى الجنس البشري بأسره، وهذا التراكم والتشابك سيؤدي إلى تزايد رقعة المعلوم تدريجياً ويؤدي بالتالي إلى تَقلُّص رقعة المجهول. ب) عملية التراكم ستوصلنا إلى نموذج النماذج، القانون العام، الإجابة الكلية (النهائية) ، فما هو مجهول في الطبيعة (المادية والبشرية) هو أمر مؤقت، إذ سيصبح من خلال تراكم المعلومات معلوماً، وتتراجع رقعة المجهول، وسيؤدي تزايد رقعة المعلوم والتراكم المعرفي المستمر إلى سد كل الثغرات والتحكم الكامل أو شبه الكامل وإلى معرفة الطبيعة البشرية المادية معرفة كاملة أو شبه كاملة بحيث تصبح كل الأمور (إنسانية كانت أم طبيعية) أموراً نسبية مادية معروفة ومحسوبة ومبرمجة، ويصبح العالم مادة استعمالية لا قداسة لها. جـ) يُحكَم على المعرفة من منظور مدى قُربها أو بُعدها من النقطة النهائية الواحدية التي يتحقق فيها القانون العام وتتطابق الكليات مع الجزئيات. د) هدف الإنسان من الكون هو عملية التراكم والتحكم هذه، وهدف العلم هو السيطرة على الأرض وهزيمة الطبيعة وتسخير مواردها وتحقيق الهيمنة الكاملة للإنسان على الطبيعة. ولتحقيق هذا، لابد من إدخال كل الأشياء (الإنسان والطبيعة) في شبكة السببية الصلبة والمطلقة حتى يتم شرحها وإخضاعها للقوانين الطبيعية. ويعني تزايد الدراسة الموضوعية تزايُّد التحكم وصولاً إلى الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ أو على الأقل إلى النظام العالمي الجديد. هـ) العقل قادر على إعادة صياغة الإنسان وبيئته المادية والاجتماعية في ضوء ما تراكم عنده من معرفة وبما يتفق مع القوانين الطبيعية العامة التي أدركها الإنسان من خلال دراسته الموضوعية لعالم الطبيعة والأشياء (وهذا ما يسمى عملية الترشيد، أي تنميط الواقع من خلال فرض الواحدية المادية عليه حتى يمكن التحكم الكامل فيه ثم حوسلته، أي تحويله إلى وسيلة ومادة استعمالية يمكن توظيفها بكفاءة عالية كما يمكن تعظيم فائدتها (. ويُلاحَظ أن ثمة استقطاباً حاداً في كل المنظومات الحلولية الكمونية المادية. يتضح هذا في الاستقطاب بين الموضوعية (في تأليهها للكون وإنكارها للذات) والذاتية (في إنكارها للكون وتأليهها للذات) . فالموضوعية تَفترض أن الواقع معقول وأنه مكمن الحقيقة وأنه يمكن معرفته وتفسيره في ضوء القوانين العامة التي يستخلصها الإنسان من خلال إذعان الذات للموضوع. أما الذاتية فترى أن الواقع غير موجود أو لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن إدراكه أو تفسيره ولا يمكن التوصل إلى أية قوانين أو حقائق عامة، ومن ثم تصبح علاقة الذات بالموضوع واهية، وقد تختفي تماماً. وقد واجه الفلاسفة مشكلة الاستقطاب الحاد بين الذات والموضوع (الواحدية الذاتية والواحدية الموضوعية) ، وطُرحت القضية التالية: هل الذات قادرة على معرفة الموضوعات، أم أن الموضوعات برانية بحيث لا يمكن الوصول إليها؟ وهل الذات هي مقياس حقيقة الأشياء (أي معقوليتها) أم أن الموضوع يحتوي نظامه (ومعقوليته) دون ارتباطه بالذات الإنسانية؟ وقد حاول كثير من فلاسفة القرن العشرين حل إشكالية ثنائية الذات والموضوع عن طريق إلغائها تماماً، فقالوا بعدم انفصال الذات عن الموضوع، فالموضوع ليس شيئاً مستقلاً عن الإرادة البشرية وإنما هو الفعل الناجم عن ممارسة القوة (فلسفات القوة) . وقال البعض الآخر إن الفعل ليس هو في ذاته ولكنه نتائج وآثار الفعل (الفلسفة البرجماتية) . والأمر عند فريق ثالث لا هذا ولا ذاك وإنما هو ما يتجه نحوه الوعي (الفلسفة الفينومينولوجية) . ومن ثم، فإن الذات لا وجود لها خارج الموضوع، وهي تستمد وجودها من تقابلها معه. ولكن، ورغم الاستقطاب الشديد، فإن ثمة نقط تشابه بين الذاتية والموضوعية، فكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية التي تفترض وجود مركز الكون داخله (الذات أو الموضوع) ، ومن ثم فإن كليهما واحدي يُلغي المسافة وإمكانية التجاوز. وتؤكد الموضوعية (المادية) أن الأشياء المحسوسة مادية ولها وجود موضوعي. ولكن هل العلاقة بين هذه الأشياء المحسوسة علاقة مادية وموضوعية تماماً أم أن رصدها يتطلب إجراء عمليات عقلية (ذاتية) تختلف من شخص لآخر؟ وجوهر الموضوعية هو الاستقراء، أي التعميم من عدد من الحالات الموضوعية، ولكن يمكننا أن نسأل: كيف يَحق للإنسان أن ينتقل من عدد من الظواهر الفردية إلى كل الظواهر التي تندرج تحت هذا النوع في الماضي (الذي لم يرصده الإنسان) والحاضر (الذي رصد بعض حالاته) والمستقبل (المجهول تماماً) ؟ ألا يشكل هذا الانتقال شكلاً من أشكال الإيمان بالثبات؟ وإذا كانت الحواس الفردية للإنسان مصدر المعرفة، فهل هي مصدر يمكن الاعتماد عليه؟ كل هذا يُبيِّن أن الحديث عن معارف كلية يقينية (نتوصل إليها من خلال عمليات الربط والتعميم) أمر يتنافى مع الموضوعية، وأن أي حديث عن معرفة نتوصل إليها من خلال الحواس يفتقد إلى المصداقية، ولذا تنحل الموضوعية في اتساقها مع نفسها وتسقط في ذاتية كاملة إذ أن كل واحد فينا (حسب الرؤية الموضوعية المادية نفسها) حبيس حواسه وحبيس التفاصيل التي يرصدها. ويمكن أن تحل الموضوعية (المادية) هذه الإشكالية بأن تُضيِّق نطاقها بقدر المستطاع فتقتصر وظيفتها على تعريف الظواهر ووصفها واكتشاف قوانينها (المادية) وترتيب القوانين من الخاص إلى العام، وتحل الملاحظة محل الخيال والتأمل والاستدلال النظري، وتقوم التجربة المادية مقام التصورات والافتراضات. ثم تضيق الحلقة وتصبح الموضوعية (المادية) هي تسجيل التفاصيل والحقائق المتناثرة. وفي هذه الحالة، تصبح الموضوعية موضوعية متلقية سلبية لا تستطيع التمييز بين مختلف المعطيات الحسية والمعطيات العقلية. ويصبح الرصد الموضوعي رصداً لأمور غير مهمة وربما تافهة ولكنها، مع هذا، "موجودة" موضوعياً ومادياً في الواقع. ويمكن أن يكون الرصد أفقياً بمعنى أن تُوضَع كل التفاصيل جنباً إلى جنب دون ربط أو ترتيب هرمي. كما يمكن أن تصبح الموضوعية (المادية) احتمالية تماماً، تضع الحقائق والتعليمات دون أن تَنسب لها أي ثبات. ولهذا يجب ألا يُطرَح السؤال على هذا النحو: هل الحقائق موجودة بالفعل أم لا؟ وإنما يجب أن يُطرَح بهذه الطريقة: ما دلالة الحقائق ومعناها وأهميتها؟ وهل تستحق التسجيل أم لا؟ فإن قلنا مثلاً إن الأساتذة الجامعيين يلبسون بذلاً زرقاء أما غيرهم فيلبسون بذلاً خضراء، فهل يصلح هذا أساساً لتصنيف أساتذة الجامعة؟ إن أساس اختيار الحقائق أكثر أهمية ودلالة من الحقائق في ذاتها. وكم المعلومات (مهما تضخَّم) لا علاقة له بالصدق أو الدلالة، فالصدق والكذب ليسا كامنين في الحقائق الموضوعية (أي من حيث هي كذلك) وإنما في طريقة تناولها وفي القرار الخاص باختيارها أو استبعادها. ومن هنا قولي بأن الحقائق شيء والحقيقة شيء آخر والحق شيء ثالث. فالحقائق أشياء مادية صرفة تُوجَد في الواقع على هيئة تفاصيل متناثرة منعزلة عن ماضيها التاريخي وسياقها الحاضر وعن الحقائق الأخرى، أما الحقيقة فهي لا توجد في الواقع وإنما يقوم العقل المبدع بتجريدها واستخلاصها من خلال عمليات عقلية تُجرَى على كم المعلومات والوقائع والحقائق المتناثرة فيقوم العقل بربط الوقائع والحقائق والتفاصيل ببعضها البعض الآخر ويراها في علاقتها بالحقائق المشابهة ومعارضتها للحقائق الأخرى كما يربطها بماضيها التاريخي وواقعها الاجتماعي ثم يربطها بحقائق وأنماط مماثلة حتى يصل إلى النموذج التفسيري الذي يُفسِّر أكبر قدر ممكن من الحقائق المتناثرة (أما الحق، فهو ينتمي إلى عالم المُثُل والإيمان وهو يشكِّل المنظور الأخلاقي [المطلق] الذي لا يجده الإنسان جاهزاً في الواقع المادي وإنما يُحاكم على أساسه كلاًّ من الحقائق المادية والحقيقة الفكرية العقلية) . ولنضرب مثلاً مثيراً من واقع أعضاء الجماعات اليهودية يبرهن على انعدام جدوى عملية الرصد الموضوعي (المتلقي) مهما بلغ من دقة وأمانة ونزاهة. ولنتخيل باحثاً (سنشير إليه بعبارة «الباحث الافتراضي» ) قرر أن يتخذ موقفاً موضوعياً تماماً من هجرة أعضاء الجماعات اليهودية وأن يرصدها بأمانة. سيبدأ هذا الباحث الافتراضي بعمل جدول يدرج فيه أسماء الجماعات اليهودية في العالم، وبجانب كل جماعة سيدرج الأرقام الخاصة بعدد اليهود الذين هاجروا منها ثم قد يضيف جدولاً آخر بأسماء البلاد التي هاجروا إليها. وقد يقرر أن يعمل جدولاً تاريخياً يضم أسماء الجماعات اليهودية وأسماء البلاد التي هاجروا إليها وتواريخ الهجرة والنسب المئوية المختلفة. وستكون النهاية أو الثمرة جدولاً ضخماً أو عدة جداول ضخمة أو متوسطة الحجم. ولا شك في أن مثل هذه الجداول، باختلاف أحجامها وأشكالها مرحلة أساسية في عملية الرصد. ولكن أن نكتفي بهذه الخطوة، فهذا هو التلقي السلبي بعينه، فالجدول قد يحتوي على كل شيء ولكنه لا يقول شيئاً، إذ يجب أن يُنظَر له باعتباره مادة خام، مجرد حقائق، يتعامل معها العقل لا كنهاية في حد ذاتها وإنما كي يفسرها ويجردها ويستخرج الأنماط منها حتى نصل إلى الحقيقة، ولكن لا يمكن أن نتصور أن المادة الخام هي النمط وأن الحقائق هي الحقيقة. ولكن صاحبنا، الباحث الموضوعي الافتراضي الذي أشرنا إليه، يكتفي بالرصد ولا يُعمل عقله ولا يجتهد ولا يسأل ولا يطرح الإشكاليات ولا يربط ولا يجرد ولا يبقي ولا يستبعد، ولعله لو فعل لاكتشف أن هجرة اليهود في العالم القديم لم تكن مجرد أرقام متراكمة بلا شكل أو اتجاه وإنما جزءاً من نمط، فقد كانت في معظم الأحيان هجرة من المناطق المتقدمة إلى المناطق المتخلفة، ولاكتشف أن هذا النمط انعكس مع بداية القرن السادس عشر. ولاكتشف أيضاً أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يهاجرون والسلام وإنما يتحركون عادةً داخل حدود إمبراطورية ما، تُيسِّر لهم الحركة وتؤمِّنهم، وأن هذا ما حدث لهم في العصر الحديث مع التشكيل الاستعماري الإمبريالي (الإمبراطوري) الغربي، وأن ما يحدد حركتهم (هجرتهم) هو حركيات التشكيل الاستيطاني الغربي. ولذا هاجر 80% من المهاجرين اليهود في العالم الغربي إلى الولايات المتحدة (تماماً كما هاجر 85% من مهاجري العالم الغربي إليها) . ولعل باحثنا الافتراضي هذا لو أعمل عقله قليلاً لاكتشف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحركوا داخل هذا التشكيل الاستعماري الغربي على وجه العموم وإنما داخل التشكيل الأنجلو ساكسوني على وجه التحديد، ومن هنا تواجدهم المكثف في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا، ومن هنا أيضاً إسرائيل، فهي ليست جزءاً من الحركة العامة لليهود وإنما هي جزء من التشكيل الاستعماري الأنجلو ساكسوني. الرصد الموضوعي سيُعطي كل البيانات ويُرهقنا تماماً (حقائق بلا حقيقة) ، أما الاجتهاد فسيُعطينا الحقائق داخل أنماط