نتائج البحث عن (قتد) 50 نتيجة

قتد: القَتادُ: شجر شاكٍ صُلْب له سِنْفَة وجَنَاةٌ كَجَناة السَّمُر ينبُتُ بِنَجْد وتِهامَةَ، واحدته قَتادة. قال أَبو حنيفة: القتادة ذات شَوْك، قال: ولا يُعَدُّ من العِضاهِ. وقال مرة: القتاد شجر له شَوْك أَمثالُ الإِبَر وله وُرَيْقة غبراء وثمرة تنبت معها غبراء كأَنها عَجْمة النوى. والقتادُ: شجر له شوك، وهو الأَعظم. وقال عن الأَعراب القُدُمِ: القَتادُ ليست بالطويلة تكون مِثْلَ قِعْدةِ الإِنسان لها ثمرةٌ مِثْلُ التُّفَّاح. قال وقال أَبو زياد: من العضاه القَتادُ، وهو ضربان: فأَما القَتادُ الضِّخامُ فإِنه يخرج له خشب عظام وشَوكة حجناء قصيرة، وأَما القتاد الآخر فإِنه يَنْبُتُ صُعُداً لا يَنْفَرِشُ منه شيء، وهو قُضْبان مجتمعة كل قضيب منها ملآنُ ما بين أَعلاه وأَسْفَلِه شَوْكاً. وفي المثل: من دون ذلك خَرْطُ القَتادِ؛ وهو صنفان: فالأعظم هو الشجر الذي له شوك، والأَصغر هو الذي ثمرته نَفَّاخَةٌ كَنَفَّاخَةِ العُشر. قال أَبو حنيفة: إِبل قَتادِيَّةٌ تأْكل القَتادَ. والتَّقْتِيدُ: أَن تَقْطع القَتادَ ثم تُحْرِقَ شَوْكَه ثم تَعْلِفَه الإِبل فتسمن عليه، وذلك عند الجدب؛ قال: يا رب سَلّمني من التَّقْتِيدِ قال الأَزهري: والقتادُ شجر ذو شوك لا تأْكله الإِبل إِلا في عام جدب فيجيء الرجل ويضرم فيه النار حتى يحرق شوكه ثم يرعيه إِبله، ويسمى ذلك التقتيد. وقد قُتِّدَ القَتادُ إِذا لُوِّحَتْ أَطرافُه بالنار؛ قال الشاعر يصف إِبله وسَقْيَه للناس أَلبانَها في سنَةِ المحل: وترى لها زَمَنَ القَتادِ على الشَّرى رَخَماً، ولا يَحْيا لَها فُصُلُ قوله: وترى لها رخَماً على الشَّرى يعني الرَّغْوَة شبَّهها في بياضها بالرخم، وهو طير أَبيض، وقوله: لا يحيا لها فصل لأَنه يُؤْثِرُ بأَلبانها أَضيافَه وينحر فُضْلانها ولا يَقْتَنِيها إِلى أَن يَحْيا الناسُ. وقَتِدَتِ الإِبلُ قَتَداً، فهي قَتادَى وقَتِدَةٌ: اشتكت بطونَها من أَكلِ القَتادِ كما يقال رَمِثَةٌ وَرَماثى. والقَتَدُ والقِتْدُ، الأَخيرة عن كراع: خشب الرحل، وقيل: القَتَدُ من أَدوات الرَّحْلِ، وقيل: جميع أَداتِه، والجمع أَقْتادٌ وَأَقْتُدٌ وقُتود؛ قال الطرماح: قُطِرَتْ وأَدْرَجَها الوَجِيفُ، وضَمَّها شَدُّ النُّسُوعِ إِلى شُجُورِ الأَقْتُدِ وقال النابغة: كأَنَّني ضَمَّنْتُ هِقْلاً عَوْهَقا، أَقتادَ رَحْلِي أَو كُدُرّاً مُحْنِقا وقُتائِدةُ: ثَنِيَّةٌ معروفة، وقيل: اسم عَقَبة؛ قال عبد منافٍ بن رِبْعٍ الهذلّي: حتى إِذا أَسْلَكُوهم في قُتائدةٍ شَلاًّ، كما تَطْرُدُ الجمَّالَةُ الشُّرُدا أَي أَسلكوهم في طريق في قُتائدة. والشُّرُد: جمع شَرُودٍ مثل صَبُورٍ وصُبُرٍ. والشَّرَد، بفتح الشين والراء: جمع شارد مثل خادم وخَدَم. قال: وجواب إِذا محذوف دل عليه قوله شلاًّ كأَنه قال شَلُّوهم شلاًّ، وقيل: قتائدة موضع بعينه. وتَقْتَدُ (* قوله «تقتد» هو بهذا الضبط لياقوت ونسب للزمخشري ضم التاء الثانية): اسم ماء، حكاها الفارسي بالقاف والكاف، وكذلك روي بيت الكتاب بالوجهين، قال: تَذَكَّرَتْ تَقْتَدَ بَرْدَ مائها وقيل: هي ركية بعينها، ونَصب بَرْدَ لأَنه جعله بدلاً من تَقْتَدَ.
قتد
: (القَتَادُ، كسَحَابِ: شَجَرٌ صُلْبٌ لَهُ شَوْكَةٌ كالإِبَرِ) وجَنَاةٌ كجَنَاةِ السَّمُرِ يَنْبُتُ بِنَجْدٍ وتِهامَةَ، واحِدَتُه قَتَادَةٌ. وَقَالَ أَبو زيادٍ: مِنَ العِضَاهِ القَتَادُ، وَهُوَ ضَرْبانِ، فأَمَّا القَتَادُ الضِّخامُ فإِنه يَخْرُجُ لَهُ خَشَبٌ عِظامٌ وشَوْكَةٌ حَجْنَاءُ قصيرةٌ، وأَمّا القَتَادُ الآخَرُ فإِنه يَنْبُتُ صُعُداً لَا يَنْفَرِشُ مِنْهُ شيْءٌ، وَهُوَ قُضْبَانٌ مُجْتَمِعةٌ، كلُّ قَضيبٍ مِنْهَا مَلْآنُ مَا بَيْنَ أَعْلاَه وأَسْفَلِه شَوْكاً. وَفِي المَثل (مِنْ دُونِ ذالكَ خَرْطُ القَتَادِ) ، وَهُوَ صِنْفانِ، فالأَعظَمُ هُوَ الشجَرُ الَّذِي لَهُ شَوْكٌ، والأَصغَرُ هُوَ الَّذِي لَهُ نَفَّاخَةٌ كنَفَّاخَةِ العُشَر. (و) عَن أَبي حَنيفةَ (إِبلٌ قَتَادِيَّ: تأْكُلها) أَي الشَّوْكَة. وَالَّذِي فِي الأُمّهات اللُّغوِيّة: تَأْكُله، أَي القَتَادَ. (والتَّقْتِيدُ: أَنْ تَقْطَعَه) أَي القَتَادَ (فتُحْرِقَه) أَي شَوْكَه (فَتَعْلِفَه) الإِبلَ فتَسْمَن عَلَيْهِ، وذالك عِنْد الجَدْبِ قَالَ:
يَا رَبِّ سَلِّمْنِي مِنَ التَّقْتِيدِ
قَالَ الأَزهريّ: والقَتَادُ شَجَرٌ ذُو شَوْكغ لَا تَأْكلُه الإِبلُ إِلاَّ فِي عَام جَدْبٍ فَيجىءُ الرجُلُ ويُضْرِم فِيهِ النَّارَ حَتَّى يُحْرِق شَوْكَه ثمَّ يُرْعيه إِبلَه، ويُسَمَّى ذالك التَّقْتهيدَ. وَقد قُتِّدَ القَتَادُ إِذَا لُوِّحَ أَطرافُه بالنَّار. قَالَ الشاعِرُ يَصِف إِبلَه وسَقْيَه للنَّاس أَلبانَها فِي سَنَةِ المَحْل:
وَتَرَى لَهَا زَمَنَ القَتَادِ عَلَى الشَّرَى
رَخَماً وَلاَ يَحْيَا لَهَا فُصُلُ
قَوْله: وَترى لَهَا رَخَماً على الشَّرَى، يَعْنِي الرَّغْوَةَ، شَبَّهها فِي بَياضِها بالرَّخم، وَهُوَ طيرٌ بِيضٌ. وَقَوله: لَا يَحْيَا لَهَا فُصُل، لأَنَّه يُؤْثِر بأَلبانِها أَضيافَه ويَنْحَر فُصْلانَها وَلَا يَقْتَنِيها إِلى أَنْ يَحيا الناسُ.
(وقَتِدَت) الإِبلُ، (كفَرِح) ، قَتَداً(فَهِيَ إِبلٌ قَتِدَةٌ وقَتَادَى، كسَكَارى) وفَرِحَة (: اشْتكَتْ) بُطونَها (من أَكْلِه) أَي القَتادِ، كَمَا يُقَال رَمِثَةٌ ورَمَاثَى. (ج أَقتادٌ وأَقْتُدٌ وقُتُودٌ) ، هاكذا فِي سائرِ النُّسخ الَّتِي بأَيدينا، بل راجَعْت الأُصولَ مِنْهَا المقروءَةَ المُصحَّحَةَ فوجدْتُها هاكذا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَن هاذه الجموعَ لِقَتادٍ بِمَعْنى الشجَرِ، وهاذا لَا قائلَ بِهِ، وَلَا يَعْضُدُه سَماعٌ وَلَا قِياسٌ، وراجعتُ فِي الصِّحَاح واللسانِ وَغَيرهمَا من الأُمَّهاتِ، فظهَرَ لي من الْمُرَاجَعَة أَنّ فِي عِبَارَةِ المُصَنِّف سَقطاً، وَهُوَ أَن يُقَال: والقَتَدُ مُحَرَّكةً ويُكسر خَشَبُ الرَّحْلِ، وَقيل: جَمِيع أَداتِه. ج أَقْتَادٌ وأَقْتُدٌ وقُتُودٌ. وَحِينَئِذٍ تستقيمُ العِبَارَةُ ويَرْتفع الإِشكالُ، وَكَانَ ذَلِك قبْلَ مُرَاجَعتي لحاشيةِ شيخِنا المرحومِ، ظَنًّا منى أَنَّ مِثْلَ هاذِه لَا يتعرَّضُ لَهَا، ثمَّ رأَيْتُه ذَهبَ إِلى مَا ذَهَبتُ إِليه، وراجَعَ الأُصولَ والنُّسَخَ المَقْرُوءَةَ المُصحَّحةَ فَلم يَجِد فِيهَا إِلاَّ العِبارَةَ الْمَذْكُورَة بِعَيْنِها فَقَالَ: وَالظَّاهِر أَنَّه سَهْوٌ وسَبْقُ قَلَمٍ، كأَنَّه قَدَّم وأَخَّر فِي عِبارة الجوهَريِّ وأَسقَطَ بعضَها، وَهُوَ مُفْرَدُ هاذه الجموعِ فإِنها جُموعٌ لِقَتعدٍ مُحَرَّكَةً، وَهُوَ خَشَبُ الرَّحْلِ، لَا للقَتَادِ الَّذِي هُوَ الشَجَرُ الشائكُ، فَفِي الصِّحَاح: القَتَدُ، أَي مُحَرَّكةً: خَشَبُ الرَّحْلِ، وجَمْعُه أَقتادٌ وقُتُودٌ، ومثلُه فِي كثيرٍ من أُمَّهاتِ اللُّغَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوابُ سَماعاً وقِياساً. قلت: وعِبارةُ اللّسانِ بعدَ قولِه: اشتكت بُطُونَها مَا نَصُّها: والقَتَدُ والقِتْدُ الأَخِيرةُ عَن كُرَاع: خَشَبُ الرَّحْلِ، وَقيل: القَتَد: مِن أَدَواتِ الرَّحْلِ، وَقيل: جَمِيعُ أَداتِه، والجَمْعُ أَقْتَادٌ وأَقْتُدٌ وقُتُودٌ، قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
قُطِرَتْ وَأَدْرَجَها الوَجِيفُ وضَمَّها
شَدُّ النُّسُوعِ إِلى شُجُوره الأَقْتُد
وَقَالَ النابِغةُ:
وَانْمِ القُتُودَ عَلَى عَيْرَانَةٍ أُجُدِوَقَالَ الراجز:
كَأَنَّنِي ضَمَّنْتُ هِقْلاً عَوْهَقَا
أَقْتَادَ رَحْلِي أَوح كُدُرًّا مُحْنِقَا
(وأَبو قَتادَة: الحارِثُ بنُ رِبْعِيَ) السُّلَمِيُّ الأَنْصَاريُّ (صَحَابِيٌّ) ، رَضِي الله عَنهُ، وَقَالَ ابنُ الكلبيُّ وابنُ إِسحاقَ: اسمُه النُّعْمَانُ. وَقَالَ بَعضهم: شَهِدَ بَدْراً، وَلم يذكرهُ ابنُ إِسحاقَ وَلَا ابْنُ عُقْبَةَ فِي البَدْرِيِّينَ، توفِّيَ سنةَ أَربعٍ وَخمسين. (و) أَبو الخَطَّابِ (قَتَادَة بن دِعَامَةَ) بن قَتَادَةَ بن عزيزِ ابْن عمرِو بن ربيعةَ بن الحارثِ بن سَدُوسٍ السَّدوسِيُّ الأَعمَى البَصْرِيُّ (تابِعِيٌّ) ، سمع أَنَساً وسَعيدَ بن الْمسَيُّب وغَيْرَ واحِدٍ.
قَالَ إِسماعيل بن عُلَيَّةَ: تُوُفِّيَ سنةَ ثمانَ عَشْرَةَ مائَة (و) أَبو عُمَرَ، وَيُقَال: أَبو عَبْدِ الله قَتَادَةُ (بنُ النُّعْمَان) بن زَيْدٍ الظَّفَرِيّ الأَنصارِيّ المَدَنِيّ، أَخو أَبي سَعيد الخُدْرِيُّ لأُمِّه، شَهِدَ بَدْراً، سَمِع النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم روى عَنهُ أَبو سَعِيد الخُدْرِيّ، قَالَ يحيى بن بُكَيْر: ماتَ سنَة ثَلاثغ وعشرِين، وصلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ، وَنزل فِي قَبره أَبو سعيدٍ ومحمدُ بن مَسْلَمة، والحَارِث بن خَزَمَة، رَضِي الله عَنْهُم، كَذَا فِي أَسماءِ الرِّجال للمَقْدِسيّ (و) قَتَادَة (بن مِلْحَانَ) القَيْسِيّ، قَيْس بن ثَعْلَبةَ، مَسحَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمرأْسَه ووَجْهَه، روى عَنهُ ابنُ عبد الملكِ، (صَحَابِيَّانِ) ، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَفِي الصَّحَابَة من اسمُه قَتَادَةُ غير هاؤلاءِ، قَتَادة بن قَيْسٍ الصَّدفِيّ، وقَتَادة بنُ القَائِف، وقَتَادَة بن الأَعْوَرِ بنِ ساعِدَةَ، وقَتَادَة بن عَيَّاشٍ أَبو هِشام الجُرَشِيّ. وَقَتَادَة بن أَوْفَى، وقتادةُ الأَنصاريّ أَخو عُرْفُطَةَ، وقَتَادةُ اللَّيْثِيّ، وقَتَادَة والدُ يَزِيدَ، راجِعْ تَجْرِيد الذَّهَبِيّ ومُعْجَم ابْن فَهْد، واسْتَدْرَك شيخُنا قَتَادة بن مَسْلَمَة الحَنَفيّ من شُعَرَاءِ الحَمَاسَةِ. قَالَ:وَلَهُم قَتَادَاتٌ غيرُ مَعْرُوفين.
(وقُتَائِدةُ، بالضّمّ: ثَنِيَّةٌ) مَعْرُوفَة (أَو) اسمُ (عَقَبَةٍ) ، قَالَ عبدُ مَنافِ ابنُ رِبْعٍ الهُذَليُّ:
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائدَةٍ
شَلاًّ كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
أَي أَسْلَكوهم فِي طَريقِ قُتائِدَةَ، وَقيل: قُتَائهدةُ مَوْضِعٌ بِعَيْنهِ، (أَو كُلُّ ثَنِيَّةٍ قُتَائِدَةٌ) .
(وتَقْتُدُ، كَتَنْصُر: ة بالحجازِ، أَو رَكِيَّةٌ) بِعَيْنِها، أَو اسمُ ماءٍ، حَكَاهَا الفارِسيُّ بِالْقَافِ وَالْكَاف، وكذالك رُوِي بيتُ الكِتَابِ الوَجْهَيْنِ، قَالَ:
تَذَكَّرَتْ تَقْتُدَ بَرْدَ مَائِهَا
ونَصَبَ بَرْدَ لأَنه جعَلَه بدَلاً من تَقْتُدَ، قَالَ الصاغانيّ: الرجز لأَبي وَجْزَة الفقعَسِيّ، وَقيل: لِجَبْرِ بن عبدِ الرحمان، وَقَبله:
جَابَتْ عَلَيْهِ الحِبْرَ من رِدَائِها
وَبعده:
وعَتَكَ البَوْلُ عَلَى أَنْسَائِهَا
(وقُتُنْدَةُ، بضمَّتين: د، بالأَندلس) وَقْعَتُه مَشْهُورَة، وَيُقَال فِيهِ بِالْكَاف أَيضاً.
(و) قتَادٌ (كسَحَابِ وغُرَابٍ: عَلَمُ بَنِي سُلَيْم) ، هاكذا فِي النُّسخ، والصّواب، عَلَمٌ فِي دِيار بني سُلَيْم، وَفِي التكملة: عَلَمٌ لِبَنِي سُلَيم.
(وذَاتُ القَتَادِ: ع، وَراءَ الفَلْجِ) من ناحِية اليَمامةِ.
(والقُتُودُ، بِالضَّمِّ: جَبَلٌ) .
(والقَتَادَةُ: فَرَسٌ لِبَكْرِ بنِ وَائلٍ، وَهِي أُمُّ زِيَمٍ) ، بِكَسْرِ الزّاي وَفتح التّحتيّة.
(والقَتَادِيُّ: فرَسٌ كَانَ للخَزْرَجِ، ولَيْس مَنسوباً إِلى الأَوَّلِ) ، أَي القَتَادَة الْمَذْكُورَة، قَالَه الصاغانيُّ.
[قتد]القَتَدُ: خشبُ الرحْلِ، وجمعه أقتاد وقتود. قال الراجز: كأننى ضمنت هقلا عوهقا * أقتاد رحلى أو كدرا محنقا -والقتاد: شجر له شوكٌ، وهو الأعظم. وفي المثل: " ومِن دونه خَرْط القَتادِ ". وأمَّا القَتادُ الأصغر فهي التي ثمرتها نَفَّاخَةٌ كنفّاخة العُشَرِ. قال الكسائي: إبلٌ قَتِدَةٌ وقَتادى: إذا اشتكتْ بطونها من أكل القتاد، كما يقال رمثة ورماثى. وقتائدة: اسم عقبة. وقال عبد مناف ابن ربع: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا - أي أسلكوهم في طريق في قتائدة.
باب القاف والدال والتاء معهما ق ت د يستعمل فقط

قتد: القَتَدُُ: من أدوات الرحل ويجمع على أقتاد وقُتُود. والقَتاد: شجر له شوك، والواحدة قَتادة. وفي المثل: دون هذا خرط القتاد.
[قتد]ط: فيه" لا يجتني من "القتاد" إلا الشوك، هو شجره لها شوك، شبه به وإنه لا يصلح إلا للنار، تلميح إلى أن المشبه لا يصلح إلا لها.
ق ت د: (الْقَتَدُ) بِفَتْحَتَيْنِ خَشَبُ الرَّحْلِ وَجَمْعُهُ (أَقْتَادٌ) وَ (قُتُودٌ) . وَ (الْقَتَادُ) شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.
  • قتد
قَتاد [جمع]: (نت) شجر صلب له شوك كالإبر يُستخرج منه مادّة صمغيَّة تستعمل في صنع الأدوية والغراء والرّسم على المنسوجات ° دونه خَرْط القَتَاد [مثل]: يُضرب للشّيء لا يُنال إلاّ بمشقّة عظيمة.
  • قتد
(قتد) القتاد قطعه ثمَّ أحرق شوكه وأطعمه الْإِبِل
(قتدت)الْإِبِل قتدا اشتكت بطونها من أكل القتاد فَهِيَ قتدة
(اقتدح) بالزند قدح بِهِ وَالْأَمر تدبره وَنظر فِيهِ
(اقتدر) على الشَّيْء قدر وَالْقَوْم طبخوا اللَّحْم فِي الْقدر
(المقتدر) اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى أَو صِفَاته
(اقْتدى) بِهِ فعل مثل فعله تشبها بِهِ وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{فبهداهم اقتده}}
قتد
القَتَدُ: من أدَوَاتِ الرَّحْل، والجميع الأقْتَادُ والقُتُوْدُ. والقَتَادُ: شَجَرٌ له شَوْكٌ صلْبٌ، وفي المَثَل: " دُوْنَ هذا خَرْطُ القَتَادِ " والواحدة قَتَادةٌ. وإبِلٌ قَتَادى وقَتِدَةٌ: اشْتَكَتْ من أكْل القَتَاد. وفلانٌ يُقَتِّدُ إبِلَه: وهو أنْ يَقْطَعَ القَتَادَ بالفُؤوس ويُشَيِّطَها بالنار.
وقُتَائدَةُ: اسْمُ موضعٍ.
المقتدي: هو الذي أدرك الإمام مع تكبيرة الافتتاح.
الاقتدار:[في الانكليزية] The faculty of using many figures of speech [ في الفرنسية] La faculte d'utiliser differentes figures de style هو عند البلغاء أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتدارا منه على نظم الكلام وتركيبه وعلى صياغة قوالب المعاني والإعراض، فتارة يأتي به في لفظ الاستعارة وتارة في صورة الإرداف وحينا في مخرج الإيجاز مرّة في قالب الحقيقة. قال ابن أبي الإصبع: وعلى هذا أتت جميع قصص القرآن، فإنك ترى القضية الواحدة التي لا تختلف معانيها تأتي في صور مختلفة وقوالب من الألفاظ المتعددة حتى لا تكاد تشتبه في موضعين منه. ولا بدّ أن تجد الفرق بين صورها ظاهرا، كذا في الإتقان في نوع بدائع القرآن.
المقتدي:[في الانكليزية] Prayer behind the Imam ،disciple ،follower [ في الفرنسية] Prieur derriere l'Imam ،disciple ،aspirant ،novice اسم فاعل من الاقتداء وهو شرعا من يصلي خلف الإمام، وعند الصوفية قد سبق في لفظ المريد.
أَقْتُد:بضم التاء فوقها نقطتان: موضع في بلاد فهم، قال قيس بن العيزارة الهذلي:لعمرك! أنسى لوعتي يوم أقتد،...وهل تتركن نفس الأسير الرّوائع؟
مَقْتَدٌ:
بالفتح، يجوز أن يكون اسم الموضع من القتاد وهو شجر كثير الشوك: موضع، عن الحازمي.
قتد1 قَتِدَتِ الإِبِلُ, (L, K, TA,) aor. ـَ (K, TA,) inf. n. قَتَدٌ, (TA,) The camels had a complaint (L, K, TA) of their bellies (L, TA) in consequence of eating of the trees called قَتَاد [q. v.]. (L, K, TA.) 2 التَّقْتِيدُ [or تَقْتِيدُ القَتَادِ] signifies The cutting of the trees called قَتَاد [q. v.], and burning them, (L, K,) i. e. burning [off] their thorns, (L,) and then giving them as fodder to the camels, (L, K,) which fatten upon them on the occasion of drought: (L:) one says, قتّد القَتَادَ, inf. n. as above, He (a man) scorched, or slightly burned, the extremities of the قتاد with fire: (O:) the man comes, in the year of drought, and kindles fire among them, so that he burns their thorns, then he feeds his camels therewith: (T, O, TA:) one says of him who does this, قتّد إِبِلَهُ [i. e. He fed his camels with قتاد thus prepared]: so says Ibn-'Abbád: (O:) and the act [of burning &c.] is called التَّقْتِيدُ. (T, TA.) قَتَدٌ (S, O, L) and ↓ قَتِدٌ (Kr, L) The wood of a [camel's saddle that is called] رَحْل: (S, O, L:) or one of the things that compose the apparatus of a رَحْل: or the whole apparatus thereof: (L:) pl. [of mult.] قُتُودٌ and [of pauc.] أَقْتَادٌ (S, O, L) and أَقْتُدٌ: (L:) but accord. to the Basrees, قُتُودٌ, signifying the pieces of wood of a رَحْل, has no singular. (Ham p. 662.) قَتِدٌ [part. n. of قَتِدَ said of a camel: see 1]. One says إِبِلٌ قَتِدَةٌ, and قَتَادَى, [the latter being pl. of the former,) Camels having a complaint (Ks, S, O, K) of their bellies (Ks, S, O) in consequence of eating of the trees called قَتَاد: (Ks, S, O, K:) like as one says رَمِثَةٌ and رَمَاثَى. (Ks, S, O.) A2: See also قَتَدٌ.

قَتَادٌ [a coll. gen. n., The tragacanth-tree;]
a species of thorny tree; this is the larger sort; (S;) a species of thorny and hard tree, which bears a pod, and of which the fruit is like that of the سَمُر [or gum-acacia-tree], growing in Nejd and Tihámeh; n. un. with ة; (L;) it is a species of hard tree having thorns like needles; (K;) a species of tree having thorns like needles, and a small dust-coloured leaf, and a fruit growing therewith of the same colour, resembling the date-stone; (AHn, O, * L;) the large قتاد [thus described] produces large wood, and its thorns are curved and short, and it is of the [class termed]

عِضَاه; (Aboo-Ziyád, L;) or it is not reckoned among the عِضَاه: (AHn, L: [but this assertion may perhaps be meant to apply to the smaller sort: respecting the larger, see also 1 and 2:]) the smaller sort is a species of tree of which the fruit is a bladder (نُفَّاخَة) like that of the عُشَر [q. v.]; (S, O, L;) accord. to the ancient Arabs of the desert, it is not tall, being of the size of a man sitting; (L;) and this sort grows upwards, no part of it spreading, consisting of twigs, or shoots, in a collected state, every one of which is full of thorns from its top to its bottom. (Aboo-Ziyád, L.) It is said in a prov., مِنْ دُونِهِ خَرْطُ القَتَادِ [expl. in art. خرط, first paragraph]. (S, L.) إِبِل قَتَادِيَّةٌ Camels that eat the trees called قَتَاد. (AHn, K.) قُتَائِدَةٌ, (S, O, K,) occurring in a verse of 'AbdMenáf Ibn-Riba [cited in art. اذا, p. 40, col. iii.], (S, O,) is the name of a certain عَقَبَة [or mountain-road], (S, O, K,) or a ثَنِيَّة [which is said by some to be syn. with عَقَبَة]; (K;) [and if so, it is properly imperfectly decl.;] or any ثَنِيَّة is called قُتَائِدَةٌ. (K.)
مُقْتَدِر
من (ق د ر) المتمكن من الشيء والطابخ اللحم في القدر.
عَبْدُ المُقْتَدِر
من (ق د ر) المتمكن من الشيء وطابخ اللحم في القدر.
قتد
قَتِدَ(n. ac. قَتَد)
a. Had the gripes (camel).
قَتَّدَa. Fed upon the tragacanth=tree.

قَتَد
(pl.
أَقْتُد
قُتُوْد
أَقْتَاْد
38)

a. Wood of a camel's saddle.