قد لا تضم كل الحقائق وقد لا تنطق بكل الحقيقة ولكنها بلا شك ستُفسِّر لنا كثيراً من جوانب الواقع. والافتراضات التي يستند إليها الفكر الموضوعي تنبع من العقلانية المادية لعصر الاستنارة، وقد ثبت أنها افتراضات إما خاطئة تماماً أو بسيطة إلى درجة كبيرة، ولذا فمقدرتها التفسيرية ضعيفة. وهذا يعود لعدة أسباب: 1 ـ تركيبية الواقع وخصوصية الظواهر: الواقع المادي ليس بسيطاً ولا منبسطاً ولا صلباً ولا صلداً وإنما مركب ومليء بالثغرات والنتوءات، ولا ترتبط معطياته الحسية برباط السببية الصلبة الواضحة إذ ثمة عناصر مبهمة فيه وثمة احتمالات وإمكانيات كثيرة يمكن أن يتحقق بعضها وحسب ولا يتحقق البعض الآخر. وكما بيَّن الدكتور حامد عمار فإن صورة عالم نيوتن المادي الآلي الثابت لم تَعُد الصورة المهيمنة في العلوم الطبيعية، فقد جاءت نظرية النسبية والحركة والطاقة لتكمل مفهومنا عن عالم المادة التي تبدو في السطح مستقرة ثابتة، لكن استقرارها إنما هو نتيجة لدينامية في انتظام الحركة داخل مكوناتها. والجُزَيْءُ النووي يتمثل في مادة كما يتمثل في موجات، ويتوقف التعامل معه على نوع السؤال الموجه له في أي من البُعدين. كذلك أدَّت نظرية أينشتاين في النسبية إلى القضاء على المفهوم المطلق لكل من الزمان والمكان، وإلى اعتبارهما بُعداً واحداً رابعاً يعمل في سياق بيئة معيَّنة. وامتدت أبحاث الفيزياء الحديثة من خلال نظرية الكم (كوانتوم) إلى أن الحقائق الكونية تتحدد أكثر ما تتحدد بعلاقتها بغيرها. وأن تعريفها يعتمد أكثر ما يعتمد على نوع علاقتها المتبادلة مع غيرها. أضف إلى ذلك أن تحديد المادة وفهمها إنما يتأثر إلى حدٍّ ما بالمشاهد نفسه، فهو مشارك في تحديد طبيعة ما يراه، وليس مجرد ملاحظ سلبي لما يراه. وهذا يعني أننا لا يمكن أن نفصل العقل عن إدراك عالم الإلكترون كما يقول علماء الفيزياء، باعتبار أن له خصائص مستقلة عن الشخص المُدرك، وأننا لا يمكن أن نتحدث عن عالم الطبيعة والمادة دون أن نتحدث عن أنفسنا وطبيعة ذواتنا، ووعينا ومقاصدنا. ومن خلال هذه الجهود والنظريات العلمية في عالم الفيزياء الحديثة أصبح التوجه العام في النظر إلى الكون نظرة يمكن وصفها بأنها عضوية وكلية بيئية، أي من خلال نظرية المنظومة العامة. وهذا المنطلق العلمي يناقض النظرة الميكانيكية التي تنظر إلى الكون باعتباره (آلة ـ ماكينة) تتألف من أجزاء منفصلة بعضها عن بعض، لكنها أجزاء مترابطة في علاقات متبادلة في هذا الكل الكوني الموحد. فالأشياء إنما هي علاقات بين أشياء، وأن هذه الأشياء إنما هي علاقات بين أشياء أخرى، وهكذا. وينبع قدر كبير من الخلل في تَصوُّر الكائنات الحية عموماً باعتبارها آلات، مع أن هناك خلافاً جوهرياً بينهما، فالآلات تُصنَع وتُركَّب، بينما الكائنات الحية تنمو وتتطور. كذلك فبينما تتحدد أنشطة الآلة من خلال بنية أجزائها، فإن نشاط الكائنات الحية، وبخاصة الإنسان، إنما يتحدد بالعكس، أي أن بنيتها تتحدد من خلال العمليات التي تقوم بها. ثم إن عمل الآلة محكوم بسلسلة خطية من السبب والنتيجة، وحين يحدث خلل يمكن التعرف على السبب في ذلك الخلل، أما في الكائن الحي فإن جسمه يعمل من خلال علاقات دائرية يؤثر بعضها في البعض، ثم يعود ليؤثر مرة أخرى في المؤثر الأول من خلال التغذية الراجعة. ومن ثم يصبح الخلل ناجماً عن مجموعة مركبة من العوامل يعزز بعضها بعضاً، وبالتالي يصبح التعرف على السبب الأول غير ذي موضوع، وإنما الأهم هو محصلة العلاقات المتداخلة". ولذا، لا يمكن فهم الواقع من خلال القوانين البسيطة الصلبة المطلقة وإنما من خلال الافتراضات والقوانين الاحتمالية والسببية الترابطية، ولذا أصبحنا ندرك خطورة التجريب العلمي وأنه ليس من الممكن القيام بكل التجارب الممكنة التي تغطي كل الاحتمالات. ولعل ظهور مفهوم الـ «إيكو سيستم eco-system» ، أي «النظام البيئي» ، تأكيد لتركيبية هذا العالم الذي نعيش فيه وأنه لن يقع في قبضة السببية الصلبة المطلقة التي توهمها العلم الغربي في القرن التاسع عشر، قبل أن يصل إلى قدر من النضوج فيما يتصل بقدراته وحدوده. ومما يزيد من تركيبية الكون وجود أهم الثغرات طُراً فيه، أي الإنسان، فهو أكثر الكائنات تركيباً، لا يقف في الكون كشيء ضمن الأشياء الأخرى، ظاهرة مثل الظواهر، وإنما يقف شامخاً في مركز الكون تأتي عنده القوانين الطبيعية فتُعدِّل من مسارها وتتغير وتتحور، بل قد تتوقف أحياناً تماماً. 2 ـ خصوصية وتركيبية الإدراك: ما ينطبق على الإنسان ينطبق، بطبيعة الحال، على عقله الذي يرصد الكون، فقد اكتشفنا أن العقل قاصر وله حدوده الخاصة ولا يمكنه تسجيل كل المعطيات المادية المحيطة به ولا الإحاطة بكل جوانب الفعل. نعم ينطبع الواقع على خلايا المخ، ولكن عدد الانطباعات الحسية في أية لحظة يكون هائلاً لدرجة يستحيل معها تسجيله. والعقل، رغم هذا، بل بسبب هذا، أبعد ما يكون عن السلبية والبساطة، فهو ليس بصفحة بيضاء تتراكم عليها المعلومات وتصبح معرفة من تلقاء نفسها، فالعقل في أبسط العمليات الإدراكية فاعل فعال، مبدع حر، يتمتع بقدر من الاستقلال عن المعطيات المادية المحيطة به وعن قوانين الطبيعة/المادة، فاللحظة الحسية في عملية الإدراك ليست سوى لحظة. وعملية الإدراك ليست بسيطة تأخذ شكل منبه أو مثير فاستجابة فهي مسألة تبلغ الغاية في التركيب، فبين المنبه المادي والاستجابة الحسية والعقلية والإدراكية يُوجَد عقل نشيط مبدع ينظم وهو يتلقى. والمعرفة تتضمن فهماً وتركيباً وتنظيماً، والحواس عاجزة بذاتها عن فهم المحسوسات وتنظيمها إذ أن التنظيم يستدعي قدرة أخرى وفاعلية أخرى تصل وتفصل وتقارن وترتب وتنظم، ولن تكون هذه القوة ناشئة عن المحسوسات لأن الحواس لا تمدنا إلا ببعض الصفات الظاهرة للمُعطَى الحسي كاللون والرائحة والطعم والحجم. وهي معطيات جزئية فردية منعزلة لا تؤلف وحدة متكاملة ومترابطة. وما يحدث أن الكم الهائل والحصيلة الضخمة للمعطيات الحسية التي تُسجَّل على عقل الإنسان، والتي تصل إليه على هيئة جزئيات غير مترابطة، هذا الكم يفرض عليه جهازه الحسي والعصبي ترشيحها وفرزها وترتيبها (فهو لا يستوعب إلا الكليات المترابطة) ، ثم يجري العقل عملية تجريدية تفكيكية تركيبية تتضمن استبعاد بعض العناصر وإبقاء البعض الآخر، ثم يقوم بترتيب ما تم إبقاؤه من معطيات فيُبرز بعضها باعتباره مركزياً ويُهمِّش البعض الآخر باعتباره ثانوياً بحيث تصبح الجزئيات المتناثرة كلاً مفهوماً وتصبح العلاقات بين المعطيات المادية التي أدركها العقل تتشاكل، ولا تتطابق بالضرورة، مع ما يتصور الإنسان أنه العلاقات الجوهرية في الواقع. وعملية الإبقاء والاستبعاد هذه لا تتم بشكل عشوائي (ذاتي) محض، ولا تتم بشكل آلي (موضوعي) محض، وإنما على أساس مجموعة من المسلمات الكلية النهائية التي استبطنها المُدرك (وهي مفطورة في عقل الإنسان) . وهذه العملية ليست عملية محايدة، مفرغة تماماً من القيم (بالإنجليزية: فاليو فري value-free) وإنما تدور في إطار المنظومة القيمية للمدرك. ومما يزيد عملية الإدراك تركيباً أن عقل الإنسان لا ينظم المعطيات الحسية ويفككها ويركبها وحسب، بل يختزن ذكريات عن الواقع هي في حقيقة الأمر صورة مثالية وذاتية لهذا الواقع، وهو يُولِّد من المعطيات الحسية رموزاً وأساطير، وتصبح الذكريات والمثل والرموز والأساطير جزءاً من آليات إدراكه. كما أن وضع المُدرك في الزمان والمكان يؤثر ولا شك في علاقته بالظاهرة التي يدرسها. وعملية رصد الإنسان عملية تبلغ الغاية في التركيب. فالحقائق الإنسانية لا يمكن فهمها إلا من خلال دراسة دوافع الفاعل وعالمه الداخلي والمعنى الذي يُسقطه عليه، فالإنسان ليس مجرد سلوك براني مادي وحسب يُرصَد من خارجه وإنما هو سلوك براني تُحركه دوافع جوانية يَصعُب الوصول إليها مباشرةً من خلال الوصف الموضوعي وغيره، ولذا يحاول العقل البشري أن يصل إليها من خلال عملية حدس وتخمين وتعاطف وتخيُّل وتركيب عقلي ومقاربات ذهنية يَصعُب أن نسميها «موضوعية» . وقد قيل إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب للمنبهات وإنما لفهمه لها ولدلالتها وللمعنى الذي يُسقطه هو عليها. والبُعد الجواني في الظاهرة الإنسانية يفوق في أهميته السلوك البراني الخاضع للرصد المادي، فكأن الموضوعية عاجزة عن رصد الإنسان باعتباره كائناً مركباً، وتنجح فقط في تحويله إلى كائن طبيعي، وهو ما يُبيِّن أنها تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية الكامنة. 3 ـ خصوصية القول وتركيبية الإفصاح: ويمكن أن نضيف لكل هذا أن اللغة التي يستخدمها المُدرك للإفصاح عن إدراكه للواقع يمكن أن تكون لغة جبرية دقيقة في المواقف التافهة البسيطة أو في وصف بعض الظواهر الطبيعية. أما إن انتقلنا إلى الظواهر الأكثر تركيباً، فنحن عادةً ما نستخدم لغة مركبة قد تكون مجازية أو رمزية أو غير لفظية، وهي لغة تختلف من شخص لآخر. الواقع مركب لا يمكن رصده ببساطة، والإنسان تبلغ الغاية في التركيب ويستحيل أحياناً رصد عالمه الجواني. وهو نفسه، كراصد للواقع، لا يتلقى المعطيات وإنما يفككها ويركبها ويعيد صياغتها، وحينما يفصح عنها، فإن لغة الإفصاح تكون مرتبطة به وبتجربته. ولذا، فقد اتضح تدريجياً أن فكرة الموضوعية الكاملة والانفصال الكامل للذات المدركة عن الموضوع المدرَك مجرد أوهام. وفي السنوات العشرين الأخيرة، اتضح لنا كل هذا على صعيد حياتنا اليومية، فرقعة المعلوم آخذة في التزايد بشكل مذهل ولكن رقعة المجهول تزايدت معها بشكل أكبر. وقد حقق الإنسان معدلات تقدم مادية مذهلة ولكن آدابه تتحدث عن نكبة الإنسان الحديث، وتحكي مدنه (بتلوثها وجرائمها) قصة مختلفة عما تقوله الإحصاءات. لكل هذا، أدركنا أن المعرفة الموضوعية النهائية هي حلم المستحيل وكابوسه، وأن التحكم الإمبريالي الموعود الذي يفترض انفصال الذات المتحكمة عن الموضوع المُتحكَّم فيه هي أضغاث أحلام. |
|
*الظاهر هو «أبو الحسن الظاهر بن الحاكم بأمر الله» تولى الخلافة فى شوال سنة (411هـ)، بعد مقتل أبيه مباشرة، وكان لعمته «ست الملك» النفوذ والسيطرة فى تسيير دفة الدولة، وقامت بذلك على أحسن وجه، وبذلت العطاء للجند، وتمكنت من تهدئة الأمر حتى وافاها الأجل فى سنة (415هـ)، فانتهج «الظاهر» نهجها وعمل بسياستها، وألغى ما سنَّه أبوه «الحاكم» من قوانين مجحفة، واهتم بتحسين شئون البلاد وأحوال الرعية، ومنح الناس الحرية الدينية، فنعموا بالكثير من إنجازاته، وعلى الرغم من أن مجاعة حدثت فى عهده استمرت ثلاث سنوات، نتيجة انخفاض النيل، فإنه عمل على تخفيف المعاناة عن الشعب، وعقد اتفاقًا مع إمبراطور الروم ليمده بالقمح بمقتضاه، على أن يقوم «الظاهر» بإعادة بناء «كنيسة القيامة» بالقدس.