قَتَاْدa. The tragacanth-tree.
المُقْتَدِي: من اقتدى بالإمام سواء كان مدركاً أو لاحقاً أو مسبوقاً.
(قَتَدَ)الْقَافُ وَالتَّاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ كَلِمَتَانِ: الْقَتَدُ: خَشَبُ الرَّحْلِ، وَجَمْعُهُ أَقْتَادٌ وَقُتُودٌ. وَالْكَلِمَةُ الْأُخْرَى الْقَتَادُ: ضَرْبٌ مِنَ الْعِضَاهِلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا. وَيَقُولُونَ: قَتَائِدُ: مَكَانٌ.

نُعُوتُها من قِبَل اقْتِدارِها

المخصص

أَبُو عَليّ عَن ثَعْلَب قوسُ مُقْتَدِرَة خَفِيفة مُتَوسِّطة صَاحب الْعين قَوْسُ طِلاَع الكَفِّ إِذا كَانَ عَجْسُها يَمْلآُ الكَفَّ

ابن أبي الأزهر والمقتدر

سير أعلام النبلاء

ابن أبي الأزهر والمقتدر:
2868- ابن أبي الأزهر 1:
المُحَدِّثُ أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بنُ مَزْيَدِ بنِ مَحْمُوْدِ بنِ مَنْصُوْرٍ الخُزَاعِيُّ، البَغْدَادِيُّ، عُرف: بِابْنِ أَبِي الأَزْهَر، شَيْخٌ، معمَّرٌ تَالفٌ.
حَدَّثَ عَنْ: لُوَين، وَإِسْحَاقَ بنِ أَبِي إِسْرَائِيْلَ، وَالحُسَيْن الاحْتِيَاطِي، وأبي كريب.
وَعَنْهُ: الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ شَاذَانَ، وَالمعَافى الجُرَيْرِيُّ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيْفٌ، كَتَبْنَا عَنْهُ مَنَاكِيرَ، وَلَهُ شِعْر كَثِيْر.
وَقَالَ أَبُو الفَتْحِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ النَّحْوِيّ: كذَّبوهُ فِي السَّمَاع مِنْ أَبِي كُرَيْبٍ، وَغَيْره.
وَقَالَ الخَطِيْبُ: يَضَعُ الحَدِيْثَ عَلَى الثِّقَات.
قُلْتُ: وَضَعَ فِي حَدِيْث: "لاَ نَبِيّ بَعْدِي" -وَلَوْ كَانَ لُكَنْتَهُ يَا عليّ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.
وله جزء، عن الزبير بن بكار.
2869- المقتدر 2:
الخليفة المقتدر بالله، أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد طلحة بن المُتَوَكِّل عَلَى اللهِ الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ.
بُوْيِعَ بَعْد أَخِيْهِ المكْتَفِي فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَمَا وَلِيَ أَحَدٌ قبله أَصغر مِنْهُ، وَانخرم نظَامُ الإِمَامَةِ فِي أَيَّامه، وَصَغُر منصِب الخِلاَفَة، وَقَدْ خلع في أوائل دولته، وبايعوا ابن المعتر، ثُمَّ لَمْ يتمَّ ذَلِكَ. وَقُتِلَ ابْنُ المُعْتَزّ، وَجَمَاعَةٌ، ثُمَّ إِنَّهُ خُلِع ثَانياً فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَبَذَلَ خَطَّه بعزلِ نَفْسه، وَبَايعُوا أَخَاهُ القَاهرَ، ثُمَّ بَعْد ثَلاَثٍ، أُعيد المُقْتَدِرُ، ثُمَّ فِي المَرَّة الثَّالِثَة قُتل.
وَكَانَ رَبْعَةً، مليحَ الوَجْه، أَبيضَ بحمرَة، نَزَلَ الشَّيب بعَارضَيْه، وعاش ثمانيًا وثلاثين سنة.
__________
1 ترجمته في تاريخ بغداد "3/ 288"، وميزان الاعتدال "4/ 35"، ولسان الميزان "5/ 377".
2 ترجمته في مروج الذهب للمسعودي "2/ 501"، وتاريخ بغداد "7/ 213"، والمنتظم لابن الجوزي "6/ 243"، والعبر "2/ 181"، والنجوم الزاهرة "3/ 233"، وشذرات الذهب لابن العماد "2/ 284".

حفيد المقتدر، الميهني، السواق

سير أعلام النبلاء

حفيد المقتدر، الميهني، السواق:
4050- حفيد المقتدر 1:
الأمير أبو محمد؛ الحسن بن عيسى بن المُقْتَدِرِ بِاللهِ جَعْفَرِ بنِ المُعْتَضِدِ، الهَاشِمِيُّ العَبَّاسِيُّ.
سَمِعَ: مِنْ مُؤَدِّبِه أَحْمَدَ بنِ مَنْصُوْرٍ اليَشْكُرِيِّ، وَمِنْ أَبِي الأَزْهَرِ عَبْدِ الوَهَّابِ الكَاتِبِ.
قَالَ الخَطِيْبُ: كَتَبنَا عَنْهُ، وَكَانَ دَيِّناً، حَافِظاً لأَخْبَارِ الخُلَفَاءِ، عَارِفاً بِأَيَّامِ النَّاسِ، فَاضِلاً.
تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ وَلَهُ سَبْعٌ وتسعون سنة.
قُلْتُ: غَسَّلَه أَبُو الحُسَيْنِ ابْنُ المُهْتَدِي بِاللهِ، وآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو القَاسِمِ بنُ الحصين.
4051- الميهني 2:
القُدْوَةُ الزَّاهِدُ، شَيْخُ خُرَاسَانَ، أَبُو سَعِيْدٍ؛ فَضْلُ بن أبي الخير محمد ابن أَحْمَدَ، المِيْهَنِيُّ الصُّوْفِيُّ.
حَدَّثَ عَنْ: زَاهِرِ بنِ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيِّ.
رَوَى عَنْهُ: الحَسَنُ بنُ أَبِي طَاهِرٍ الخُتُّلِيُّ، وَعَبْدُ الغَفَّارِ بنُ مُحَمَّدٍ الشِّيْرُوْيِيُّ، وَآخَرُوْنَ.
تُوُفِّيَ بِقَرْيَتِهِ مِيْهَنَه سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَلَهُ تِسْعٌ وَسَبْعُوْنَ سَنَةً، وَلَهُ أَحْوَالٌ وَمَنَاقِب، وَوَقْعٌ فِي النُّفُوْسِ وَتَأَلُّهٌ وَجَلاَلَةٌ.
4052- السَّوَّاقُ 3:
الشَّيْخُ الصَّدُوْقُ، أَبُو مَنْصُوْرٍ؛ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بن عثمان، البغدادي، ابن السواق.
سَمِعَ: القَطِيْعِيَّ، وَابْن مَاسِي، وَمَخْلَدَ البَاقَرْحِيَّ، وَعَلِيَّ بنَ لُؤْلُؤٍ.
وَثَّقَهُ الخَطِيْبُ، وَرَوَى عَنْهُ هُوَ، وثَابِتُ بنُ بُنْدَار، وَأَخُوْهُ أَبُو يَاسِرٍ، وَابْنُ الطُّيُوْرِيُّ، وَآخَرُوْنَ.
تُوُفِّيَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ عَنْ ثَمَانِيْنَ سَنَةً.
__________
1 ترجمته في تاريخ بغداد "7/ 354"، والمنتظم لابن الجوزي "8/ 137"، والعبر "3/ 192"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 264".
2 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 46".
3 ترجمته في تاريخ بغداد "3/ 235"، والأنساب للسمعاني "7/ 181"، واللباب لابن الأثير "2/ 152"، والعبر "3/ 194"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 265".
4239- المقتدي 1:
الخَلِيْفَةُ المُقْتَدِي بِأَمْرِ اللهِ أَبُو القَاسِمِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ ذخيرَةِ الدِّينِ مُحَمَّدِ ابنِ القَائِم بِأَمْرِ اللهِ عَبْدُ اللهِ بنُ القَادِرِ بِاللهِ أَحْمَدَ بنِ إِسْحَاقَ بنِ المُقْتَدِرِ العَبَّاسِيُّ.
تسلَّم الخِلاَفَةَ بعهدٍ مِنْ جدِّه يَوْم ثَالِثِ عشر شَعْبَان سَنَة "467" وَهُوَ ابْنُ عِشْرِيْنَ سَنَةً سِوَى أَشهر وَأُمُّه أَرْجُوَان أُمُّ وَلَدَ بقيت بَعْدَهُ دَهْراً رَأَتِ ابْنَ ابْنِ ابْنهَا المُسْترشد خَلِيْفَة.
وَكَانَ حَسَنَ السّيرَةِ وَافِرَ الحُرْمَةِ. أَمر بنفِي الخوَاطِئ وَالقينَات وَأَنْ لاَ يَدخُل أَحَدٌ الحَمَّام إلَّا بِمئزر وَأَخرب أَبرَاج الحَمام وَفِيْهِ ديَانَةٌ وَنجَابَة وَقُوَة وَعُلُوُّ هِمَّة. وَكَانَ مَلِكْشَاه قَدْ صمم على إخراجه من بغداد فحار وَالتَجَأَ إِلَى اللهِ فَدَفَعَ عَنْهُ وَهَلك مَلِكْشَاه.
وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيْهِ بِأَشهر وَكَانَ فِي اعتِقَالِ القَائِم نَوْبَة البسَاسيرِي صغِيراً فَأُخفِي وَحمله ابْنُ المحلبَان إِلَى حرَّان.
وَزَرَ لَهُ فَخْرُ الدَّوْلَة ابْن جَهير بوصيَةٍ مِنْ جَدِّه.
وَفِي سَنَةِ "469": سَارَ أَتسز الَّذِي أَخَذَ دِمَشْق إِلَى مِصْرَ وَحَاصرهَا وَكَادَ أَنْ يَملكَهَا فَتضرع أَهْلُهَا إِلَى اللهِ فَترحَّل بِلاَ سَبَب وَنَازل القدسَ ثُمَّ أَخَذَهَا وَقَتَلَ ثَلاَثَة آلاَف وَذبحَ القَاضِي وَالشُّهُودَ صَبْراً وَعَسَفَ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى بنُ القلاَنسِي: كَسره بِمِصْرَ أَمِيْرُ الجُيُوْش، فَرُدَّ وَقَدْ قُتل أَخُوْهُ، وَقُطِعت يَدُ أَخِيْهِ الأَخر، فَسُرَّ النَّاس.
وَكَانَتِ الفِتْنَةُ الصّعبَةُ بَيْنَ الحَنْبَلِيَّة وَالقُشيرِية بِسَبَب الاعْتِقَاد وَقُتِلَ بَيْنهم جَمَاعَةٌ وَعَظُمَ البَلاَءُ وَتَشَفَّتْ بِهِم الرَّوَافضُ وَحَاصَرَ دِمَشْقَ المِصْرِيّون مرَّتين. وَعُزل ابْنُ جَهِير الوَزِيْر لِشِدِّهِ مِنَ الحنَابلَة.
وَفِي سَنَةِ "471": أَقْبَل تَاجُ الدَّوْلَة تُتش أَخُو مَلِكْشَاه فَاسْتولَى عَلَى دِمَشْقَ وَقُتِلَ أَتْسِز وَأَحَبَّه الناس.
وَفِي سَنَةِ "73": مَاتَ صَاحِبُ اليَمَن أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ الصُّلَيْحِي وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ نَحْواً مِنْ عِشْرِيْنَ سَنَةً وَكَانَ عَلَى دين العُبَيْدِيَّة تَحيَّل إِلَى أَنْ تَملَّك جمِيْع اليَمَن. وَكَانَ أَبُوْهُ مِنْ قُضَاة اليَمَن لَهُ سيرَةٌ فِي "تاريخي الكبير".
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 291"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 139" وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 380".
*المقتدر بالله هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، تولى الخلافة بعد أخيه «المكتفى» بعهد منه فى (ذى القعدة سنة 295هـ= أغسطس سنة 908م)، وكان صبيا فى الثالثة عشرة من عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه.
أثار تولى «المقتدر» الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة «عبد الله بن المعتز» الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأى، فاتفق رأى عدد منهم على خلع «المقتدر» وتولية «عبدالله بن المعتز»، وكان عمره نحو تسعة وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على «ابن المعتز» وافق بشرط ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز فى (19من ربيع الأول سنة 296هـ= نوفمبر سنة 908م)، ولقب بالراضى بالله، ولكن أنصار «المقتدر» - وعلى رأسهم «مؤنس الخادم» - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو «ابن المعتز» وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب «المقتدر» فى اليوم التالى لبيعة «ابن المعتز»، الذى لم يمكث فى الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم قائمة خلفاء «بنى العباس».
وقد تدهورت الأوضاع فى عهد «المقتدر»، وانتشرت الفتن وازداد تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكم النساء والخدم فى شئون البلاد، فكانت «أم المقتدر» وتسمى «شغب» تولِّى من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان «مؤنس الخادم» صاحب مكانة متميزة وخطيرة فى عهد «المقتدر».
وقد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا فى عهد «المقتدر»، ووصل مداه سنة (317هـ= 929م)، حينما دخلوا «مكة» بقيادة «أبى طاهر القرمطى» (3) وقتلوا الحجاج فى المسجد الحرام، واستولوا على الحجر الأسود وأخذوه إلى
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِقْتِدَاءُ لُغَةً: مَصْدَرُ اقْتَدَى بِهِ، إِذَا فَعَل مِثْل فِعْلِهِ تَأَسِّيًا، وَيُقَال: فُلاَنٌ قُدْوَةٌ: أَيْ يُقْتَدَى بِهِ، وَيُتَأَسَّى بِأَفْعَالِهِ. (1)
وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ يُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ: اتِّبَاعُ الْمُؤْتَمِّ الإِْمَامَ فِي أَفْعَال الصَّلاَةِ. أَوْ هُوَ رَبْطُ صَلاَةِ الْمُؤْتَمِّ بِالإِْمَامِ بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ جَاءَ بِهَا الشَّرْعُ، وَبَيَّنَهَا الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ. (2)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِئْتِمَامُ:
2 - الاِئْتِمَامُ: بِمَعْنَى الاِقْتِدَاءِ. يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا رَبَطَ صَلاَتَهُ بِصَلاَةِ إِمَامِهِ حَصَل لَهُ صِفَةُ الاِقْتِدَاءِ وَالاِئْتِمَامِ، وَحَصَل لإِِمَامِهِ صِفَةُ الإِْمَامَةِ. (3)
وَالاِقْتِدَاءُ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ مِنَ الاِئْتِمَامِ، لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا.

ب - الاِتِّبَاعُ:
3 - مِنْ مَعَانِي الاِتِّبَاعِ فِي اللُّغَةِ: الْمَشْيُ خَلْفَ الْغَيْرِ، وَمِنْهُ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالْحَقِّ كَمَا فِي الآْيَةِ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ
__________
(1) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (قدو) .
(2) ابن عابدين 1 / 369، والطحطاوي على الدر 1 / 239.
(3) نفس المراجع.

بِالْمَعْرُوفِ} (1) وَيَأْتِي بِمَعْنَى الاِئْتِمَامِ، يُقَال: اتَّبَعَ الْقُرْآنَ: ائْتَمَّ بِهِ وَعَمِل بِمَا فِيهِ. (2)
وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي، كَمَا اسْتَعْمَلُوهُ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ إِلَى قَوْلٍ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الاِقْتِدَاءِ (3) .

ج - التَّأَسِّي:
4 - التَّأَسِّي فِي اللُّغَةِ: مِنَ الأُْسْوَةِ بِمَعْنَى الْقُدْوَةِ، يُقَال: تَأَسَّيْتُ بِهِ وَائْتَسَيْتُ: أَيِ اقْتَدَيْتُ. فَالتَّأَسِّي بِمَعْنَى الاِقْتِدَاءِ. (4)
وَمِنْ مَعَانِي التَّأَسِّي: التَّعَزِّي، أَيِ: التَّصَبُّرُ. وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ الاِقْتِدَاءُ فِي الصَّلاَةِ، أَمَّا التَّأَسِّي فَيُسْتَعْمَل فِي غَيْرِ ذَلِكَ.

د - التَّقْلِيدُ:
5 - التَّقْلِيدُ عِبَارَةٌ عَنْ: قَبُول قَوْل الْغَيْرِ بِلاَ حُجَّةٍ وَلاَ دَلِيلٍ (5) .

أَقْسَامُ الاِقْتِدَاءِ:
6 - الاِقْتِدَاءُ عَلَى أَقْسَامٍ، مِنْهَا: اقْتِدَاءُ الْمُؤْتَمِّ بِالإِْمَامِ فِي أَفْعَالِهِ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهَا: الاِقْتِدَاءُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، فَهُوَ بِمَعْنَى التَّأَسِّي، كَاقْتِدَاءِ الأُْمَّةِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
__________
(1) سورة البقرة / 178.
(2) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (تبع) .
(3) التقرير والتحبير لابن الهمام 3 / 300، وحاشية الطحطاوي على الدر 1 / 239.
(4) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (أسى) ، وتفسير القرطبي 18 / 56.
(5) التعريفات للجرجاني، ومسلم الثبوت 2 / 400.

الاِقْتِدَاءُ فِي الصَّلاَةِ
7 - الاِقْتِدَاءُ فِي الصَّلاَةِ هُوَ: رَبْطُ صَلاَةِ الْمُؤْتَمِّ بِصَلاَةِ الإِْمَامِ كَمَا سَبَقَ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِمَامٌ وَمُقْتَدٍ، وَلَوْ وَاحِدًا. وَأَقَل مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ - فِي غَيْرِ الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ - اثْنَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الإِْمَامِ وَاحِدٌ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الاِثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ (1) وَلِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ صَلَّى بِابْنِ عَبَّاسٍ وَحْدَهُ. (2)
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا يَعْقِل، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى الاِثْنَيْنِ مُطْلَقًا جَمَاعَةً.
وَأَمَّا الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لاَ يَعْقِل فَلاَ عِبْرَةَ بِهِمَا، لأَِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْل الصَّلاَةِ. (3)
هَذَا، وَهُنَاكَ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِهَا فِي الاِقْتِدَاءِ وَالْمُقْتَدَى بِهِ (الإِْمَامِ) ، وَحَالاَتٌ تَخُصُّ الْمُقْتَدِيَ أَيْ (الْمَأْمُومَ) نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:

شُرُوطُ الْمُقْتَدَى بِهِ (الإِْمَامِ) :
8 - يُشْتَرَطُ فِي الإِْمَامِ فِي الْجُمْلَةِ: الإِْسْلاَمُ وَالْعَقْل اتِّفَاقًا، وَالْبُلُوغُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَلِكَ الذُّكُورَةُ إِذَا كَانَ الْمُقْتَدُونَ ذُكُورًا، وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الأَْعْذَارِ - كَرُعَافٍ وَسَلَسِ الْبَوْل - إِذَا اقْتَدَى بِهِ أَصِحَّاءُ، وَالسَّلاَمَةُ مِنْ عَاهَاتِ اللِّسَانِ - كَفَأْفَأَةٍ وَتَمْتَمَةٍ - إِذَا اقْتَدَى بِهِ السَّلِيمُ مِنْهُمَا، وَكَذَا السَّلاَمَةُ مِنْ فَقْدِ شَرْطٍ
__________
(1) حديث: " الاثنان فما فوقهما جماعة. . . " أخرجه ابن ماجه (1 / 312 - ط الحلبي) وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: الربيع وولده ضعيفان.
(2) حديث: " صلى النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس وحده. . . ". أخرجه البخاري (2 / 190 - الفتح - ط السلفية) .
(3) البدائع 1 / 156، والقليوبي 1 / 220، وكشاف القناع 1 / 453، وجواهر الإكليل 1 / 76.

كَطَهَارَةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ. (1) عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ فِي بَعْضِهَا يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِمَامَة) .

شُرُوطُ الاِقْتِدَاءِ:

أ - النِّيَّةُ:
9 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُؤْتَمِّ الاِقْتِدَاءَ بِالإِْمَامِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ، إِذِ الْمُتَابَعَةُ عَمَلٌ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ. وَالْمُعْتَبَرُ فِي النِّيَّةِ عَمَل الْقَلْبِ اللاَّزِمُ لِلإِْرَادَةِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا بِدْعَةٌ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (2)
وَيُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلتَّحْرِيمَةِ، أَوْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا بِشَرْطِ أَلاَّ يَفْصِل بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ فَاصِلٌ أَجْنَبِيٌّ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ تَصِحُّ نِيَّةُ الاِقْتِدَاءِ فِي خِلاَل الصَّلاَةِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) (3)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ لِلَّذِي أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا أَنْ يَجْعَل نَفْسَهُ مَأْمُومًا، بِأَنْ
__________
(1) الطحطاوي على مراقي الفلاح 1 / 157، 158، والمهذب 1 / 104، 105، والمغني 2 / 35، 53، 54، وجواهر الإكليل 1 / 78.
(2) ابن عابدين 1 / 178، 279، 370، والطحطاوي على مراقي الفلاح 1 / 158، والمغني 2 / 231، 3 / 93، ونهاية المحتاج 1 / 143، 2 / 200، وجواهر الإكليل 1 / 81، وكشاف القناع 1 / 87، 314.
(3) ابن عابدين 1 / 370، والشرح الصغير 1 / 449، والدسوقي 1 / 338، والمغني 2 / 231، 232.

تَحْضُرَ جَمَاعَةٌ فَيَنْوِيَ الدُّخُول مَعَهُمْ بِقَلْبِهِ فِي صَلاَتِهِمْ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَوَّل الصَّلاَةِ أَمْ قَدْ صَلَّى رَكْعَةً فَأَكْثَرَ. (1)
وَلاَ فَرْقَ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِلْمَأْمُومِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْجُمُعَةِ نِيَّةُ الاِقْتِدَاءِ وَكَذَلِكَ الْعِيدَانِ، لأَِنَّ الْجُمُعَةَ لاَ تَصِحُّ بِدُونِ الْجَمَاعَةِ، فَكَانَ التَّصْرِيحُ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ أَوِ الْعِيدِ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِيَّةِ الْجَمَاعَةِ. (2)
وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الإِْمَامِ بِاسْمِهِ كَزَيْدٍ، أَوْ صِفَتِهِ كَالْحَاضِرِ، أَوِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ، بَل تَكْفِي نِيَّةُ الاِقْتِدَاءِ بِالإِْمَامِ، فَإِنْ عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، لِرَبْطِ صَلاَتِهِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الاِقْتِدَاءَ بِهِ. (3)
هَذَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ قَدْ نَوَى الإِْمَامَةَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ. وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ نِيَّةَ الرَّجُل الإِْمَامَةَ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ النِّسَاءِ بِهِ. (4) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَة)
__________
(1) نهاية المحتاج 2 / 200 - 203 والمغني 2 / 232.
(2) الطحطاوي على مراقي الفلاح 1 / 158، والشرح الصغير 1 / 449، ونهاية المحتاج 2 / 202، 203.
(3) ابن عابدين 1 / 282، والطحطاوي على مراقي الفلاح 1 / 158، ونهاية المحتاج 2 / 202، 203 والدسوقي 1 / 337.
(4) ابن عابدين 1 / 370، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص 158، وبلغة السالك 1 / 451، ونهاية المحتاج 2 / 204، والمغني 2 / 231.

ب - عَدَمُ التَّقَدُّمِ عَلَى الإِْمَامِ:
10 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ أَلاَّ يَتَقَدَّمَ الْمُقْتَدِي إِمَامَهُ فِي الْمَوْقِفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) لِحَدِيثِ: إِنَّمَا جُعِل الإِْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ (1) وَالاِئْتِمَامُ الاِتِّبَاعُ، وَالْمُتَقَدِّمُ غَيْرُ تَابِعٍ، وَلأَِنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ الإِْمَامَ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَال الإِْمَامِ، وَمُحْتَاجٌ إِلَى النَّظَرِ وَرَاءَهُ فِي كُل وَقْتٍ لِيُتَابِعَهُ، فَلاَ يُمْكِنُهُ الْمُتَابَعَةُ.
وَقَال مَالِكٌ: هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيُجْزِئُهُ التَّقَدُّمُ إِذَا أَمْكَنَهُ مُتَابَعَةُ الإِْمَامِ، لأَِنَّ الاِقْتِدَاءَ يُوجِبُ الْمُتَابَعَةَ فِي الصَّلاَةِ، وَالْمَكَانَ لَيْسَ مِنَ الصَّلاَةِ. لَكِنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَأْمُومِ، وَيُكْرَهُ التَّقَدُّمُ عَلَى الإِْمَامِ وَمُحَاذَاتُهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. (2)
وَالاِعْتِبَارُ فِي التَّقَدُّمِ وَعَدَمِهِ لِلْقَائِمِ بِالْعَقِبِ، وَهُوَ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ لاَ الْكَعْبِ، فَلَوْ تَسَاوَيَا فِي الْعَقِبِ وَتَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ الْمَأْمُومِ لِطُول قَدَمِهِ لَمْ يَضُرَّ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ طَوِيلاً وَسَجَدَ قُدَّامَ الإِْمَامِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ عَقِبُهُ مُقَدَّمَةً عَلَى الإِْمَامِ حَالَةَ الْقِيَامِ، صَحَّتِ الصَّلاَةُ، أَمَّا لَوْ تَقَدَّمَتْ عَقِبُهُ وَتَأَخَّرَتْ أَصَابِعُهُ فَيَضُرُّ، لأَِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ الْمَنْكِبِ، وَالْعِبْرَةُ فِي التَّقَدُّمِ بِالأَْلْيَةِ لِلْقَاعِدِينَ، وَبِالْجَنْبِ لِلْمُضْطَجِعِينَ. (3)
__________
(1) حديث: " إنما جعل الإمام. . . " أخرجه البخاري (2 / 173 - الفتح - ط السلفية) ومسلم (1 / 308 - ط الحلبي) .
(2) البدائع 1 / 145، 158، 159، وابن عابدين 1 / 350، والشرح الصغير 1 / 457، والفواكه الدواني 1 / 246، ومغني المحتاج 1 / 245، وأسنى المطالب 1 / 221، 222، والمغني 2 / 214، وكشاف القناع 1 / 485 - 486.
(3) نفس المراجع السابقة.