مرض «الظاهر» بالاستسقاء، ولم يلبث أن تُوفِّى سنة (427هـ). |
المعجم الفلسفي (بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية)
|
في الفرنسية/ Epiphenomene
في الانكليزية/ Epiphenomenon الظاهرة الثانوية هي الظاهرة التابعة لغيرها بمعنى أن وجودها أو عدمها لا يؤثران في وجود الظاهرة الأصلية أو عدمها، مثال ذلك صوت محرك السيارة، فهو لا يضر ولا ينفع، ولا يؤخر ولا يقدم. ومذهب الظواهر الثانوية ( Epiphenomenisme) هو القول ان ظواهر الشعور تابعة لأحوال الجملة العصبية، فهي تتولد منها ولا تؤثر فيها، وهي من الظواهر الفيسيولوجية بمنزلة الظل من الجسم، أو النور من المصباح، فكما لا يكون للنور المنبعث من موقد القاطرة تأثير في حركتها، ولا لظلّ الماشي تأثير في سيره، كذلك لا يكون لظواهر الشعور تأثير في حركة الإنسان وفعله، لأن الشعور حادثة زائدة، ولأن المخ يفرز الفكر كما يفرز الكبد الصفراء. |
|
في الفرنسية/ apparent, Apparence
في الانكليزية/ apparent, Appearence في اللاتينية/ Apparentie الظاهر ما يبدو من الشيء في مقابل ما هو عليه في ذاته (مج). ويقابله الحقيقي، تقول: الحركة الظاهرة، والاسباب الظاهرة. والظاهر من الشيء ما انكشف لك منه دون دليل، وضده الخفي والباطن، ويرادفه الواضح والبديهي. فظاهر النصّ ما تدل عليه ألفاظه من معان بديهية واضحة، بخلاف باطن النص، وهو ما تشتمل عليه ألفاظه من معان خفية عميقة. ومن قبيل ذلك قول بعض الفرق: ان للقرآن ظاهرا وباطنا. فأما الباطن فهو المعاني الروحية العميقة التي لا تتجلى الا لاهل البرهان، وأما الظاهر فهو الأمثال الحسية المشروبة لتلك المعاني، وهم يعدون التأويل اصلا يجب الاعتماد عليه في معرفة الباطن. والمقصود بالتأويل عندهم اخراج معنى اللفظ من الدلالة الحقيقة إلىالدلالة المجازية، من غير إخلال بعادة لسان العرب من التجوز في تسمية الشيء بشبيهه، أو سببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء (ابن رشد، فصل المقال). والظاهر عند الصوفية مقابل للباطن ومنه علم الظاهر، وعلم الباطن. والظاهر والباطن صفتان للّه تعالى لا تقالان الا مزدوجتين، كالأول والآخر، فالظاهر دلائله، والباطن ذاته، لاحتجابها عن نظر العقول. والظاهري هو المنصوب إلىالظاهر، تقول: التعليم الظاهري ( Exoterique) وهو ما يصرح به للعامة، أو ما يلقى خارج الدروس والمجالس الخاصة. (راجع: الباطني). |
|
في الفرنسية/ Phenomene
في الانكليزية/ Phenomenon في اللاتينية/ Phaenomenon الظاهرة من الشيء اعلاه. وتطلق في الفلسفة على عدة معان: 1 - الظاهرة هي الواقع الخارجي المؤثر في الحواس، كالظواهر الفيزيائية والكيميائية، والحيوية، والفلكية. 2 - الظاهرة هي الواقع النفسي المدارك بالشعور، كالظواهر الانفعالية والعقلية والارادية. 3 - وتطلق الظاهرة ايضا على كل ما يبحث فيه العلم من الحقائق التجريبية أو على المعطيات التجريبية المباشرة من جهة ما هي مستقلة عن المدرك. 4 - وللظاهرة عند (كانت) معنى خاص، وهو اطلاقها على موضوع كل تجربة ممكنة، أي على كل ما يحدث في الزمان والمكان، وتتجلّى فيه العلاقات التي تحددها المقولات العقلية، فالظاهرة عنده مقابلة للمادة المحضة من جهة، وللشيء بذاته من جهة اخرى. 5 - والظاهرة عند المحدثين هي الأمر ينجم بين الناس، يقال: بدت ظاهرة الاهتمام بالصناعة (المعجم الوسيط). |
المعجم الفلسفي (بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية)
|
في الفرنسية/ Epiphenomene
في الانكليزية/ Epiphenomenon الظاهرة الثانوية ظاهرة عرضية لا تأثير لحضورها أو غيابها في حدوث الظاهرة الاساسية، كصوت المحرك، فهو ظاهرة ثانوية، لا تضيف إلىحركة المحرك شيئا، ولا تحذف منها شيئا. والقول ان الشعور ظاهرة ثانوية ( epipheno Conscience mene) مذهب من يرى ان المادة هي الأصل، وأن الشعور ليس سوى عرض طارئ على الجهاز العصبي لا يؤثر فيه، ولا في غيره من الظواهر الخاضعة للسببية الميكانيكية. ويسمى هذا المذهب النفسي بمذهب الظاهرة الثانوية ( Epiphenome nisme). |
|
في الفرنسية، Phenomenalisme, Phenomenisme
في الانكليزية Phenomenalism الظاهرية من الفقهاء هم المنسوبون إلىالقول بالظاهر، والظاهرية من الفلاسفة هم المنكرون لمعنى الجوهر، القائلون ان الوجود الحقيقي مؤلف من الظواهر، فكل ظاهرة عندهم مركبة من ظواهر أخرى، أو داخلة في تركيب ظواهر اخرى. فإن قالوا: لا وجود الا للظواهر، وان الشيء بذاته ( soi en chose) ليس سوى لفظ، اطلق عليهم اسم الظاهرية ( Phenomenisme) ( كهيوم ورينوفيه). وإن سلموا بوجود الشيء بذاته، وقالوا ان العقل لا يدرك الا الظواهر، اطلق عليهم اسم الظواهرية ( Phenomenalisme) ( كانت، واغوست كومت). وكل امر منسوب إلىالظاهرة فهو ظاهري ( ou Phenomenal Phenomenique). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
1 - طهارة الظاهر:
وتكون بالوضوء أو الغسل بالماء، إلى جانب طهارة الثوب والبدن والبقعة من النجاسة. |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هو بمعنى (الإرسال الجلي) ، فانظره.
|
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
انظر (العدالة).
|
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
1 - الظاهرية
الظاهرية: مذهب من المذاهب الفقهية البائدة تتسب إلى أبى سليمان داود بن على ابن خلف الأصبهانى المعروف بالظاهرى، ولد بالكوفة سنة 202 هـ. وأخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبى ثور وغيرهما. وكان أكثر الناس تعصبا للشافعى وصنف فى فضائله والثناء عليه كتابين، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، ثم انتحل لنفسه مذهبا خاصا أساسه العمل بظاهر الكتاب والسنة ما لم يدل دليل منهما أو من الإجماع على أنه يراد به غير الظاهر، فإن لم يوجد نص عمل بالإجماع ورفض القياس رفضا باتا وقال: إن فى عمومات النصوص من الكتاب والسنة ما يفى بكل جواب. صنف داود كثيرا من الكتب منها كتبه فى أبواب الفقه ومنها فى الأصول كتاب إبطال التقليد، وكتاب إبطال القياس، وكتاب خبر الواحد وكتاب الخبر الموجب للعلم، وكتاب الحجة، وكتاب الخصوص والعموم، وكتاب المفسر والمجمل وغير ذلك من الكتب، وقد انتهت إليه رئاسة العلم فى بغداد. وممن أخذ عنه وسار على مذهبه ابنه محمد وكان فاضلا صنف كثيرا من الكتب، ومن متبعى داود والمؤلفين على مذهبه أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس توفى سنة 324هـ. وقد استمر مذهب داود متبعا إلى منتصف القرن الخامس الهجرى ثم اضمحل، وله آراء خالف فيها الجمهور نتجت من ترك القياس والعمل بظاهر الكتاب والسنة، ومن يطلع على كتاب "المحلى" لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى المتوفى سنه 456هـ. يرى فيه كثيرا من تلك المسائل، وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه فى أقوالهم، وخالف إمامهم داود. وفى طبقات الشافعية لابن السبكى هل يعتد بخلاف الظاهرية فى الفروع أم لا؟ وحكى فى ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: اعتباره مطلقا وهو الصحيح. والثانى: عدم اعتباره مطلقا ونسبه الأستاذ أبو إسحاق إلى الجمهور. والثالث: اعتباره إلا فيما خالف القياس الجلىّ. وحكى ابن السبكى عن والده أن داود لا ينكر القياس الجلى وانما ينكر الخفى فقط. قال عنه الذهبى: داود بن على بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس فى معرفة الخلاف من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين، وكذلك فى فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر وذكاء قوى. وقال ابن خلدون: ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة فى النصوص والإجماع وردوا القياس الجلىّ والعلة المنصوصة إلى النص، لأن النص على العلة نص على الحكم فى جميع محالها، ثم درس مذهب أهل الظاهر بدروس أئمته أنكار الجمهور على منتحله. أ. د/ فرج السيد عنبر __________ المراجع 1 - تاريخ التشريع الإسلامى، للشيخ محمد الخضرى ص 195 وما بعدها. 2 - سير أعلام النبلاء13/ 107 وما بعدها 3 - مقدمة ابن خلدون ص 446 وما بعدها. |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله 622 هـ ـ 623 ه
الظاهر بأمر الله : أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله ولد سنة إحدى و سبعين و خمسمائة و بايع له أبوه بولاية العهد و استخلف عند موت والده و هو ابن اثنتين و خمسين سنة فقيل له : ألا تتفسح ؟ قال : لقد يبس الزرع فقيل : يبارك الله في عمرك قال : من فتح دكانا بعد العصر إيش يكسب ؟ ثم إنه أحسن إلى الرعية و أبطل المكوس و أزال المظالم و فرق الأموال ذكر ذلك أبو شامة و قال ابن الأثير في الكامل : لما ولي الظاهر الخلافة أظهر من العدل و الإحسان ما أعاد به سنة العمرين فلو قيل : إنهما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا فإنه أعاد من الأموال المغصوبة و الأملاك المآخوذة في أيام أبيه و قبلها شيئا كثيرا و أبطل المكوس في البلاد جميعها و أمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق و بإسقاط جميع ما جدده أبوه و كان ذلك كثيرا لا يحصى فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يحصل منها قديما عشرة آلاف دينار فلما استخلف الناصر كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار فاستغاث أهلها فأعادها الظاهر إلى الخراج الأول و لما أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق و ذكروا أن أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها و خربت فأمر أن لا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة و من عدله أن صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط في المثقال يقبضون بها و يعطون بصنجة البلد فخرج خطه إلى الوزير و أوله {{ ويل للمطففين }} الآيات و فيه : قد بلغنا أن الأمر كذا و كذا فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس فكتبوا إليه أن هذا فيه تفاوتا كثيرا و قد حسبنا في العام الماضي فكان خمسة و ثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل و يقول : يبطل و لو أنه ثلثمائة ألف و خمسون ألف دينار و من عدله أن صاحب الديوان قدم من واسط و معه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم فردها على أربابها و أخرج أهل الحبوس و أرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر و فرق ليلة عيد النحر على العلماء و الصلحاء مائة ألف دينار و قيل له : هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه فقال : أنا فتحت الدكان بعد العصر فاتركوني أفعل الخير فكم بقيت أعيش ؟ و وجد في بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة فقيل له : لم لا تفتحها ؟ قال : لا حاجة لنا فيها كلها سعايات و هذا كله كلام ابن الأثير و قال سبط ابن الجوزي : لما دخل إلى الخزائن قال له خادم : كانت في أيام آبائك تمتلىء فقال : ما جعلت الخزائن لتمتلىء بل تفرغ و تنفق في سبيل الله فإن الجمع شغل التجار ؟ و قال ابن واصل : أظهر العدل و أزال المكس و ظهر للناس و كان أبوه لا يظهر إلا نادرا توفي رحمه الله في ثالث عشر رجب سنة ثلاث و عشرين فكانت خلافته تسع أشهر و أياما و قد روى الحديث عن والده بالإجازة ورى عنه أبو صالح نصر بن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي و لما توفي اتفق خسوف القمر مرتين في السنة فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية ـ أولها : ما لليل و النهار لا يعتذران و قد عظم حادثهما و ما للشمس و القمر لا ينكسفان و قد فقد ثالثهما : ( فيا وحشة الدنيا و كانت أنيسة ... و وحدة من فيها لمصرع واحد ) و هو سيدنا و مولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين الذي جعلت ولايته رحمة للعالمين إلى آخر الرسالة |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المستنصر بالله منصور بن الظاهر بأمر الله 623 هـ ـ 640ه
المستنصر بالله : أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله ولد في صفر سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة و أمه جارية تركية قال ابن النجار : و بويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاث و عشرين و ستمائة فنشر العدل في الرعايا و بذل الإنصاف في القضايا و قرب أهل العلم و الدين و بنى المساجد و الربط و المدارس و المارستانات و أقام منار الدين و قمع المتمردة و نشر السنن و كف الفتن و حمل الناس على أقوم سننن و قام بأمر الجهاد أحسن قيام و جمع الجيوش لنصرة الإسلام و حفظ الثغور و افتتح الحصون وقال الموفق عبد اللطيف : بويع أبو جعفر فسار السيرة الجميلة و عمر طرق المعروف الدائرة و أقام شعار الدين و منار الإسلام و اجتمعت القلوب على محبته و الألسن على مدحه و لم يجد أحد من المتعنتة فيه معابا و كان جدة الناصر يقربه و يسميه القاضي لهداه و عقله و إنكار ما يجده من المنكر و قال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري : كان المستنصر راغبا في فعل الخير مجتهدا في تكثير البر و له في ذلك آثار جميلة و أنشأ المدرسة المستنصرية و رتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم و قال ابن واصل : بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بني على وجه الأرض أحسن منها و لا أكثر منها و قوفا و هي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة و عمل فيها مارستانا و رتب فيها مطبخا للفقهاء و مزملة للماء البارد و رتب لبيوت الفقهاء الحصر و البسط و الزيت و الورق و الحبر و غير ذلك و للفقيه بعد ذلك في الشهر دينارا و رتب لهم حماما و هو أمر لم يسبق إلى مثله و استخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه و لا جده و كان ذا همة عالية و شجاعة و إقدام عظيم و قصدت التتار البلد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة و كان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة و كان يقول : لئن وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون و آخذ البلاد من أيدي التتار و استأصلهم فلما مات المستنصر لم الدويدار و لا الشرابي تقليد الخفاجي خوفا منه و أقاما ابنه أبا أحمد للينه و ضعف رأيه ليكون لهم الأمر ليقضي الله أمرا كان مفعولا من هلاك المسلمين في مدته و تغلب التتار فإنا لله و إنا إليه راجعون قال الذهبي و قد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيفا و سبعين ألف مثقال و كان ابتداء عمارتها في سنة خمس و عشرين و تمت في سنة إحدى و ثلاثين و نقل إليها الكتب و هي مائة و ستون حملا من الكتب النفسية و عدد فقهائها مائتان و ثمانية و أربعون فقيها من المذاهب الأربعة و أربعة مدرسين و شيخ حديث و شيخ نحو و شيخ طب و شيخ فرائض و رتب فيها الخبز و الطبيخ و الحلاوة و الفاكهة و جعل فيها ثلاثين يتيما و وقف عليها ما لا يعبر عنه كثرة ـ ثم سرد الذهبي القرى و الرباع الموقوفة عليها ـ و قال : و فتحت يوم الخميس في رجب و حضر القضاة و المدرسون و الأعيان و سائر الدولة و كان يوما مشهودا و من الحوادث في أيام المستنصر : في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشراف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفية و فرغت في سنة ثلاثين و في سنة اثنتين و ثلاثين أمر المستنصر بضرب الدراهم الفضية ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب فجلس الوزير و أحضر الولاة و التجار و الصيارفة و فرشت الأنطاع و أفرغ عليها الدراهم و قال الوزير : قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذه الدراهم عوضا عن قراضة الذهب رفقا بكم و إنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء ثم أديرت بالعراق و سعرت كل عشرة بدينار فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد : ( لا عدمنا جميل رأيك فينا ... أنت باعدتنا عن التطفيف ) ( و رسمت اللجين حتى ألفتاه ... و ما كان قبل بالمألوف ) ( ليس للجمع كان منعك للصر ... ف و لكن للعدل و التعريف ) و في سنة خمس و ثلاثين و ستمائة ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد الجوني و هو أول قاضي رتب الشهود بالبلد و كان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم و فيها مات الإخوان السلطان الأشرف صاحب دمشق و الكامل صاحب مصر بعده بشهرين و تسلطن بمصر ولد الكامل قلامة و لقب العادل ثم خلع و تملك أخوه الصالح أيوب نجم الدين و في سنة سبع و ثلاثين و ستمائة ولي خطابة دمشق الشيخ عزالدين بن عبد السلام فخطب خطبة عرية من البدع و أزال الأعلام المذهبة و أقام هو عوضها سودا بأبيض و لم يؤذن قدامه سوى مؤذن واحد و فيها رسول الأمين الذي تملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني إلى الخليفة يطلب تقليد السلطنة باليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل و بقي الملك في بيته إلى سنة خمسة و ستين و ثمانمائة و في سنة تسع و ثلاثين و ستمائة بنى الصالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين و القلعة التي بالروضة ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى و خمسين و ستمائة و في سنة أربعين و ستمائة توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة و رثاه الشعراء فمن ذلك قول صفي الدين عبد الله بن جميل و من مناقب المستنصر أن الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها : ( لو كنت في يوم السقيفة حاضرا ... كنت المقدم و الإمام الأورغا ) فقال له قائل بحضرته : أخطأت قد كان حاضرا العباس جد أمير المؤمنين و لم يكن المقدم إلا أبو بكر فأقر ذلك المستنصر و خلع على قائل ذلك خلعة و أمر بنفي الوجيه فخرج إلى مصر حكاها الذهبي و ممن مات في أيام المستنصر من الأعلام : الإمام أبو القاسم الرافعي و الجمال المصري و ابن معزوز النحوي و ياقوت الحموي و السكاكي صاحب [ المفتاح ] و الحافظ أبو الحسن بن القطان و يحيى بن معطي صاحب [ الأليفة ] في النحو و الموفق عبد اللطيف البغدادي و الحافظ أبو بكر بن نقطة و الحافظ عزالدين علي بن الأثير صاحب [ التاريخ و الأنساب و أسد الغابة ] و ابن عتبي الشاعر و السيف الآمدي و ابن فضلان و عمر بن الفرض صاحب التائية و الشهاب السهرودي صاحب [ عوارف المعارف ] و البهاء بن شداد و أبو العباس العوفي صاحب المولد النبوي و العلامة أبو الخطاب بن دحية و أخوه أبو عمرو و الحافظ أبو الربيع بن سالم صاحب [ الاكتفاء ] في المغازي و ابن الشواء الشاعر و الحافظ زكي الدين البرزالي و الجمال الحصري شيخ الحنفية و الشمس الجوبي و الحراني أبو عبد الله الزيني و أبو البركات ابن المستوفي و الضياء بن الأثير صاحب [ المثل السائر ] و ابن عربي صاحب [ الفصوص ] و الكمال بن يونس شارح [ التنبيه ] و خلائق آخرون |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المستنصر بالله أحمد بن الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله 659هـ ـ 661ه
المستنصر بالله : أحمد أبو القاسم بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد قال الشيخ قطب الدين : كان محبوسا ببغداد فلما أخذت التتار بغداد أطلق فهرب و صار إلى عرب العراق فلما تسلطن الملك الظاهر بيبرس وفد عليه في رجب و معه عشرة من بني مهارش فركب السلطان للقائه و معه القضاة و الدولة فشق القاهرة ثم أثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز ثم بويع له بالخلافة فأول من بايعه السلطان ثم قاضي القضاة تاج الدين ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم الكبار على مراتبهم و ذلك في ثالث عشر رجب و نقش اسمه على السكة و خطب له و لقب بلقب أخيه و فرح الناس و ركب يوم الجمعة و عليه السواد إلى جامع القلعة و صعد المنبر و خطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس و دعا فيها للسلطان و المسلمين ثم صلى بالناس ثم رسم بعمل خلعة خليفة السلطان و بكتابة تقليد له ثم نصب خيمة بظاهر القاهرة و ركب المستنصر بالله يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة و حضر القضاة و الأمراء و الوزير فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده و طوقه و نصب منبر فصعد عليه فخر الدين بن لقمان فقرأ التقليد ثم ركب السلطان بالخلعة و دخل من باب النصر و زينت القاهرة و حمل الصاحب التقليد على رأسه راكبا و الأمراء مشاة و رتب السلطان للخليفة أتابكا و استادارا و شرابيا و حاجبا و كاتبا و عين له خزانة و جملة مماليك و مائة فرس و ثلاثين بغلا و عشرة قطارات جمال إلى أمثال ذلك قال الذهبي : و لم يلي الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا هذا و المقتفي و أما صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش فإنه أقام بحلب خليفة و لقبه الحاكم بأمر الله و خطب له و نقش اسمه على الدراهم ثم إن المستنصر هذا عزم على التوجه إلى العراق فخرج معه السلطان يشيعه إلى أن دخلوا دمشق ثم جهز السلطان الخليفة و أولاد صاحب الموصل و غرم عليه و عليهم من الذهب ألف ألف دينار و ستين ألف درهم فسار الخليفة و معه ملوك الشرق و صاحب سنجار فاجتمع به الخليفة الحلبي الحاكم و دان له و دخل تحت طاعته ثم سار ففتح الحديثة ثم هيت فجاءه عسكر من التتار فتصافوا له فقتل من المسلمين جماعة و عدم الخليفة المستنصر فقيل : قتل و هو الظاهر و قيل : سلم و هرب فأضمرته البلاد و ذلك في الثالث من المحرم سنة ستين فكانت خلافته دون ستة أشهر و تولى بعده بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة داود الظاهري.
270 - 883 م هو داود بن علي بن خلف أبو سليمان الظاهري صاحب مذهب الظاهرية المعروف بداود الظاهري وهو أول من نفى القياس في الأحكام الشرعية وتمسك بظواهر النصوص وأصله من أصبهان، وسمع الكثير ولقي الشيوخ وتبعه خلق كثير، وقدم بغداد وصنف بها الكتب، وإليه انتهت رياسة العلم ببغداد وتوفي بها في رمضان، وقيل: في ذي القعدة، عن 70 عاما. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة محمد بن داود الظاهري.
297 رمضان - 910 م توفي أبو بكر محمد بن داود بن علي الفقيه الظاهري ابن الإمام داود بن علي الظاهري, كان عالمًا بارعًا, إماما في الحديث, أديبا, شاعرا، فقيها, ماهرا، وله كتاب الزهرة، اشتغل على أبيه وتبعه في مذهبه ومسلكه وما اختاره من الطرائق وارتضاه وكان أبوه يحبه ويقربه ويدنيه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
اغتيال الخليفة العبيدي (الفاطمي) الحاكم بأمر الله وتولي ابنه الظاهر لإعزاز دين الله الحكم بعده.
411 شوال - 1021 م في ليلة الاثنين لثلاث بقين من شوال، فقد الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز الفاطمي العبيدي صاحب مصر بها، ولم يعرف له خبر، وكان سبب فقده أنه خرج يطوف ليلة على رسمه، وأصبح عند قبر الفقاعي، وتوجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت المال، وأمر لهم بجائزة، ثم عاد الركابي الآخر، وذكر أنه خلفه عند العين والمقصبة، وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال، فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي، وغيره من خواص الحاكم، ومعهم القاضي، فبلغوا عسفان، ودخلوا في الجبل، فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكباً، وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما، وعليه سرجه ولجامه، فاتبعوا الأثر، فانتهوا به إلى البركة التي شرقي حلوان، فرأوا ثيابه، وهي سبع قطع صوف، وهي مزررة بحالها لم تحل، وفيها أثر السكاكين، فعادوا ولم يشكوا في قتله، وقيل إن سبب قتله هو أنه كان كثير الشتم والسب لأخته ست الملك واتهمها بالفاحشة فعملت على قتله بحيث كانت تعرف يوم خروجه إلى الجبل لينظر في النجوم فتمالأت مع الوزير وأرسلوا عبدين أسودين فلما كان من الليل وسار إلى الجبل وحده قتله العبدان وأحضراه إلى أخته التي دفنته في داره وقررت تولية ولده وكان حينها بدمشق فأخبرت الناس أن الحاكم سيغيب سبعة أيام وهذا ليسكن الناس ويحضر ابنه من دمشق فلما حضر جهزته وأخرجته للناس على أنه الحاكم الجديد، وابنه هو أبو الحسن علي، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله، وأخذت له البيعة، وكانت مدة تولي الحاكم على مصر خمسا وعشرين سنة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
بعض أوامر الظاهر العبيدي (الفاطمي) حاكم مصر.
416 - 1025 م أمر الظاهر حاكم مصر بنفي من وجد من الفقهاء المالكية وغيرهم. وأمر الدعاة أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام وكتاب الوزير يعقوب بن كلس في الفقه على مذهب آل البيت؛ وفرض الظاهر لمن يحفظ ذلك مالا، وجلس الدعاة بالجامع للمناظرة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الهدنة بين الظاهر العبيدي (الفاطمي) حاكم مصر وبين الروم.
418 - 1027 م وقعت الهدنة بين متملك الروم قسطنطين الثامن وبين الظاهر عن ديار مصر والشام، وكتب بينهما كتاب؛ وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الروم، وفتح الجامع الذي بقسطنطينية، وعمل له الحصر والقناديل، وأقيم به مؤذن؛ وعند ذلك أذن الظاهر في فتح كنيسة القمامة التي بالقدس وسمح لهم بإعادة بنائها، فحمل إليها ملوك النصارى الأموال والآلات، وأعادوها، وارتد إلى دين النصرانية كثير ممن أسلم كرها في أيام الحاكم بأمر الله، كما سمح لهم بإعادة بناء الكنائس التي هدمت في أيام الحاكم إلا التي تحولت إلى مساجد، كما تضمنت المعاهدة إطلاق أسرى والمنع من إعانة حسان بن مفرج الجراح صاحب الرملة الذي خرج على الظاهر الفاطمي. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وقعة الأقحوانة بين جند الظاهر العبيدي (الفاطمي) وبين حسان بن الجراح.
420 - 1029 م كان حسان قد خرج على الحاكم وأمده الروم ثم إن الظاهر لما عقد المعاهدة مع الروم كان منها عدم إمداد حسان هذا، فلما كانت هذه السنة أرسل الظاهر الفاطمي جيشا بقيادة أنوشتكين التركي لما بلغه أن حسان بن الجراح وسنان بن عليان أمير بني كلاب وصالح بن مرداس أمير حلب اتفقوا على إخراج الفاطميين من الشام واقتسامها بينهم، فكانت الحرب بين جيش الفاطميين وبينهم في موقع يدعى الأقحوانة عند طبرية وكان من نتائج الحرب مقتل صالح بن مرداس وهروب حسان ولجوئه إلى الروم. |