11 - فَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ امْرَأَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ يَقِفُ خَلْفَ الإِْمَامِ، وَإِذَا كَانَ وَاحِدًا ذَكَرًا - وَلَوْ صَبِيًّا - يَقِفُ عَلَى يَمِينِ الإِْمَامِ مُسَاوِيًا لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأَخُّرُهُ عَنِ الإِْمَامِ قَلِيلاً. (1)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مُحَاذَاةَ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَال تُفْسِدُ صَلاَتَهُمْ. يَقُول الزَّيْلَعِيُّ الْحَنَفِيُّ: فَإِنْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ مُشْتَهَاةٌ فِي صَلاَةٍ مُطْلَقَةٍ - وَهِيَ الَّتِي لَهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ - مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا تَحْرِيمَةٌ وَأَدَاءٌ فِي مَكَان وَاحِدٍ بِلاَ حَائِلٍ، وَنَوَى الإِْمَامُ إِمَامَتَهَا وَقْتَ الشُّرُوعِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ دُونَ صَلاَتِهَا، لِحَدِيثِ: أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ (2) وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ دُونَهَا، فَيَكُونُ هُوَ التَّارِكَ لِفَرْضِ الْقِيَامِ، فَتَفْسُدُ صَلاَتُهُ دُونَ صَلاَتِهَا. (3)
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَاذَاةَ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَال لاَ تُفْسِدُ الصَّلاَةَ، وَلَكِنَّهَا تُكْرَهُ، فَلَوْ وَقَفَتْ فِي صَفِّ الرِّجَال لَمْ تَبْطُل صَلاَةُ مَنْ يَلِيهَا وَلاَ مَنْ خَلْفَهَا وَلاَ مَنْ أَمَامَهَا، وَلاَ صَلاَتُهَا، كَمَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَالأَْمْرُ فِي الْحَدِيثِ بِالتَّأْخِيرِ لاَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ مَعَ عَدَمِهِ. (4)
هَذَا، وَفِي الصَّلاَةِ حَوْل الْكَعْبَةِ فِي الْمَسْجِدِ
__________
(1) فتح القدير 1 / 307، ومغني المحتاج 1 / 246، والزيلعي 1 / 136.
(2) حديث: " أخروهن من حيث أخرهن الله. . . " من حديث ابن مسعود موقوفا عليه. أخرجه عبد الرزاق (3 / 149 - ط المكتب الإسلامي) وصححه ابن حجر في الفتح (1 / 400 - ط السلفية) .
(3) الزيلعي 1 / 138، وفتح القدير 1 / 312، 313.
(4) جواهر الإكليل 1 / 79، 331، ومغني المحتاج 1 / 245، 246، وكشاف القناع 1 / 488.

الْحَرَامِ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَدَمُ تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى الإِْمَامِ فِي نَفْسِ الْجِهَةِ، حَتَّى إِذَا تَقَدَّمَهُ فِي غَيْرِ جِهَتِهِمَا لَمْ يَضُرَّ اتِّفَاقًا. (1) وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَيْفِيَّةُ الصَّلاَةِ دَاخِل الْكَعْبَةِ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحَيْ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ) .

ج - أَلاَّ يَكُونَ الْمُقْتَدِي أَقْوَى حَالاً مِنَ الإِْمَامِ:
12 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَلاَّ يَكُونَ الْمُقْتَدِي أَقْوَى حَالاً مِنَ الإِْمَامِ، فَلاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ، وَلاَ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ، وَلاَ بَالِغٍ بِصَبِيٍّ فِي فَرْضٍ، وَلاَ قَادِرٍ عَلَى رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِعَاجِزٍ عَنْهُمَا، وَكَذَلِكَ لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ سَالِمٍ بِمَعْذُورٍ، كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، وَلاَ مَسْتُورِ عَوْرَةٍ بِعَارٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (2)
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ قَاعِدَةً فَقَالُوا: الأَْصْل أَنَّ حَال الإِْمَامِ إِنْ كَانَ مِثْل حَال الْمُقْتَدِي أَوْ فَوْقَهُ جَازَتْ صَلاَةُ الْكُل، وَإِنْ كَانَ دُونَ حَال الْمُقْتَدِي صَحَّتْ صَلاَةُ الإِْمَامِ. وَلاَ تَصِحُّ صَلاَةُ الْمُقْتَدِي إِلاَّ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ أُمِّيًّا وَالْمُقْتَدِي قَارِئًا، أَوْ كَانَ الإِْمَامُ أَخْرَسَ فَلاَ يَصِحُّ صَلاَةُ الإِْمَامِ أَيْضًا. (3) وَقَدْ تَوَسَّعَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَطْبِيقِ هَذَا الأَْصْل عَلَى كَثِيرٍ مِنَ
__________
(1) الزيلعي 1 / 136، ومغني المحتاج 1 / 246، وقليوبي 1 / 237، 238، وكشاف القناع 1 / 486، وبلغة السالك 1 / 457.
(2) ابن عابدين 1 / 389، والهندية 1 / 85، 86، والدسوقي 1 / 322، 329، 333، وكشاف القناع 1 / 476، 480 - 484.
(3) الفتاوى الهندية 1 / 89.

الْمَسَائِل، وَوَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَعَ خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل. وَخَالَفَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِل كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ فِي: (اخْتِلاَفِ صِفَةِ الإِْمَامِ وَالْمُقْتَدِي) .

د - اتِّحَادُ صَلاَتَيِ الْمُقْتَدِي وَالإِْمَامِ:
13 - يُشْتَرَطُ فِي الاِقْتِدَاءِ اتِّحَادُ صَلاَتَيِ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ سَبَبًا وَفِعْلاً وَوَصْفًا، لأَِنَّ الاِقْتِدَاءَ بِنَاءُ التَّحْرِيمَةِ عَلَى التَّحْرِيمَةِ، فَالْمُقْتَدِي عَقَدَ تَحْرِيمَتَهُ لَمَّا انْعَقَدَتْ لَهُ تَحْرِيمَةُ الإِْمَامِ، فَكُل مَا تَنْعَقِدُ لَهُ تَحْرِيمَةُ الإِْمَامِ جَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُقْتَدِي، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ تَصِحُّ ظُهْرٌ خَلْفَ عَصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلاَ عَكْسُهُ، وَلاَ تَصِحُّ صَلاَةُ ظُهْرٍ قَضَاءً خَلْفَ ظُهْرٍ أَدَاءً، وَلاَ ظُهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَظُهْرِ يَوْمِ السَّبْتِ خَلْفَ ظُهْرِ الأَْحَدِ الْمَاضِيَيْنِ، إِذْ لاَ بُدَّ مِنَ الاِتِّحَادِ فِي عَيْنِ الصَّلاَةِ وَصِفَتِهَا وَزَمَنِهَا، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا جُعِل الإِْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْقُدْوَةِ تَوَافُقُ نَظْمِ صَلاَتَيْهِمَا فِي الأَْفْعَال الظَّاهِرَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الصَّلاَتَيْنِ. وَعَلَى ذَلِكَ تَصِحُّ قُدْوَةُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلاَةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّل، وَمُؤَدِّي الظُّهْرِ بِالْعَصْرِ، وَبِالْمَعْكُوسِ. أَيْ الْقَاضِي بِالْمُؤَدِّي، وَالْمُتَنَفِّل بِالْمُفْتَرِضِ، وَفِي الْعَصْرِ بِالظُّهْرِ، نَظَرًا لاِتِّفَاقِ الْفِعْل فِي الصَّلاَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ النِّيَّةُ.
__________
(1) البدائع 1 / 138، وابن عابدين 1 / 370 - 396، والهندية 1 / 85، والدسوقي 1 / 339، وجواهر الإكليل 1 / 80، وكشاف القناع 1 / 484 - 485. والحديث سبق تخريجه ف / 11.

وَكَذَا يَجُوزُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ بِالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، وَتَجُوزُ الصُّبْحُ خَلْفَ الظُّهْرِ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَهُ حِينَئِذٍ الْخُرُوجُ بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ أَوِ الاِنْتِظَارِ لِيُسَلِّمَ مَعَ الإِْمَامِ وَهُوَ الأَْفْضَل. (1) لَكِنَّ الأَْوْلَى فِيهَا الاِنْفِرَادُ.
فَإِنِ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمَا كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةٍ، لَمْ يَصِحَّ الاِقْتِدَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِمُخَالَفَتِهِ النَّظْمَ، وَتَعَذُّرِ الْمُتَابَعَةِ مَعَهَا. (2)
أَمَّا اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّل خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ فَجَائِزٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. (3)

هـ - عَدَمُ الْفَصْل بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالإِْمَامِ:
14 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالإِْمَامِ فَاصِلٌ كَبِيرٌ.
وَهَذَا الشَّرْطُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ وَالتَّفَاصِيل عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

بُعْدُ الْمَسَافَةِ:
15 - فَرَّقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ الْمَسْجِدِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسَافَةِ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُقْتَدِي، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى الإِْمَامَ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ، أَوْ يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ وَهُمَا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ صَحَّ الاِقْتِدَاءُ، وَإِنْ بَعُدَتِ
__________
(1) مغني المحتاج 1 / 253، 254، ونهاية المحتاج 2 / 205 - 207، 211.
(2) المراجع السابقة.
(3) ابن عابدين 1 / 370، والدسوقي 1 / 339، وكشاف القناع 1 / 484، ومغني المحتاج 1 / 253.

الْمَسَافَةُ (1) . أَمَّا فِي خَارِجِ الْمَسْجِدِ فَإِذَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ قَدْرَ مَا يَسَعُ صَفَّيْنِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلاَّ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ، وَفِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ خِلاَفٌ عِنْدَهُمْ. (2) وَلاَ يَمْنَعُ الاِقْتِدَاءَ بُعْدُ الْمَسَافَةِ فِي خَارِجِ الْمَسْجِدِ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَنْ ثَلاَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (3) وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ فِي صِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ رُؤْيَةَ الْمَأْمُومِ لِلإِْمَامِ أَوْ بَعْضِ مَنْ وَرَاءَهُ. فَلاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ إِنْ لَمْ يَرَ الْمَأْمُومُ أَحَدَهُمَا، وَإِنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ، وَمَهْمَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ. (4)
وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَلاَ بَيْنَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَبُعْدِهَا، فَقَالُوا بِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ إِذَا أَمْكَنَ رُؤْيَةُ الإِْمَامِ أَوِ الْمَأْمُومِ أَوْ سَمَاعُ الإِْمَامِ وَلَوْ بِمُسَمِّعٍ. (5)
وُجُودُ الْحَائِل، وَلَهُ عِدَّةُ صُوَرٍ:
16 - الأُْولَى: إِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالإِْمَامِ نَهْرٌ كَبِيرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ (وَلَوْ زَوْرَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ النَّهْرِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: النَّهْرُ الصَّغِيرُ هُوَ مَا لاَ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ مَا لاَ يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ الإِْمَامِ، أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، أَوْ رُؤْيَةِ فِعْل أَحَدِهِمَا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ النَّهْرُ الَّذِي يُمْكِنُ الْعُبُورُ مِنْ أَحَدِ
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 88، ومغني المحتاج 1 / 248، وكشاف القناع 1 / 491.
(2) الفتاوى الهندية 1 / 87.
(3) مغني المحتاج 1 / 249.
(4) كشاف القناع 1 / 491.
(5) الدسوقي 1 / 337. والمراد بالمسمع: من يبلغ عن الإمام الحاضر، فليس منه الائتمام بمجرد سماع صوت الإمام المنقول بالمذياع لعدم تحقق الاجتماع.

طَرَفَيْهِ إِلَى الآْخَرِ مِنْ غَيْرِ سِبَاحَةٍ بِالْوُثُوبِ فَوْقَهُ، أَوِ الْمَشْيِ فِيهِ، وَفِي حُكْمِهِ النَّهْرُ الْمُحْوِجُ إِلَى سِبَاحَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. (1)

17 - الثَّانِيَةُ: يَمْنَعُ مِنَ الاِقْتِدَاءِ طَرِيقٌ نَافِذٌ يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ عَجَلَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ صُفُوفٌ مُتَّصِلَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (2) قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَانَ عَلَى الطَّرِيقِ مَأْمُومٌ وَاحِدٌ - لاَ يَثْبُتُ بِهِ الاِتِّصَال، وَبِالثَّلاَثِ يَثْبُتُ، وَفِي الْمُثَنَّى خِلاَفٌ. (3)
وَلاَ يَضُرُّ الطَّرِيقُ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ سَمَاعِ الإِْمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ رُؤْيَةِ فِعْل أَحَدِهِمَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِجَوَازِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ لأَِهْل الأَْسْوَاقِ وَإِنْ فَرَّقَتِ الطُّرُقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِمَامِهِمْ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَضُرُّ، لأَِنَّهُ قَدْ تَكْثُرُ فِيهِ الزَّحْمَةُ فَيَعْسُرُ الاِطِّلاَعُ عَلَى أَحْوَال الإِْمَامِ. (4)
هَذَا، وَأَجَازَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْفَصْل بِطَرِيقٍ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَصَلاَةِ الْخَوْفِ وَنَحْوِهَا، وَالتَّفْصِيل فِي مَوَاضِعِهَا.

18 - الثَّالِثَةُ: صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ جِدَارٌ كَبِيرٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ يَمْنَعُ الْمُقْتَدِيَ مِنَ الْوُصُول إِلَى إِمَامِهِ لَوْ قَصَدَ الْوُصُول إِلَيْهِ لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ، وَيَصِحُّ إِذَا كَانَ صَغِيرًا لاَ يَمْنَعُ، أَوْ كَبِيرًا وَلَهُ ثُقْبٌ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 393، وكشاف القناع 1 / 292، والدسوفي 1 / 336، ومغني المحتاج 1 / 249.
(2) ابن عابدين 1 / 393، ومراقي الفلاح ص159، 160، وكشاف القناع 1 / 492.
(3) الهندية 1 / 87.
(4) الدسوقي 1 / 336، ومغني المحتاج 1 / 249.

لاَ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَال الإِْمَامِ سَمَاعًا أَوْ رُؤْيَةً، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالنَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ (1) .
قَال الشَّافِعِيَّةُ: فَإِنْ حَال مَا يَمْنَعُ الْمُرُورَ لاَ الرُّؤْيَةَ كَالشُّبَّاكِ أَوْ يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ لاَ الْمُرُورَ كَالْبَابِ الْمَرْدُودِ فَوَجْهَانِ.
وَعَلَى هَذَا الاِقْتِدَاءُ فِي الْمَسَاكِنِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَبْوَابِهَا مِنْ خَارِجِهِ - صَحِيحٌ، إِذَا لَمْ يَشْتَبِهْ حَال الإِْمَامِ لِسَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ، وَلَمْ يَتَخَلَّل إِلاَّ الْجِدَارُ، كَمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ فِيمَنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِهِ الْمُتَّصِل بِالْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ حَائِطٌ مُقْتَدِيًا بِإِمَامٍ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ مِنَ الْمُكَبِّرِ تَجُوزُ صَلاَتُهُ. وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْوَاقِفِ عَلَى السَّطْحِ بِمَنْ هُوَ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُهُ. (2)
وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْجِدَارُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، فَقَالُوا بِجَوَازِ الاِقْتِدَاءِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ سَمَاعِ الإِْمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ رُؤْيَةِ فِعْل أَحَدِهِمَا. (3)

و اتِّحَادُ الْمَكَانِ:
19 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ أَنْ يَجْمَعَ الْمُقْتَدِي وَالإِْمَامَ مَوْقِفٌ وَاحِدٌ، إِذْ مِنْ مَقَاصِدِ الاِقْتِدَاءِ
__________
(1) حديث: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة عائشة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 213 - ط السلفية) .
(2) الفتاوى الهندية 1 / 87، ومراقي الفلاح ص 160، ومغني المحتاج 1 / 250، وحاشية القليوبي 1 / 242، 244.
(3) الإنصاف 2 / 295 - 297، والدسوقي 1 / 336.

اجْتِمَاعُ جَمْعٍ فِي مَكَانٍ، كَمَا عُهِدَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَاتُ فِي الأَْعْصُرِ الْخَالِيَةِ، وَمَبْنَى الْعِبَادَاتِ عَلَى رِعَايَةِ الاِتِّبَاعِ فَيُشْتَرَطُ لِيَظْهَرَ الشِّعَارُ. (1) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَطْبِيقِ هَذَا الشَّرْطِ تَفْصِيلٌ، وَفِي بَعْضِ الْفُرُوعِ خِلاَفٌ كَالآْتِي:

أَوَّلاً - الأَْبْنِيَةُ الْمُخْتَلِفَةُ:
20 - تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْبْنِيَةِ الْمُنْفَصِلَةِ.

ثَانِيًا - الاِقْتِدَاءُ فِي السُّفُنِ الْمُخْتَلِفَةِ:
21 - يُشْتَرَطُ فِي الاِقْتِدَاءِ أَلاَّ يَكُونَ الْمُقْتَدِي فِي سَفِينَةٍ وَالإِْمَامُ فِي سَفِينَةٍ أُخْرَى غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لاِخْتِلاَفِ الْمَكَانِ، وَلَوِ اقْتَرَنَتَا صَحَّ اتِّفَاقًا، لِلاِتِّحَادِ الْحُكْمِيِّ. وَالْمُرَادُ بِالاِقْتِرَانِ: مُمَاسَّةُ السَّفِينَتَيْنِ، وَقِيل رَبْطُهُمَا. (2)
وَتَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فِي جَوَازِ اقْتِدَاءِ ذَوِي سُفُنٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا رَبْطَ السَّفِينَتَيْنِ، وَلاَ الْمُمَاسَّةَ، وَلَمْ يُحَدِّدُوا الْمَسَافَةَ حَيْثُ قَالُوا: جَازَ اقْتِدَاءُ ذَوِي سُفُنٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي الْمَرْسَى بِإِمَامٍ وَاحِدٍ فِي بَعْضِهَا يَسْمَعُونَ أَقْوَالَهُ أَوْ أَقْوَال مَنْ مَعَهُ فِي سَفِينَتِهِ مِنْ مَأْمُومِينَ، أَوْ يَرَوْنَ أَفْعَالَهُ أَوْ أَفْعَال مَنْ مَعَهُ فِي سَفِينَتِهِ مِنْ مَأْمُومِينَ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتِ السُّفُنُ سَائِرَةً عَلَى الْمَشْهُورِ، لأَِنَّ الأَْصْل السَّلاَمَةُ مِنْ طُرُوءِ مَا يُفَرِّقُهَا مِنْ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ.
لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى اسْتِحْبَابِ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ فِي
__________
(1) نهاية المحتاج 2 / 191، ومغني المحتاج 1 / 248.
(2) مراقي الفلاح ص 160، وشرح منتهى الإرادات 1 / 694.

السَّفِينَةِ الَّتِي تَلِي الْقِبْلَةَ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَا فِي سَفِينَتَيْنِ صَحَّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ وَإِنْ لَمْ تَكُونَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَلَمْ تُرْبَطْ إِحْدَاهُمَا بِالأُْخْرَى، بِشَرْطِ أَلاَّ تَزِيدَ الْمَسَافَةُ عَلَى ثَلاَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَدَمِ الْحَائِل. وَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا كَالنَّهْرِ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ، (2) بِمَعْنَى أَنَّهُ يُمْكِنُ اجْتِيَازُهُ سِبَاحَةً وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الاِلْتِصَاقَ وَلاَ الرَّبْطَ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْمُخْتَارِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

ثَالِثًا: عُلُوُّ مَوْقِفِ الْمُقْتَدِي عَلَى الإِْمَامِ أَوْ عَكْسُهُ:
22 - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقِفُ الْمَأْمُومِ عَالِيًا - وَلَوْ بِسَطْحٍ - عَنِ الإِْمَامِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ فِي غَيْرِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ. فَصَحَّ اقْتِدَاءُ مَنْ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ بِالإِْمَامِ الَّذِي يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ، لإِِمْكَانِ الْمُتَابَعَةِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقِفُ الإِْمَامِ عَالِيًا عَنْ مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ. (3)
وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ ارْتِفَاعِ مَوْقِفِ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فَشَرَطُوا فِي هَذِهِ الْحَال مُحَاذَاةَ بَعْضِ بَدَنِ الْمَأْمُومِ بَعْضَ بَدَنِ الإِْمَامِ، وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِالطُّول الْعَادِيِّ، وَقَال النَّوَوِيُّ يُكْرَهُ ارْتِفَاعُ الْمَأْمُومِ عَلَى إِمَامِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ وُقُوفُهُمَا بِمُسْتَوًى وَاحِدٍ، وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ، إِلاَّ لِحَاجَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالصَّلاَةِ، كَتَبْلِيغٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إِسْمَاعُ الْمَأْمُومِينَ وَتَعْلِيمُهُمْ صِفَةَ الصَّلاَةِ،
__________
(1) جواهر الإكليل 1 / 81، والدسوقي 1 / 336.
(2) القليوبي 1 / 243.
(3) ابن عابدين 1 / 394 - 395، والدسوقي 1 / 336، والمغني 2 / 206، 209.

فَيُسْتَحَبُّ ارْتِفَاعُهُمَا لِذَلِكَ، تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلاَةِ. (1)
وَهَذَا الْكَلاَمُ فِي الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا الْجَبَل الَّذِي يُمْكِنُ صُعُودُهُ كَالصَّفَا أَوِ الْمَرْوَةِ أَوْ جَبَل أَبِي قُبَيْسٍ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِالْمَسَافَةِ الَّتِي سَبَقَ الْقَوْل فِيهَا وَهِيَ ثَلاَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ.
فَالاِقْتِدَاءُ فِيهِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَعْلَى مِنَ الإِْمَامِ.

ز - عَدَمُ تَوَسُّطِ النِّسَاءِ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ:
23 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَدَمُ تَوَسُّطِ النِّسَاءِ، فَإِنْ وَقَفَتِ الْمَرْأَةُ فِي صَفِّ الرَّجُل كُرِهَ، وَلَمْ تَبْطُل صَلاَتُهَا، وَلاَ صَلاَةُ مَنْ يَلِيهَا، وَلاَ مَنْ خَلْفَهَا. لأَِنَّهَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَعْتَرِضُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمَةً وَهُوَ يُصَلِّي. وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ، وَلِهَذَا لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهَا فَصَلاَةُ مَنْ يَلِيهَا أَوْلَى. وَهَكَذَا إِنْ كَانَ هُنَاكَ صَفٌّ تَامٌّ مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ اقْتِدَاءَ مَنْ خَلْفَهُنَّ مِنَ الرِّجَال. (2)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالإِْمَامِ صَفٌّ مِنَ النِّسَاءِ بِلاَ حَائِلٍ قَدْرَ ذِرَاعٍ، وَبِهَذَا قَال أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ،
__________
(1) القليوبي 1 / 243، ونهاية المحتاج 2 / 198.
(2) جواهر الإكليل 1 / 79، والدسوقي 1 / 332، ومغني المحتاج 1 / 245، 246، والمغني لابن قدامة 2 / 204، وكشاف القناع 1 / 488 وحديث اعتراض عائشة. . . أخرجه البخاري (الفتح 1 / 588 - ط السلفية) .

وَالْمُرَادُ بِالصَّفِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلاَثِ، وَفِي رِوَايَةٍ الْمُرَادُ بِالصَّفِّ الثَّلاَثُ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا:
(1) الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ تُفْسِدُ صَلاَةَ ثَلاَثَةٍ، وَاحِدٍ عَنْ يَمِينِهَا وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهَا وَآخَرَ خَلْفَهَا، وَلاَ تُفْسِدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (2) وَالْمَرْأَتَانِ تُفْسِدَانِ صَلاَةَ أَرْبَعَةٍ مِنَ الرِّجَال، وَاحِدٍ عَنْ يَمِينِهِمَا، وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِمَا، وَصَلاَةَ اثْنَيْنِ خَلْفَهُمَا.
(3) وَإِنْ كُنَّ ثَلاَثًا أَفْسَدْنَ صَلاَةَ وَاحِدٍ عَنْ يَمِينِهِنَّ، وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِنَّ وَثَلاَثَةٍ ثَلاَثَةٍ إِلَى آخِرِ الصُّفُوفِ.
وَهَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الثَّلاَثُ كَالصَّفِّ، تُفْسِدُ صَلاَةَ كُل الصُّفُوفِ خَلْفَهُنَّ إِلَى آخِرِ الصُّفُوفِ، لأَِنَّ الثَّلاَثَةَ جَمْعٌ كَامِلٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الثِّنْتَيْنِ كَالثَّلاَثِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى جَعَل الثَّلاَثَ كَالاِثْنَتَيْنِ (1) .
ح - الْعِلْمُ بِانْتِقَالاَتِ الإِْمَامِ:
24 - يُشْتَرَطُ فِي الاِقْتِدَاءِ عِلْمُ الْمَأْمُومِ بِانْتِقَالاَتِ الإِْمَامِ، بِسَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ لِلإِْمَامِ أَوْ لِبَعْضِ الْمُقْتَدِينَ بِهِ، لِئَلاَّ يُشْتَبَهَ عَلَى الْمُقْتَدِي حَال الإِْمَامِ فَلاَ يَتَمَكَّنَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ، فَلَوْ جَهِل الْمَأْمُومُ أَفْعَال إِمَامِهِ الظَّاهِرَةَ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، لأَِنَّ الاِقْتِدَاءَ مُتَابَعَةٌ، وَمَعَ الْجَهْل أَوِ الاِشْتِبَاهِ لاَ تُمْكِنُ الْمُتَابَعَةُ، وَهَذَا الشَّرْطُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 88، وابن عابدين 1 / 393، والزيلعي 1 / 138، 139.

عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (1)
زَادَ الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَا عِلْمُهُ بِحَال إِمَامِهِ مِنْ إِقَامَةٍ أَوْ سَفَرٍ قَبْل الْفَرَاغِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا فِيمَا لَوْ صَلَّى الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ. (2)
هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ لاَ يُجَوِّزُونَ الاِقْتِدَاءَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بِالسَّمَاعِ وَحْدَهُ. بَل يَشْتَرِطُونَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ رُؤْيَةَ الْمَأْمُومِ لِلإِْمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمُقْتَدِينَ بِهِ، لِقَوْل عَائِشَةَ لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا: لاَ تُصَلِّينَ بِصَلاَةِ الإِْمَامِ فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ وَلأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ الْمُتَابَعَةُ فِي الْغَالِبِ.
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى فَالْحَنَابِلَةُ يَكْتَفُونَ بِالْعِلْمِ بِانْتِقَالاَتِ الإِْمَامِ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالرُّؤْيَةِ. (3)

ط - صِحَّةُ صَلاَةِ الإِْمَامِ:
25 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ صِحَّةُ صَلاَةِ الإِْمَامِ، فَلَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُهَا لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُ صَلاَةِ الإِْمَامِ، فِسْقًا مِنْهُ، أَوْ نِسْيَانًا لِمُضِيِّ مُدَّةِ الْمَسْحِ، أَوْ لِوُجُودِ الْحَدَثِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ صَلاَةُ الْمُقْتَدِي لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبِنَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي زَعْمِ الإِْمَامِ فَاسِدَةً فِي زَعْمِ الْمُقْتَدِي لِبِنَائِهِ عَلَى الْفَاسِدِ فِي زَعْمِهِ. (4)
وَالْمُرَادُ بِالْفِسْقِ هُنَا: الْفِسْقُ الَّذِي يُخِل بِرَكْنٍ أَوْ شَرْطٍ فِي الصَّلاَةِ، كَأَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ سَكْرَانُ، أَوْ هُوَ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 370، والدسوقي 1 / 331، والحطاب 2 / 106، ومغني المحتاج 1 / 248، ونهاية المحتاج 2 / 191، وكشاف القناع 1 / 491.
(2) ابن عابدين 1 / 370.
(3) كشاف القناع 1 / 492.
(4) ابن عابدين 1 / 370.

مُحْدِثٌ مُتَعَمِّدًا.
أَمَّا الْفِسْقُ فِي الْعَقِيدَةِ، أَوْ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلاَفِيَّةٌ، وَقَدْ شَدَّدَ فِيهَا الإِْمَامُ أَحْمَدُ، وَقَال: إِنَّهُ إِذَا كَانَ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَتِهِ، وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمُقْتَدِي، فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ، حَتَّى لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَذْهَبِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ، وَهُوَ مَسْتُورُ الْحَال، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ إِعَادَةَ عَلَى مَنِ اقْتَدَى بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ مَكْرُوهَةٌ، وَلاَ إِعَادَةَ فِيهَا. لِحَدِيثِ: صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَلأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ. وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَانَا يُصَلِّيَانِ خَلْفَ مَرْوَانَ وَوَرَاءَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. (1)
وَمِثْلُهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا: لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ تَبَيَّنَ فِي الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا أَنَّهُ كَافِرٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ مَجْنُونٌ، أَوْ فَاسِقٌ (عَلَى خِلاَفٍ فِيهِ) أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ، إِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ أَوْ عَلِمَ الْمُؤْتَمُّ بِحَدَثِهِ فِي الصَّلاَةِ أَوْ قَبْلَهَا، أَوِ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ وَلَوْ نَاسِيًا. (2)
وَكَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلاَنَ صَلاَتِهِ، كَمَنْ عَلِمَ بِكُفْرِهِ أَوْ حَدَثِهِ أَوْ نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي صَلاَةٍ فَكَيْفَ يَقْتَدِي بِهِ، وَكَذَا
__________
(1) شرح الدردير 1 / 326 و327 والمغني 2 / 185 - 188. وحديث: " صلوا خلف من قال لا إله إلا الله. . . " أخرجه الدارقطني (1 / 56 ط دار المحاسن) وضعفه ابن حجر في التلخيص (2 / 35 ط دار المحاسن) والأثر عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج. أخرجه ابن أبي شيبة (2 / 378 ط الدار السلفية) .
(2) جواهر الإكليل 1 / 78، والدسوقي 1 / 326، 327.

لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ يَعْتَقِدُ الْمُقْتَدِي بُطْلاَنَ صَلاَتِهِ (1) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِكَافِرٍ وَلَوْ بِبِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ وَلَوْ أَسَرَّهُ وَجَهِل الْمَأْمُومُ كُفْرَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ حَدَثَهُ، وَلَوْ بَانَ خِلاَفُ ذَلِكَ فَيُعِيدُ الْمَأْمُومُ، لاِعْتِقَادِهِ بُطْلاَنَ صَلاَتِهِ. (2)
لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: لَوْ عَلِمَ الْمُقْتَدِي بِحَدَثِ إِمَامِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَلاَ بُطْلاَنَ. (3) كَمَا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا، فَقَال بَعْدَ الصَّلاَةِ: هُوَ كَافِرٌ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلاَةِ الْمَأْمُومِ لأَِنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا. (4)
وَأَمَّا الإِْمَامُ فَلَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ الْمَأْمُومُ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: أَئِمَّتُكُمْ يُصَلُّونَ لَكُمْ وَلَهُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ. فَجَعَل خَطَأَ الإِْمَامِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَهُمْ، وَقَدْ صَلَّى عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ جُنُبٌ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ، فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرِ الْمَأْمُومِينَ بِالإِْعَادَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَل الإِْمَامُ مَا يَسُوغُ عِنْدَهُ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَأْمُومِ يُبْطِل الصَّلاَةَ، مِثْل أَنْ يَفْتَصِدَ وَيُصَلِّيَ وَلاَ يَتَوَضَّأَ، أَوْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ يَتْرُكَ الْبَسْمَلَةَ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ صَلاَتَهُ تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ
__________
(1) مغني المحتاج 1 / 237.
(2) كشاف القناع 1 / 475، 476.
(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 327.
(4) كشاف القناع 1 / 475.

صَلاَةِ الْمَأْمُومِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، بَل فِي أَنَصِّهِمَا عَنْهُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، اخْتَارَهُ الْقَفَّال وَغَيْرُهُ. (1)
وَاسْتَدَل الإِْمَامُ أَحْمَدُ لِهَذَا الاِتِّجَاهِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَانَ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْفُرُوعِ. وَأَنَّ الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةَ لاَ تَخْلُو إِمَّا أَنْ يُصِيبَ الْمُجْتَهِدُ فَيَكُونَ لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ اجْتِهَادِهِ وَأَجْرُ إِصَابَتِهِ، أَوْ أَنْ يُخْطِئَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَجْرُ اجْتِهَادِهِ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ. (2)

أَحْوَال الْمُقْتَدِي:
26 - الْمُقْتَدِي إِمَّا مُدْرِكٌ، أَوْ مَسْبُوقٌ، أَوْ لاَحِقٌ، فَالْمُدْرِكُ: مَنْ صَلَّى الرَّكَعَاتِ كَامِلَةً مَعَ الإِْمَامِ، أَيْ أَدْرَكَ جَمِيعَ رَكَعَاتِهَا مَعَهُ، سَوَاءٌ أَأَدْرَكَ مَعَهُ التَّحْرِيمَةَ أَوْ أَدْرَكَهُ فِي جُزْءٍ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى إِلَى أَنْ قَعَدَ مَعَهُ الْقَعْدَةَ الأَْخِيرَةَ، وَسَوَاءٌ أَسَلَّمَ مَعَهُ أَمْ قَبْلَهُ (3) .
وَالْمُدْرِكُ يُتَابِعُ إِمَامَهُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، إِلاَّ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ تُذْكَرُ فِي كَيْفِيَّةِ الاِقْتِدَاءِ.
27 - وَالْمَسْبُوقُ: مَنْ سَبَقَهُ الإِْمَامُ بِكُل الرَّكَعَاتِ بِأَنِ اقْتَدَى بِالإِْمَامِ بَعْدَ رُكُوعِ الأَْخِيرَةِ، أَوْ بِبَعْضِ الرَّكَعَاتِ (4) . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، فَقَال
__________
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 23 / 352، 372. وحديث: " أئمتكم يصلون لكم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 187 - ط السلفية) .
(2) المغني 2 / 190و191.
(3) ابن عابدين 1 / 399.
(4) كشاف القناع 1 / 461، والفتاوى الهندية 1 / 91، وابن عابدين 1 / 400.

أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ: مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ فَهُوَ آخِرُ صَلاَتِهِ قَوْلاً وَفِعْلاً، فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى كَالثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ لَمْ يَسْتَفْتِحْ، وَلَمْ يَسْتَعِذْ، وَمَا يَقْضِيهِ فَهُوَ أَوَّل صَلاَتِهِ، يَسْتَفْتِحُ فِيهِ، وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ كَالْمُنْفَرِدِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا (1) وَالْمَقْضِيُّ هُوَ الْفَائِتُ، فَيَكُونُ عَلَى صِفَتِهِ، لَكِنْ لَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ رَكْعَةً، تَشَهَّدَ عَقِبَ قَضَاءِ رَكْعَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا قَال بِهِ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ، غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِئَلاَّ يَلْزَمَ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الصَّلاَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ لَزِمَ قَطْعُ الرُّبَاعِيَّةِ عَلَى وِتْرٍ، وَالثُّلاَثِيَّةِ شَفْعًا، وَمُرَاعَاةُ هَيْئَةِ الصَّلاَةِ مُمْكِنَةٌ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَدْرَكَهُ فِي رَكْعَةِ الرُّبَاعِيِّ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يَأْتِي بِفَاتِحَةٍ خَاصَّةٍ، لِيَكُونَ الْقَضَاءُ بِالْهَيْئَةِ الَّتِي فَاتَتْ. (2)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ الإِْمَامِ فَهُوَ أَوَّل صَلاَتِهِ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ آخِرُهَا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (3) وَإِتْمَامُ الشَّيْءِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ أَوَّلِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ، وَقَنَتَ الإِْمَامُ فِيهَا يُعِيدُ فِي الْبَاقِي الْقُنُوتَ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْمَغْرِبِ مَعَ الإِْمَامِ تَشَهَّدَ فِي الثَّانِيَةِ (4) .
__________
(1) حديث: " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 116 - ط السلفية) ومسلم (1 / 421 - ط الحلبي) .
(2) ابن عابدين 1 / 401، وكشاف القناع 1 / 461، 462.
(3) حديث: " فما أدركتم فصلوا. . . " أخرجه البخاري (2 / 116 - الفتح - ط السلفية) ومسلم (1 / 427 - ط الحلبي) .
(4) مغني المحتاج 1 / 260.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي أَوَّل صَلاَتِهِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ، وَآخِرَهَا فِي حَقِّ التَّشَهُّدِ، فَمُدْرِكُ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ فَجْرٍ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ وَتَشَهُّدٍ بَيْنَهُمَا، وَبِرَابِعَةِ الرُّبَاعِيِّ بِفَاتِحَةٍ فَقَطْ، وَلاَ يَعْقِدُ قَبْلَهُمَا، فَهُوَ قَاضٍ فِي حَقِّ الْقَوْل عَمَلاً بِرِوَايَةِ: وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا لَكِنَّهُ بَانٍ عَلَى صَلاَتِهِ فِي حَقِّ الْفِعْل عَمَلاً بِرِوَايَةِ: وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا وَذَلِكَ تَطْبِيقًا لِقَاعِدَةِ الأُْصُولِيِّينَ: (إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ جُمِعَ) فَحَمَلْنَا رِوَايَةَ الإِْتْمَامِ عَلَى الأَْفْعَال، وَرِوَايَةَ الْقَضَاءِ عَلَى الأَْقْوَال. (1)
28 - وَاللاَّحِقُ: هُوَ مَنْ فَاتَتْهُ الرَّكَعَاتُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِعُذْرٍ، كَغَفْلَةٍ وَزَحْمَةٍ، وَسَبْقِ حَدَثٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَأَنْ سَبَقَ إِمَامَهُ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، كَمَا عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمُتَخَلِّفُ عَنِ الإِْمَامِ بِرُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَحُكْمُ اللاَّحِقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمُؤْتَمٍّ، لاَ يَأْتِي بِقِرَاءَةٍ وَلاَ سُجُودِ سَهْوٍ، وَلاَ يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ بِنِيَّةِ إِقَامَةٍ، وَيَبْدَأُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بِعُذْرٍ، ثُمَّ يُتَابِعُ الإِْمَامَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ فَرَغَ، عَكْسُ الْمَسْبُوقِ. (2)
وَقَال الْجُمْهُورُ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِنْ تَخَلَّفَ عَنِ الإِْمَامِ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ بِعُذْرٍ، مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ، تَابَعَ إِمَامَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلاَتِهِ، وَيَقْضِي مَا سَبَقَهُ الإِْمَامُ بِهِ بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ كَالْمَسْبُوقِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ عِنْدَهُمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ عَمْدًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ،
__________
(1) ابن عابدين 1 / 401، والدسوقي 1 / 346.
(2) الفتاوى الهندية 1 / 91، وابن عابدين 1 / 400.

وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ تَبْطُل فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ أَوْ رُكْنَيْنِ لِعُذْرٍ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَفْعَل مَا سَبَقَهُ بِهِ إِمَامُهُ وَيُدْرِكُهُ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ تَبْطُل هَذِهِ الرَّكْعَةُ فَيَتَدَارَكُهَا بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ. (1) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ، وَفِي بَعْضِ الْفُرُوعِ خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (لاَحِق) .

كَيْفِيَّةُ الاِقْتِدَاءِ
أَوَّلاً - فِي أَفْعَال الصَّلاَةِ:
29 - الاِقْتِدَاءُ فِي الصَّلاَةِ هُوَ مُتَابَعَةُ الإِْمَامِ، وَالْمُتَابَعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرِ وَاجِبٍ، مَا لَمْ يُعَارِضْهَا وَاجِبٌ آخَرُ، فَإِنْ عَارَضَهَا وَاجِبٌ آخَرُ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَفُوتَهُ، بَل يَأْتِي بِهِ ثُمَّ يُتَابِعُهُ، لأَِنَّ الإِْتْيَانَ بِهِ لاَ يُفَوِّتُ الْمُتَابَعَةَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهَا، وَتَأْخِيرُ أَحَدِ الْوَاجِبَيْنِ مَعَ الإِْتْيَانِ بِهِمَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ مَا يُعَارِضُ الْمُتَابَعَةَ سُنَّةٌ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ السُّنَّةَ وَيُتَابِعُ الإِْمَامَ بِلاَ تَأْخِيرٍ، لأَِنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ رَفَعَ الإِْمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْل أَنْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ التَّسْبِيحَاتِ الثَّلاَثَ وَجَبَ مُتَابَعَتُهُ، وَكَذَا عَكْسُهُ. بِخِلاَفِ سَلاَمِ الإِْمَامِ أَوْ قِيَامِهِ لِثَالِثَةٍ قَبْل إِتْمَامِ الْمَأْمُومِ التَّشَهُّدَ، فَإِنَّهُ لاَ يُتَابِعُهُ، بَل يُتِمُّ التَّشَهُّدَ لِوُجُوبِهِ. (2)
__________
(1) جواهر الإكليل 1 / 69، 70، ومغني المحتاج 1 / 256، وكشاف القناع 1 / 466، 467، والمغني لابن قدامة 1 / 527.
(2) ابن عابدين 1 / 333.

هَذَا، وَمُقْتَضَى الاِقْتِدَاءِ وَالْمُتَابَعَةِ أَلاَّ يَحْصُل فِعْلٌ مِنْ أَفْعَال الْمُقْتَدِي قَبْل فِعْل الإِْمَامِ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الأَْفْعَال الَّتِي يُسَبِّبُ فِيهَا سَبْقُ الْمَأْمُومِ فِعْل إِمَامِهِ أَوْ مُقَارَنَتُهُ لَهُ بُطْلاَنَ الاِقْتِدَاءِ، وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الأَْفْعَال، فَقَالُوا: إِنْ تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ إِمَامَهُ فِي تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لَمْ يَصِحَّ الاِقْتِدَاءُ أَصْلاً، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبِنَاءِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. (1)
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) عَلَى أَنَّ مُقَارَنَةَ الْمَأْمُومِ لِلإِْمَامِ فِي تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ تَضُرُّ بِالاِقْتِدَاءِ وَتُبْطِل صَلاَةَ الْمُقْتَدِي، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا، لِحَدِيثِ: إِنَّمَا جُعِل الإِْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا (2)
لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنْ سَبَقَهُ الإِْمَامُ وَلَوْ بِحَرْفٍ صَحَّتْ، إِنْ خَتَمَ الْمُقْتَدِي مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، لاَ قَبْلَهُ. (3)
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ - تَأَخُّرَ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْمُقْتَدِي عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِْمَامِ. (4)
وَلاَ تَضُرُّ مُقَارَنَةُ تَكْبِيرَةِ الْمُقْتَدِي لِتَكْبِيرِ الإِْمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، حَتَّى نُقِل عَنْهُ الْقَوْل بِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ هِيَ السُّنَّةُ، قَال فِي الْبَدَائِعِ: وَمِنْهَا (أَيْ مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ) أَنْ يُكَبِّرَ الْمُقْتَدِي مُقَارِنًا لِتَكْبِيرِ الإِْمَامِ فَهُوَ أَفْضَل بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. . لأَِنَّ
__________
(1) البدائع 1 / 200، ومغني المحتاج 1 / 258، والدسوقي 1 / 340، 341، وكشاف القناع 1 / 465، 466.
(2) الحديث: تقدم تخريجه ف / 10.
(3) الدسوقي 1 / 340، 341.
(4) مغني المحتاج 1 / 255 - 257، وكشاف القناع1 / 465.

الاِقْتِدَاءَ مُشَارَكَةٌ، وَحَقِيقَةُ الْمُشَارَكَةِ الْمُقَارَنَةُ، إِذْ بِهَا تَتَحَقَّقُ الْمُشَارَكَةُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ. (1)
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يُتَابِعُ الإِْمَامَ فِي السَّلاَمِ، بِأَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَهُ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ قَبْل أَنْ يَفْرُغَ الْمُقْتَدِي مِنَ الدُّعَاءِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، أَوْ قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ يُتَابِعُ الإِْمَامَ فِي التَّسْلِيمِ. أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ الْمَأْمُومُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ مِنْ صَلاَتِهِ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ. وَلَوْ سَلَّمَ قَبْل الإِْمَامِ سَهْوًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ، وَيُسَلِّمُ بَعْدَهُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، أَمَّا إِنْ سَلَّمَ قَبْل الإِْمَامِ عَمْدًا فَإِنَّهُ تَبْطُل صَلاَتُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ الْمُفَارَقَةَ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
أَمَّا مُقَارَنَةُ الْمُقْتَدِي لِلإِْمَامِ فِي السَّلاَمِ فَلاَ تَضُرُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: مُسَاوَاتُهُ لِلإِْمَامِ تُبْطِل الصَّلاَةَ. (2)
وَلاَ تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْمَأْمُومِ لِلإِْمَامِ فِي سَائِرِ الأَْفْعَال، كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ بِدُونِهَا عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَإِنْ تَقَدَّمَهُ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ يَنْبَغِي الْبَقَاءُ فِيهِمَا حَتَّى يُدْرِكَهُ الإِْمَامُ، وَلَوْ رَفَعَ الْمُقْتَدِي رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْل الإِْمَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ وَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ رُكُوعَيْنِ أَوْ سُجُودَيْنِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (صَلاَة) . (3)
__________
(1) البدائع 1 / 200.
(2) البدائع 1 / 200، وابن عابدين 1 / 333، ونهاية المحتاج 2 / 212 - 217، ومغني المحتاج 1 / 255، 257، والدسوقي 1 / 341 - 342، وكشاف القناع 1 / 465.
(3) نفس المراجع.

ثَانِيًا - الاِقْتِدَاءُ فِي أَقْوَال الصَّلاَةِ:
30 - لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ مُتَابَعَةُ الإِْمَامِ فِي سَائِرِ أَقْوَال الصَّلاَةِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالسَّلاَمِ، كَالتَّشَهُّدِ وَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ، فَيَجُوزُ فِيهَا التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ وَالْمُوَافَقَةُ. (1)
اخْتِلاَفُ صِفَةِ الْمُقْتَدِي وَالإِْمَامِ
:

أ - اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ:
31 - يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبَ، وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ بِالتَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ، وَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِْعَادَةِ. (2)
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ لِلْجَوَازِ كَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِمْ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ مُطْلَقًا مِنْ كُل وَجْهٍ، مَا بَقِيَ شَرْطُهُ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ، وَلِهَذَا تَجُوزُ الْفَرَائِضُ الْمُتَعَدِّدَةُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُمْ. (3)
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ اقْتِدَاءَ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ، كَمَا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ صَرَّحُوا بِأَنَّ إِمَامَةَ الْمُتَوَضِّئِ أَوْلَى مِنْ إِمَامَةِ الْمُتَيَمِّمِ، لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، بَل يُسْتَبَاحُ بِهِ
__________
(1) مغني المحتاج 1 / 163، 255، والفتاوى الهندية 1 / 90، 91، والدسوقي 1 / 341، والاختيار 1 / 50، وجواهر الإكليل 1 / 50، وكشاف القناع 1 / 465.
(2) حديث عمرو بن العاص " أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 334 ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 177 ط دائرة المعارف العثمانية) وقواه ابن حجر في الفتح (1 / 454 - ط السلفية) .
(3) فتح القدير 1 / 320، وابن عابدين 1 / 395، وجواهر الإكليل 1 / 26، وكشاف القناع 1 / 474.

الصَّلاَةُ لِلضَّرُورَةِ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ الاِقْتِدَاءُ بِمَنْ تَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ كَمُتَيَمِّمٍ بِمُتَيَمِّمٍ، وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي مِثْلَهُ، أَمَّا الْمُتَيَمِّمُ الَّذِي لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ أَتَى عَنْ طَهَارَتِهِ بِبَدَلٍ مُغْنٍ عَنِ الإِْعَادَةِ. (2)
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، لِلُزُومِ بِنَاءِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ (3) .

اقْتِدَاءُ الْغَاسِل بِالْمَاسِحِ:
32 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ غَاسِلٍ بِمَاسِحٍ عَلَى خُفٍّ أَوْ جَبِيرَةٍ، لأَِنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إِلَى الْقَدَمِ، وَمَا حَل بِالْخُفِّ يَرْفَعُهُ الْمَسْحُ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كَوْنِهِ غَاسِلاً، كَمَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَلأَِنَّ صَلاَتَهُ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإِْعَادَةِ لاِرْتِفَاعِ حَدَثِهِ، لأَِنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ كَمَا وَجَّهَهُ الآْخَرُونَ (4) .

اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّل:
33 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) عَلَى عَدَمِ جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّل، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِل الإِْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ (5) وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الإِْمَامُ
__________
(1) الحطاب 1 / 348، وكشاف القناع 1 / 474.
(2) مغني المحتاج 1 / 238، 240.
(3) ابن عابدين 1 / 395.
(4) ابن عابدين 1 / 396، ومغني المحتاج 1 / 240، ونهاية المحتاج 2 / 168، والحطاب 1 / 368، جواهر الإكليل 1 / 24، وكشاف القناع 1 / 110، 484.
(5) حديث: " إنما جعل الإمام. . . " سبق تخريجه ف / 10.

ضَامِنٌ (1) وَمُقْتَضَى الْحَدِيثَيْنِ أَلاَّ يَكُونَ الإِْمَامُ أَضْعَفَ حَالاً مِنَ الْمُقْتَدِي، وَلأَِنَّ صَلاَةَ الْمَأْمُومِ لاَ تُؤَدَّى بِنِيَّةِ الإِْمَامِ، فَأَشْبَهَتْ صَلاَةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ. (2)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّل بِشَرْطِ تَوَافُقِ نَظْمِ صَلاَتَيْهِمَا، لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشَاءَ الآْخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاَةَ. (3)
فَإِنِ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمَا كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةٍ، لَمْ يَصِحَّ الاِقْتِدَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ لِمُخَالِفَتِهِ النَّظْمَ وَتَعَذُّرِ الْمُتَابَعَةِ. (4)
34 - وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فِي الْفَرْضِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) (5) لِقَوْل الشَّعْبِيِّ: لاَ يَؤُمُّ الْغُلاَمُ حَتَّى يَحْتَلِمَ. وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنَ الصَّبِيِّ الإِْخْلاَل بِشَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ. (6)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ الْحُرِّ بِالصَّبِيِّ
__________
(1) حديث: " الإمام ضامن. . . " أخرجه أبو داود (1 / 356 ط عزت عبيد دعاس) وصححه المناوي في الفيض (3 / 182 ط المكتبة التجارية) .
(2) فتح القدير 1 / 324، 325، والدسوقي 1 / 329، وجواهر الإكليل 1 / 76، وكشاف القناع 1 / 484، والمغني لابن قدامة 2 / 226.
(3) حديث: " أن معاذا كان يصلي مع النبي الله صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة. . . " أخرجه البخاري (2 / 192 - الفتح - ط السلفية) .
(4) مغني المحتاج 1 / 253، 254، ونهاية المحتاج 2 / 168، والمغني لابن قدامة 2 / 226.
(5) الزيلعي 1 / 140، وفتح القدير 1 / 310، 311، والدسوقي 1 / 329، والمغني لابن قدامة 1 / 228، وكشاف القناع 1 / 480.
(6) قول الشعبي: " لا يؤم الغلام حتى يحتلم. . . " أخرجه ابن أبي شيبة (1 / 349 - ط السلفية) .

الْمُمَيِّزِ، وَلَوْ كَانَتِ الصَّلاَةُ فَرْضًا، لِلاِعْتِدَادِ بِصَلاَتِهِ (1) ، لأَِنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ " كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ (2) . لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ الاِقْتِدَاءِ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.
هَذَا فِي صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ، أَمَّا فِي النَّافِلَةِ فَجَازَ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَفِي الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ لأَِنَّ نَفْل الصَّغِيرِ دُونَ نَفْل الْبَالِغِ، حَيْثُ لاَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالإِْفْسَادِ، وَلاَ يُبْنَى الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، كَمَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ. (3) .

اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ:
35 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ مُفْتَرِضٍ بِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ غَيْرَ فَرْضِ الْمَأْمُومِ، فَلاَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ يُصَلِّي ظُهْرًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي عَصْرًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلاَ عَكْسُهُ، وَلاَ اقْتِدَاءُ مَنْ يُصَلِّي أَدَاءً بِمَنْ يُصَلِّي قَضَاءً، لأَِنَّ الاِقْتِدَاءَ بِنَاءُ تَحْرِيمَةِ الْمُقْتَدِي عَلَى تَحْرِيمَةِ الإِْمَامِ، وَهَذَا يَقْتَضِي اتِّحَادَ صَلاَتَيْهِمَا، كَمَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ الاِقْتِدَاءِ.
وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا تَوَافَقَ نَظْمُ صَلاَتَيْهِمَا فِي الأَْفْعَال الظَّاهِرَةِ، فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا مِنْ الأَْوْقَاتِ الْخَمْسَةِ بِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا
__________
(1) نهاية المحتاج 2 / 168.
(2) حديث: " كان عمرو بن سلمة يؤم قومه. . . . " أخرجه البخاري (8 / 22 الفتح - ط السلفية) .
(3) الزيلعي 1 / 140، والدسوقي 1 / 339، والمغني لابن قدامة 1 / 229.

آخَرَ مِنْهُمَا أَدَاءً وَقَضَاءً، مَعَ تَفْصِيلٍ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ (1) .

اقْتِدَاءُ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ وَعَكْسُهُ:
36 - يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ فِي الْوَقْتِ وَخَارِجَ الْوَقْتِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، فَإِذَا أَتَمَّ الإِْمَامُ الْمُسَافِرُ صَلاَتَهُ يَقُول لِلْمُصَلِّينَ خَلْفَهُ: أَتِمُّوا صَلاَتَكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ. فَيَقُومُ الْمُقْتَدِي الْمُقِيمُ لِيُكْمِل صَلاَتَهُ. وَيُعْتَبَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْمَسْبُوقِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
كَذَلِكَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ فِي الْوَقْتِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُ صَلاَتِهِ أَرْبَعًا مُتَابَعَةً لِلإِْمَامِ. (2) أَمَّا اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ خَارِجَ الْوَقْتِ فَلاَ يَجُوزُ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الْمُسَافِرَ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ تَقَرَّرَ أَنَّ فَرْضَهُ رَكْعَتَانِ فَيَكُونُ اقْتِدَاءُ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ فِي حَقِّ قَعْدَةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ بِاقْتِدَائِهِ فِي شَفْعٍ أَوَّلٍ أَوْ ثَانٍ. (3)

اقْتِدَاءُ السَّلِيمِ بِالْمَعْذُورِ:
37 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ السَّلِيمِ بِالْمَعْذُورِ، كَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْل، وَاسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ، وَانْفِلاَتُ الرِّيحِ، وَكَذَا الْجُرْحُ السَّائِل، وَالرُّعَافُ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ، لأَِنَّ أَصْحَابَ الأَْعْذَارِ
__________
(1) فتح القدير 1 / 224، وابن عابدين 1 / 0 39، والدسوقي 1 / 333، 339، وجواهر الإكليل 1 / 80، وكشاف القناع 1 / 485، والمغني لابن قدامة 2 / 227، ومغني المحتاج 1 / 252، ونهاية المحتاج 2 / 205، 207.
(2) الفتاوى الهندية 1 / 85، وجواهر الإكليل 1 / 87 - 90، وكشاف القناع 1 / 474، ومغني المحتاج 1 / 269.
(3) ابن عابدين 1 / 391.

يُصَلُّونَ مَعَ الْحَدَثِ حَقِيقَةً، لَكِنْ جُعِل الْحَدَثُ الْمَوْجُودُ فِي حَقِّهِمْ كَالْمَعْدُومِ، لِلْحَاجَةِ إِلَى الأَْدَاءِ فَلاَ يَتَعَدَّاهُمْ، لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَلأَِنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالاً مِنَ الْمَعْذُورِ، وَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ ضَامِنٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَضْمَنُ صَلاَتُهُ صَلاَةَ الْمُقْتَدِي، وَالشَّيْءُ لاَ يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: يَصِحُّ اقْتِدَاءُ السَّلِيمِ بِصَاحِبِ السَّلَسِ، وَالطَّاهِرَةِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ، لِصِحَّةِ صَلاَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ. (2)
وَجَوَازُ اقْتِدَاءِ السَّلِيمِ بِالْمَعْذُورِ هُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ، لأَِنَّهُ إِذَا عُفِيَ عَنِ الأَْعْذَارِ فِي حَقِّ صَاحِبِهَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ إِمَامَةِ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ لِلأَْصِحَّاءِ. (3)
وَقَدْ نَقَل فِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل عَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي جَوَازِ أَوْ عَدَمِ جَوَازِ اقْتِدَاءِ السَّلِيمِ بِالْمَعْذُورِ قَوْلَيْنِ. وَاسْتَدَل لِلْجَوَازِ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ إِمَامًا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجِدُ ذَلِكَ (أَيْ سَلَسَ الْمَذْيِ) وَلاَ يَنْصَرِفُ (4)
وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ صَاحِبِ الْعُذْرِ بِمِثْلِهِ مُطْلَقًا، أَيْ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْعُذْرُ، أَوْ إِنْ اتَّحَدَ عُذْرُهُمَا عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (عُذْر) . .

اقْتِدَاءُ الْمُكْتَسِي بِالْعَارِي:
38 - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ
__________
(1) فتح القدير 1 / 318، والزيلعي 1 / 140، والفتاوى الهندية 1 / 84، ومغني المحتاج 1 / 241، وكشاف القناع 1 / 476، والمغني لابن قدامة 2 / 225.
(2) مغني المحتاج 1 / 241.
(3) جواهر الإكليل 1 / 78، والدسوقي 1 / 330.
(4) التاج والإكليل بهامش الحطاب 2 / 104.

وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) بِعَدَمِ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُكْتَسِي (أَيْ مَسْتُورِ الْعَوْرَةِ) بِالْعَارِي، لأَِنَّ الْمُقْتَدِيَ أَقْوَى حَالاً مِنَ الإِْمَامِ، فَيَلْزَمُ اقْتِدَاءُ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ.
وَلأَِنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ، فَأَشْبَهَ اقْتِدَاءَ الْمُعَافَى بِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْل. (1)
حَتَّى إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنْ وَجَدُوا ثَوْبًا صَلَّوْا بِهِ أَفْذَاذًا لاَ يَؤُمُّهُمْ بِهِ أَحَدٌ. (2)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمَسْتُورِ بِالْعَارِي، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي جَوَازِ اقْتِدَاءِ السَّلِيمِ بِالْمَعْذُورِ. (3)
أَمَّا اقْتِدَاءُ الْعَارِي بِالْعَارِي فَيَجُوزُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا الْجَوَازَ بِمَا إِنْ اجْتَمَعُوا بِظَلاَمٍ، وَإِلاَّ تَفَرَّقُوا وَصَلَّوْا أَفْذَاذًا مُتَبَاعِدِينَ. (4)

اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالأُْمِّيِّ:
39 - لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالأُْمِّيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ) لأَِنَّ الإِْمَامَ ضَامِنٌ وَيَتَحَمَّل الْقِرَاءَةَ عَنِ الْمَأْمُومِ، وَلاَ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الأُْمِّيِّ، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَلأَِنَّهُمَا تَارِكَانِ لِشَرْطٍ يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ، وَالْمُرَادُ بِالأُْمِّيِّ هُنَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: مَنْ لاَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الصَّلاَةُ.
وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالأُْمِّيِّ فِي الْقَدِيمِ مِنْ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 370. والمغني لابن قدامة 2 / 225.
(2) المواق على هامش الحطاب 1 / 507.
(3) مغني المحتاج 1 / 241.
(4) نفس المراجع.

مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، فِي الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ دُونَ الْجَهْرِيَّةِ، وَذَهَبَ الْمُزَنِيُّ إِلَى صِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ بِهِ مُطْلَقًا. (1)
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى بُطْلاَنِ صَلاَةِ الْقَارِئِ إِذَا اقْتَدَى بِالأُْمِّيِّ، لِعَدَمِ صِحَّةِ بِنَاءِ صَلاَتِهِ عَلَى صَلاَةِ الأُْمِّيِّ، كَذَلِكَ تَبْطُل صَلاَةُ الأُْمِّيِّ الَّذِي أَمَّ الْقَارِئَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ لِفَقْدِ شَرْطٍ يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ. (2)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: إِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا، فَإِنْ كَانَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ كَانَ الأُْمِّيُّ عَنْ يَمِينِهِ وَالْقَارِئُ عَنْ يَسَارِهِ صَحَّتْ صَلاَةُ الإِْمَامِ وَالأُْمِّيِّ الْمَأْمُومِ، وَبَطَلَتْ صَلاَةُ الْقَارِئِ لاِقْتِدَائِهِ بِأُمِّيٍّ. وَإِنْ كَانَا خَلْفَهُ، أَوِ الْقَارِئُ وَحْدَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالأُْمِّيُّ عَنْ يَسَارِهِ فَسَدَتْ صَلاَةُ الْقَارِئِ لاِقْتِدَائِهِ بِالأُْمِّيِّ، وَتَبْطُل صَلاَةُ الأُْمِّيِّ الْمَأْمُومِ (3) لِكَوْنِهِ فَذًّا خَلْفَ الإِْمَامِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ عِنْدَهُمْ.
هَذَا، وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأُْمِّيِّ بِمِثْلِهِ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (4) .

اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ بِالْعَاجِزِ عَنْ رُكْنٍ:
40 - لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى رُكْنٍ، كَالرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ أَوِ الْقِيَامِ، بِمَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ
__________
(1) فتح القدير 1 / 319، والدسوقي 1 / 328، وجواهر الإكليل 1 / 78، وكشاف القناع 1 / 481، ومغني المحتاج 1 / 239، 242.
(2) المراجع السابقة.
(3) كشاف القناع 1 / 481.
(4) نفس المراجع.

وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الإِْمَامَ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ فَلَمْ يَصِحَّ الاِقْتِدَاءُ بِهِ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ إِلاَّ بِمِثْلِهِ، وَلِعَدَمِ جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ كَمَا مَرَّ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اسْتَثْنَوْا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَال عِلَّتِهِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُقْتَدِرُونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا أَوْ قِيَامًا عِنْدَهُمْ. (1)
وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ قَائِمٍ بِقَاعِدٍ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَجَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَاعِدُ قَادِرًا عَلَى الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ، (2) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى آخِرَ صَلاَتِهِ قَاعِدًا وَالْقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ. (3)
وَاخْتَلَفُوا فِي اقْتِدَاءِ الْمُسْتَوِي خَلْفَ الأَْحْدَبِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِهِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَلاَّ تَبْلُغَ حَدَبَتُهُ حَدَّ الرُّكُوعِ، وَيُمَيَّزُ قِيَامُهُ عَنْ رُكُوعِهِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَمَنَعَهُ الْحَنَابِلَةُ مُطْلَقًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ يُصَلِّي بِالإِْيمَاءِ فَلاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِ أَوِ الرَّاكِعِ أَوِ السَّاجِدِ خَلْفَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ عَدَا زُفَرَ، وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ قَاسُوا الْمُضْطَجِعَ وَالْمُسْتَلْقِيَ عَلَى الْقَاعِدِ.
__________
(1) الدسوقي 1 / 328، والحطاب 2 / 197، وجواهر الإكليل 1 / 78، وكشاف القناع 1 / 477، والمغني 2 / 223، وابن عابدين 1 / 396.
(2) الهداية مع الفتح 1 / 321، وابن عابدين 1 / 396، ومغني المحتاج 1 / 240.
(3) حديث عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى آخر صلاته. . . " أخرجه البخاري (2 / 166 - الفتح ط السلفية) .

وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُومِئِ بِمِثْلِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ، لأَِنَّ الإِْيمَاءَ لاَ يَنْضَبِطُ، فَقَدْ يَكُونُ إِيمَاءُ الْمَأْمُومِ أَخْفَضَ مِنْ إِيمَاءِ الإِْمَامِ، وَقَدْ يَسْبِقُهُ الْمَأْمُومُ فِي الإِْيمَاءِ، وَهَذَا يَضُرُّ. (1)

الاِقْتِدَاءُ بِالْفَاسِقِ:
41 - الْفَاسِقُ: مَنْ فَعَل كَبِيرَةً، أَوْ دَاوَمَ عَلَى صَغِيرَةٍ (2) . وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ الاِقْتِدَاءِ بِالْفَاسِقِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، أَمَّا الْجَوَازُ فَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: صَلُّوا خَلْفَ كُل بَرٍّ وَفَاجِرٍ (3) ، وَلِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ " كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ عَلَى ظُلْمِهِ (4) . وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الشُّرُوطِ (5) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ -: لاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ فَاسِقٍ بِفِعْلٍ، كَزَانٍ وَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ وَنَمَّامٍ وَنَحْوِهِ، أَوِ اعْتِقَادٍ، كَخَارِجِيٍّ أَوْ رَافِضِيٍّ وَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا
__________
(1) فتح القدير 1 / 220، وابن عابدين 1 / 396، والدسوقي 1 / 328، ومغني المحتاج 1 / 340، والمغني لابن قدامة 2 / 223، 224، وكشاف القناع 1 / 476، 477.
(2) ابن عابدين 1 / 376، وقليوبي 3 / 227، وكشاف القناع 1 / 475.
(3) حديث: " صلوا خلف كل بر وفاجر " أخرجه أبو داود (1 / 398 - ط عزت عبيد دعاس) والدارقطني (2 / 56 - دار المحاسن) واللفظ له وأعله ابن حجر بالانقطاع (التلخيص 2 / 35 - دار المحاسن) .
(4) حديث أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج. . . أخرجه ابن أبي شيبة (2 / 378 - ط السلفية) .
(5) الفتاوى الهندية 1 / 85، وابن عابدين 1 / 376، ونهاية المحتاج 2 / 174.

كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ} (1) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلاَ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلاَ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلاَّ أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ (2) .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى الْمُعْتَمَدَةِ بَيْنَ الْفَاسِقِ بِجَارِحَةٍ كَزَانٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ، وَبَيْنَ مَنْ يَتَعَلَّقُ فِسْقُهُ بِالصَّلاَةِ، كَأَنْ يَقْصِدَ بِتَقَدُّمِهِ الْكِبْرَ، أَوْ يُخِل بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ، أَوْ سُنَّةٍ عَمْدًا، فَقَالُوا بِجَوَازِ الاِقْتِدَاءِ بِالأَْوَّل دُونَ الثَّانِي. (3)
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَمَّا فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ فَيَجُوزُ الاِقْتِدَاءُ بِالْفَاسِقِ اتِّفَاقًا، لأَِنَّهُمَا يَخْتَصَّانِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ، فَالْمَنْعُ مِنْهُمَا خَلْفَهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِهِمَا دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ (4) . .

الاِقْتِدَاءُ بِالأَْعْمَى وَالأَْصَمِّ وَالأَْخْرَسِ:
42 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ بِالأَْعْمَى وَالأَْصَمِّ، لأَِنَّ الْعَمَى وَالصَّمَمَ لاَ يُخِلاَّنِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَال الصَّلاَةِ، وَلاَ بِشُرُوطِهَا. لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ إِمَامَةِ الأَْعْمَى، كَمَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَفْضَلِيَّةِ إِمَامَةِ الْبَصِيرِ الْمُسَاوِي لِلأَْعْمَى فِي الْفَضْل، لأَِنَّهُ أَشَدُّ تَحَفُّظًا مِنَ
__________
(1) سورة السجدة / 18.
(2) كشاف القناع 1 / 474. وحديث: " لا تؤمن امرأة رجلا. . " أخرجه ابن ماجه (1 / 343 - ط الحلبي) قال ابن حجر: فيه حميد بن محمد العدوي عن علي بن زيد بن جدعان، والعدوي اتهمه وكيع بوضع الحديث وشيخه ضعيف (التلخيص 2 / 32 ط دار المحاسن) .
(3) الدسوقي 1 / 326، وجواهر الإكليل 1 / 58
(4) المراجع السابقة.

النَّجَاسَاتِ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الأَْعْمَى وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ لِتَعَارُضِ فَضْلَيْهِمَا، لأَِنَّ الأَْعْمَى لاَ يَنْظُرُ مَا يَشْغَلُهُ فَهُوَ أَخْشَعُ، وَالْبَصِيرُ يَنْظُرُ الْخَبَثَ فَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَجَنُّبِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الأَْعْمَى لاَ يَتَبَذَّل، أَمَّا إِذَا تَبَذَّل أَيْ تَرَكَ الصِّيَانَةَ عَنِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ، كَأَنْ لَبِسَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ، كَانَ الْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْهُ. (2)
أَمَّا الأَْخْرَسُ فَلاَ يَجُوزُ الاِقْتِدَاءُ بِهِ، لأَِنَّهُ يَتْرُكُ أَرْكَانَ الصَّلاَةِ مِنَ التَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ. حَتَّى إِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ صَرَّحُوا بِعَدَمِ جَوَازِ الاِقْتِدَاءِ بِالأَْخْرَسِ، وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي مِثْلَهُ، (3) وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الأَْخْرَسَ أَسْوَأُ حَالاً مِنَ الأُْمِّيِّ، لِقُدْرَةِ الأُْمِّيِّ عَلَى التَّحْرِيمَةِ دُونَ الأَْخْرَسِ، فَلاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأُْمِّيِّ بِالأَْخْرَسِ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ (4) .

الاِقْتِدَاءُ بِمَنْ يُخَالِفُهُ فِي الْفُرُوعِ:
43 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ بِإِمَامٍ يُخَالِفُ الْمُقْتَدِيَ فِي الْفُرُوعِ، إِذَا كَانَ الإِْمَامُ يَتَحَامَى مَوَاضِعَ الْخِلاَفِ، بِأَنْ يَتَوَضَّأَ مِنَ الْخَارِجِ النَّجَسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَالْفَصْدِ مَثَلاً، وَلاَ يَنْحَرِفُ عَنِ الْقِبْلَةِ انْحِرَافًا فَاحِشًا، وَيُرَاعِي الدَّلْكَ وَالْمُوَالاَةَ فِي الْوُضُوءِ، وَالطُّمَأْنِينَةَ فِي الصَّلاَةِ. (5)
وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ مُخَالِفٍ فِي الْمَذْهَبِ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 399، والدسوقي 1 / 333، وكشاف القناع 1 / 476، والمغني لابن قدامة 2 / 195.
(2) مغني المحتاج 1 / 441.
(3) الشرواني على التحفة 2 / 285، وكشاف القناع 1 / 476، والمغني لابن قدامة 2 / 194.
(4) ابن عابدين 1 / 399.
(5) الفتاوى الهندية 1 / 84، وابن عابدين 1 / 378، 379، والدسوقي 1 / 333، وجواهر الإكليل 1 / 80، ومغني المحتاج 1 / 238، وكشاف القناع 1 / 478.

إِذَا كَانَ لاَ يُعْلَمُ مِنْهُ الإِْتْيَانُ بِمَا يُفْسِدُ الصَّلاَةَ عِنْدَ الْمُقْتَدِي بِيَقِينٍ، لأَِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَزَل بَعْضُهُمْ يَقْتَدِي بِبَعْضٍ مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْفُرُوعِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ وَحْدَةِ الصَّفِّ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
أَمَّا إِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي أَنَّ الإِْمَامَ أَتَى بِمَانِعٍ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ، وَلَيْسَ مَانِعًا فِي مَذْهَبِهِ، كَتَرْكِ الدَّلْكِ وَالْمُوَالاَةِ فِي الْوُضُوءِ، أَوْ تَرَكَ شَرْطًا فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْمَأْمُومِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - بِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ، لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي شُرُوطِ الصَّلاَةِ مَذْهَبُ الإِْمَامِ لاَ الْمَأْمُومِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمَتْرُوكُ رُكْنًا دَاخِلاً فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، كَتَرْكِ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ.
وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي، لأَِنَّهُ يَعْتَقِدُ فَسَادَ صَلاَةِ إِمَامِهِ، فَلاَ يُمْكِنُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَيَقَّنَ الْمُقْتَدِي تَرْكَ الإِْمَامِ مُرَاعَاةَ الْفُرُوضِ عِنْدَ الْمُقْتَدِي لَمْ يَصِحَّ الاِقْتِدَاءُ، وَإِنْ عَلِمَ تَرْكَهُ لِلْوَاجِبَاتِ فَقَطْ يُكْرَهُ، أَمَّا إِنْ عَلِمَ مِنْهُ تَرْكَ السُّنَنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، لأَِنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، فَتُقَدَّمُ عَلَى تَرْكِ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِرَأْيِ الْمُقْتَدِي - وَهُوَ الأَْصَحُّ - وَقِيل: لِرَأْيِ الإِْمَامِ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ. قَال فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الأَْقْيَسُ، وَعَلَيْهِ فَيَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ، وَإِنْ كَانَ الإِْمَامُ لاَ يَحْتَاطُ (1) .
__________
(1) ابن عابدين 1 / 378.

الاِقْتِدَاءُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ

44 - الاِقْتِدَاءُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ - بِمَعْنَى التَّأَسِّي وَالاِتِّبَاعِ - يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ الْمُقْتَدَى بِهِ، فَالاِقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ (بِحَسَبِ حُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْل) ، وَالاِقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِبِلِّيَّةِ حُكْمُهُ الإِْبَاحَةُ، وَالاِقْتِدَاءُ بِالْمُجْتَهِدِ فِيمَا اجْتَهَدَ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ مَطْلُوبٌ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاِجْتِهَادِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ. (1)
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَيِ (اتِّبَاع، وَتَأَسِّي) .

ذكر وفاة القائم بأمر الله، وتولي المقتدي بأمر الله

تاريخ دولة آل سلجوق

بلقبه عماد الدولة، وولاه ولاياته وخصه بمناجيقه وكوساته. وأجزل لأمراء العرب والأكراد نصيب الاصطفاء والاصطناع، ووفر حظه من التشريف والإطلاق والإقطاع.
ودخلت سنة 466 هـ وورد في صفر منها سعد الدولة كوهرائين إلى بغداد وجلس له الخليفة القائم بأمر الله في ثاني صفر. وقام عدة الدين المقتدى على رأسه وهو ابن ثماني عشرة سنة، وسلم الخليفة إلى كوهرائين عهد الخلافة بعد أن قرأ أوله، ومتضمنّه أنه جعل عليه في الملك معوله. وكان إذنا عاما للخاصة والعامة في الوصول، ولم يمنع في ذلك اليوم أحد من الدخول. وورد الخبر بوفاة آياز أخي السلطان وكفى أمره كما كفى أمر عمه، قلبه من شغله واستراح من همه.
قال: وفي هذه السنة غرقت بغداد ولم يسلم سوى دار الخليفة، وما في جوار سدتها الشريفة. وغرق مشهد باب التبن وانهدم سوره، وخرب معموره. فأطلق له شرف الدولة مسلم بن قريش ألف دينار، وأعيدت عمارته، وأمكنت زيارته. وورد مؤيد الملك أبو بكر عبيد الله بن نظام الملك والماء طام، وغارب دجلة ذو سنام سام.
وقد انسدت أفواه الطرق، فترك استقباله للضرورة العائقة، ودخل على غير الصورة اللائقة. فإنه ركب في سفينة وانحدر إلى باب المراتب، ولما حاذى التاج قام أداء للمواجب ولما قر في منزله، ظن أن الخليفة ما نبأ باستقباله، إلا وقد نبا عن تقبله.
ومضى إليه النقيبان وقاضي القضاة ولم يوصلهم بل ردهم، وصدفهم وصدهم. وقال: «جرى بي تهاون وعلى تعاون».
فأنفذ الخليفة إليه من أوضح له العذر، واستخلص منه بإنفاذ الخلع إليه الحمد والشكر. واستأذن الخليفة في الركوب بباب المراتب فأذن له، وأملى له في كل نجح أمله. قال: وورد عميد الدولة أبو منصور بن الوزير فخر الدولة من الري مشمولا من جلال الدولة ملكشاه بالإجلال، وترك استقباله لما اتفق في حق مؤيد الملك من ترك الاستقبال. وفي آخر هذه السنة، توفي زعيم الملك أبو الحسن بن عبد الرحيم في الحلة المزيدية، وكان مرشحا للمناصب السامية السنية.
ذكر وفاة القائم بأمر الله، وتولي المقتدي بأمر الله
قال: وكانت وفاته ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة 467 هـ، وقد كان

المقتدر بالله جعفر بن المعتضد 295 هـ ـ 319 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المقتدر بالله جعفر بن المعتضد 295 هـ ـ 319 ه

المقتدر بالله : أبو الفضل جعفر بن المعتضد ولد في رمضان سنة اثنتين و ثمانين و مائتين و أمه رومية و قيل : تركية اسمها غريب و قيل : شغب

و لما اشتدت علة أخيه المكتفي سأل عنه فصح عنه أنه احتلم فعهد إليه و لم يل الخلافة قبله أصغر منه فإنه وليها و له ثلاثة عشر سنة فاستصباه الوزير العباس بن الحسن فعمل على خلعه و وافقه جماعة على أن يولوا عبد الله بن المعتز فأجاب ابن المعتز بشرط أن لا يكون فيها دم فبلغ المقتدر ذلك فأصلح حال العباس و دفع إليه أموالا أرضته فرجع عن ذلك و أما الباقون فإنهم ركبوا عليه في العشرين من ربيع الأول سنة ست و المقتدر يلعب الأكرة فهرب و دخل و أغلقت الأبواب و قتل الوزير و جماعة و أرسل إلى ابن المعتز فجاء و حضر القواد و القضاة و الأعيان و بايعوه بالخلافة و لقبوه [ الغالب بالله ] فاستوزر محمد بن داود بن الجراح و استقضى أبا المثنى أحمد بن يعقوب و نفذت الكتب بخلافة ابن المعتز

قال المعافى بن زكريا الجريري : لما خلع المقتدر و بويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري فقال : ما الخبر ؟ قيل : بويع ابن المعتز قال : فمن رشح للوزارة ؟ قيل : محمد بن داود قال : فمن ذكر للقضاة ؟ قيل : أبو المثنى فأطرق ثم قال : هذا الأمر لا يتم قيل له : و كيف ؟ قال : كل واحد ممن سميتم متقدم في معناه عالي الرتبة و الزمان مدبر و الدنيا مولية و ما أرى هذا إلا إلى اضمحلال و ما أرى لمدته طولا

و بعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر لكي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة فأجاب و لم يكن بقي معه إلا طائفة يسيرة فقالوا : يا قوم نسلم هذا الأمر و لا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا فلبسوا السلاح و قصدوا المخرم و به ابن المعتز فلما رآهم من حوله ألقى الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا منهزمين بلا قتال و هرب ابن المعتز و وزيره و قاضيه و وقع النهب و القتل في بغداد و قبض المقتدر على الفقهاء و الأمراء الذين خلعوه و سلموا إلى يونس الخازن فقتلهم إلا أربعة منهم القاضي أبو عمر سلموا من القتل و حبس ابن المعتز ثم أخرج فيما بعد ميتا و استقام الأمر للمقتدر فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات فسار أحسن سير و كشف المظالم و حض المقتدر على العدل ففوض إليه الأمور لصغره و اشتغل باللعب و اللهو و أتلف الخزائن

و في هذه السنة أمر المقتدر أن لا يستخدم اليهود و النصارى و أن يركبوا بالأكف

و فيها غلب أمر المهدي بالمغرب و سلم عليه بالإمامة و دعي له بالخلافة و بسط في الناس العدل و الإحسان فانحرفوا إليه و تمهدت له المغرب و عظم ملكه و بنى المهدية و هرب أمير إفريقية زيادة الله بن الأغلب إلى مصر ثم أتى العراق و خرجت المغرب عن أمر بني العباس من هذا التاريخ فكانت مدة ملكهم جميع الممالك الإسلامية مائة و بضعا و ستين سنة و من هنا دخل النقص عليهم

قال الذهبي : اختل النظام كثيرا في أيام المقتدر لصغره

و في سنة ثلاثمائة ساخ جبل بالدينور في الأرض و خرج من تحته ماء كثير أغرق القرى

و فيها ولدت بغلة فلوا فسبحان القادر على ما يشاء !

و في سنة إحدى و ثلاثمائة ولي الوزارة علي بن عيسى فسار بعفة و عدل و تقوى و أبطل الخمور و أبطل من المكوس ما ارتفاعه في العام خمسمائة ألف دينار

و فيها أعيد القاضي أبو عمر إلى القضاء و ركب المقتدر من داره إلى الشماسية و هي أول ركبة ركبها و ظهر فيها للعامة

و فيها أدخل الحسين الحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد فصلب حيا و نودي عليه : هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع و أشيع عنه أنه ادعى الإلهية و أنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف و يكتب إلى أصحابه من النور الشعشعاني و نوظر فلم يوجد عنده شيء من القرآن و لا الحديث و لا الفقه

و فيها سار المهدي الفاطمي يريد مصر في أربعين ألفا من البربر فحال النيل بينه و بينها فرجع إلى الإسكندرية و أفسد فيها و قتل ثم رجع فسار إلى جيش المقتدر إلى برقة و جرت لهم حروب ثم ملك الفاطمي الإسكندرية و الفيوم من هذا العام

و في سنة اثنتين ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار و ختن معهم طائفة من الأيتام و أحسن إليهم

و فيها صلي العيد في جامع مصر و لم يكن يصلي فيه العيد قبل ذلك فخطب بالناس علي بن أبي شيخة من الكتاب نظرا و كان من غلطه أن قال : اتقوا الله حق تقاته و لا تموين إلا و أنتم مشركون

و فيها أسلم الديلم على يد الحسن بن علي العلوي الأطروش و كان مجوسيا

و في سنة أربع وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له الزيزب ذكر الناس أنهم يرونه بالليل على الأسطحة و أنه يأكل الأطفال و يقطع ثدي المرأة فكانوا يتحارسون و يضربون بالطاسات ليهرب و اتخذ الناس لأطفالهم مكاب و دام عدة ليال

و في سنة خمس قدمت رسل ملك الروم بهدايا و طلبت عقد هدنة فعمل المقتدر موكبا عظيما فأقام العسكر وصفهم بالسلاح ـ و هم مائة و ستون ألفا ـ من باب الشماسية إلى دار الخلافة و بعدهم الخدام و هم سبعة آلاف خادم و يليهم الحجاب و هم سبعمائة حاجب و كانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ثمانية و ثلاثين ستر من الديباج و البسط اثنين و عشرين ألفا و في الحضرة مائة سبع في السلاسل إلى غير ذلك

و في هذه السنة وردت هدايا صاحب عمان و فيها طير أسود يتكلم بالفارسية و الهندية أفصح من الببغا

و في سنة ست فتح مارستان أم المقتدر و كان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار

و فيها صار الأمر و النهي لحرم الخليفة و لنسائه لركاكته و آل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر بمثل القهرمانة أن تجلس للمظالم و تنظر في رقاع الناس كل جمعة فكانت تجلس و تحضر القضاة و الأعيان و تبرز التواقيع و عليها خطها

و فيها عاد القائم محمد بن المهدي الفاطمي إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد

و في سنة ثمان غلت الأسعار ببغداد و سغبت العامة لكون حامد بن العباس ضمن السواد و جدد المظالم و وقع النهب و ركب الجند فيها و شتتهم العامة و دام القتال أياما و أحرق العامة الحبس و فتحوا السجون و نهبوا الناس و رجموا الوزير و اختلفت أحوال الدولة العباسية جدا

و فيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط و اشتد قلق أهل مصر و تأهبوا للحروب و جرت أمور و حروب يطول شرحها

و في سنة تسع قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمر و الفقهاء و العلماء أنه حلال الدم و له في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتنصيف

و في سنة إحدى عشرة أمر المقتدر برد المورايث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام

و في سنة ثنتي عشرة فتحت فرغانة على يد والي خراسان

و في سنة أربع عشرة دخلت الروم ملطية بالسيف

و فيها جمدت دجلة بالموصل و عبرت عليها الدواب و هذا لم يعهد

و في سنة خمس عشرة دخلت الروم دمياط و أخذوا من فيها و ما فيها و ضربوا الناقوس في جامعها

و فيها ظهرت الديلم على الري و الجبال فقتل خلق و ذبحت الأطفال

و في سنة ست عشرة بني القرمطي دارا سماها [ دار الهجرة ] و كان في هذه السنين قد كثر فساده و أخذه البلاد و فتكه بالمسلمين و اشتد الخطب به و تمكنت هيبته في القلوب و كثر أتباعه و بث السريا و تزلزل له الخليفة و هزم جيش المقتدر غير مرة و انقطع الحج في هذه السنين خوفا من القرامطة و نزح أهل مكة عنها و قصدت الروم ناحية خلاط و أخرجوا المنبر من جامعها و جعلوا الصليب مكانه

و في سنة سبع عشرة خرج مؤنس الخادم الملقب بالمظفر على المقتدر لكونه بلغه أنه يريد أن يولي إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان مؤنس و ركب معه سائر الجيش و الأمراء و الجنود و جاؤوا إلى دار الخلافة فهربت خواص المقتدر و أخرج المقتدر بعد العشاء و ذلك في ليلة رابع عشر المحرم من داره و أمه و خالته و حرمه و نهب لأمه ستمائة ألف دينار و أشهد عليه بالخلع و أحضر محمد بن المعتضد و بايعه مؤنس و الأمراء و لقبوه [ القاهر بالله ] و فوضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة و ذلك يوم السبت و جلس القاهر يوم الأحد و كتب الوزير عنه إلى البلاد و عمل الموكب يوم الاثنين فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة و رزق السنة و لم يكن مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة فحملوه على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة و أخذ القاهر فجيء به و هو يبكي و يقول : الله الله في نفسي فاستدناه و قبله و قال له : يا أخي أنت و الله لا ذنب لك و الله لا جرى عليك مني سوء أبدا فطب نفسا و سكن الناس و عاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعود الخلافة إلى خلافته و بذل المقتدر الأموال في الجند

و في هذه السنة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا و طرح القتلى في بئر زمزم و ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه و أقام بها أحد عشر يوما ثم رحلوا و بقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة و دفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع

و قيل : إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن

قال محمد بن الربيع بن سليمان : كنت بمكة سنة القرامطة فصعد رجل لقلع الميزاب و أنا أراه فعيا صبري و قلت : يا رب ما أحلمك فسقط الرجل على دماغه فمات و صعد القرمطي على باب الكعبة و هو يقول :

( أنا بالله و بالله أنا ... يخلق الخلق و أفنيهم أنا )

و لم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها و تقطع جسده بالجدري

و في هذه السنة هاجت فتنة كبرى ببغداد بسبب قوله تعالى : {{ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }} فقالت الحنابلة : معناها يقعده الله على عرشه و قال غيرهم : بل هي الشفاعة و دام الخصام و اقتتلوا جماعة كثيرة

و في سنة تسع عشرة نزل القرمطي الكوفة و خاف أهل بغداد من دخوله إليها فاستغاثوا و رفعوا أصواتهم و المصاحف و سبوا المقتدر

و فيها دخلت الديلم الدينور فسبوا و قتلوا

و في سنة عشرين ركب مؤنس على المقتدر فكان معظم جند مؤنس البربر فلما التقى الجمعان رمى بربري المقتدر بحربة سقط منها إلى الأرض ثم ذبحه بالسيف و شيل رأسه على رمح و سلب ما عليه و بقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش ثم حفر له بالموضع و دفن و ذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال

و قيل : إن وزيره أخذ له ذلك اليوم طالعا فقال له المقتدر : أي وقت هو قال : وقت الزوال فتطير و هم بالرجوع فأشرفت خيل مؤنس و نشبت الحرب و أما البربري الذي قتله فإن الناس صاحوا عليه فسار نحو دار الخلافة ليخرج القاهر فصادفه حمل شوك فزحمه إلى دكان لحام فعلقه كلاب و خرج الفرس من مشواره من تحته فمات فحطه الناس و أحرقوه بالحمل الشوك

و كان المقتدر جيد العقل صحيح الرأي لكنه كان مؤثرا للشهوات و الشراب مبذرا و كان النساء غلبن عليه فأخرج عليهن جميع جواهر الخلافة و نفائسها و أعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة و وزنها ثلاثة مثاقيل و أعطى زيدان القهرمان سبحة جوهر لم ير مثلها و أتلف أموالا كثيرة و كان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة و الروم و السود و خلف اثني عشر ولدا ذكر و ولي الخلافة من أولاده ثلاثة : الراضي و المتقي و المطيع و كذلك اتفق للمتوكل و الرشيد و أما عبد الملك فولي الأمر من أولاده أربعة و لا نظير لذلك إلا في الملوك كذا قال الذهبي

قلت : في زماننا ولي الخلافة من أولاد المتوكل خمسة : المستعين العباس و المعتضد داود و المستكفي سليمان و القائم حمزة و المستنجد يوسف و لا نظير لذلك

و في لطائف المعارف للثعالبي ـ نادرة : لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا المتوكل و المقتدر فقتلا جميعا : المتوكل ليلة الأربعاء و المقتدر يوم الأربعاء

و من محاسن المقتدر ما حكاه ابن شاهين أن وزيره علي بن عيسى أراد أن يصلح بين ابن صاعد و بين أبي بكر بن أبي داود السجستاني فقال الوزير : يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه قال : لا أفعل فقال الوزير : أنت شيخ زيف فقال ابن أبي داود : الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : من ؟ فقال : هذا ثم قام ابن أبي داود و قال : تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل إلي على يدك و الله لا أخذت من يدك شيئا أبدا فبلغ المقتدر ذلك فصار يزن رزقه بيده و يبعث به في طبق على يد الخادم

مات في أيام المقتدر من الأعلام : محمد بن أبي داود الظاهري و يوسف بن يعقوب القاضي و ابن شريح شيخ الشافعية و الجنيد شيخ الصوفية و أبو عثمان الحيري الزاهد و أبو بكر البرديجي و جعفر الفريابي و ابن بسام الشاعر و النسائي صاحب السنن و الجبائي شيخ المعتزلة و ابن المواز النحوي و ابن الجلاء شيخ الصوفية و أبو يعلى الموصلي صاحب المسند و الأشناني المقرئ و أبن سيف من كبار قراء مصر و أبو بكر الروياني صاحب المسند و ابن المنذر الإمام و ابن جريري الطبري و الزجاج النحوي و ابن خزيمة و ابن زكريا الطبيب و الأخفش الصغير و بنان الجمال و أبو بكر بن أبي داود السجستاني و ابن السراج النحوي و أبو عوانة صاحب الصحيح و أبو القاسم البغوي المسند و أبو عبيد بن حربوية و الكعبي شيخ المعتزلة و أبو عمر القاضي و قدامة الكاتب و خلائق آخرون

الراضي بالله محمد بن المقتدر بن المعتضد 322هـ ـ 329 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

الراضي بالله محمد بن المقتدر بن المعتضد 322هـ ـ 329 ه

الراضي بالله : أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل

ولد سنة سبع و تسعين و مائتين و أمه أم ولد رومية اسمها ظلوم بويع له يوم خلع القاهر فأمر ابن مقلة أن يكتب كتابا في مثالب القاهر و يقرأ على الناس

و في هذا العام ـ أي عام اثنتين و عشرين و ثلاثمائة ـ من خلافته مات مرداويج مقدم الديلم بأصبهان و كان قد عظم أمره و تحدثوا أنه يريد قصد بغداد و أنه مسالم لصاحب المجوس و كان يقول : أنا أرد دولة العجم و أمحق دولة العرب

و فيها بعث علي بن بويه إلى الراضي يقاطعه على البلاد التي استولى عليها بثمان مائة ألف ألف درهم كل سنة فبعثه له لواء و خلعا ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال

و فيها مات المهدي صاحب المغرب و كانت أيامه خمسا و عشرين سنة و هو جد خلفاء المصريين الذين يسمونهم الجهلة الفاطميين فإن المهدي هذا ادعى أنه علوي و إنما جده مجوسي قال القاضي أبو بكر الباقلاني : جد عبيد الله الملقب بالمهدي مجوسي دخل عبيد الله المغرب و ادعى أنه علوي و لم يعرفه أحد من علماء النسب و كان باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام أعدم العلماء و الفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق و جاء أولاده على أسلوبه : أباحوا الخمور و الفروج و أشاعوا الرفض و قام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد

و في هذه السنة ظهر محمد بن علي الشمغاني المعروف بابن أبي القراقر و قد شاع عنه يدعي الإلهية ؟ و أنه يحيى الموتى فقتل وصلت و قتل معه جماعة من أصحابه

و فيها توفى أبو بكر جعفر السجزي أحد الحجاب قيل : بلغ من العمر مائة و أربعين سنة و حواسه جيدة

و فيها انقطع الحج من بغداد إلى سنة سبع و عشرين

و في سنة ثلاث و عشرين تمكن الراضي بالله و قلد ابنيه أبا الفضل و أنا جعفر المشرق و المغرب

و فيها كانت واقعة ابن شنبوذ المشهورة و استتابته عن القراءة بالشاذ و المحضر الذي كتب عليه و ذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة و فيها في جمادى الأولى ريح عظيمة ببغداد و اسودت الدنيا و أظلمت من العصر إلى المغرب

و فيها في ذي القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رثي مثله

و في سنة أربع و عشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط و نواحيها و حكم على البلاد و بطل أمر الوازرة و الدواوين و تولى هو الجميع و كتابه و صارت الأموال تحمل إليه و بطلت بيوت المال و بقي الراضي معه صورة و ليس من الخلافة إلا الاسم

و في سنة خمس و عشرين اختل الأمر جدا و صارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها أو عامل لا يحمل مالا و صاروا مثل ملوك الطوائف و لم يبق بيد الراضي غير بغداد و السواد مع كون يد ابن رائق عليه و لما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان و وهت أركان الدولة العباسية و تغلبت القراطمة و المبتدعة على الأقاليم قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني و قال : أنا أولى الناس بالخلافة و تسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين اله و استولى على أكثر الأندلس و كانت له الهيبة الزائدة و الجهاد و الغزو و السيرة المحمودة استأصل المتغلبين و فتح سبعين حصنا فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة : العباسي ببغداد و هذا بالأندلس و المهدي بالقيروان

و في سنة ست و عشرين خرج بحكم على ابن رائق فظهر عليه و اختفى ابن رائق فدخل بحكم بغداد فأكرمه الراضي و رفع منزلته و لقبه أمير الأمراء و قلده إمارة بغداد و خراسان

و في سنة سبع و عشرين كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي و كان يحبه أن يطلق طريق الحاج و يعطيه عن كل جمل خمسة دنانير فأذن و حج الناس و هي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج

و في سنة ثمان و عشرين بغداد غرقا عظيما حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا و غرق الناس و البهائم و انهدمت الدور

و في سنة تسع اعتل الراضي و مات في شهر ربيع الآخر و له إحدى و ثلاثون سنة و نصف و كان سمحا كريما أديبا شاعرا فصيحا محبا للعلماء و له شعر مدون و سمع الحديث من البغوي و غيره

قال الخطيب : للراضي فضائل : منها آخر خليفة له شعر مدون و آخر خليفة خطب يوم الجمعة و آخر خليفة جالس الندماء و كانت جوائزه و أموره على ترتيب المتقدمين و آخر خليفة سافر بزي القدماء و من شعره :

( كل صفو إلى كدر ... كل أمر إلى حذر )

( و مصير الشباب للـ ... موت فيه أو الكدر )

( در در المشيب من ... واعظ ينذر البشر )

( أيها الآمل الذي ... تاه في لجه الغرر )

( أين من كان قبلنا ؟ ... ذهب الشخص و الأثر )

( رب فاغفر خطيئتي ... أنت يا خير من غفر )

ذكر أبو الحسن بن زرقويه عن إسماعيل الخطبي قال : وجه إلي الراضي ليلة الفطر فجئت إليه فقال : يا إسماعيل قد عزمت في غد على الصلاة بالناس فما الذي أقول إذا انتهيت إلى لنفسي ؟ فأطرقت ساعة ثم قلت : قل يا أمير المؤمنين {{ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي }} الآية فقال لي : حسبك ثم تبعني خادم فأعطاني أربعمائة دينار

مات في أيامه من الأعلام : نفطويه و ابن مجاهد المقرئ و ابن كاس الحنفي و ابن أبي حاتم و مبرمان و ابن عبد ربه صاحب العقد و الإصطخري شيخ الشافعية و ابن شنبوذ و أبو بكر الأنباري

المتقي بالله إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد 329 هـ ـ 333 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المتقي بالله إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد 329 هـ ـ 333 ه

المتقي لله : أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل

بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي و هو ابن أربع و ثلاثين سنة و أمه أمة اسمها خلوب و قيل : زهرة و لم يغير شيئا قط و لا تسرى على جاريته التي كانت له و كان كثير الصوم و التعبد و لم يشرب نبيذا قط و كان يقول : لا أريد نديما غير المصحف و لم يكن سوى له الاسم و التدبير لأبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي كاتب بجكم

و في هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصورة و كانت تاج بغداد و مأثرة بني العباس و هي من بناء المنصور ارتفاعها ثمانون ذراعا و تحتها إيوان طوله عشرون ذراعا في عشرين ذراعا و عليها تمثال فارس بيده رمح فإذا استقبل بوجهه جهة علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر و رعد

و في هذه السنة قتل بحكم التركي فولي إمرة الأمراء مكانه كورتكين الديلمي و أخذ المتقي حواصل بحكم التي كانت ببغداد و هي زيادة على ألف ألف دينار

ثم في هذا العام ظهر ابن رائق فقاتل كورتكين ببغداد فهزم كورتكين و اختفى و ولي ابن رائق إمرة الأمراء مكانه

و في سنة كان الغلاء ببغداد فبلغ كر الحنطة ثلاثمائة و ست عشر دينارا و اشتد القحط و أكلوا الميتات و كان قحطا لم ير ببغداد مثله أبدا

و فيها خرج أبو الحسن علي بن محمد اليزيدي فخرج لقتاله الخليفة و ابن رائق فهزما و هربا إلى الموصل و نهبت بغداد و دار الخلافة فلما وصل الخليفة إلى تكريت وجد هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان أخاه الحسن و قتل ابن رائق غلية فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان و لقبه [ ناصر الدولة ] و خلع على أخيه و لقبه [ سيف الدولة ] و عاد إلى بغداد و هما معه فهرب اليزيدي إلى واسط ثم ورد الخبر في ذي القعدة أن اليزيدي يريد بغداد فاضطرب الناس و هرب وجوه أهل بغداد و خرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة و سار سيف الدولة لقتال اليزيدي فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن و هزم اليزيدي فعاد بالويل إلى واسط فساق سيف الدولة إلى واسط فانهزم اليزيدي إلى البصرة

و في سنة إحدى و ثلاثين وصلت الروم إلى أرزن و ميافارقين و نصيبين فقتلوا و سبوا ثم طلبوا منديلا في كنيسة الرها يزعمون أن المسيح مسح به وجهه فارتسمت صورته فيه على أنهم يطلقون جميع من سبوا فأرسل إليهم و أطلقوا الأسرى

و فيها هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة فهرب في البريد يريد بغداد ثم سار إلى الموصل أخوه ناصر الدولة خائفا لهرب أخيه و سار من واسط تورون فقصد بغداد و قد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل فدخل تورون بغداد في رمضان فخاع عليه المتقي و ولاه أمير الأمراء ثم وقعت الوحشة بين المتقي و تورون أبا جعفر بن شيرزاد من واسط إلى بغداد فحكم عليها و أمر و نهي فكاتب المتقي ابن حمدان بالقدوم عليه فقدم في جيش عظيم و استتر ابن شيرزاد في سار المتقي بأهله إلى تكريت و خرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب و الأكراد إلى قتال تورون فالتقيا بعكبرا فانهزم ابن حمدان و الخليفة إلى نصيبين فكتب الخليفة إلى الأخشد صاحب مصر أن يحضر إليه ثم بان له من بني حمدان الملل و الضجر فراسل الخليفة تورون في الصلح فأجاب و بالغ في الأيمان ثم حضر الأخشيد إلى المتقي و هو بالرقة و قد بلغه مصالحه تورون فقال : يا أمير المؤمنين أنا عبدك و ابن عبدك و قد عرفت الأتراك و فجورهم و غدرهم فالله في نفسك سر معي إلى مصر فهي لك و تأمن على نفسك فلم يقبل فرجع الأخشيد إلى بلاده و خرج المتقي من الرقة إلى بغداد في رابع المحرم سنة ثلاث و ثلاثين و خرج للقائه تورون فالتقيا بين الأنبار و هيت فترجل تورون و قبل الأرض فأمره المتقي بالركوب فلم يفعل و مشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له فلما نزل قبض عليه و على ابن مقلة و من معه ثم كحل الخليفة و أدخل بغداد مسمول العينين و قد أخذ منه الخاتم و البردة و القضيب و أحضر تورون عبد الله بن المكتفي و بايعه بالخلافة و لقب المستكفي بالله ثم بايعه المتقي المسمول و أشهد على نفسه بالخلع مع ذلك لعشر بقين من الحرم ـ و قيل : من صفر ـ و لما كحل قال القاهر :

( صرت و إبراهيم شيخي عمى ... لا بد للشيخين من مصدر )

( ما دام تورون له إمرة ... مطاعة فالميل في المجمر )

و لم يحل الحول على تورون حتى مات و أما المتقي فإنه أخرج إلى جزيرة مقابلة للسندية فسجن بها فأقام بالسجن خمسا و عشرين سنة إلى أن مات في شعبان سنة سبع و خمسين

و في أيام المتقي كان ابن حمدي اللص ضمنه ابن شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بها بخمسة و عشرين ألف دينار في الشهر فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل و الشمع و يأخذ الأموال و كان اسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد فأخذ و وسطه و ذلك سنة ثنتين و ثلاثين

مات في أيام المتقي من الأعلام : أبو يعقوب النهرجوري أحد أصحاب الجنيد و القاضي أبو عبد الله المحاملي و أبو بكر الفرغاني الصوفي و الحافظ أبو العباس بن عقدة و ابن ولاد النحوي و آخرون

و لما بلغ القاهر أنه سمل قال : صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث فكان كذلك شمل المستكفي

المطيع لله الفضل بن المقتدر بن المعتضد 334 هـ ـ 363 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المطيع لله الفضل بن المقتدر بن المعتضد 334 هـ ـ 363 ه

المطيع لله : أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد أمه أم ولد اسمها شغلة ولد سنة إحدى و ثلاثمائة و بويع له بالخلافة عند خلع المستكفي في جمادى الآخرة سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة و قرر له معز الدولة كل يوم نفقة مائة دينار فقط

و في هذه السنة من خلافته اشتد الغلاء ببغداد حتى أكلوا الجيف و الروث و ماتوا على الطرق و أكلت الكلاب لحومهم و بيع العقار بالرغفان و وجدت الصغار مشوية مع المساكين و اشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم و الكر سبعة عشر قنطارا بالدمشقي

و فيها وقع بين معز الدولة و بين ناصر الدولة بن حمدان فخرج لقتاله و معه المطيع ثم رجع و المطيع معه كالأسير

و فيها مات الأخشيد صاحب مصر و هو محمد بن طغج الفرغاني و الأخشيد ملك الملوك و هو لقب لكل من ملك فرغانة كما أن الأصبهذ لقب ملك طبرستان وصول ملك جرجان و خاقان ملك الترك و الأفشين ملك أشروسنة و سليمان ملك سمرقند و كان الأخشيد شجاعا مهيبا ولي مصر من قبل القاهر و كان له ثمانية آلاف مملوك و هو أستاذ كافور

و فيها مات القائم العبيدي صاحب المغرب و قام بعده ولي عهد ابنه المنصور إسماعيل و كان القائم شرا من أبيه زنديقا ملعونا أظهر سب الأنباء و كان مناديه ينادي : العنوا الغار و ما حوى قتل خلقا من العلماء

و في سنة خمس و ثلاثين جدد معز الدولة الأيمان بينه و بين المطيع و أزال عنه التوكيل و أعاده إلى دار الخلافة

و في سنة ثمان و ثلاثين سأل معز الدولة أن يشرك معه في الأمر أخاه علي بن بويه عماد الدولة و يكون من بعده فأجابه المطيع ثم لم ينشب أن مات عماد الدولة من عامه فأقام المطيع أخاه ركن الدولة والد عضد الدولة

و في سنة تسع ثلاثين أعيد الحجر الأسود إلى موضعه و جعل له طوق فضة يشد به وزنه ثلاثة آلاف و سبعمائة و سبعة و ستون درهما و نصف

و قال محمد بن نافع الخزاعي : تأملت الحجر الأسود ـ و هو مقلوع ـ فإذا السواد في رأسه فقط و سائره أبيض و طوله قدر عظم الذراع

و في سنة سنة إحدى و أربعين ظهر قوم من التناسخية فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه و امرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها و آخر يدعي أنه جبريل فضربوا فتعززوا يالانتماء إلى أهل البيت فأمر معز الدولة بإطلاقهم لميله إلى أهل البيت فكان هذا من أفعاله الملعونة

و فيها مات المنصور العبيدي صاحب المغرب بالمنصورية التي مصرها و قام بالأمر ولي عهد ابنه معد و لقب بالمعز لدين الله ـ و هو الذي بنى القاهرة ـ و كان المنصور حسن السيرة بعد أبيه و أبطل المظالم فأحبه الناس و أحسن أيضا ابنه السيرة وصفت له المغرب

و في سنة ثلاث و أربعين خطب صاحب خراسان للمطيع و لم يكن خطب له قبل ذلك فبعث إليه المطيع اللواء و الخلع

و في سنة أربع و أربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت و دامت ثلاث ساعات و فزع الناس إلى الله بالدعاء

و في سنة ست و أربعين نقص البحر ثمانين ذراعا و ظهر فيه جبال و جزائر و أشياء لم تعهد و كان بالري و نواحيها زلازل عظيمة و خسف ببلد الطالقان و لم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا و خسف بمائة و خمسين قرية من قرى الري و اتصل الأمر إلى حلوان فخسف بأكثرها و قذفت الأرض عظام الموتى و تفجرت منها المياه و تقطع بالري جبل و علقت قرية بين السماء و الأرض بمن فيها نصف النهار ثم خسف بها و انخرقت الأرض خروقا عظيمة و خرج منها مياه منتنة و دخان عظيم هكذا نقل ابن الجوزي

و في سنة سبع و أربعين عادت الزلازل بقم و حلوان و الجبال فأتلف خلقا عظيما و جاء جراد طبق الدنيا فأتى على جميع الغلات و الاشجار

و في سنة خمسين بنى معز الدولة ببغداد دارا هائلة عظيمة أساسها في الأرض ستة و ثلاثون ذراعا

و فيها قلد القضاء أبا العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب و ركب بالخلع من دار المعز الدولة و بين يديه الدبادب و البوقات و في خدمته الجيش و شرط على نفسه أن يحمل في كل سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم و كطتب عليه بذلك سجلا و امتنع المطيع من تقلده و من دخوله عليه و أمر أن لا يمكن من الدخول إليه أبدا

و فيها وضمن معز الدولة الحسبة ببغداد و الشرطة و كل ذلك عقب ضعفه ضعفها و عوفي منها فلا كان الله عافاه

و فيها أخذت الروم جزيرة أقريطش من المسلمين و كانت فتحت في حدود الثلاثين و المائتين

و فيها توفى صاحب الأندلس الناصر لدين الله و قام بعده ابنه الحاكم

و في سنة إحدى و خمسين كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنه معاوية و لعنه من غضب فاطمة حقها من فدك و من منع الحسن أن يدفن مع جده و لعنة من نفى أبا ذر ثم إن ذلك محي في الليل فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه المهلبي أن يكتب مكان ما محي [ لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه و سلم ] و صرحوا بلعنه معاوية فقط

و في سنة اثنتين و خمسين يوم عاشوراء ألزم معز الدولة الناس بغلق الأسواق و منع الطباخين من الطبيخ و نصبوا القباب في الأسواق و علقوا عليها المسوح و أخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع يقمن المأتم على الحسين و هذا أول يوم نيح عليه في بغداد و استمرت هذه البدعة سنين

و في ثاني عشر ذي الحجة منها عمل عيد غدير خم و ضربت الدبادب

و في هذه السنة بعث بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرها خمس و عشرون سنة و الالتصاق في الجنب و لهما بطنان و سرتان و معدتان و يختلف أوقات جوعها و عطشها و بولهما و لكل واحد كفان و ذراعان و يدان و فخذان و ساقان و إحليلان و كان أحدهما يميل إلى النساء و الآخر يميل إلى المرد و مات أحدهما و بقي أياما و أخوه حي فأتين و جمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فضل الميت من الحي قلم يقدروا ثم مرض الحي من رائحة الميت و مات

و في سنة ثلاث و خمسين عمل لسيف الدولة خيمة عظيمة ارتفاع عمودها خمسون ذراعا

و في سنة أربع و خمسين ماتت أخت معز الدولة فنزل المطيع في طيارة إلى دار معز الدولة يعزيه فخرج إليه معز الدولة و لم يكلفه الصعود من الطيارة و قبل الأرض مرات و رجع الخليفة إلى داره

و فيها بنى يعقوب ملك الروم قيسارته قريبا من بلاد المسلمين و سكنها ليغير كل وقت

و في سنة ست و خمسين مات معز الدولة فأقيم ابنه بختيار مكانه في السلطنة و لقبه المطيع [ عز الدولة ]

و في سنة سبع ملك القرامطة دمشق و لم يحج فيها لا من الشام و لا من مصر و عزموا على قصد مصر ليملكوها فجاء العبيديون فأخذوها و قامت دولة الرفض في الأقاليم : المغرب و مصر و العراق و ذلك أن كافورا الأخشيدي صاحب مصر لما مات اختل النظام و قلت الأموال على الجند فكتب جماعة إلى المعز يطلبون منه عسكرا ليسلموا إليه مصر فأرسل مولاه جوهرا القائد في مائة ألف فارس فملكها و نزل موضع القاهرة اليوم و اختلطها و بنى دار الإمارة للمعز و هي المعروفة الآن بالقصرين و قطع خطبة بني العباس و لبس السواد و ألبس الخطباء البياض فأمر أن يقال في الخطبة : اللهم صلي على محمد المصطفى و على علي المرتضى و على فاطمة البتول و على الحسن و الحسين سبطي الرسول و صل على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعز بالله و ذلك كله في شهر شعبان سنة ثمان و خمسين

ثم في ربيع الآخر سنة تسع و خمسين أذنوا في مصر بحي على خير العمل و شرعوا في بناء الجامع الأزهر ففرغ في رمضان سنة إحدى و ستين

و في سنة تسع و خمسين انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس و سمع بعد انقضائه كالرعد الشديد

و في سنة ستين أعلن المؤذن بدمشق في الآذن بحي على خير العمل و بأمر جعفر ابن فلاح نائب دمشق للمعز بالله و لم يجسر أحد على مخالفته

و في سنة اثنتين و ستين صادر السلطان بختيار المطيع فقال المطيع : أنا ليس لي غير الخطبة فإن أحببتم اعتزلت فشدد علبيه حتى باع قماشه و حمل أربعمائة ألف درهم و شاع في الألسنة أن الخليفة صودر

و فيها قتل رجل من اعوان الموالي ببغداد فبعث الوزير أبو الفضل الشيرازي من طرح النار من النحاسين إلى السماكين فاحترق حريم عظيم لم ير مثله و احترقت أموال و أناس كثيرون في الدور و الحمامات و هلك الوزير من عامه و لا رحمة لله

و في رمضان من هذه السنة دخل المعز إلى مصر و معه توابيت آبائه

و في سنة ثلاث و ستين قلد المطيع القضاء أبا الحسن محمد بن أم شيبان الهاشمي بعد تمنع و شرط لنفسه شروطا ومنها : أن لا يرتزق على القضاء و لا يخلع عليه و لا يشفع إليه فيما يخالف الشرع و قرر لكاتبه في كل شهر ثلاثمائة درهم و لحاجبه مائة و خمسين و للفارض على بابه مائة وللخازن ديوان الحكم و الأعوان ستمائة و كتب له عهد صورته :

هذا ما عهد به عبد الله الفضل المطيع لله أمير المؤمنين إلى محمد صالح الهاشمي حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام مدينة المنصور و المدينة الشرقية من الجانب الشرقي و الجانب الغربي و الكوفة و سقي الفرات و واسط و كرخي و طريق الفرات و دجلة و طريق خراسان و حلوان و قرميسين و ديار مضر و ديار ربيعة و ديار بكر و الموصل و الحرمين و اليمن و دمشق و حمص و جند قنسرين و العواصم و مصر و الإسكندرية و جند فلسطين و الأردن و أعمال ذلك كلها و من يجري من ذلك من الأشراف على من يختاره من العباسيين بالكوفة و سقي الفرات و أعمال ذلك و ما قلده إياه من قضاء القضاة و تصضفح أحوال الحكام و الاستشراف على ما يجري عليه أمر الأحكام من سائر الناحي و الأمصار التي تشمل عليه المملكة و تنتهي إليها الدعوة و إقرار من يحمد هديه و طريقه و الاستبدال بمن شيمته و سجيته احتياطا للخاصة و العامة و جنوا على الملة و الذمة و عن علم بأنه المقدم في بيته و شرفه المبرز في عفافته الزكي في دينه و أمانته الموصوف في ورعه و نزاعته المشار إليه بالعلم و الحجى المجمع عليه في الحلم و النهى البعيد من الأنادس اللابس من التقى أجمل اللباس النقي الجيب المحبو بصفاء الغيب العالم بمصالح الدنيا العارف بما يفسد سلامة العقبى أمره بتقوى الله فإنها الجنة الواقية و ليجعل كتاب الله في كل ما يعمل في رويته و يرتب عليه حكمه و قضيته إمامه الذي يفزع إليه و أن يتخذ سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم منارا يقصده و مثالا يتبعه و أن يراعي الإجماع و أن يقتدي بالأئمة الراشدين و أن يعمل اجتهاده فيما لا يوجد في كتاب و لا سنة و لا إجماع و إن يحضر مجلسه من يستظهر بعلمه و رأيه و أن يسوي بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظه و لفظه و يوفي كلا منها من إنصافه و عدله حتى يأمن الضعيف حيفه و ييأس القوي من ميله و أمره أن يشرف على أعةانه و أصحابه من يعتمد عليه من أمنائه و أسبابه إشرافا يمنع من التخطي إلى السيرة المحظورة و يدفع عن الإسفاف إلى المكاسب المحجورة

و ذكر هذا الجنس كلاما طويلا

قلت كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ييلدهم القضاء بجميع الأقاليم و البلاد التي تحت ملكهم ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من يشاء في كل إقليم و في كل بلد و لهذا كان يلقب قاضي القضاة و لا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة و من عداه بالقاضي فقط أو قاضي بلد كذا و أما الآن فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون كل منهم بلقب قاضي القضاة و لعل آحاد نواب أولئك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد من قضاة القضاة الآن و لقد كان قاضي القضاة إذ ذاك أوسع حكما من سلاطين هذا الزمان

و في هذه السنة ـ أعني سنة ثلاث و ستين ـ حصل للمطيع فالج و ثقل لسانه فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه و تسليم الأمر إلى ولده الطائع لله ففعل و عقد له الأمر في يوم الأربعاء ثالث عشري ذي القعدة فكانت مدة خلافه المطيع تسعا و عشرين سنة و أشهرا و أثبت خلعه على القاضي ابن أم شيان و صار بعد خلعه يسمي الشيخ الفاضل

قال الذهبي : و كان المطيع و ابنه مستضعفين مع بني بويه و لم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفي لله فانصلح أمر الخلافة قليلا و كان دست الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أميز و كلمتهم أنفذ و مملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم و خرج المطيع إلى واسط مع ولده فمات في المحرم سنة أربع و ستين

قال ابن شاهين : خلع نفسه غير مكره فيما صح عندي

قال الخطيب : حدثني محمد بن يوسف القطان سمعت أبا الفضل التميمي سمعت المطيع لله سمعت شيخي ابن منيع سمعت أحمد ين حنبل يقول إذا مات أصدقاء رجل ذل

و ممن مات في أيام المطيع من الأعلام : الخرقي شيخ الحنابلة و أبو بكر الشبلي الصوفي و ابن القاص إمام الشافعية و أبو رجاء الأسواني و أبو بكر الصولي و الهيثم بن كليب الشاشي و أبو الطيب الصعلوكي و أبو جعفر النحاس النحوي و أبو نصر الفارابي و أبو إسحاق المروزي إمام الشافعية و أبو القاسم الزجاجي النحوي و الكرخي شيخ الحنفية و الدينوري صاحب المجالسة و أبو بكر الضبعي و القاضي أبو القاسم التنوخي و ابن الحداد صاحب [ الفروع ] و أبو علي بن أبي هريرة من كبار الشافعية و أبو عمر الزاهد و المسعودي صاحب [ مروج الذهب ] و ابن درستويه و أبو علي الطبري أول من جرد الخلاف و الفاكهي صاحب [ تاريخ مكة ] و المتنبي الشاعر و ابن حبان صاحب [ الصحيح ] و ابن شعبان من أئمة المالكية و أبو علي القالي و أبو الفرج صاحب [ الأغاني ]

الطائع بالله عبد الكريم بن المطيع بن المقتدر 363 هـ ـ 393 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

الطائع بالله عبد الكريم بن المطيع بن المقتدر 363 هـ ـ 393 ه

الطائع بالله : أبو بكر بن المطيع أمه أم ولد اسمها هزار نزل له أبوه عن الخلافة و عمره ثلاث و أربعون سنة فركب و عليه البردة و معه الجيش و بين يديه سبكتكين و خلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة و عقد له اللواء و لقبه [ نصر الدولة ] ثم وقع بين عز الدولة و سبكتكين الأتراك لنفسه فأجابوه و جرى بينه و بين عز الدولة حروب و في ذي الحجة من هذه السنة ـ أي سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة ـ أقيمت الخطبة و الدعوة بالحرمين للمعز العبيدي و في سنة أربع و ستين قدم عضد الدولة بغداد لنصرة عز الدولة على سبكتكين فأعجبته بغداد و ملكها فعمل عليها و استمال الجند فشغبوا على عز الدولة فأغلق بابه و كتب عضد الدولة عن الطائع إلى الآفاق باستقرار الأمر لعضد الدولة فوقع بين الطائع و بين عضد الدولة فقطعت الخطبة للطائع بسبب ذلك ببغداد و غيرها من يوم العشرين من جمادى الأولى إلى أن أعيدت في عاشر رجب

و في هذه السنة و بعدها غلا الرفض و فار بمصر و الشام و المشرق و المغرب و نودي بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدي

و في سنة خمس و ستين نزل ركن الدولة بن بويه عما بيده من الممالك لأولاده فجعل لعضد الدولة فارس و كرمان و لمؤيد الدولة الري و أصبهان و لفخر الدولة همذان و الدينور

و في رجب منها عمل مجلس الحكم دار السلطان عز الدولة و جلس قاضي القضاة ابن معروف و حكم لأن عز الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو

و فيها كانت وقعة بين عز الدولة و عضد الدولة و أسر فيها غلام تركي لعز الدولة فجن عليه و اشتد حزنه و امتنع من الأكل و أخذ في البكاء و احتجب عن الناس و حرم على نفسه الجلوس في الدست و كتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه و يتذلل فصار ضحكة بين الناس و عوتب فما ارعوى لذلك و بذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف دينار و قال للرسول إن توقف عليك في رده فزد ما رأيت و لا تفكر فقد رضيت أن آخذه و أذهب إلى أقصى الأرض فرده عضد الدولة عليه

و فيها أسقط الخطبة من الكوفة لعز الدولة و أقيمت لعضد الدولة

و فيها مات المعز لدين الله العبيدي صاحب مصر و أول من ملكها من العبيدين و قام بالأمر بعده ابنه نزار و لقب [ العزيز ]

و في سنة ست و ستين مات المنتصر بالله الحكم بن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس و قام بعده ابنه المؤيد بالله هشام

و في سنة سبع و ستين التقى عز الدولة و عضد الدولة فظفر عضد الدولة و أخذ عز الدولة أسيرا و قتله بعد ذلك و خلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة و توجه بتاج مجوهر و طوقه و سوره و قلده سيفا و عقد له لواءين بيده : أحدهما مفضض على رسم الأمراء و الآخر مذهب على رسم ولاة العهد و لم يعقد اللواء الثاني لغيره قبله و كتب له عهدا و قرئ بحضرته و لم يبق أحد إلا تعجب و لم تجر العادة بذلك و إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين فإذا أخذه قال أمير المؤمنين : هذا عهدي إليك فاعمل به

و في سنة ثمان و ستين أمر الطائع بأن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح و المغرب و العشاء و أن يخطب له على منابر الحضرة

قال ابن الجوزي : و هذان أمران لم يكونا من قبله و لا أطلقا لولاة العهود و قد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام فسأل المطيع في ذلك فلم يأذن له و ما حظي عضد الدولة بذلك إلا لضعف أمر الخلافة

و في سنة تسع و ستين ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى بغداد و سأل عضد الدولة الطائع أن يزيد في ألقابه [ تاج الملة ] و يجدد الخلع عليه و يلبسه التاج فأجابه و جلس الطائع على السرير و حوله مائة بالسيوف و الزينة و بين يديه مصحف عثمان و على كتفه البردة و بيده القضيب و هو متقلد بسيف رسول الله صلى الله عليه و سلم و ضربت ستارة بعثها عضد الدولة و سأل أن يكون حجابا للطائع حتى لا يقع عليه الأشراف و أصحاب المراتب من الجانبين ثم أذن لعضد الدولة فدخل ثم رفعت الستارة و قبل عضد الدولة الأرض فارتاع زياد القائد لذلك و قال لعضد الدولة : ما هذا أيها الملك ؟ أهذا هو الله ؟ فالتفت إليه و قال : هذا خليفة الله في الأرض ثم استمر يمشي و يقبل الأرض سبع مرات فالتفت الطائع إلى خالص الخادم و قال : استدنه فصعد عضد الدولة فقبل الأرض مرتين فقال له ادن إلي فدنا و قبل رجله و ثنى الطائع يمينه عليه و آمره فجلس على الكرسي بعد أن كرر عليه : اجلس : و هو يستعفي فقال له : أقسمت عليك لتجلسن فقبل الكرسي و جلس فقال له الطائع : قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إلي من أمور الرعية في شرق الأرض و غربها و تدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي و أسبابي فتول ذلك فقال : يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين و خدمته ثم أفاض عليه الخلع و انصرف

قلت : انظر إلى هذا الأمر و هو الخليفة المستضعف الذي لم تضعف الخلافة في زمن أحد ما ضعفت في زمنه و لا قوي أمر سلطان ما قوي أمر عضد الدولة و قد صار الأمر في زماننا إلى أن الخليفة يأتي السلطان يهنئه برأس الشهر فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته و يجلسا معا خارج المرتبة ثم يقوم الخليفة يذهب كأحد الناس و يجلس السلطان في دست مملكته

و لقد حدثت أن السلطان الأشرف برسباي لما سافر إلى آمد لقتال العدو و صحب الخليفة معه كان الخليفة راكبا أمامه يحجبه و الهيبة و العظمة للسلطان و الخليفة كآحاد الأمراء الذين في خدمة السلطان

و في سنة سبعين خرج من همذان عضد الدولة و قدم بغداد فتلقاه الطائع و لم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقي أحد

فلما توفيت بنت معز الدولة ركب المطيع إليه فعزاه فقبل الأرض و جاء رسول عضد الدولة يطلب من الطائع أن يتلقاه فلما وسعه التأخر

و في سنة اثنتين و سبعين مات عضد الدولة فولى الطائع مكانه في السلطنة ابنه صمصام الدولة و لقبه [ شمس الملة ] و خلع عليه سبع خلع و توجه و عقد له لواءين

ثم في سنة ثلاث و سبعين مات مؤيد الدولة أخو عضد الدولة

و في سنة خمس و سبعين هم صمصام الدولة أن يجعل المكس على ثياب الحرير و القطن مما ينسج ببغداد و نواحيها و وقع له في ضمان ذلك ألف ألف درهم في السنة فاجتمع الناس في جامع المنصور و عزموا على منع صلاة الجمعة و كاد البلد يفتتن فأعفاهم من ضمان ذلك

و في سنة ست و سبعين قصد شرف الدولة أخاه صمصام الدولة فانتصر عليه و كحله و مال العسكر إلى شرف الدولة و قدم بغداد و ركب الطائع إليه يهنئه بالبلاد و عهد إليه بالسلطنة و توجه و قرئ عهده و الطائع يسمع

و في سنة ثمان و سبعين أمر شرف الدولة برصد الكواكب السبعة في سيرها كما فعل المأمون

و فيها اشتد الغلاء ببغداد جدا و ظهر الموت بها و لحق الناس بالبصرة حر و سموم تساقط منه

و جاءت ريح عظيمة بفم الصلح حرقت الدجلة حتى ذكر أنه بانت أرضها و أغرقت كثيرا من السفن و احتملت زورقا منحدرا و فيه دواب فطرحت ذلك في أرض جوخى فشوهد بعد أيام

و في سنة تسع و سبعين مات شرف الدولة و عهد إلى أخيه أبي نصر فجاءه الطائع و حضر الأعيان فخلع الطائع على أبي نصر سبع خلع أعلاها سوداء و عمامة سوداء و في عنقه طوق كبير و في يده سواران و مشى الحجاب بين يديه بالسيوف ثم قبل الأرض بين يدي الطائع و على كرسي و قرىء عهده و لقبه الطائع [ بهاء الدولة و ضياء الملة ]

و في سنة إحدى و ثمانين قبض على الطائع و سببه : أنه حبس رجلا من خواص بهاء الدولة فجاء بهاء الدولة و قد جلس الطائع في الرواق متقلدا سيفا فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض و جلس على كرسي و تقدم أصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع من سريره و تكاثر الديلم فلفوه في كساء و أصعد إلى دار السلطنة و ارتج البلد و رجع بهاء الدولة و كتب على الطائع أيمانا بخلع نفسه و أنه سلم الأمر إلى القادر بالله و شهد عليه الأكابر و الأشراف و ذلك في تاسع عشر شهر شعبان و نفذ إلى القادر ليحضر و هو بالبطيحة

و استمر الطائع في دار القادر بالله مكرما محترما في أحسن حال حتى إنه حمل إليه شمعة قد أوقد نصفها فأنكر ذلك فحملوا إليه غيرها إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث و تسعين

و صلى عليه عبد القادر بالله في داره و شيعه الأكابر و الخدم و رثاه الشريف الرضي بقصيدة

و كان شديد الانحراف على آل أبي طالب و سقطت الهيبة في أيامه جدا حتى هجاه الشعراء

مات في أيام الطائع من الأعلام : ابن السني الحافظ و ابن عدي و القفال الكبير و السيرافي النحوي و أبو سهل الصعلوكي و أبو بكر الرازي الحنفي و ابن خالويه و الأزهري إمام اللغة و أبوا إبراهيم الفارابي صاحب ديوان الأدب و الرفاء الشاعر و أبوا زيد المرزوي الشافعي و الداركي و أبو علي الأبهري شيخ المالكية و أبو الليث السمرقندي إمام الحنفية و أبو علي الفارسي النحوي و ابن الجلاب المالكي

القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر 393 هـ ـ 422 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر 393 هـ ـ 422 ه

القادر بالله : أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر

ولد سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة و أمه أمة و اسمها تمنى و قيل دمنة

بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع و كان غائبا فقدم في عاشر رمضان و جلس من الغد جلوسا عاما و هنىء

و أنشد بين يديه الشعراء من ذلك قول الشريف الرضي :

( شرف الخلافة يا بني العباس ... اليوم جدده أبو العباس )

( ذا الطود أبقاه الزمان ذخيرة ... من ذلك الجبل العظيم الراسي )

قال الخطيب : و كان القادر من الستر و الديانة و السيادة و إدامة التهجد بالليل و كثرة البر و الصدقات و حسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه و عرف بها كل أحد مع حسن المذهب و صحة الاعتقاد تفقه على العلامة أبي بشر الهروي الشافعي و قد صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث و أورد في كتاب فضائل عمر بن عبد العزيز و إكفار المعتزلة و القائلين بخلق القرآن و كان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي و بحضرة الناس ترجمه ابن الصلاح في طبقات الشافعية

و قال الذهبي : في شوال من سنة ولايته عقد مجلس عظيم و حلف القادر و بهاء الدولة كل منهما لصاحبه بالوفاء و قلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة

و فيها دعا صاحب مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي إلى نفسه و تلقب بالراشد بالله و سلم عليه بالخلافة فانزعج صاحب مصر ثم ضعف أمر أبي الفتوح و عاد إلى طاعة العزيز العبيدي

و في سنة اثنتين و ثمانين ابتاع الوزير أبو نصر سابور أزدشير دارا بالكرخ و عمرها و سماها دار العلم و وقفها على العلماء و وقف بها كتبا كثيرة

و في سنة أربع و ثمانين عاد الحاج العراقي من الطريق اعترضهم الأصيفر الأعرابي و منعهم الجواز إلا برسمه فعادوا و لم يحجوا و لا حج أيضا أهل الشام و لا اليمن إنما حج أهل مصر

و في سنة سبع و ثمانين مات السلطان فخر الدولة و أقيم ابنه رستم مقامه في السلطنة بالري و أعمالها و هو ابن أربع سنين و لقبه القادر [ مجد الدولة ]

قال الذهبي : و من الأعجوبات هلاك تسعة ملوك على نسق في سنتي سبع و ثمانين و ثمان و ثمانين : منصور بن نوح ملك ما وراء النهر و فخر الدولة ملك الري و الجبال و العزيز العبيدي صاحب مصر و فيهم يقول أبو منصور عبد الملك الثعالبي :

( ألم تر مذ عامين أملاك عصرنا ... يصيح بهم للموت و القتل صائح )

( فنوح بن منصور طوته يد الردى ... على حسرات ضمنتها الجوانح )

( و يا بؤس منصور ففي يوم سرخس ... تمزق عنه ملكه و هو طائح )

( و فرق عنه الشمل بالسمل و اغتدى ... أميرا ضريرا تعتريه الجوائح )

( و صاحب مصر قد مضى بسبيله ... و والي الجبال غيبته الضرائح )

( و صاحب جرجانية في ندامة ... ترصده طرف من الحين طامح )

( و خوارزم شاه شاه وجه نعيمه ... و عن له يوم من النحس طالح )

( و كان علا في الأرض يخطبها أبو ... علي إلى أن طوحته الطوائح )

( و صاحب بست ذلك الضيغم الذي ... براثنه للمشرقين مفاتح )

( أناخ به من صدمة الدهر كلكل ... فلم تغن عنه و المقدر سانح )

( جيوش إذا أربت على عدد الحصى ... تغص بها قيعانها و الصحاصح )

( و دارت على صمصام دولة بويه ... دوائر سوء سلبهن فوادح )

( و قد جاز والي الجوزجان قناطر الح ... ياة فوافته المنايا الطوامح )

و ذكر الذهبي أن العزيز صاحب مصر مات سنة ست و ثمانين و فتحت له زيادة على أبائه : حمص و حماة و حلب و خطب له بالموصل و باليمن و ضرب اسمه فيها على السكة و الأعلام و قام بالأمر بعده ابنه منصور و لقب [ الحاكم بأمر الله ]

و في سنة تسعين ظهر بسجستان معدن ذهب فكانوا يصفون من التراب الذهب الأحمر

و في سنة ثلاث و تسعين أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي فطيف به على حمار و نودي عليه : هذا جزاء من يحب أبا بكر و عمر ثم ضرب عنقه رحمه الله و لا رحم قاتله و لا أستاذه الحاكم

و في سنة أربع و تسعين قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوي قضاء القضاة و الحج و المظالم و نقابة الطالبين و كتب له من شيراز العهد فلم ينظر في القضاء لامتناع القادر من الإذن له

و في سنة خمس و تسعين قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صبرا و أمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد و الشوارع و أمر العمال بالسب

و فيها أمر بقتل الكلاب و أبطل الفقاع و الملوخيا و نهى عن السمك الذي لا قشر له و قتل جماعة ممن باع ذلك بعد نهيه

و في سنة ست و تسعين أمر الناس بمصر و الحرمين إذا ذكر الحاكم أن يقوموا و يسجدوا في السوق و في مواضع الاجتماع

و في سنة ثمان و تسعين وقعت فتنة بين الشيعة و أهل السنة في بغداد و كاد الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقتل فيها و صاح الرافضة ببغداد : يا حاكم يا منصور فأحفظ القادر من ذلك و أنفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة فانكسر الروافض

و فيها هدم الحاكم بيعة قمامة التي بالمقدس و أمر بهدم جميع الكنائس التي بمصر و أمر النصارى بأن تحمل في أعناقهم الصلبان طول الصليب ذراع و وزنه خمسة أرطال بالمصري و اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرم الخشب في زنة الصلبان و أن يلبسوا العمائم السود فأسلم طائفة منهم ثم بعد ذلك أذن في إعادة البيع و الكنائس و أذن لمن أسلم أن يعود إلى دينه لكونه مكرها

و في سنة تسع و تسعين عزل أبو عمرو قاضي البصرة و ولي القضاء أبو الحسن بن أبي الشوارب فقال العصفري الشاعر :

( عندي حديث طريف ... بمثله يتغنى )

( عن قاضيين يعزى ... هذا و هذا يهنى )

( و ذا يقول جبرنا ... و ذا يقول استرحنا )

( و يكذبان جميعا ... و من يصدق منا )

و فيها وهي سلطان بني أمية بالأندلس و انخرم نظامهم

و في سنة أربعمائة نقصت دجلة نقصانا لم يعهد و اكتريت لأجل جزائر ظهرت و لم يكن قبل ذلك قط

و في سنة اثنتين نهى الحاكم عن بيع الرطب و حرقه و عن بيع العنب و أباد كثيرا من الكروم

و في سنة أربع منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا و نهارا و استمر ذلك إلى أن مات

و في سنة إحدى عشرة قتل الحاكم لعنه الله بحلوان ـ قرية بمصر ـ و قام بعده ابنه علي و لقب بالظاهر لإعزاز دين الله و تضعضعت دولتهم في أيامه فخرجت عنهم حلب و أكثر الشام

و في سنة اثنتين و عشرين توفي القادر بالله ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة عن سبع و ثمانين سنة و مدة خلافته إحدى و أربعون سنة و ثلاثة أشهر

و ممن مات في أيامه من الأعلام : أبو أحمد العسكري الأديب و الرماني النحوي و أبو الحسن الماسرجسي شيخ الشافعية و أبو عبيد الله المرزباني و الصاحب بن عباد ـ و هو وزير مؤيد الدولة و هو أول من سمي بالصاحب من الوزراء و الدارقطني الحافظ المشهور و ابن شاهين و أبو بكر الأودني إمام الشافعية و يوسف بن السيرافي و ابن زولاق المصري و ابن أبي زيد المالكي شيخ المالكية و أبو طالب المكي صاحب [ قوت القلوب ] و ابن بطة الحنبلي و ابن سمعون الواعظ و الخطابي و الحاتمي اللغوي و الأدفوي أبو بكر و زاهر السرخسي شيخ الشافعية و ابن غلبون المقرىء و الكشميهني راوي الصحيح و المعافى بن زكريا النهرواني و ابن خويز منداد و ابن جني و الجوهري صاحب [ الصحاح ] و ابن فارس صاحب [ المجمل ] و ابن منده الحافظ و الإسماعيلي شيخ الشافعية و أصبغ بن الفرج شيخ المالكية و بديع الزمان أول من عمل المقامات و ابن لال و ابن أبي زمنين و أبو حيان التوحيدي و الوأواء الشاعر و الهروي صاحب [ الغريبين ] و أبو الفتح البستي الشاعر والحليمي شيخ الشافعية وابن الفارض و أبو الحسن القابسي و القاضي أبو بكر الباقلاني و أبو الطيب الصعلوكي و ابن الأكفاني و ابن نباتة صاحب الخطب و الصيمري شيخ الشافعية و الحاكم صاحب المستدرك و ابن كج و الشيخ أبو حامد الإسفرايني و ابن فورك و الشريف الرضي و أبو بكر الرازي صاحب الألقاب و الحافظ عبد الغني بن سعيد و ابن مردوية و هبة الله بن سلامة الضرير المفسر و أبو عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية و ابن البواب صاحب الخط و عبد الجبار المعتزلي و المحاملي إمام الشافعية و أبو بكر القفال شيخ الشافعية و الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني و اللاكائي و ابن الفخار عالم الأندلس و علي بن عيسى الربعي النحوي و خلائق آخرون

قال الذهبي : كان في هذا العصر رأس الأشعرية أبو إسحاق الإسفرايني و رأس المعتزلة القاضي عبد الجبار و رأس الرافضة الشيخ المقتدر و رأس الكرامية محمد بن الهيصم و رأس القراء أبو الحسن الحمامي و رأس المحدثين الحافظ عبد الغني بن سعيد و رأس الصوفية أبو عبد الرحمن السلمي و رأس الشعراء أبو عمر بن دراج و رأس المجودين ابن البواب و رأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين

قلت : و يضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر الله و رأس اللغويين الجوهري و رأس النحاة ابن جني و رأس البلغاء البديع و رأس الخطباء ابن نباتة و رأس المفسرين أبو القاسم بن حبيب النيسابوري و رأس الخلفاء القادر بالله ـ فإنه من أعلامهم تفقه و صنف و ناهيك بأن الشيخ تقي الدين ابن الصلاح عده من الفقهاء الشافعية و أورده في طبقاتهم و مدته في الخلافة من أطول المدد

المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله 467 هـ ـ 487 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله 467 هـ ـ 487 ه

المقتدي بأمر الله : أبو القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله

مات أبوه في حياة القائم ـ و هو حمل ـ فولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر و أمه أم ولد اسمها أرجوان

و بويع له بالخلافة عند موت جده و له تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و كانت البيعة بحضرة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي و ابن الصباغ و الدامغاني و ظهر في أيامه خيرات كثيرة و آثار حسنة في البلدان

و كانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة بخلاف من تقدمه

و من محاسنه أنه نفى المغنيات و الحواظي ببغداد و أمر أن لا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر و خرب أبراج الحمام صيانة لحرم الناس

و كان دينا خيرا قوي النفس عالي الهمة من نجباء بني العباس

و في هذه السنة من خلافته أعيدت الخطبة للعبيدي بمكة و فيها جمع نظام الملك المنجمين و جعلوا النيروز أول نقطة من الحمل و كان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت و صار ما فعله النظام مبدأ التقاويم

و في سنة ثمان و ستين خطب للمقتدي بدمشق و أبطل الأذان بحي على خير العمل و فرح الناس بذلك

و في سنة تسع و ستين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القسيري حاجا فوعظ بالنظامية و جرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة لأنه تكلم على مذهب الأشعري و حط عليهم و كثر أتباعه و المتعصبون له فهاجت فتن و قتلت جماعة

و عزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي لكونه شذ عن الحنابل

و في سنة خمس و سبعين بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق

و في سنة ست و سبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد و ارتفع الغلاء

و فيها ولى الخليفة أبا شجاع محمد بن الحسين الوزارة و لقبه [ ظهير الدين ] و أظن ذلك أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين

و في سنة سبع و سبعين سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية و أقصراء بجيوشه إلى الشام فأخذ أنطاكية ـ و كانت بيد الروم من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة ـ و أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره قال الذهبي : و آل سلجوق هم ملوك بلاد الروم و قد امتدت أيامهم و بقي منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس

و في سنة ثمان و سبعين جاءت ريح سوداء ببغداد بعد العشاء و اشتد الرعد و البرق و سقط رمل و تراب كالمطر و وقعت عدة صواعق في كثير من البلاد فظن الناس أنها القيامة و بقيت ثلاث ساعات بعد العصر و قد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشي و أوردها في أماليه

و في سنة تسع و سبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة و مراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه و أن يقلده ما بيده من البلاد فبعث إليه الخلع و الأعلام و التقليد و لقبه بأمير المسلمين ففرح بدلك و سر به فقهاء المغرب و هو الذي أنشأ مدينة مراكش

و فيها دخل السلطان ملكشاه بغداد في ذي الحجة و هو أول دخوله إليها فنزل بدار المملكة و لعب بالكرة و قد تقاوم الخليفة ثم رجع إلى أصبهان

و فيها قطعت خطبة العبيدي بالحرمين و خطب للمقتدي و في سنة إحدى و ثمانين مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين و قام مقامه ابنه جلال الدين مسعود

و في سنة ثلاث و ثمانين عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدولة بباب أبرز و درس بها أبو بكر الشاشي

و في سنة أربع و ثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية و هي أول ما فتحها المسلمون بعد المائتين و حكم عليها آل الأغلب دهرا إلى أن استولى العبيدي المهدي على المغرب

و فيها قدم السلطان ملكشاه بغداد و أمر بعمل جامع كبير بها و عمل الأمراء حوله دورا ينزلونها ثم رجع إلى أصبهان و عاد إلى بغداد في سنة خمس و ثمانين عازما على الشر و أرسل إلى الخليفة يقول : لا بد أن تترك لي بغداد و تذهب إلى أي بلد شئت فانزعج الخليفة و قال : و لا ساعة واحدة فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام فاتفق مرض السلطان و موته و عد ذلك كرامة للخليفة و قيل : إن الخليفة جعل يصوم فإذا أفطر جلس على الرماد و دعا على ملكشاه فاستجاب الله دعاءه و ذهب إلى حيث ألقت و لما كتمت زوجته تركان خاتون موته و أرسلت إلى الأمراء سرا فاستحلفتهم لولده محمود ـ و هو ابن خمس سنين فخلفوا له و أرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه فأجاب و لقبه [ ناصر الدنيا و الدين ] ثم خرج عليه أخوه بركياروق بن ملكشاه فقلده الخليفة و لقبه [ ركن الدين ] و ذلك في المحرم سنة سبع و ثمانين و أربعمائة و علم الخليفة على تقليده ثم مات الخليفة من الغد فجأة فقيل : إن جاريته شمس النهار سمته و بويع لولده المستظهر

و ممن مات في أيام المقتدي من الأعلام : عبد القادر الجرجاني و أبو الوليد الباجي و الشيخ أبو إسحاق الشيرازي و الأعلم النحوي و ابن الصباغ صاحب [ الشامل ] و المتولي و إمام الحرمين و الدامغاتي الحنفي و ابن فضالة المجاشعي و البزدوي شيخ الحنفية

المستظهر بالله أحمد بن المقتدر بأمر الله 487 هـ ـ 512 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المستظهر بالله أحمد بن المقتدر بأمر الله 487 هـ ـ 512 ه

المستظهر بالله : أبو العباس أحمد بن المتقدي بالله

ولد في شوال سنة سبعين و أربعمائة و بويع له عند موت أبيه و له ست عشرة سنة و شهران

و قال ابن الأثير : كان لين الجانب كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس و يفعل الخير و يسارع في أعمال البر حسن الخط جيد التوقيعات لا يقاربه فيها أحد يدل على فضل غزير و علم واسع سمحا جوادا محبا للعلماء و الصلحاء و لم تصف له الخلافة بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب

و في هذه السنة من أيامه مات المستنصر العبيدي صاحب مصر و قام بعده ابنه المستعلي أحمد

و فيها أخذت الروم بلنسية

و في سنة ثمان و ثمانين قتل أحمد خان صاحب سمرقند لأنه ظهر منه الزندقة فقبض عليه الأمراء و أحضروا الفقهاء فأفتوا بقتله فقتل لا رحمه الله و ملكوا ابن عمه

و في سنة تسع و ثمانين اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب فأتاهم سيل غرق أكثرهم

و في سنة تسعين قتل السلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان فتملكها السلطان بركياروق و دانت له البلاد و العباد

و فيها خطب للعبيدي بحلب و أنطاكية و المعمرة و شيزر شهرا ثم أعيدت الخطبة العباسية

و فيها جاء الفرنج فأخذوا نيقية و هو أول بلد أخذوه و وصلوا إلى كفر طاب و استباحوا تلك النواحي فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم و انزعجت الملوك و الرعية و عظم الخطب فقيل : إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجقوية و استلاءهم على الشام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوها و كثر النفير على الفرنج من كل جهة

و في سنة اثنتين و تسعين انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان

و فيها أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر و نصف و قتلوا به أكثر من سبعين ألفا منهم جماعة من العلماء و العباد و الزهاد و هدموا المشاهد و جمعوا اليهود في الكنيسة و أحرقوا عليهم و ورد المستنفرون إلى بغداد فأوردوا كلاما أبكى العيون و اختلفت السلاطين فتمكنت الفرنج من الشام و للأبيوردي في ذلك :

( مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرصة للمراحم )

( و شر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم )

( فأيها بني الإسلام إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم )

( أنائمة في ظل أمن و غبطة ... و عيش كنوار الخميلة ناعم )

( و كيف تنام العين ملء جفونها ... على هبوات أيقظت كل نائم )

( و إخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم )

( تسومهم الروم الهوان و أنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم )

( فكم من دماء قد أبيحت ؟ و من دمى ... تواري حياء حسنها بالمعاصم )

( بحيث السيوف البيض محمرة الظبا ... و سمر العوالي داميات اللهازم )

( يكاد لهن المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم )

( أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم و الدين واهي الدعائم )

( و يجتنبون النار خوفا من الردى ... و لا يحسبون العار ضربة لازم )

( أترضى صناديد الأعارب بالأذى ... و تغضي على ذل كماة الأعاجم )

( فليتهم إذا لم يذودوا حمية ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم )

و فيها خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق فانتصر عليه فقلده الخليفة و لقبه [ غياث الدنيا و الدين ] و خطب له ببغداد ثم جرت بينهما عدة وقعات

و فيها نقل المصحف العثماني من طبرية إلى دمشق خوفا عليه و خرج الناس لتلقيه فآووه خزانة بمقصورة الجامع

و في سنة أربع و تسعين كثر أمر الباطنية بالعراق و قتلهم الناس و اشتد الخطب بهم حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم و قتلوا الخلائق منهم الروياني صاحب البحر

و فيها أخذ الفرنج بلد سروج و حيفا و أرسوف و قيسارية

و في سنة خمس و تسعين مات المستعلي صاحب مصر و أقيم بعده الآمر بأحكام الله منصور و هو طفل له خمس سنين

و في سنة ست و تسعين جرت فتن للسلطان فترك الخطباء الدعوة للسلطان و اقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير

و في سنة سبع و تسعين وقع الصلح بين السلطانين : محمد و بركياروق و سببه أن الحروب لما تطاولت بينهما و عم الفساد و صارت الأموال منهوبة و الدماء مسفوكة و البلاد مخروبة و السلطنة مطموعا فيها و أصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين دخل العقلاء بينهما في الصلح و كتب العهود و الأيمان و المواثيق و أرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق و أقيمت له الخطبة ببغداد

و في سنة ثمان و تسعين مات السلطان بركياروق فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه قلده الخليفة و خطب له ببغداد و له دون خمس سنين فخرج عليه عمه محمد و اجتمعت الكلمة عليه فقلده الخليفة و عاد أصبهان سلطانا متمكنا مهيبا كثير الجيوش

و فيها كان ببغداد جدري مفرط مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون و تبعه وباء عظيم

و في سنة تسع و تسعين ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة و تبعه خلق فأخذ و قتل

و في سنة خمسمائة أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنية و هدمت و قتلوا و سلخ كبيرهم و حشي جلده تبنا فعل ذلك السلطان محمد بعد حصار شديد فلله الحمد

و في سنة إحدى و خمسمائة رفع السلطان الضرائب و المكوس ببغداد و كثر الدعاء له و زاد في العدل و حسن السيرة

و في سنة اثنتين عادت الباطنية فدخلوا شيزر على حين غفلة من أهلها فملكوها و ملكوا القلعة و أغلقوا الأبواب و كان صاحبها خرج يتنزه فعاد و أبادهم في الحال و قتل فيها شيخ الشافعية الروياني صاحب البحر قتله الباطنية في بغداد كما تقدم

و في سنة ثلاث أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين

و في سنة أربع بلاء المسلمين بالفرنج و تايقنوا استيلاءهم على أكثر الشام طلب المسلمون الهدنة فامتنعت الفرنج و صالحوهم بألوف دنانير كثيرة فهادنوا ثم غدروا لعنهم الله

و فيها هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس حتى لا يبصر الرجل يده و نزل على الناس رمل و أيقنوا بالهلاك ثم تجلى قليلا و عاد الصفرة و كان ذلك من العصر إلى ما بعد المغرب

و فيها كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج و بين ابن تاشفين صاحب الأندلس نصر فيها المسلمون و قتلوا و أسروا و غنموا ما لا يعبر عنه و بادت شجعان الفرنج

و في سنة سبع جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس فوقع بينهم معركة هائلة ثم رجع مودود إلى الشام فصلى الجمعة يوما في الجامع و إذا بباطني رثب عليه فجرحه فمات من يومه فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه : [ و إن أمه قتلت عميدها في يوم عيد في بيت معبودا لحقيق على الله أن يبيدها ]

و في سنة إحدى عشرة جاء سيل عرم غرق سنجار و سورها و هلك خلق كثير حتى إن السيل و ظهر بعد سنين و سلم طفل في سرير له حمله السيل فتعلق السرير بزيتونه و عاش و كبر

و فيها مات السلطان محمد و أقيم بعده ابنه محمود و له أربع عشرة سنة

و في سنة اثنتي عشرة مات الخليفة المستظهر بالله في يوم الأربعاء الثالث و العشرين من ربيع الأول فكانت مدته خمسا و عشرين سنة و غسله ابن عقيل شيخ الحنابلة و صلى عليه ابنه المسترشد و مات بعده بقليل جدته أرجوان والدة المقتدي

قال الذهبي : و لا يعرف خليفة عاشت جدته بعده إلا هذا رأت ابنها خليفة ثم ابن ابنها ثم ابن ابن ابنها و من شعر المستظهر :

( أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا ... لما مددت إلى رسم الوداع يدا )

( و كيف أسلك نهج الاصطبار و قد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قددا )

( إن كنت أنقص عهد الحب يا سكني ... من بعد هذا فلا عاينتكم أبدا )

و للصارم البطائحي مدحا :

( أصبحت بالمستظهر بن المقتدي ... بالله بن القائم بن القادر )

( مستعصما أرجو نوال أكفه ... و بأن يكون على العشيرة ناصري )

فوقع المستظهر بجائزتين : بخير بين الصلة و الانحدار و المقام و الإدرار و قال السفلي : قال لي أبو الخطاب بن الجراح : صليت بالمستظهر في رمضان فقرأت : {{ إن ابنك سرق }} رواية رويناها عن الكسائي فلما سلمت قال : هذه قراءة حسنة فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب

مات في أيامه من الأعلام : أبو المظفر السمعاني و نصر المقدمي و أبو الفرج و شيذلة و الروياني و الخطيب التبريزي و الكيا الهراسي و الغزالي و الشاشي الذي صنف كتاب الحلية و سماه [ المستظهري ] و الأبيودري اللغوي

وفاة الخليفة العباسي المكتفي بالله وتولي المقتدر بالله الخلافة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الخليفة العباسي المكتفي بالله وتولي المقتدر بالله الخلافة.
295 ذو القعدة - 908 م
هو المكتفي بالله بن المعتضد بن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله، وليس من الخلفاء من اسمه علي سواه بعد علي بن أبي طالب، وليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن علي بن أبي طالب وهو، في أيامه فتحت أنطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله، ثم مات بعد عدة أيام وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما، ثم تولى الخلافة المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد فجددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه.

خلع الخليفة العباسي المقتدر وإعلان الخلافة لعبدالله بن المعتز الذي تولى يوما واحدا فقط.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع الخليفة العباسي المقتدر وإعلان الخلافة لعبدالله بن المعتز الذي تولى يوما واحدا فقط.
296 - 908 م
اجتمع جماعة من القواد والجند والأمراء على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز الخلافة، فأجابهم على أنه لا يسفك بسببه دم، وكان المقتدر قد خرج يلعب بالصولجان فقصد إليه الحسين بن حمدان يريد أن يفتك به، فلما سمع المقتدر الصيحة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش، واجتمع الأمراء والأعيان والقضاة في دار المخرمي فبايعوا عبد الله بن المعتز وخوطب بالخلافة، ولقب بالمرتضى بالله، وقال الصولي: إنما لقبوه المنتصف بالله، واستوزر أبا عبيد الله محمد بن داود وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل إليها، فأجابه بالسمع والطاعة، فركب الحسين بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلمها فقاتله الخدم ومن فيها، ولم يسلموها إليه، وهزموه فلم يقدر على تخليص أهله وماله إلا بالجهد، ثم ارتحل من فوره إلى الموصل وتفرق نظام ابن المعتز وجماعته، فأراد ابن المعتز أن يتحول إلى سامرا لينزلها فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل دار ابن الجصاص فاستجار به فأجاره، ووقع النهب في البلد واختبط الناس وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم وقتل أكثرهم وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة فجدد البيعة إلى المقتدر وأرسل إلى دار ابن الجصاص فتسلمها وأحضر ابن المعتز وابن الجصاص فصادر ابن الجصاص بمال جزيل جدا، نحو ستة عشر ألف ألف درهم، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهر للناس موته وأخرجت جثته فسلمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس، قال ابن الجوزي: ولا يعرف خليفة خلع ثم أعيد إلا الأمين والمقتدر.

المقتدر يقبض على وزيره ابن الفرات.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المقتدر يقبض على وزيره ابن الفرات.
299 ذو الحجة - 912 م
قبض المقتدر على الوزير أبي الحسن بن الفرات في ذي الحجّة، ووكّل بداره، وهتك حُرمه، ونهب ماله، ونُهبت دور أصحابه ومَن يتعلّق به، وافتتنت بغداد لقبضه، ولقي الناس شدّة لمدة ثلاثة أيّام، ثمّ سكنوا. وكانت مدّة وزارته وهي الوزارة الأولى، ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوماً، واستوزر من بعده أبو علي محمد بن عبيدالله بن يحيى بن خاقان.

طاعة أهل صقلية للمقتدر وعودهم إلى طاعة المهدي العلوي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

طاعة أهل صقلّية للمقتدر وعودهم إلى طاعة المهديّ العلويّ.
300 - 912 م
في سنة سبع وتسعين ومائتين استعمل المهديّ عليَّ بن عمر على صِقلّية، فلمّا وليها كان شيخاً ليّناً، فلم يرض أهل صِقلّية بسيرته، فعزلوه عنهم، وولّوا على أنفسهم أحمد بن قرهب، ودعا أحمد بن قرهب الناس إلى طاعة المقتدر، فأجابوه إلى ذلك، فخَطب له بصِقلّية، وقَطع خطبة المهديّ، وأخرج ابن قرهب جيشاً في البحر إلى ساحل أفريقية، فلقوا هناك أسطول المهديّ ومقدّمه الحسن بن أبي خنزير، فأحرقوا الأسطول، وقتلوا الحسن، وحملوا رأسه إلى ابن قرهب، وسار الأسطول الصقلّيُّ إلى مدينة سَفَاقُس، فخرّبوها، وساروا إلى طرابلس، فوجدوا فيها القائم بن المهديّ، فعادوا، ووصلت الخلع السود والألوية إلى ابن قرهب من المقتدر، ثمّ أخرج مراكب فيها جيش إلى قِلُّورِيَةَ، فغنم جيشه، وخربوا وعادوا؛ وسيّر أيضاً أسطولاً إلى إفريقية، فخرج عليه أسطول المهديّ، فظفروا بالذي لابن قرهب وأخذوه، ولم يستقم بعد ذلك لابن قرهب حال، وأدبر أمره، وطمع فيه الناس، وكانوا يخافونه، وخاف منه أهل جرجنت، وعصوا أمره، وكاتبوا المهديّ، فلمّا رأى ذلك أهل البلاد كاتبوا المهديَّ أيضاً، وكرهوا الفتنة، وثاروا بابن قرهب، وأخذوه أسيراً سنة ثلاثمائة وحبسوه، وأرسلوه إلى المهديّ مع جماعة من خاصّته، فأمر بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير، فقُتلوا، واستعمل على صقلّية أبا سعيد موسى بن أحمد، وسيّر معه جماعة كثيرة من شيوخ كُتامة.

علي بن محمد بن الفرات وزير المقتدر يبني المارستان في بغداد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

علي بن محمد بن الفرات وزير المقتدر يبني المارستان في بغداد.
302 - 914 م
بنى الوزير وزير المقتدر - علي بن محمد بن الفرات - المارستان بالحربية من بغداد، وأنفق عليه أموالا جزيلة، جزاه الله خيرا.

تنازل الخليفة العباسي المقتدر بالله عن الملك لأخيه محمد القاهر ثم عودة المقتدر مرة أخرى للحكم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تنازل الخليفة العباسي المقتدر بالله عن الملك لأخيه محمد القاهر ثم عودة المقتدر مرة أخرى للحكم.
317 محرم - 929 م
اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر بالله، وتفاقم الحال وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة وسلموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله، وذلك ليلة السبت النصف من المحرم، وقلد علي بن مقلة وزارته، وولي نازوك الحجوبة مضافا إلى ما بيده من الشرطة، وألزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابا بالخلع من الخلافة وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء والأعيان، وسلم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فقال لولده الحسين احتفظ بهذا الكتاب فلا يرينه أحد من خلق الله، ولما أعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين رده إليه، فشكره على ذلك جدا وولاه قضاء القضاة، فلما كان يوم الأحد السادس عشر من المحرم جلس القاهر بالله في منصب الخلافة، وجلس بين يديه الوزير أبو علي بن مقلة، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالخلافة عوضا عن المقتدر، فلما كان يوم الاثنين جاء الجند وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وبادروا إلى نازوك فقتلوه، وكان مخمورا، ثم صلبوه، وهرب الوزير ابن مقلة، وهرب الحجاب ونادوا يا مقتدر يا منصور، ولم يكن مؤنس يومئذ حاضرا، وجاء الجند إلى باب مؤنس يطالبونه بالمقتدر، فأغلق بابه دونهم، فلما رأى مؤنس أنه لابد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج، فخاف المقتدر أن يكون حيلة عليه، ثم تجاسر فخرج فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانا، فما كان عن قريب حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احترز رأسه وأخرجه من بين كتفيه، ثم استدعى بأخيه القاهر فأجلسه بين يديه واستدعاه إليه، وقبل بين عينيه، وقال: يا أخي أنت لا ذنب لك، وقد علمت أنك مكره مقهور، والقاهر يقول: الله الله! نفسي يا أمير المؤمنين، فقال: وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جرى عليك مني سوء أبدا، وعاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر إلى الخلافة، ورجعت الأمور إلى حالها الأول، وكان ابن نفيس من أشد الناس على المقتدر، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكرا فدخل الموصل، ثم صار إلى إرمينية، ثم لحق بالقسطنطينية فتنصر بها مع أهلها، وقرر أبا علي بن مقلة على الوزارة، وولى محمد بن يوسف قضاء القضاة، وجعل محمد أخاه - وهو القاهر - عند والدته بصفة محبوس عندها، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان، وتشتري له السراري وتكرمه غاية الإكرام.

اغتيال الخليفة العباسي المقتدر بالله وتولي أخيه محمد القاهر الخلافة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اغتيال الخليفة العباسي المقتدر بالله وتولي أخيه محمد القاهر الخلافة.
320 - 932 م
لما تزايدت الوحشة بين مؤنس صاحب الجيش والخليفة المقتدر وزاد ذلك انفراد الوزير الحسين بن القاسم بأشياء أغاظت مؤنسا، الذي عزم على المسير إلى الموصل فسار إليها وحارب فيها بني حمدان وهزمهم فاستمال نحوه كثيرا من الجند والأعراب وغيرهم وجمع العساكر وسار إلى المقتدر على أن يجري عليهم الأرزاق وإلا قاتلوه، فسار - وقد بعث بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشماسية ببغداد، وأشير على الخليفة أن يستدين من والدته مالا ينفقه في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء، وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط، وأن يترك بغداد إلى مؤنس حتى يتراجع أمر الناس ثم يعود إليها، فرده عن ذلك ابن ياقوت وأشار بمواجهته لمؤنس وأصحابه، فإنهم متى رأوا الخليفة هربوا كلهم إليه وتركوا مؤنسا، فركب وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف المنشورة، وعليه البردة والناس حوله، ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدم فامتنع من التقدم إلى محل المعركة، ثم ألحوا عليه فجاء بعد تمنع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفروا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بليق، فلما رآه ترجل وكل به قوما من المغاربة البربر، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض، وذبحه آخر وتركوا جثته، وأخذت المغاربة رأس المقتدر على خشبة قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرا الوقعة - فحين نظر إليه لطم رأس نفسه ووجهه وقال: ويلكم، والله لم آمركم بهذا، لعنكم الله، والله لنقتلن كلنا، ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب، وأبناء رايق، إلى المدائن، وكان فعل مؤنس هذا سببا لطمع ملوك الأطراف في الخلفاء، وضعف أمر الخلافة جدا، مع ما كان المقتدر يعتمده في التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعزل الوزراء، فكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا وأربعة عشر يوما، فلما قتل المقتدر بالله عزم مؤنس على تولية أبي العباس بن المقتدر بعد أبيه ليطيب قلب أم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور من حضر من الأمراء فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي بعد التعب والنكد نبايع لخليفة صبي له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن؟ ثم أحضروا محمد بن المعتضد - وهو أخو المقتدر - فبايعه القضاة والأمراء والوزراء، ولقبوه بالقاهر بالله، وذلك في سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال منها.

خلع الخليفة العباسي القاهر بالله وخلافة الراضي بالله بن المقتدر بالله.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع الخليفة العباسي القاهر بالله وخلافة الراضي بالله بن المقتدر بالله.
322 جمادى الأولى - 934 م
كان سبب ذلك أن الوزير علي بن مقلة كان قد هرب حين قبض على مؤنس ومن معه لإرادتهم قتل القاهر بالله وكان قد قبض عليهم وقتلهم إلا ابن مقلة فإنه هرب، فاختفى في داره، وكان يراسل الجند ويكاتبهم ويغريهم بالقاهر، ويخوفهم سطوته وإقدامه، وسرعة بطشه، ويخبرهم بأن القاهر بالله قد أعد لأكابر الأمراء أماكن في دار الخلافة يسجنهم فيها، ومهال، يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان فهيجهم ذلك على القبض على القاهر بالله، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه الساعة، فركبوا مع الأمير المعروف بسيما، وقصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا عليه من سائر أبوابها وهو مخمور، فاختفى في سطح حمام فظهروا عليه فقبضوا عليه وحبسوه في مكان طريف اليشكري، وذلك يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى فيها، ثم أمروا بإحضاره، فلما حضر سملوا عينيه حتى سالتا على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع مثله في الإسلام، ثم أرسلوه، وكان تارة يحبس وتارة يخلى سبيله، وقد تأخر موته إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، وتمت خلافة الراضي بالله أبي العباس محمد بن المقتدر بالله لما خلعت الجند القاهر أحضروا أبا العباس محمد بن المقتدر بالله فبايعوه بالخلافة ولقبوه الراضي بالله، وقد أشار أبو بكر الصولي بأن يلقب بالمرضي بالله فلم يقبلوا، وذلك يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى منها، وجاؤوا بالقاهر وهو أعمى قد سملت عيناه فأوقف بين يديه فسلم عليه بالخلافة وسلمها إليه، فقام الراضي بأعبائها، وأمر بإحضار أبي علي بن مقلة فولاه الوزارة، وجعل علي بن عيسى ناظرا معه، وأطلق كل من كان في حبس القاهر بالله

البويهيون يعزلون الخليفة العباسي المستكفي بالله ويولون المطيع الفضل بن المقتدر الخلافة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

البويهيون يعزلون الخليفة العباسي المستكفي بالله ويولون المطيع الفضل بن المقتدر الخلافة.
334 جمادى الآخرة - 946 م
حضر معز الدولة إلى الحضرة فجلس على سرير بين يدي الخليفة، وجاء رجلان من الديلم فمدا أيديهم إلى الخليفة فأنزلاه عن كرسيه، وسحباه، ونهض معز الدولة واضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم، وتفاقم الحال، وسيق الخليفة ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، وأحضر أبو القاسم الفضل بن المقتدر فبويع بالخلافة وسملت عينا المستكفي وأودع السجن فلم يزل به مسجونا حتى كانت وفاته في سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وتمت خلافة المطيع لله لما قدم معز الدولة بغداد حيث استدعي وقد كان مختفيا من المستكفي وهو يحث على طلبه ويجتهد، فلم يقدر عليه، ويقال إنه اجتمع بمعز الدولة سرا فحرضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، ثم أحضر وبويع له بالخلافة ولقب بالمطيع لله، وبايعه الأمراء والأعيان والعامة، وضعف أمر الخلافة جدا حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهي ولا وزير أيضا، فكانت مدة خلافة المستكفي سنة وأربعة أشهر.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت