نتائج البحث عن (قَيَّام) 50 نتيجة

(الْقِيَامَة) القوامة وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم بعث الْخَلَائق لِلْحسابِ
القيام بالله: هو الاستقامة عند البقاء بعد الفناء، والعبور على المنازل كلها، والسير عن الله بالله في الله، بالانخلاع عن الرسوم بالكلية. قال الشيخ: الهاء في لفظة الله تدل على أن منتهى الجميع إلى الغيب المطلق.

القيام لله: هو الاستيقاظ من نوم الغفلة والنهوض عن سنة الفترة عند الأخذ في السير إلى الله.
القيام:[في الانكليزية] Rising ،execution ،wage -earner of a family [ في الفرنسية] Lever ،execution ،soutien de famille بالكسر لغة الانتصاب وشرعا استواء اتّسق الأسفل والأعلى كذا في جامع الرموز في فصل صفة الصلاة. أمّا القيام بالذات وبالغير فنقول قيام الممكن بذاته عند جمهور المتكلّمين النافين للجواهر المجرّدة هو التحيّز بالذات، أي كون الشيء مشارا إليه بالإشارة الحسّية بالذات بأنّه هنا أو هناك. وقيام الواجب بذاته عندهم هو الاستغناء عن محلّ يقومه ويحصله، والقيام بالذات عند الحكماء مطلقا هو الاستغناء عن المحلّ. وبالجملة فالقيام بالذات له معنيان عند المتكلّمين ومعنى واحد عند الحكماء. والقيام بالغير يقابله على كلا المعنيين. فالقيام بالغير على المعنى الأول هو التبعية في التحيّز وهو أن يكون الشيء بحيث يكون تحيّزه تابعا لتحيّز شيء آخر، على المعنى الثاني هو الاختصاص الناعت أي اختصاص شيء بشيء بحيث يصير الأول نعتا ويسمّى حالا والثاني منعوتا ويسمّى محلّا، سواء كان متحيّزا كما في سواد الجسم أو لا كما في صفات المجرّدات. ولهذا توضيح ما في لفظ الوصف. فالمعنى الأول للقيام بالذات أخصّ مطلقا من المعنى الثاني لأنّ كلّ ما يتحيّز بالذات فهو مستغن عن محلّ يقومه ولا عكس كلّيا لجواز أن يكون كالعقول والنفوس. والحال في القيام بالغير أيضا كذلك لأنّ كلما يكون تحيّزه تابعا لتحيّز شيء آخر يكون نعتا ولا عكس كلّيا كما في صفات المجردات. اعلم أنّ القيام بالغير لا يتصوّر في الواجب لذاته لا عند المتكلّمين ولا عند الحكماء وهو ظاهر، ولا في صفاته تعالى عند الحكماء وغيرهم القائلين بأنّها عين الذات. وأمّا عند المتكلّمين القائلين بأنّها ليست عين الذات فمتصوّر. وأمّا في الممكن لذاته فمتصوّر أيضا عند جميعهم وهو ظاهر.وأمّا القيام بالذات فعند الحكماء يتصوّر في الواجب والممكن جميعا أي يطلق بالاشتراك المعنوي عليهما وكذا عند المتكلّمين، إلّا أنّ الاشتراك عندهم لفظي، هكذا يستفاد من شرح العقائد للمحقّق التفتازاني وحواشيه كأحمد جند وغيره.
يوم القيامةله في القرآن أسماء كثيرة تطلق عليه في المواضع المختلفة، لتوحى هذه الأسماء في أماكنها بالمعانى التى يستدعيها المقام، فهو اليوم الآخر والآخرة، عند ما يكون في مقابلة الحديث عن الدنيا وموازنته بها، أو عند الحديث عنه ملاحظا فيه هذا التقابل، كما تجد ذلك في قوله تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ (آل عمران 148). وقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (الأعراف 169).ويدعى بيوم القيامة مثيرا في النفس هذه الحركة المائجة المضطربة، التى ينبعث فيها الأموات من أجداثهم كالجراد المبثوث؛ وبيوم الدين ملحوظا فيه أنه اليوم الذى يجزى فيه كل إنسان بعمله خيرا أو شرا، ولما كان المثيب والمعاقب يومئذ هو الله وحده كان جميلا رائعا قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة 4). وبيوم الفصل إذ فيه يفصل بين الصواب والباطل فصلا عمليّا لا شبهة فيه. وبيوم البعث لأنه يوم الحياة بعد الموت؛ فإذا دعى بالساعة كان ملاحظا فيه عنصر المفاجأة الباغتة؛ أو بالحاقة فلأن وجودها حق لا مرية فيه؛ أو بالقارعة فلشدّة هولها وما فيها من مصائب وأهوال، أو بيوم الآزفة فلأنها شديدة القرب والمفاجأة.وقد عنى القرآن أيّما عناية بأهمية الإيمان باليوم الآخر، يذكره كلما ذكرت صفات المؤمن المثالىّ، ويقرن الإيمان به بالإيمان بالله، حتى لا يذكر الإيمان باليوم الآخر منفردا دونه، فيقول: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة 62). ويقول: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (البقرة 177). وأوعد القرآن شديد الوعيد من كفر باليوم الآخر، وقرنه كذلك بمن كفر بالله، فقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (النساء 136). وقال:قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (التوبة 29). وسرّ العناية باليوم الآخر أن الإيمان به يعدّ الدعامة الأولى في بناء الدين كله، وإذا انهار هذا الأساس انهار الدين، فلم يعد له من بقاء، فعقيدة المرء في الحساب وأنه مجزىّ بعمله، على الخير والشر، هى التى تدفعه إلى التفكير السليم، كى يصل إلى العقيدة الصحيحة التى يؤمن بها، وإلى العمل الصالح واجتناب مساوئ الأمور، كى يجزى على الخير بالحسنى، ويتّقى أليم العذاب، ولو أن عقيدة البعث قد انمحت، ما كان للفضيلة سلطان على نفوس الجماهير يقودها، رهبة ورغبة، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (النمل 4). وقوله سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (النحل 22). ولما كان لليوم الآخر هذه الأهمية في بناء الدين، عنى القرآن بغرس عقيدته في النفوس، وتصويره منذ أول عهد الدعوة، ولهذا كان أكثر الحديث عنه في السور التى نزلت بمكة.وقد دلل القرآن في مواطن كثيرة على أن اليوم الآخر آت لا ريب فيه، يبرهن على ذلك بقدرته على خلق هذا العالم وما فيه، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (النبأ 6 - 16). بل يؤيد مقدرته على البعث بما هو معروف لدينا، من أن إعادة ما عمل العامل أسهل عليه من بدء العمل، فيقول: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (الروم 27). ويقول وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِوَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (يس 78 - 82). فأنت تراه هنا يعجب من هذا الذى ينكر البعث ناسيا بدء خلقه، وأنه لم يكن شيئا مذكورا، فأخذ يتساءل من يستطيع أن يحيى العظام البالية، فأجابه القرآن في يسر بأن الذى أنشأها أول مرة هو الذى يحييها، وهو عالم بكل صغيرة وكبيرة، فى الخلق، ففي مستطاعه أن يعيد ما بدأ خلقه، أو ليس هذا القادر على أن يخلق النار من الشجر الأخضر المليء بالماء قادرا على أن يعيد خلقهم؟ أو ليس من خلق السموات والأرض وهى بهذه الفخامة والإحكام قادرا على أن يخلق مثل هذا الإنسان الحقير الضئيل، لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُمِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (غافر 57). وتنتهى الآيات بتصوير قدرة الله، يستجيب لها الكون في خضوع وسرعة، فلا يلقى الله أمرا حتى يخضع الكون لأمره، ولا يلبث أن يقول لشىء كن، حتى يتحقق ويكون. وفي سورة أخرى يؤكد قدرته على جمع عظام المرء وتسوية أدق ما فيه من هذه العظام، وهى عظمة البنان، فيتساءل متعجبا، ثم يجيب في تأكيد: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (القيامة 3، 4).ويقرّب القرآن أمر البعث إلى نفوسهم، فيوجه أنظارهم إلى الأرض الميتة ينزل عليها الماء، فتنبعث فيها الحياة، وتنبت من كل زوج بهيج، فيقول: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فصلت 39). ويقول: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (فاطر 9). وإذا كانوا يرون هذه الظاهرة في كل حين، فمن المعقول أن يكون لها شديد التأثير في نفوسهم، لقربها منهم، وقوة دلالتها على قدرة الله على بعث الحياة في الجماد الميت.وحفل القرآن بكثير من صور هذا اليوم، يرسم الطبيعة فيه والناس: أما الأرض فإنها تميد تحت الأقدام مزلزلة مرتجفة، تنشقّ في كل مكان، مخرجة أثقالها، ويقف الإنسان في ذهول ودهشة يتعجب: ما لهذه الأرض قد خرجت على طبيعتها الهادئة، فثارت تلك الثورة المريعة؟! وتظل الأرض تلفظ ما بداخلها، تنبئ بأنها تفعل ما تفعل بأمر الله الذى أوحى بذلك لها، إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (الزلزلة 1 - 5). وأما الجبال فتصبح في هشاشة الصوف وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (القارعة 5). ثم لا تلبث أن تنمحى من فوق صفحة الأرض، فتصبح مستوية لا عوج فيها ولا ارتفاع، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (طه 105 - 107). وتتفجر البحار، وتتبعثر القبور مخرجه ما استودعته من أشلاء البشر، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (الانفطار 3 - 5). ويشتد ارتجاج الأرض وارتجافها، حتى لينكرها الإنسان، ويجف لها قلبه، ويراها أرضا غير ما ألف، وتربة مضطربة لا عهد له بها من قبل، يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا (المزمل 14). يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (إبراهيم 48).وأما السماء فإنها تطوى كما يطوى السجل كتابا، فلا تعود ترى بناء محكما، كما نراها بأعيننا في هذه الحياة الدنيا، بل تصبح بيّنة الفجوات ظاهرة الشقوق، ومما يزيد الأمر هو لا هذا الغمام المتكاثف يمور في السماء مورا يبعث الرهبة والفزع يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (الأنبياء 104). ووَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (الفرقان 25). ويَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (الطور 9 - 11). ويلف الكون ظلام دامس، فالكواكب تنتثر لا رابط بينها، ولا اتّساق ينظمها، والشمس ينمحى ضوؤها، فتصبح كرة مظلمة لا يشع منها نور يضيء أرجاء الكون، وتنكدر النجوم التى كانت تبدو في السماء كأنها مصابيح، فينطمس نورها، ولما فقدت الجاذبية بين الكواكب انتثرت في الجو، ويملأ النفس رعبا أن ترى الشمس والقمر قد اقترنا مجتمعين، لا ضوء لهما ولا بهجة، إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (الانفطار 1 - 2). وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (التكوير 1، 2). فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (القيامة 7 - 12).فى هذه الظلمة الحالكة يخرج الناس من أجداثهم في سرعة وهلع، أما الأبصار فخاشعة، وأما القلوب فواجفة، يذهلهم ما لم يكونوا قد ألفوه من كون قد تبدّل وتغير، يخرجون في كثرة بالغة جماعات جماعات كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (القمر 7). يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (المعارج 43). يسيرون على غير هدى، وكأنهم يهربون من الظلمة، أو يفرون مما يرونه أمامهم من مناظر تبعث الرعب، وتثير المخافة. ولا يلبثون أن يدعوا إلى الحساب، حتى يسرعوا إلى الدّاعى متهافتين، كما يتهافت الفراش المبثوث، ظنا منهم أن سوف يجدون عنده الأمن والطمأنينة.ولا تشعر النفوس وقد خرجت من أجداثها، بأنها قضت وقتا طويلا تحت أطباق الثرى، بل كأنها قد غادرت الدنيا منذ وقت قصير، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (النازعات 46).ويزيد النفوس رهبة أن يمدوا أبصارهم فيروا النار تتلظى، وقد اشتد أوار لهبها، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (النازعات 36). فلا عجب أن بعث هذا اليوم في النفوس هولا ورهبة، فشعرت به عابسا مكفهرا، وأن تبلغ القلوب فيه الحناجر اضطرابا وخوفا، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ (غافر 18). وأنيملك الهول قلوب المبعوثين هولا يشيب له الوليد، فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (المزمل 17). ولم لا يشيب الوليد، وهذه الأرض ترتجف تحت قدمه، والكواكب قد انتثرت تتهاوى وتضطرب، مظلمة كدرة، وهذه الشمس والقمر قد اجتمعا مظلمين اجتماعا يبعث الرهبة في النفوس؟!ولما كان ذلك يوم الجزاء، وقف الملائكة جند الرحمن صفا، خاضعين لأمر الله، ينفذون ما يأمر به في ذلك اليوم، وإن في وقف الملائكة صفا ما يزيد في رهبة هذا اليوم وجلاله، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (النبأ 38).وقد تحدث القرآن عن المفاجأة التى يذهل لها من كان ينكر يوم البعث، ويصور القرآن مشهد الحديث يدور بين من آمن بالبعث ومن كفر به، ويصور ذهول هؤلاء وقد فوجئوا بيوم القيامة، فيقول: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (الروم 55 - 57).يبدأ الحساب، فيناقش هؤلاء الذين لم يرعوا حق يومهم هذا، وأنكروه، ولم يصغوا إلى إنذار الرسل، بل غرتهم الحياة الدنيا، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (الأنعام 128 - 130). ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (سبأ 40، 41). وقال الذين كفروا: وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (الصافات 20 - 33). أرأيت استسلامهم في ذلك،والتعجب من أن بعضهم لا ينصر بعضا، كما كان شأنهم في الدنيا، بل إن بعضهم يسأل بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض، ويؤكد القرآن مرة أخرى معنى انصراف كل إنسان إلى نفسه، وعنايته بأمره فحسب، إذ يقول: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (عبس 34 - 37). يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (النحل 111). وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (البقرة 48).فى هذا اليوم الذى حشر فيه الناس جميعا، وشغل كل فرد فيه بنفسه عمن عداه، تتراءى للمرء أعماله، ويعود إلى ذاكرته ما قدم من خير، أو سوء، ويقرأ هذه الأعمال مسجلة عليه، فهو يقرأ في كتاب منشور، والقرآن يعرض عرضا مؤثرا من يرى نفسه قد قدم خيرا، ومن يرى الشر غالبا عليه، فيقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (الحاقة 19 - 31). ويعجب الكفار من دقة الإحصاء والتقييد، وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (الكهف 49).وتوزن الأعمال وتنال تقديرها، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ (القارعة 6 - 11).وينزل إلى أغوار النفوس عند ما ترى أعمالها، فما تراه من خير تسفر به وجوهها، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (آل عمران 30). وتشتد الحسرة بمن كفر حسرة تملك قلبه، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (النبأ 40). يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (النساء 42).ويصور تصويرا ناطقا ما يشعر به من خسر عمله من تفاهة الحياة الدنيا، فيتمنى أن له كان قد قدم من العمل الصالح ما يستفيد به في هذه الحياة الباقية التى يشعر بها الحياة الحقة الدائمة، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (الفجر 23، 24).لا عجب إذا أن تفصح الوجوه عما تحس به النفوس، وأن نرى وجوها تتلألأ ابتهاجا ونورا، ووجوها قد خبا ضوؤها، وأظلمت، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌوَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (آل عمران 106، 107). ويصف القرآن هذه الوجوه في موضع آخر، فيقول: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (عبس 38 - 42).وتتعدد المناظر في هذا اليوم الحافل، فهذا قد حوسب حسابا يسيرا، وانقلب إلى أهله مسرورا، وذاك قد أوتى كتابه وراء ظهره، فعاد خاسرا يدعو ثبورا، وهذه طائفة قداشترت بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، فأعرض الله عنهم، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (آل عمران 77).وتلك طائفة قد بخلت بما آتاهم الله من فضله، فيصهر ما بخلوا به، ويطوّقونه، وهذا أعمى قد أعرض عن ذكر الله في الدنيا، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (طه 124 - 126). وهؤلاء أناس قد اسودّت وجوههم لكذبهم على الله، وهؤلاء مجرمون قد قرنوا في القيود والأصفاد، قد لبسوا سرابيل من قطران، وتغشى وجوههم النار، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (غافر 71، 72).وهؤلاء ضالّون فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا (الإسراء 97). وهؤلاء كفار قد ملأهم الذهول فشخصت أبصارهم في رعب وخوف. ومن أكثر الصور تأثيرا في ذلك اليوم صورة هؤلاء المجرمين، وقد نكسوا رءوسهم عند ربهم قائلين: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (السجدة 12). ولكن أنى يستجاب لهم، أو يسمع دعاؤهم. أوليس من الخير أن يبادروا إلى الإيمان في الدنيا، حيث ينفع الإيمان قبل أن يقفوا هذا الموقف اليائس، وقبل أن يجابوا بأن يقال لهم: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (السجدة 14).وإن الأسف ليشتد بهؤلاء حين يرون العذاب، فيتمنون أن تكون لهم كرة ليكونوا من المحسنين، وذلك إنذار بما يترقبهم من يأس قاتل، من الخير ألا يضعوا أنفسهم في مكانه. ومن أشد هذه الصور تأثيرا كذلك هذا التقاطع الذى يتم بين المشركين بعضهم وبعض، وبينهم وبين ما كانوا يشركون من دون الله، ف الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (الزخرف 67). ثم قيل لهم:أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (غافر 73، 74). وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (العنكبوت 25). وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (الروم 12، 13). وإذا كانت تلك الخاتمة نهاية صلة المشركين بعضهم ببعض وبما كانوا به يشركون، فمن الطبيعى أن يتدبروا مصيرهم في هذه الحياة، قبل ألا يكون ثمة مجال للرجوع عن الخطأ ولا للاعتراف بالحق، وقبل أن يقال لهم وهم في ذهول ورهبة: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (الأنبياء 98، 99). تلك هى الصورة التى رسمها القرآن لليوم الآخر، وهى صورة تبعث في النفس الرهبة، من شهود هذا اليوم بلا إعداد له إعدادا يكون سياجا بين المرء وما يحذره من هذه الأهوال، ودرعا يقيه الشدائد والخطوب، وتدعو المرء إلى التفكير السليم في المصير، حتى يهيّئ له ما يصل به إلى السلامة والنجاة.وقد وازن القرآن كثيرا بين الحياة الدنيا والآخرة، فيرى نعيم الحياة الدنيا في الآخرة قليلا ضئيلا، كمتاع يستمتع به مسافر على عجل، ويقول: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ (آل عمران 185). فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (التوبة 38).ويرى عذاب الآخرة أشد العذاب، وهو أشد وأبقى من عذاب هذه الحياة، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (طه 127). وبعد الحشر والحساب ينقسم الناس جماعات، يساق بعضها إلى جهنم، ويمضى بعضها الآخر إلى الجنة، وها هو ذا القرآن يصور هذه الجماعات، حاشدة تمضى إلى قدرها المقسوم، وتستقبل بما يليق بها وما تستحقه، فيقول: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الزمر 71 - 75). وهكذا ينقسم الناس: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
قَيَّامة
من (ق و م) الكثيرة القيام والقياس قوامة.
قَيَامَة
من (ق و م) الإعتدال والإنتظام، وإعجاب المرء بنفسه في عامية.
قِيَامة
من (ق و م) القيام على الأمر أو المال، ويوم القيامة يوم بعث الخلائق للحساب.
قِيَام
من (ق و م) نهوض الشخص واقفا، واعتدال الأمر.
قَيَّام
من (ق ي م) الكثير القيام والقياس قوام.
الْقِيَامَة: بِالْفَارِسِيَّةِ (رستخيز) وخلاصة مَا فِي إحْيَاء الْعُلُوم أَن الْقِيَامَة قيامتان الْقِيَامَة الْكُبْرَى وَهُوَ يَوْم الْحَشْر وَالْقِيَامَة الصُّغْرَى وَهِي حَالَة الْمَوْت وَإِلَيْهِ أَشَارَ نَبِي آخر الزَّمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " من مَاتَ فقد قَامَت قِيَامَته ". وَفِي هَذِه الْقِيَامَة يكون الْإِنْسَان وَحده وَعِنْدهَا يُقَال لَهُ لقد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة وَأما فِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى الجامعة لأصناف الْخَلَائق فَلَا يكون وَحده وأهوال الْقِيَامَة الصُّغْرَى تحاكي وتماثل أهوال الْقِيَامَة الْكُبْرَى. إِلَّا أَن أهوال الصُّغْرَى تخصك وَحدك وأهوال الْكُبْرَى تعم الْخَلَائق أَجْمَعِينَ. وَقد تعلم أَنَّك أَرض مَخْلُوق من التُّرَاب وحظك الْخَالِص من التُّرَاب بدنك خَاصَّة وَأما بدن غَيْرك فَلَيْسَ حظك وَالَّذِي يخصك من زَلْزَلَة الأَرْض زَلْزَلَة بدنك فَقَط الَّذِي هُوَ أَرْضك فَإِن انْهَدَمت بِالْمَوْتِ أَرْكَان بدنك فقد زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا. وَلما كَانَت عظامك جبال أَرْضك ورأسك سَمَاء أَرْضك وقلبك شمس أَرْضك وسمعك وبصرك وَسَائِر حواسك نُجُوم سمائك والعرق بَحر أَرْضك فَإِذا رمت الْعِظَام فقد نسفت الْجبَال نفسا. وَإِذا أظلم قَلْبك عِنْد الْمَوْت فقد كورت الشَّمْس تكويرا. وَإِذا بَطل سَمعك وبصرك وَسَائِر حواسك فقد انكدرت النُّجُوم انكدارا فَإِذا انْشَقَّ دماغك فقد انشقت السَّمَاء انشقاقا فَإِذا انفجر من هول الْمَوْت عرق جبينك فقد فجرت الْبحار تفجيرا فَإِذا الْتفت أحد ساقيك بِالْأُخْرَى وهما مطياتك فقد عطلت العشار تعطيلا فَإِذا فَارق الرّوح الْجَسَد فقد أَلْقَت الأَرْض مَا فِيهَا وتخلت.وَاعْلَم أَن أهوال الْقِيَامَة الْكُبْرَى أعظم بِكَثِير من أهوال هَذِه الصُّغْرَى وَهَذِه الْأَمْثِلَة لأهوال تِلْكَ فَإِذا قَامَت عَلَيْك هَذِه بموتك فقد جرى عَلَيْك مَا كَأَنَّهُ جرى على كل الْخَلَائق فَهِيَ أنموذج للقيامة الْكُبْرَى. فَإِن حواسك إِذا عطلت فَكَأَنَّمَا الْكَوَاكِب انتثرت إِذْ الْأَعْمَى يَسْتَوِي عِنْده اللَّيْل وَالنَّهَار وَمن انْشَقَّ رَأسه فقد انشقت السَّمَاء فِي حَقه إِذْ من لَا رَأس لَهُ لَا سَمَاء لَهُ. وَنسبَة الْقِيَامَة الصُّغْرَى إِلَى الْقِيَامَة الْكُبْرَى كنسبة الْولادَة الصُّغْرَى وَهِي الْخُرُوج من الصلب والترائب إِلَى فضاء الرَّحِم إِلَى الْولادَة الْكُبْرَى وَهِي الْخُرُوج من الرَّحِم إِلَى فضاء الدُّنْيَا وَنسبَة سَعَة عَالم الْآخِرَة الَّذِي تقدم عَلَيْهِ العَبْد بِالْمَوْتِ إِلَى فضاء الدُّنْيَا كنسبة فضاء الدُّنْيَا إِلَى الرَّحِم بل أوسع وَأعظم بِمَا لَا يُحْصى.

قيام الشَّيْء بِذَاتِهِ وَقيام الشَّيْء بِغَيْرِهِ

دستور العلماء للأحمد نكري

قيام الشَّيْء بِذَاتِهِ وَقيام الشَّيْء بِغَيْرِهِ: فِي الْأَعْيَان.
القيام: الاستقلال بأعباء تقبله، ذكره الحرالي. وقال الراغب هو على أضرب: قيام بالشخص إما بتسخير أو باختيار. وقيام بالمراعاة للشيء والحفظ له. وقيام بالعزم على الشيء.
القيام لله: هو الاستيقاظ عن نوم الغفلة، والنهوض عن سنة الفترة عند الأخذ في السير إلى الله
القيام بالله: هو الاستقامة عند البقاء بعد الفناء، والعبور عن المنازل كلها، والسير عن الله في الله بالانخلاع عن الرسوم بالكلية
القيامة: فعالة يفهم فيها التاء للمبالغة والغلبة. وهو قيام الساعة، وأصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة أدخل فيها الهاء تنبيها على وقوعها دفعة بغته. وقال أبو البقاء فعالة من القيام لأن الأموات يقومون بنفخة الصور في ذلك اليوم.
التوركُ في القيام: هو أن يضع يده على وركيه في الصلاة وهو قائمٌ وقد نُهِيَ عنه.
القيام في الصلاة: هو الانتصاب مع الاعتدال بحيث لو مَدَّ يديه لا ينال رُكْبَتَيْه.
القِيَامة: قيامتان الصغرى هي حالة الموت، والكبرى هي الحشر والبعث من الأرماس اللَّهُمَّ نَجِّنَا من أهوَالِهَا.

تأخير الظلامة، إلى يوم القيامة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تأخير الظلامة، إلى يوم القيامة
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
وهو رسالة.
ألفها: شكاية عمن آذاه، وذكر قصة ثعلبة بن حاطب، وغيره.

تذكرة الأنام، في النهي عن القيام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تذكرة الأنام، في النهي عن القيام
للقاضي، عز الدين: عبد الرحيم بن محمد بن الفرات القاهري.
المتوفى: سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.

الترخيص في الإكرام، بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الترخيص في الإكرام، بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام
للإمام، محيي الدين: يحيى بن شرف النووي، الشافعي.
المتوفى: سنة 676، ست وسبعين وستمائة.

قيام الْخَيل

المخصص

أَبُو عبيد الصَّائِم الْقَائِم الساكتُ الَّذِي لَا يَطْعَمُ شَيْئا وَأنْشد
(خَيْلٌ صِيَامٌ وَخيلٌ غيرُ صائِمَةٍ ...
)

وَقد صامَ يَصومُ والكافُل الَّذِي لَا يَأْكُل وَهُوَ الَّذِي يَصِلُ الصِّيَامَ أَيْضا وَأنْشد:
(يَلُذْنَ بِأَعْقَارِ الحِيَاضِ كَأَنَّهَا ...
نساءُ النصارَى أصبحتْ وَهِي كُفَّلُ)

والعاذبُ والعَذُوبُ نحوُه وَجمعه عُذُوبٌ وَقد عَذَبَ يَعْذِبُ عَذْباً وعُذُوباً لم يَأْكُل من العَطش وَكَذَلِكَ الرجلُ والحمارُ عليُّ عُذُوبٌ جمعُ عَاذِب كقاعِد وقُعُود فَأَما عَذُوبٌ فجمعُه عُذُبٌ أَبُو عبيد الصافِنُ الْقَائِم وَمِنْه حَدِيث البَراء
كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا سَجَدَ قُمْنَا خَلْفَهُ صُفُوناً
وَيُقَال الصافنُ الْقَائِم على ثلاثِ قوائِم ابْن دُرَيْد صَفَنَ يَصْفِنُ صُفُوناً ثَنَى إِحْدَى رجلَيْهِ وَوَطِئ على سُنْبُكِه وكل ذِي حافر يَفْعَله إِلَّا أَنه فِي

الجِيَادِ أَكثر وَكَذَلِكَ فُسِّرَ قَوْله عز وَجل {{الصافِنَاتُ الجِيَادُ}} {{ص 31}} والصائِنُ كالصَّافِنِ أَبُو عبيد الصَّائِنُ القائِمُ على طَرف حافرِه وَقد صانَ يَصُونُ وَأنْشد
(وَمَا حَاوَلْتُمَا بِقِيَاد خَيْلٍ ...
يَصُونُ الوَرْد فِيهَا والكُمَيْتُ)

أَبُو زيد أخامَ رَفَعَ إحْدى رِجليه

الْقيام والاعتدال

المخصص

القِيام - نقيض الجُلوس قَامَ قوْماً وقِياماً وأقَمْتُه وَقَامَ الشَّيْء واستقام - اعتدل واسْتوى وقوّمتُه أَنا.
سِيبَوَيْهٍ: رجل قَائِم من قُوّم وقُيّم قُلِبت فِيهِ الْوَاو يَاء لخفّتها وقُربها من الطّرَف.
أَبُو عبيد: المائل - الْقَائِم وَقد مثل يمثُل مُثولاً والمُصلَخِدّ والمُصلخِمّ - المنتصب الْقَائِم وَكَذَلِكَ المصطَخِم غير أَنَّهَا مُخَفّفَة الْمِيم والمتمَهِلّ - المعتدِل وَهُوَ المتمَئِل والمسْمَهِدّ - المعتدل.
أَبُو زيد: ترَأدْت فِي قيامي - إِذا قمتَ فأخذَتْك رِعدة شَدِيدَة فِي عظامك.
وَقَالَ: المُجثئل - المنتصب.

تعرفة وبيان

ترتيبها المصحفي: 75 نوعها: مكية آيها: 40 كوفي، 39 الباقون ألفاظها: 165 ترتيب نزولها: 31 بعد القارعة مدغمها الكبير: 3

من أسمائها: سورة لا أقسم

‫الرد على شبهات النصارى في ادعائهم الإيمان وأن القرآن قد أثنى على دينهم وحكم لهم بالنجاة يوم القيامة‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫هذه الشبهات متتالية، كل شبهة تعقبها الإجابة عنها:-‬
‫1 - فمنها: أنهم قالوا: إن محمدا- ﷺ- لم يبعث إلينا، فلا يجب علينا اتباعه، وإنما قلنا: إنه لم يرسل إلينا؛ لقوله تعالى في الكتاب العزيز: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: 2. ولقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4. ولقوله تعالى: بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ [الجمعة:2. ولقوله تعالى: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون [القصص:46. ولقوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين [الشعراء:214. ولا يلزمنا إلا من جاءنا بلساننا، وأتانا بالتوراة والإنجيل بلغاتنا.‬
‫فالجواب من وجوه:‬
‫أحدها: أن الحكمة في أن الله تعالى إنما يبعث رسله بألسنة قومهم، ليكون ذلك أبلغ في الفهم عنه ومنه، وهو أيضا يكون أقرب لفهمه عنهم جميع مقاصدهم في الموافقة والمخالفة، وإزاحة الأعذار والعلل، والأجوبة عن الشبهات المعارضة، وإيضاح البراهين القاطعة، فإن مقصود الرسالة في أول وهلة إنما هو البيان والإرشاد، وهو مع اتحاد اللغة أقرب، فإذا تقررت نبوة النبي في قومه قامت الحجة على غيرهم، إذا سلموا ووافقوا، فغيرهم أولى أن يسلم ويوافق، فهذه هي الحكمة في إرسال الرسول بلسان قومه، ومن قومه.‬
‫وفرق بين قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4 وبين قوله: وما أرسلنا من رسول إلا لقومه. فالقول الثاني هو المفيد لاختصاص الرسالة بهم، لا الأول. بل لا فرق بين قوله: وما أرسلنا من رسول إلا لقومه. وبين قوله: وما أرسلنا من رسول إلا مكلفا بهداية قومه. فكما أن الثاني لا إشعار له بأنه لم يكلف بهداية غيرهم، فكذلك الأول، فمن لم يكن له معرفة بدلالة الألفاظ، ومواقع المخاطبات سوَّى بين المختلفات، وفرَّق بين المؤتلفات.‬
‫وثانيها: أن التوراة نزلت باللسان العبراني والإنجيل بالرومي، فلو صحَّ ما قالوه لكانت النصارى كلهم مخطئين في اتباع أحكام التوراة، فإن جميع فرقهم لا يعلمون هذا اللسان إلا كما يعلم الروم اللسان العربي بطريق التعليم، وأن تكون القبط كلهم والحبشة مخطئين في اتباعهم التوراة والإنجيل؛ لأن الفريقين غير العبراني والرومي، ولو لم ينقل هذان الكتابان بلسان القبط، وترجما بالعربي لم يفهم قبطي، ولا حبشي، ولا رومي شيئا من التوراة، ولا قبطي ولا حبشي شيئا من الإنجيل إلا أن يتعلموا ذلك اللسان، كما يتعلمون العربي.‬

‫وثالثها: أنه إذا سلم أنه عليه السلام رسول لقومه، ورسل الله تعالى خاصة خلقه وخيرة عباده معصومون عن الزلل، مبرؤون من الخطل، وهو عليه السلام قد قاتل اليهود، وبعث إلى الروم ينذرهم ........ وكتب إلى المقوقس بمصر لإنذار القبط ولكسرى بفارس، وهو الصادق البر، كما سلم أنه رسول لقومه، فيكون رسولا للجميع، ولأن في جملة ما نزل عليه ﷺ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاس [سبأ:28. فصرَّح بالتعميم، واندفعت شبهة من يدَّعي التخصيص، فإن كانت النصارى لا يعتقدون أصل الرسالة، لا لقومه، ولا لغيره، فيقولون: أوضحوا لنا صدق دعواكم. ولا يقولون كتابكم يقتضي تخصص الرسالة، وإن كانوا يعتقدون أصل الرسالة لكنها مخصوصة لزمهم التعميم لما تقدم، وكذلك قوله تعالى: بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ [الجمعة:2. لا يقتضي أنه لم يبعثه لغيرهم، فإن الملك العظيم إذا قال: بعثت إلى مصر رسولا من أهلها لا يدل ذلك على أنه ليس على يده رسالة أخرى لغيرهم، ولا أنه لا يأمر قوما آخرين بغير تلك الرسالة، وكذلك قوله تعالى: لِتُنذِرَ قَوْمًا ما أنذِرَ آبَاؤُهُمْ [يس:6. ليس فيه أنه لا ينذر غيرهم، بل لما كان الذي يتلقى الوحي أولا هم العرب كان التنبيه عليه بالمنة عليهم بالهداية أولى من غيرهم، وإذا قال السيد لعبده: بعثتك لتشتري ثوبا. لا ينافي أنه أمره بشراء الطعام، بل تخصيص الثوب بالذكر لمعنى اقتضاه، ويسكت عن الطعام؛ لأن المقصد الآن لا يتعلق به، وما زالت العقلاء في مخاطباتهم يتكلمون فيما يوجد سببه، ويسكتون عما لم يتعين سببه.‬
‫وإن كان المذكور والمسكوت عنه حقين واقعين، فكذلك الرسالة عامة، ولما كان أيضا المقصود تنبيه بني إسرائيل، وإرشادهم خصوا بالذكر، وخصصت كل فرقة من اليهود والنصارى بالذكر، ولم يذكر معها غيرها في القرآن في تلك الآيات المتعلقة بهم، وهذا هو شأن الخطاب أبدا، فلا يغتر جاهل بأن ذكر زيد بالحكم يقتضي نفيه عن عمرو، وكذلك قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين [الشعراء:214. ليس فيه دليل على أنه لا ينذر غيرهم، كما أنه إذا قال القائل لغيره: أدِّب ولدك. لا يدل على أنه أراد أنه لا يؤدب غلامه، بل ذلك يدل على أنه مراد المتكلم في هذا المقام تأديب الولد؛ لأن المقصود مختص به، ولعله إذا فرغ من الوصية على الولد يقول له: وغلامك أيضا أدبه؛ وإنما بدأت بالولد لاهتمامي به. ولا يقول عاقل: إن كلامه الثاني مناقض للأول. وكذلك قرابته عليه السلام هم أولى الناس ببره عليه السلام وإحسانه، وإنقاذهم من المهلكات، فخصَّهم بالذكر لذلك، لا أن غيرهم غير مراد، كما ذكرنا في صورة الولد والعبد.‬
‫وبالجملة فهذه الألفاظ ألفاظ لغتنا، ونحن أعلم بها، وإذا كان عليه السلام هو المتكلم بها، ولم يفهم‬
‫تخصيص الرسالة، ولا إرادته، بل أنذر الروم والفرس وسائر الأمم، والعرب لم تفهم ذلك وأعداؤه من أهل زمانه لم يدَّعوا ذلك، ولا فهموه، ولو فهموه لأقاموا به الحجة عليه، ونحن أيضا لم نفهم ذلك.‬
‫2 - ومنها أنهم قالوا: إن القرآن الكريم ورد بتعظيم عيسى عليه السلام، وبتعظيم أمه مريم رضي الله عنها، وهذا هو رأينا واعتقادنا فيهما، فالدينان واحد، فلا ينكر المسلمون علينا.‬
‫والجواب من وجوه:‬

‫أحدها: تعظيمهما لا نزاع فيه، ولم يكفر النصارى بالتعظيم، إنما كفروا بنسبة أمور أخرى إليها لا يليق بجلال الربوبية، ولا بدناءة البشرية من الأبوة والبنوة والحلول، والإلحاد، واتخاذ الصاحبة والأولاد، تعالى الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرا، فهذه مغالطة في قوله: (موافق لاعتقادنا)، ليس هذا هو الاعتقاد المتنازع فيه، نعم لو ورد القرآن الكريم بهذه الأمور الفاسدة المتقدم ذكرها- وحاشاه- كان موافقا لاعتقادهم، فأين أحد البابين من الآخر؟‬
‫وثانيها: أنه اعترف بأن القرآن الكريم ورد بما يعتقد أنه حق، فإن الباطل لا يؤكد الحق، بل المؤكد للحق حق جزما، فيكون القرآن الكريم حقا قطعا، وهذا هو سبب إسلام كثير من أحبار اليهود ورهبان النصارى، وهو أنهم اختبروا ما جاء به عليه السلام، فوجدوه موافقا لما كانوا يعتقدونه من الحق، فجزموا بأنه حق وأسلموا واتبعوه، وما زال العقلاء على ذلك يعتبرون كلام المتكلم، فإن وجدوه على وفق ما يعتقدونه من الحق اتبعوه، وإلا رفضوه.‬
‫وثالثها: أن هذا برهان قاطع على رجحان الإسلام على سائر الملل والأديان، فإنه مشتمل على تعظيم جملة الرسل وجميع الكتب المنزلة، فالمسلم على أمان من جميع الأنبياء عليهم السلام على كل تقدير، أما النصراني فليس على أمان من تكذيب محمد ﷺ، فتعين رجحان الإسلام على غيره، ولو سلمنا تحرير صحة ما يقوله النصراني من النبوة وغيرها يكون المسلم قد اعترف لعيسى عليه السلام، ولأمه رضي الله عنها بالفضل العظيم والشرف المنيف، وجهل بعض أحوالهما، على تقدير تسليم صحة ما ادَّعاه النصارى والجهل ببعض فضائل من وجب تعظيمه لا يوجب ذلك خطرا، أما النصراني فهو منكر لأصل تعظيم النبي ﷺ، بل ينسبه للكذب والرذائل والجراءة على سفك الدماء بغير إذن من الله، ولا خفاء في أن هذا خطر عظيم، وكفر كبير، فيظهر من هذا القطع بنجاة المسلم قطعا، ويتعين غيره للغرر والخطر قطعا، فليبادر كل عاقل حينئذ إلى الإسلام، فيدخل الجنة بسلام.‬
‫3 - ومنها أنهم قالوا: إن القرآن الكريم ورد بأن عيسى عليه السلام روح الله تعالى وكلمته، وهو اعتقادنا.‬
‫والجواب من وجوه:‬
‫أحدها: أن من المحال أن يكون المراد الروح والكلمة على ما تدعيه النصارى، وكيف يليق بأدنى العقلاء أن يصف عيسى عليه السلام بصفة، وينادي بها على رؤوس الأشهاد، ويطبق بها الآفاق، ثم يكفر من اعتقد تلك الصفة في عيسى عليه السلام، ويأمر بقتالهم وقتلهم، وسفك دمائهم، وسبي ذراريهم، وسلب أموالهم؟، بل هو بالكفر أولى؛ لأنه يعتقد ذلك مضافا إلى تكفير غيره، والسعي في وجوه ضرره، وقد اتفقت الملل كلها مؤمنها وكافرها على أنه عليه السلام من أكمل الناس في الصفات البشرية خَلقا وخُلقا وعقلا ورأيا، فإنها أمور محسومة، إنما النزاع في الرسالة الربانية، فكيف يليق به عليه السلام أن يأتي بكلام هذا معناه، ثم يقاتل معتقده ويكفره؟، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم والفضلاء من الخلفاء من بعده، وهذا برهان قاطع على أن المراد على غير ما فهمه النصارى.‬
‫ثانيها: أن الروح اسم الريح الذي بين الخافقين يقال لها: ريح وروح، لغتان، وكذلك في الجمع رياح وأرواح، واسم لجبريل عليه السلام وهو المسمى بروح القدس، والروح اسم للنفس المقومة للجسم الحيواني.‬
‫والكلمة اسم للفظة المفيدة من الأصوات، وتطلق الكلمة على الحروف الدالة على اللفظة من الأصوات، ولهذا يقال: هذه الكلمة خط حسن ومكتوبة بالحبر. وإذا كانت الروح والكلمة لهما معان عديدة، فعلى أيهما يحمل هذا اللفظ؟ وحمل النصراني اللفظ على معتقده، تحكُّمٌ بمجرد الهوى المحض.‬

‫وثالثهما: وهو الجواب بحسب الاعتقاد لا بحسب الإلزام، أن معنى الروح المذكور في القرآن الكريم في حق عيسى عليه السلام هو الروح الذي بمعنى النفس المقوم لبدن الإنسان، ومعنى نفخ الله تعالى في عيسى عليه السلام من روحه أنه خلق روحا نفخها فيه، فإن جميع أرواح الناس يصدق أنها روح الله، وروح كل حيوان هي روح الله تعالى، فإن الإضافة في لسان العرب تصدق حقيقة بأدنى الملابسة، كقول أحد حاملي الخشبة لآخر: شل طرفك. يريد طرف الخشبة، فجعله طرفا للحامل، ويقول: طلع كوكب زيد. إذا كان نجم عند طلوعه يسري بالليل، ونسبة الكوكب إليه نسبة المقارنة فقط، فكيف لا يضاف كل روح إلى الله تعالى، وهو خالقها ومدبرها في جميع أحوالها؟ وكذلك يقول بعض الفضلاء لما سئل عن هذه الآية فقال: نفخ الله تعالى في عيسى عليه السلام روحا من أرواحه، أي: جميع أرواح الحيوان أرواحه، وأما تخصيص عيسى عليه السلام، وعلو منزلته بذكر الإضافة إليه، يقال: كما قال تعالى: وَما أنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [الأنفال:41، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42 مع أن الجميع عبيده، وإنما التخصيص لبيان منزلة المخصص، وأما الكلمة فمعناها أن الله تعالى إذا أراد شيئا يقول له: كن فيكون. فما من موجود إلا وهو منسوب إلى كلمة كن، فلما أوجد الله تعالى عيسى عليه السلام قال له: كن في بطن أمك. فكان، وتخصيصه بذلك للشرف، كما تقدم، فهذا معنى معقول متصور ليس فيه شيء كما يعتقده النصارى من أن صفة من صفات الله حلَّت في ناسوت المسيح عليه السلام، وكيف يمكن في العقل أن تفارق الصفة الموصوف، بل لو قيل لأحدنا: إن علمك أو حياتك انتقلت لزيد. لأنكر ذلك كل عاقل، بل الذي يمكن أن يوجد في الغير مثل الصفة، وأما أنها هي في نفسها تتحرك من محل إلى محل فمحال؛ لأن الحركات من صفات الأجسام، والصفة ليست جسما، فإن كانت النصارى تعتقد أن الأجسام صفات، والصفات أجسام، وأن أحكام المختلفات وإن تباينت شيء واحد سقطت مكالمتهم، وذلك هو الظن بهم؛ بل يقطع بأنهم أبعد من ذلك عن موارد العقل ومدارك النظر، وبالجملة فهذه كلمات عربية في كتاب عربي، فمن كان يعرف لسان العرب حق معرفته في إضافاته وتعريفاته وتخصيصاته، وتعميماته، وإطلاقاته وتقييداته، وسائر أنواع استعمالاته فليتحدث فيه ويستدل له، ومن ليس كذلك فليقلد أهله العلماء به، ويترك الخوض فيما لا يعنيه ولا يعرفه.‬
‫4 - ومنها: أنهم قالوا: إنه في الكتاب العزيز: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران:55.‬

‫والجواب: أنَّ الذين اتبعوه ليسوا النصارى الذين اعتقدوا أنه ابن الله، وسلكوا مسلك هؤلاء الجهلة، فإن اتباع الإنسان موافقته فيما جاء به، وكون هؤلاء المتأخرين اتبعوه، محل النزاع، بل متبعوه هم الحواريون، ومن تابعهم قبل ظهور القول بالتثليث، أولئك هم الذين رفعهم الله في الدنيا والآخرة، ونحن إنما نطالب هؤلاء بالرجوع إلى ما كان أولئك عليه، فإنهم قدَّس الله أرواحهم آمنوا بعيسى وبجملة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، وكان عيسى عليه السلام بشَّرهم بمحمد ﷺ فكانوا ينتظرون ظهوره ليؤمنوا به عليه السلام، وكذلك لما ظهر عليه السلام جاءه أربعون راهبا من نجران، فتأملوه فوجدوه هو الموعود به في ساعة واحدة بمجرد النظر والتأمل لعلاماته، فهؤلاء هم الذين اتبعوه فهم المرفوعون المعظمون، وأما هؤلاء النصارى فهم الذين كفروا به مع من كفر، وجعلوه سببا لانتهاك حرمة الربوبية بنسبة واجب الوجود المقدس عن صفات البشر إلى الصاحبة والولد الذي ينفر منها أقل رهبانهم، حتى أنه قد ورد أن الله تعالى إذا قال لعيسى عليه السلام يوم القيامة: أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ؟ [المائدة:116. .......... ،‬
‫5 - ومنها: أنهم قالوا: إن القرآن الكريم شهد بتقديم بيع النصارى وكنائسهم على مساجد المسلمين بقوله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40. فقد جعل الصوامع والبيع مقدمات على المساجد، وجعل فيها ذكر الله كثيرا، وذلك يدل على أن النصارى- في زعمهم- على الحق، فلا ينبغي لهم العدول عما هم عليه؛ لأن العدول عن الحق إنما يكون للباطل.‬
‫والجواب: من وجوه:‬
‫أحدها: أنَّ المراد بهذه الآية أن الله تعالى يدفع المكاره عن الأشرار بوجود الأخيار، فيكون وجود الأخيار سببا لسلامة الأشرار من الفتن والمحن، فزمان موسى عليه السلام يسلم فيه أهل الأرض من بلاء يعمهم بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة الموسوية، وزمان عيسى عليه السلام يسلم فيه أهل الاستقامة على الشريعة العيسوية، وزمان محمد ﷺ يسلم فيه أهل الأرض بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة المحمدية، وكذلك سائر الأزمان الكائنة بعد الأنبياء عليهم السلام، كل من كان مستقيما على الشريعة الماضية هو سبب لسلامة البقية، فلولا أهل الاستقامة في زمن موسى عليه السلام لم يبق صوامع يعبد الله تعالى فيها على الدين الصحيح؛ لعموم الهلاك، فينقطع الخير بالكلية، وكذلك في سائر الأزمان، فلولا أهل الخير في زماننا لم يبق مسجد يعبد الله فيه على الدين الصحيح، ولغضب الله تعالى على أهل الأرض.‬
‫والصوامع أمكنة الرهبان في زمن الاستقامة حيث يعبد الله تعالى فيها على دين صحيح، وكذلك البيعة والصلاة والمسجد، وليس المراد هذه المواطن إذا كُفِرَ بالله تعالى فيها وبدلت شرائعه، وكانت محل العصيان والطغيان لا محل التوحيد والإيمان، وهذه المواطن في أزمنة الاستقامة لا نزاع فيها، وإنما النزاع لما تغيرت أحوالها، وذهب التوحيد وجاء التثليث وكذبت الرسل والأنبياء عليهم السلام، وصار ذلك يتلى في الصباح والمساء، حينئذ هي أقبح بقعة على وجه الأرض وألعن مكان يوجد، فلا تجعل هذه الآية دليلا على تفضيلها.‬

‫وثانيها: أن الله تعالى قال: صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ [الحج:40. بالتنكير، والجمع المنكر لا يدل عند العرب على أكثر من ثلاثة من ذلك المجموع بالاتفاق، ونحن نقول: إنه قد وقع في الدنيا ثلاث من البيع، وثلاث من الصوامع كانت أفضل مواضع العبادات بالنسبة إلى ثلاثة مساجد، .......... ،‬
‫وثالثها: أن هذه الآية تقتضي أن المساجد أفضل بيت عند الله تعالى على عكس ما قاله هؤلاء الجهال بلغة العرب، وتقريره أن الصنف القليل المنزلة عند الله تعالى أقرب للهلاك من العظيم المنزلة، والقاعدة العربية أن الترقي في الخطاب إلى الأعلى فالأعلى أبدا في المدح والذم والتفخيم، والامتنان؛ فتقول في المدح: الشجاع البطل، ولا تقول: البطل الشجاع؛ لأنك تعد راجعا عن الأول، وفي الذم: العاصي الفاسق، ولا تقول: الفاسق العاصي، وفي التفخيم: فلان يغلب المائة والألف، وفي الامتنان لا أبخل عليك بالدرهم ولا بالدينار، ولا يقول بالدينار والدرهم، والسر في الجميع أنك تعد راجعا عن الأول كقهقرتك عما كنت فيه إلى ما هو أدنى منه، إذا تقرر ذلك ظهرت فضيلة المساجد ومزيد شرفها على غيرها، وأن هدمها أعظم من تجاوز ما يقتضي هدم غيرها، كما نقول: لولا السلطان لهلك الصبيان والرجال والأمراء. فترتقي أبدا للأعلى فالأعلى؛ لتفخيم أمر عزم السلطان، وأن وجوده سبب عصمة هذه الطوائف، أما لو قلت: لولا السلطان لهلك الأبطال والصبيان. لعد كلاما متهافتا.‬
‫ورابعها: أن الآية تدل على أن المساجد أفضل بيت وضع على وجه الأرض للعابدين من وجه آخر، وذلك أن القاعدة العربية أن الضمائر إنما يحكم بعودها على أقرب مذكور، فإذا قلت: جاء زيد، وخالد، وأكرمته فالإكرام خاص بخالد؛ لأنه الأقرب، فقوله تعالى: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40. يختص بالأخير الذي هو المساجد، فقد اختصت بكثرة ذكر الله تعالى، وهو يقتضي أن غيرها لم يساوها في كثرة الذكر، فتكون أفضل، وهو المطلوب.‬
‫فائدة: الصومعة موضع الرهبان، وسمِّيت بذلك لحدة أعلاها ودقته، ومنه قول العرب: أصمعت الثريدة. إذا رفعت أعلاها، ومنه قولهم: رجل أصمع القلب. إذا كان حاد الفطنة. والصلاة: اسم لمتعبد اليهود، وأصلها بالعبراني صلوتا فعربت، والبيع اسم لمتعبد النصارى، اسم مرتجل غير مشتق، والمسجد اسم لمكان السجود، فإن مفعلا في لسان العرب، اسم للمكان، واسم للزمان الذي يقع فيه الفعل نحو: المضرب لمكان الضرب ورماته.‬
‫6 - ومنها: أنهم قالوا: القرآن دل على تعظيم الحواريين والإنجيل، وأنه غير مبدل بقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:48 وإذا صدَّقها لا تكون مبدلة، ولا يطرأ التغيير عليها بعد ذلك؛ لشهرتها في الأعصار والأمصار، فيتعذر تغيرها، ولقوله تعالى في القرآن: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:1 - 2. والكتاب هو الإنجيل؛ لقوله تعالى: فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:184. والكتاب ها هنا هو الإنجيل، ولأنه تعالى لو أراد القرآن لم يقل ذلك؛ بل قال هذا، ولقوله تعالى: آمَنتُ بِما أنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى:15.‬

‫والجواب: أن تعظيم الحواريين لا نزاع فيه، وأنهم من خواص عباد الله الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، ولم يبدلوا، وكانوا معتقدين لظهور نبينا محمد ﷺ في آخر الزمان، على ما دلَّت عليه كتبهم، وإنما كفر وخالف الحادثون بعدهم، وأما تصديق القرآن لما بين يديه فمعناه: أن الكتب المتقدمة عند نزولها قبل تغييرها وتخبيطها كانت حقا موافقة للقرآن، والقرآن موافق لها، وليس المراد الكتب الموجودة اليوم، فإن لفظ التوراة والإنجيل إنما ينصرفان إلى المنزلين.‬
‫وأما قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:2، وأنه المراد به الإنجيل: فمن الافتراء العجيب والتخيل الغريب، بل أجمع المسلمون قاطبة على أن المراد به القرآن ليس إلا، وإذا أخبر الناطق بذا اللفظ، وهو رسول الله ﷺ أن المراد هذا الكتاب، كيف يليق أن يحمل على غيره؟، فإن كل أحد مصدق فيما يدعيه في قول نفسه إنما ينازع في تفسير قول غيره، إن أمكنت منازعته، وأما الإشارة بذلك التي اغتر بها هذا السائل فاعلم أن للإشارة ثلاثة أحوال: ذا للقريب، وذاك للمتوسط، وذلك للبعيد، لكن البعد والقرب يكون تارة بالزمان وتارة بالمكان، وتارة بالشرف، وتارة بالاستحالة، ولذلك قالت زليخا في حق يوسف عليه السلام بالحضرة، وقد قطعن أيديهن من الدهش بحسنه: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف:32. إشارة لبعده عليه السلام في شرف الحسن، وكذلك القرآن الكريم لما عظمت رتبته في الشرف أشير إليه بذلك، وقد أشير إليه بذلك؛ لبعد مكانه؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل: لبعد زمانه؛ لأنه وعد به في الكتب المنزلة قديما، وأما قوله تعالى: جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:184.‬
‫فاعلم: أن اللام في لسان العرب تكون لاستغراق الجنس نحو حرم الله الخنزير والظلم، وللعهد نحو قولك لمن رآك أهنت رجلا: أكرمت الرجل بعد إهانته. ولها محامل كثيرة ليس هذا موضعها، فتحمل في كل مكان على ما يليق بها، فهي في قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:2. للعهد؛ لأنه موعود به مذكور على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، فصار معلوما فأشير إليه بلام العهد، وهي في قوله تعالى: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ [آل عمران:184. للجنس، إشارة إلى جميع الكتب المنزلة المتقدمة، ولا يمكن أن يفهم القرآن الكريم إلا من فهم لسان العرب فهما متقنا، وقوله تعالى لنبيه عليه السلام، فهو أمر له بأن يقول: آمَنتُ بِما أنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى:15. فالمراد الكتب المنزلة لا المبدلة، وهذا لا يمتري فيه عاقل، ونحن ننازعهم في أن ما بأيديهم منزلة، بل هي مبدلة مغيرة في غاية الوهن والضعف، وسقم الحفظ، والرواية والسند بحيث لا يوثق بشيء منها.‬

‫7 - ومنها: أنهم قالوا: القرآن الكريم أثنى على أهل الكتاب بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ إلى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين [الكافرون:1 - 6. وبقوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46. والظالمون إنما هم اليهود عبدة العجل، وقتلة الأنبياء، وبقوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون [العنكبوت:46. ولم يقل: كونوا به مسلمين، وبقوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون [المائدة:82. فذكر حميد صفاتنا وجميل نياتنا، ونفا عنا الشرك‬
‫بقوله: والذين أشركوا، ومدحنا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62.‬
‫والجواب: أما قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1 - 6 إلى آخرها، فمعناها: أن قريشا قالت له عليه السلام: اعبد آلهتنا عاما، ونعبد إلهك عاما. فأمره الله تعالى أن يقول لهم ذلك، فليس المراد النصارى، ولو كان المراد النصارى لم ينتفعوا بذلك؛ لأن قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين [الكافرون:6. معناه الموادعة والمتاركة، فإن الله تعالى أول ما بعث نبيه عليه السلام أمره أولا بالإرشاد بالبيان ليهتدي من قصده الاهتداء، فلما قويت شوكة الإسلام أمره بالقتال بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير [التوبة:73.‬
‫قال العلماء: نسخت هذه الآية نيفا وعشرين آية منها: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين [الكافرون:6 , لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105، لسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر [الغاشية:22 وغير ذلك، وليس في المتاركة والاقتصار على الموعظة دليل على صحة الدين المتروك.‬
‫وقوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46. دليل على أنهم على الباطل، فإنهم لو كانوا على الحق ما احتجنا للجدال معهم، فهي تدل على عكس ما قالوا، وقوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46 المراد من طغى، فإنا نعدل معه عن الدليل والبرهان إلى السيف والسنان، وأمره تعالى لنا بأن نؤمن بما أنزل على أهل الكتاب صحيح، ولكن أين ذلك المنزل؟ والله إن وجوده أعز من عنقاء مغرب!‬
‫وأما مدح النصارى بأنهم أقرب مودة، وأنهم متواضعون فمسلم، لكن هذا لا يمنع أن يكونوا كفرة مخلدين في النار؛ لأن السجايا الجليلة والآداب الكسبية تجمع مع الكفر والإيمان، كالأمانة والشجاعة، والظرف واللطف، وجودة العقل، فليس فيه دليل على صحة دينهم.‬

‫وأما نفي الشرك عنهم فالمراد الشرك بعبادة الأصنام، لا الشرك بعبادة الولد، واعتقاد التثليث، وسببه أنهم مع التثليث يقولون: الثلاثة واحد. فأشاروا إلى التوحيد بزعمهم بوجه من الوجوه، ويقولون: نحن لا نعبد إلا الله تعالى، لكن الله تعالى هو المسيح، ونعبد المسيح، والمسيح هو الله. تعالى الله عن قولهم، فهذا وجه التوحيد من حيث الجملة، ثم يعكسون ذلك فيقولون: الله ثالث ثلاثة. وأما عبدة الأوثان فيصرحون بتعدد الآلهة من كل وجه، ولا يقول أحد منهم: إن الصنم هو الله تعالى، وكانوا باسم الشرك أولى من النصارى، وكان النصارى باسم الكفر أولى، حيث جعلوا الله تعالى بعض مخلوقاته، وعبدوا الله تعالى، وذلك المخلوق، فصاروا عبدة الأوثان في عبادة غير الله تعالى، وزادوا بالاتحاد والصاحبة والأولاد، فلا يفيدهم كون الله تعالى خصَّص كل طائفة من الكفار باسم هو أولى بها في اللغة مدحا ولا تصويبا لما هم عليه.‬
‫8 - ومنها: أنهم قالوا: مدح الله قرباننا وتوعدنا إن أهملنا ما متعنا بقوله تعالى: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ إلى قوله تعالى: قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِين [المائدة:112 - 115. فالمائدة هي القربان الذي يتقربون به في كل قداس.‬
‫والجواب: إن من العجائب أن يدعي النصارى أن المائدة التي نزلت من السماء هي القربان الذي يتقربون به مع الذين يتقربون به من مصنوعات الأرض، وأين المائدة من القربان؟ نعوذ بالله تعالى من الخذلان، بل معنى الآية أن الله تعالى طرد عادته وأجرى سنته أنه متى بعث للعباد أمرا قاهرا للإيمان لا يمكن العبد معه الشك، فمن لم يؤمن به عجل له العذاب؛ لقوة ظهور الحجة، كما أن قوم صالح لما أخرج الله تعالى لهم الناقة من الحجر فلم يؤمنوا عجَّل لهم العذاب، وكانت هذه المائدة جسما عليه خبز وسمك نزل من السماء يقوت القليل من الخلق العظيم العدد، فأمرهم أن يأكلوا، ولا يدَّخروا، فخالفوا وادَّخروا، فمسخهم الله تعالى، ونزول مثل هذا من السماء كخروج الناقة من الصخرة الصماء، فأخبر الله تعالى أن من لم يؤمن بعد نزول المائدة عجِّلت له العقوبة، ولا تعلُّق للمائدة بقربانهم البتة؛ بل المائدة معجزة عظيمة خارقة، والقربان أمر معتاد ليس فيه شيء من الإعجاز البتة، فأين أحد البابين من الآخر لولا العمى والضلال؟.‬
‫9 - ومنها: أنهم قالوا: إن الله تعالى أخبر خبرا جازما أنا نؤمن بعيسى عليه السلام بقوله تعالى: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159. فكيف نتبع من أخبر الله تعالى عنه أنه شاك في أمره بقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [سبأ:14. وأمره في سورة الفاتحة أن يسأل الهداية إلى صراط مستقيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة:7 والمنعم عليهم هم النصارى، والمغضوب عليهم اليهود، والضالون عبدة الأصنام.‬

‫والجواب: أن النصارى لما لعبوا في كتابهم بالتحريف، والتخليط صار ذلك لهم سجية، وأصبح الضلال والإضلال لهم طوية، فسهل عليهم تحريف القرآن، وتغيير معانيه لأغراضهم الفاسدة، والقرآن الكريم بريء من ذلك، وكيف تخطر لهم هذه التحكمات بغير دليل ولا برهان؛ بل بمجرد الأوهام والوسواس؟، وأما قوله تعالى: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159. ففيه تفسيران:‬
‫أحدهما: أن كل كافر إذا عاين الملائكة عند قبض روحه ساعة الموت ظهر له منهم الإنكار عليه بسبب ما كان عليه من الكفر، فيقطع حينئذ بفساد ما كان عليه، ويؤمن بالحق على ما هو عليه فإن الدار الآخرة لا يبقى فيها تشكك ولا ضلال، بل يموت الناس كلهم مؤمنين موحدين على قدم الصدق ومنهاج الحق، وكذلك يوم القيامة بعد الموت، لكنه إيمان لا ينفع ولا يعتد به، وإنما يقبل الإيمان من العبد حيث يكون متمكنا من الكفر، فإذا عدل عنه وآمن بالحق كان إيمانه من كسبه وسعيه، فيؤجر عليه، أما إذا اضطر إليه، فليس فيه أجر، فما من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بنبوة عيسى عليه السلام وعبوديته لله تعالى قبل موته، لكن قهرا لا ينفعه في الخلوص من النيران وغضب الديان.‬
‫التفسير الثاني: أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان عند ظهور المهدي بعد أن يفتح المسلمون القسطنطينية من الفرنج، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يبقى على الأرض إلا المسلمون، ويستأصل اليهود بالقتل، ويصرِّح بأنه عبد الله ونبيه، فتضطر النصارى إلى تصديقه حينئذ لإخباره لهم بذلك، وعلى التفسيرين ليس فيه دلالة على أن النصارى الآن على خير.‬
‫وأما قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [سبأ:14. فهو من محاسن القرآن الكريم، لأنه من تلطف الخطاب وحسن الإرشاد، فإنك إذا قلت لغيرك: أنت كافر فآمن. ربما أدركته الأنفة فاشتد إعراضه عن الحق، فإذا قلت له: أحدنا كافر ينبغي أن يسعى في خلاص نفسه من عذاب الله تعالى، فهلم بنا نبحث عن الكافر منا فنخلصه. فإن ذلك أوفر لداعيته في الرجوع إلى الحق، والفحص عن الصواب، فإذا نظر فوجد نفسه هو الكافر فرَّ من الكفر من غير منافرة منك عنده، ويفرح بالسلامة، ويُسرُّ منك بالنصيحة، هكذا هذه الآية سهَّلت الخطاب على الكفار؛ ليكون ذلك أقرب لهدايتهم، ومنه قول صاحب فرعون المؤمن لموسى عليه السلام: وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا [غافر:28 - 29. فخصَّهم أولا بالملك والظهور؛ لتنبسط نفوسهم مع علمه بأنه وبال عليهم، وسبب طغيانهم، ولم يجزم في ظاهر اللفظ بصدق موسى عليه السلام مع قطعه بصدقه، بل جعله معلقا على شرط؛ لئلا ينفِّرهم فيحتجبوا عن الصواب، فكل من صحَّ قصده في هداية الخلق سلك معهم ما هو أقرب لهدايتهم، وكذلك قوله تعالى لموسى وهارون في حق فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44 وقوله لمحمد صلوات الله عليهم أجمعين: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159. وقوله: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46. فهذا كله من محاسن الخطاب، لا من موجبات الشك والارتياب.‬

‫وأما أمره تعالى لمحمد عليه السلام ولأمته بالدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم، فلا يدلُّ على عدم حصول الهداية في الحال؛ لأن القاعدة اللغوية أن الأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والشرط وجزاءه إنما يتعلق بالمستقبل من الزمان دون الماضي والحاضر، فلا يطلب إلا المستقبل؛ لأن ما عداه قد تعيَّن وقوعه، أو عدم وقوعه، فلا معنى لطلبه، والإنسان باعتبار المستقبل لا يدري ماذا قضي عليه، فيسأل الهداية في المستقبل؛ ليأمن من سوء الخاتمة، كما أن النصراني إذا قال: اللهم أمتني على ديني. لا يدل على أنه غير نصراني وقت الدعاء، ولا أنه غير مصمم على صحة دينه، وكذلك سائر الأدعية، وأجمع المسلمون والمفسرون على أن المغضوب عليهم اليهود، وأن الضالين النصارى، فتبديل ذلك مصادمة ومكابرة ومغالطة وتحريف وتبديل، فلا يُسمع من مدعيه.‬
‫10 - ومنها: أنهم قالوا: ليس من عدل الله تعالى أن يطالبنا باتباع رسول لم يرسله إلينا، ولا وقفنا على كتابه بلساننا.‬
‫والجواب: أنه عليه السلام لو لم يرسل إليهم فليت شعري من كتب إلى قيصر هرقل ملك الروم؟، وإلى المقوقس أمير القبط يدعوهم إلى الإسلام؟!‬
‫وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل‬
‫11 - ومنها: أنهم قالوا: إن قال المسلمون: لم أطلقتم لفظ الابن والزوج الأقانيم، مع أن ذلك يوهم أنكم تعتقدون تعدد الآلهة، وأن الآلهة ثلاثة أشخاص مركبة، وأنكم تعتقدون ببنوة المباضعة؟ قلنا للمسلمين: هذا كإطلاق المتشابه عندكم من لفظ اليد، والعين، ونحوها، فإنه يوهم التجسيم، وأنتم لا تعتقدونه.‬
‫والجواب: أن آيات وأحاديث صفات الله ليست من المتشابه عند أهل السنة؛ بل هي معلومة المعنى، نثبتها لله كما أثبتها لنفسه دون تشبيه أو تعطيل، أو تأويل. وأما ما كان من المتشابهات التي بيَّنها العلماء والواردة في قوله تعالى: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7. فإنما يطلق المسلمون المتشابه بعد ثبوته نقلا متواترا نقطع به عن الله تعالى أنه أمر بتلاوته امتحانا لعباده ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وليعظم ثواب المهتدين حيث حصلت الهداية بعد التعب في وجوه النظر، ويعظم عذاب الضالين حيث قطعوا لا في موضع القطع، ولم ينقلوا ذلك عن أمره كما اتفق ذلك في الإنجيل؛ بل ما اقتصر المسلمون على الجمع القليل، بل ما اعتمدوا على العدد الذي يستحيل عليهم الكذب، فلما تحققوا أن الله أمرهم بذلك نقلوه، وأما النصارى فأطلقوا بعض ذلك من قبل أنفسهم، كالأقانيم والجوهر، وبعضها نقلوه نقلا لا تقوم به حجة في أقل الأحكام، فضلا عن أحوال الربوبية، فهم عصاة لله تعالى حيث أطلقوا عليه ما لم يثبت عندهم بالنقل، بل لو طولبوا بالرواية لإنجيلهم لعجزوا عن الرواية، فضلا عن النقل القطعي، فلا تجد أحدا له رواية في الإنجيل يرويه واحد عن واحد إلى عيسى عليه السلام، وأقل الكتب عند المسلمين من الارتياب وغيرها يروونها عن قائلها، فتأمَّل الفرق بين الاثنين، والبون الذي بين الدينين؛ هؤلاء المسلمون ضبطوا كل شيء، والنصارى أهملوا كل شيء، ومع ذلك يعتقدون أنهم على شيء.‬
‫12 - ومنها: أنهم قالوا: الله له عدل وفضل، وهو سبحانه وتعالى يتصرف بهما، فأرسل موسى عليه السلام بشريعة العدل لما فيها من التشديد، فلما استقرت في نفوسهم وقد بقي الكمال الذي لا يصنعه إلا أكمل الكملاء، وهو الله تعالى، ولما كان جوادا تعيَّن أن يجود بأفضل الموجودات، وليس في الموجودات أجود من كلمته يعني نطقه، فجاد بها واتحدت بأفضل المحسوسات، وهو الإنسان، لتظهر قدرته، فحصل غاية الكمال، ولم يبق بعد الكمال إلا النقص؛ فتفضل بالنصرانية.‬

‫والجواب: أما شريعة موسى عليه السلام، فكانت عدلا وفضلا، وقل أن يقع في العالم عدل مجرد، وإنما وقع ذلك لأهل الجنة.‬
‫وتقرير هذا الباب: أن كل جود وإحسان فهو فضل من الله تعالى، وهو جود لا يجب عليه عري عن الخير والإحسان البتة، فهو العدل المحض؛ لأن الملك ملكه، والتصرف في الملك المملوك كيف كان عدل ليس بظلم. فإن وقع الخير المحض فهو التفضيل المحض، وهذا هو شأن أهل الجنة.‬
‫إذا تقرَّر هذا، فشريعة موسى عليه السلام كان فيها من الإحسان أنواع كثيرة، فتلك كلها فضل، كتحريم القتل والغصب والزنا والقذف والمسكر من الخمور المغيبة للعقول، وإنما أباح فيها اليسير الذي لا يصل إلى حد السكر، وكإباحة الفواكه واللحوم والزواج وغير ذلك، وهذه كلها أنواع من الفضل، ثم إن عيسى عليه السلام جاء مقررا لها وعاملا بمقتضاها، ومستعملا لأحكامها، ولم يزد شيئا من الأحكام، إنما زاد المواعظ والأمر بالتواضع والرقة والرأفة، فلم يأت عيسى عليه السلام بشريعة أخرى حتى يقال: إنها الفضل. بل مقتضى ما قاله أن تكون شريعة الفضل هي شريعتنا؛ لأنها هي الشريعة المستقلة التي ليست تابعة لغيرها، ولا مقلدة لسواها، وهذا هو اللائق لمنصب الكمال أن يكون متبوعا لا تابعا، فهذه الحجة عليه لا له.‬
‫ثم قولهم: لا يصنع الأكمل إلا هو سبحانه. فهو باطل؛ لأنه لا حجر عليه سبحانه في ملكه، فيأمر بعض خلقه بوضع الأكمل، ويرسل للناس بأوامر وشرائع هي في غاية جلب المصالح ودرء المفاسد، كما هي شريعتنا المعظمة.‬
‫ثم قولهم: الله تعالى جواد، فجاد بأعظم الموجودات وهو كلمته، فجعله متحدا بأفضل المحسوسات وهو الإنسان، باطل لوجوه:‬
‫أحدها: أن الجود بالشيء فرع إمكانه، فإن الكرم بالمستحيل محال، فينبغي أن يبين أولا تصور انتقال الكلام من ذات الله تعالى إلى مريم رضي الله عنها، ثم يقيم الدليل على وقوع هذا الممكن بعد إثبات إمكانه، وقد تقدم بيان استحالة ذلك.‬
‫وثانيها: سلمنا أنه ممكن، لكن لم قلتم: إن الكلام هو أفضل الموجودات؟. ولم لا يكون العلم أفضل منه، لأن الكلام تابع للعلم؟‬
‫وثالثها: أن الذات الواجبة الوجود التي الصفات قائمة بها أفضل من الصفات؛ لأن الصفات تفتقرللذات في قيامها، والذات لا تفتقر لمحل بخلاف الصفة.‬
‫ورابعها: أنها صفة من الصفات، والصفات بجملتها مع الذات أفضل من الكلام وحده، ولم يقل أحد باتحاد هذا، فالأفضل لم يحصل حينئذ، ولما كان كلام النصارى نوعا من الوسواس اتسع الخرق عليهم.‬
‫¤إفحام النصارى مختصر من (الأجوبة الفاخرة للقرافي) لسليمان بن صالح الخراشي – بتصرف - ص 15 - 68‬

7 - 5:سقوط الخلافة الأندلسية وقيام دولة بنى حمود

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الخامس *سقوط الخلافة الأندلسية وقيام دولة بنى حمود [399 - 422 هـ = 1009 - 1031 م].
استولى المهدى على الخلافة وقد ترتب على ذلك انطلاق ذوى الأغراض، كل يحاول نيل نصيبه من البناء المتداعى.
فهناك بنو أمية يرون أنفسهم أصحاب الحق الشرعى، وهناك الفتيان العامريون والصقالبة والجند المرتزقة وهم قوة لايستهان بها، وهناك البربر الذين تضاعفت أعدادهم منذ عهد المنصور بعد أن استقدمهم من عدوة المغرب، فكسبوا المال الكثير، واتخذوا الأندلس وطنًا لهم، وأبلوا بلاء حسنًا فى الجهاد وحماية هذا الوطن، وهناك أيضًا العامة من الناس الذين التفوا حول الخليفة الجديد، دون أن تكون لهم أغراض ثابتة، وإنما نزعاتهم متباينة وأهواؤهم متقلبة.
بدأ المهدى عهده بالشدة فى التعامل مع البربر واحتقارهم ونزع سلاحهم وسبهم، وانتقلت هذه الروح منه إلى العامة، فهاجموا البربر ونهبوا دورهم وآذوهم، فشحنت نفوس هؤلاء بالغضب، كما لجأ المهدى إلى نفى بعض الفتيان الصقالبة، فلجئوا إلى أطراف الأندلس وعادوه ولم يسالمه منهم إلا «واضح» الذى تولى مدينة سالم والثغر الأوسط.
أما الخليفة هشام المؤيد، فقد حبسه المهدى فى القصر، ثم أخرجه وأخفاه فى بعض منازل قرطبة، وزاد فاستغل وفاة رجل ذمى يشبه هشام المؤيد إلى حد كبير، وأعلن أن الخليفة المؤيد قد مات، وأشهد على ذلك الوزراء والفقهاء، وسخر الناس من هذه الخطوة لأنهم يعلمون أن هشام الذى دفنوه لم يمت.
ولما شعر «المهدى» أن الأمور قد استقرت له بالغ فى استهتاره وارتكابه الموبقات، وبلغ الأمر مداه حين قتل من كان قد اختاره وليًا للعهد ضمن آخرين، وحين أخرج من الجيش سبعة آلاف جندى وقطع رواتبهم فأصبحوا من أهم عناصر الشغب، وحين بالغ فى اضطهاده للبربر حتى أصبح ذلك حديث الناس فى كل مكان، بل وصل به الأمر إلى أن منع زعيمهم «زاوى بن زيرى الصنهاجى» من دخول القصر وأذله فخافه البربر وكسب عداوتهم، فى (رجب 399هـ = أواخر مارس

2 - 1:قيام الخلافة الأموية وتطورها

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

  • 2 - 1:قيام الخلافة الأموية وتطورها
الجزء الثاني العصر الأموي تأليف: أ.
د.
عبد الشافي محمد عبد اللطيف أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر الفصل الأول *قيام الخلافة الأموية وتطورها قامت الخلافة الأموية رسميا فى شهر ربيع الأول من سنة (41هـ)، بعد أن تنازل (الحسن بن على بن أبى طالب) - رضى الله عنه - عن الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه - وبايعه هو وأخوه (الحسين)، وتبعهما الناس فى (الكوفة)، وأصبح بذلك (معاوية) خليفة للمسلمين وحده، ولُقِّب بأمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يلقَّب بالأمير فقط.
واستبشر المسلمون خيرًا بهذا التطور، وحمدوا الله - تعالى - على انتهاء الفتن والحروب، وسمُّوا ذلك العام عام الجماعة؛ حيث عادت إلى الأمة الإسلامية وحدتها، واجتمع شملها على خليفة واحد، بعد الفرقة والنزاع، ولقى ما فعله (الحسن بن على) كل تقدير وإجلال من جمهور المسلمين، وأثنى عليه كثير من العلماء، ورأوا فيما أقدم عليه تحقيقًا لنبوءة جده (محمد) حين قال: (إن ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين - صحيح البخارى تطور نظام الخلافة فى العصر الأموى: عرفنا فيما سبق كيف قامت الخلافة الإسلامية عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكيف كان يتم اختيار الخليفة فى دولة الراشدين بالبيعة المباشرة من المسلمين لخليفتهم، بعد أن يرشحه عدد من الصحابة، كما حدث فى خلافة الصديق، حيث بايعه عدد من الصحابة فى (سقيفة بنى ساعدة) بيعة خاصة، كانت بمثابة ترشيح له لمنصب الخلافة، ثم جاءت البيعة العامة له فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - - بعد مواراة جسده الطاهر تحت الثرى - لتزكى ذلك الترشيح وتوافق عليه، ومن ثم أصبح (أبو بكر الصديق) أول خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حكم الدولة الإسلامية، باختيار حُر من المسلمين.
وعندما مرض (أبو بكر) -رضى الله عنه - مرض الموت قال للمسلمين: (إنه قد نزل بى ما ترون - يعنى المرض الشديد - ولا أظننى إلا ميِّتًا لما بى من المرض، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتى، وحلَّ عنكم
التَّعْرِيفُ:
1 - الْقِيَامُ لُغَةً: مِنْ قَامَ يَقُومُ قَوْمًا وَقِيَامًا: انْتَصَبَ، وَهُوَ نَقِيضُ الْجُلُوسِ (1) .
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (2) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقُعُودُ:
2 - الْقُعُودُ فِي اللُّغَةِ: الْجُلُوسُ، أَوْ هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسُ مِنَ الضَّجْعَةِ وَمِنَ السُّجُودِ (3) .
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (4) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ التَّضَادُّ.
الاِضْطِجَاعُ:
3 - الاِضْطِجَاعُ: وَضْعُ الْجَنْبِ بِالأَْرْضِ،
وَالاِضْطِجَاعُ فِي السُّجُودِ: أَنْ يَتَضَامَّ وَيُلْصِقَ صَدْرَهُ بِالأَْرْضِ.
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (5) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالاِضْطِجَاعِ التَّضَادُّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
4 - يَتَرَدَّدُ حُكْمُ الْقِيَامِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ حَرَامًا أَوْ سُنَّةً أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا، بِحَسَبِ نَوْعِ الْفِعْل الْمُرْتَبِطِ بِهِ، وَالدَّلِيل الْوَارِدِ فِيهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِيَامُ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ:
5 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ، كَنَذْرٍ وَسُنَّةِ صَلاَةِ الْفَجْرِ فِي الأَْصَحِّ (6) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}} أَيْ: مُطِيعِينَ، وَمُقْتَضَى هَذَا الأَْمْرِ الاِفْتِرَاضُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَفْرِضِ الْقِيَامَ خَارِجَ الصَّلاَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الاِفْتِرَاضُ
الْوَاقِعُ فِي الصَّلاَةِ. إِعْمَالاً لِلنَّصِّ فِي حَقِيقَتِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ.
وَأَكَّدَتِ السُّنَّةُ فَرْضِيَّةَ الْقِيَامِ فِيمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلاَّ مُسْلِمًا، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ فَقَال: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (7) .
كَيْفِيَّةُ الْقِيَامِ:
6 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ الْمَطْلُوبَ شَرْعًا فِي الصَّلاَةِ هُوَ الاِنْتِصَابُ مُعْتَدِلاً، وَلاَ يَضُرُّ الاِنْحِنَاءُ الْقَلِيل الَّذِي لاَ يَجْعَلُهُ أَقْرَبَ إِلَى أَقَل الرُّكُوعِ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ لاَ يَنَال رُكْبَتَيْهِ (8) .
مِقْدَارُ الْقِيَامِ:
7 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (9) إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ الْمَفْرُوضَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ يَكُونُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ
الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِرَاءَةِ وَبَدَلِهَا مِنَ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِهَا، وَأَمَّا السُّورَةُ بَعْدَهَا فَهِيَ سُنَّةٌ.
فَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَطْ، فَالرُّكْنُ مِنَ الْقِيَامِ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْمَسْبُوقَ يُدْرِكُ فَرْضَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَهَذَا رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ خَاصَّةً، لإِِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (10) إِلَى أَنَّ فَرْضَ الْقِيَامِ وَوَاجِبَهُ وَمَسْنُونَهُ وَمَنْدُوبَهُ لِقَادِرٍ عَلَيْهِ وَعَلَى السُّجُودِ يَكُونُ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهِ، وَهُوَ بِقَدْرِ آيَةٍ فَرْضٌ، وَبِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَاجِبٌ، وَبِطِوَال الْمُفَصَّل وَأَوْسَاطِهِ وَقِصَارِهِ فِي مَحَالِّهَا الْمَطْلُوبَةِ مَسْنُونٌ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فِي نَحْوِ تَهَجُّدٍ مَنْدُوبٌ، فَلَوْ قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الْقِيَامِ دُونَ السُّجُودِ، نُدِبَ إِيمَاؤُهُ قَاعِدًا، لِقُرْبِهِ مِنَ السُّجُودِ، وَجَازَ إِيمَاؤُهُ قَائِمًا.
سُقُوطُ الْقِيَامِ:
8 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ لِعَاجِزٍ عَنْهُ، لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمُتَقَدِّمِ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (11) .
فَإِنْ قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى بَعْضِ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ آيَةً قَائِمًا، لَزِمَهُ بِقَدْرِهَا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْمَرِيضِ ف 5، 6) .
وَيَسْقُطُ الْقِيَامُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَنِ الْعَارِي، فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالإِْيمَاءِ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَاتِرًا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي عِنْدَهُمْ قَائِمًا وُجُوبًا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عُرْيَانٌ ف 7) .
وَيَسْقُطُ الْقِيَامُ كَذَلِكَ حَالَةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَيُصَلِّي قَاعِدًا أَوْ مُومِيًا، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْخَوْفِ ف 9) .
الاِسْتِقْلاَل فِي الْقِيَامِ:
9 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى اشْتِرَاطِ الاِسْتِقْلاَل فِي الْقِيَامِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِل، عَلَى تَفْصِيلٍ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (12) ، إِلَى أَنَّ مَنِ اتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ، أَوْ عَلَى حَائِطٍ وَنَحْوِهِ، بِحَيْثُ يَسْقُطُ لَوْ زَال لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ صَحَّتْ، أَمَّا فِي التَّطَوُّعِ أَوِ النَّافِلَةِ: فَلاَ
يُشْتَرَطُ الاِسْتِقْلاَل بِالْقِيَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ صَلاَتَهُ تُكْرَهُ؛ لأَِنَّهُ إِسَاءَةُ أَدَبٍ، وَثَوَابُهُ يَنْقُصُ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَالْقِيَامُ فَرْضٌ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَرْضٍ، وَمُلْحَقٌ بِهِ كَنَذْرٍ وَسُنَّةِ فَجْرٍ فِي الأَْصَحِّ، لِقَادِرٍ عَلَيْهِ وَعَلَى السُّجُودِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (13) إِلَى إِيجَابِ الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا فِي الْفَرَائِضِ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ حَال تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَالْهُوِيِّ لِلرُّكُوعِ، فَلاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالْفَاتِحَةِ فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ جَالِسًا أَوْ مُنْحَنِيًا، وَلاَ قَائِمًا مُسْتَنِدًا لِعِمَادٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل الْعِمَادُ لَسَقَطَ، وَأَمَّا حَال قِرَاءَةِ السُّورَةِ فَالْقِيَامُ سُنَّةٌ، فَلَوِ اسْتَنَدَ إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيل لَسَقَطَ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ، بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْضِ الرُّكْنِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي حَال قِرَاءَةِ السُّورَةِ لَمْ تَبْطُل، وَكُرِهَ اسْتِنَادُهُ، وَلَوْ جَلَسَ فِي حَال قِرَاءَةِ السُّورَةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لإِِخْلاَلِهِ بِهَيْئَةِ الصَّلاَةِ، أَمَّا الْمَأْمُومُ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَلَوِ اسْتَنَدَ حَال قِرَاءَتِهَا لِعَمُودٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل لَسَقَطَ، صَحَّتْ صَلاَتُهُ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ (14) فِي الأَْصَحِّ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا
الاِسْتِقْلاَل فِي الْقِيَامِ، فَلَوِ اسْتَنَدَ الْمُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ السِّنَادُ لَسَقَطَ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِوُجُودِ اسْمِ الْقِيَامِ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ وَلاَ تَصِحُّ مَعَ الاِسْتِنَادِ فِي حَال الْقُدْرَةِ بِحَالٍ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ يَجُوزُ الاِسْتِنَادُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ السِّنَادُ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِلاَّ فَلاَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (15) إِلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَنَدَ اسْتِنَادًا قَوِيًّا عَلَى شَيْءٍ بِلاَ عُذْرٍ، بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَالْقِيَامُ فَرْضٌ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، وَفِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ.
صَلاَةُ الْقَاعِدِ خَلْفَ الْقَائِمِ وَبِالْعَكْسِ:
10 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ صَلاَةِ الْقَاعِدِ لِعُذْرٍ خَلْفَ الْقَائِمِ، لِمَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مِنْ وَقَائِعَ، مِنْهَا: مَا وَرَدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا، فِي ثَوْبٍ، مُتَوَشِّحًا بِهِ (16) وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا (17) .
وَأَمَّا صَلاَةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْجَالِسِ أَوِ الْقَاعِدِ: فَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ ﷺ صَلَّى آخِرَ صَلاَتِهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ قِيَامٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ صَلاَةُ الظُّهْرِ (18) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا (19) ؛ وَلأَِنَّ حَال الْقَائِمِ أَقْوَى مِنْ حَال الْقَاعِدِ، وَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اسْتَثْنَوْا مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَال عِلَّتِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ النَّفْل، أَمَّا فِي النَّفْل فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا (20) .
الْقِيَامُ فِي النَّوَافِل:
11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّل قَاعِدًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ، أَمَّا الاِضْطِجَاعُ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ
الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الْجُلُوسِ أَنْ يُصَلِّيَ النَّفَل مُضْطَجِعًا إِلاَّ لِعُذْرٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّنَفُّل مُضْطَجِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فِي الأَْصَحِّ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُل قَاعِدًا قَال: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ (21) .
وَالأَْفْضَل أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ فَإِنِ اضْطَجَعَ عَلَى الأَْيْسَرِ جَازَ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْعُدَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قِيل: يُومِئُ بِهِمَا أَيْضًا (22) .
الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
12 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (23) إِلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي تَطَوُّعًا الْقِيَامَ إِذَا ابْتَدَأَ الصَّلاَةَ جَالِسًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلاَةَ اللَّيْل قَاعِدًا
قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلاَثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ (24) .
وَيَجُوزُ لِلْمُصَلِّي أَيْضًا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْضَ الرَّكْعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسَ أَوِ الْعَكْسُ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى كَرَاهَةِ الْقُعُودِ بَعْدَ الْقِيَامِ، وَمَنَعَ أَشْهَبُ الْجُلُوسَ بَعْدَ أَنْ نَوَى الْقِيَامَ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِقْرَةُ 20) .
الْقِيَامُ فِي الصَّلاَةِ فِي السَّفِينَةِ:
13 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فَرْضًا فِي السَّفِينَةِ وَنَحْوِهَا كَالْمِحَفَّةِ وَالْهَوْدَجِ وَالطَّائِرَةِ وَالسَّيَّارَةِ قَاعِدًا إِلاَّ لِعُذْرٍ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ صَلَّى فِي الْفُلْكِ قَاعِدًا بِلاَ عُذْرٍ صَحَّ لِغَلَبَةِ الْعَجْزِ وَأَسَاءَ، أَيْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لاَ مُومِئًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لِغَلَبَةِ الْعَجْزِ أَيْ؛ لأَِنَّ دَوَرَانَ الرَّأْسِ فِيهَا غَالِبٌ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، ثُمَّ قَال: وَأَسَاءَ: أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَل؛ لأَِنَّهُ أَبْعَدُ
عَنْ شُبْهَةِ الْخِلاَفِ (25) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سَفِينَةٌ ف 3) .
الْقِيَامُ فِي الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ:
14 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ قَائِمًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الأَْذَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا بِلاَل، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ (26) ؛ وَلأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الإِْعْلاَمِ، وَتَرْكُ الْقِيَامِ مَكْرُوهٌ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَذَانٌ ف 37، وَإِقَامَةٌ ف 15) .
بَقَاءُ الدَّاخِل إِلَى الْمَسْجِدِ قَائِمًا أَثْنَاءَ الأَْذَانِ:
15 - إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ، فَهَل يَظَل قَائِمًا أَوْ يَجْلِسُ؟ لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَانِ:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (27) إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمُصَلِّي الْمَسْجِدَ، وَالْمُؤَذِّنُ قَدْ شَرَعَ فِي الأَْذَانِ، لَمْ يَأْتِ بِتَحِيَّةٍ وَلاَ بِغَيْرِهَا، بَل يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ وَاقِفًا، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ أَذَانِهِ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الإِْجَابَةِ وَالتَّحِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (28) إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمُصَلِّي الْمَسْجِدَ، وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ قَعَدَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَذَانِهِ، فَيُصَلِّي التَّحِيَّةَ بَعْدَئِذٍ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الإِْجَابَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
وَقْتُ الْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ:
16 - يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَقُومَ الْمُصَلُّونَ لِلصَّلاَةِ عِنْدَ الإِْقَامَةِ حَتَّى يَقُومَ الإِْمَامُ أَوْ يُقْبِل، أَيْ عِنْدَ الإِْمَامِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ (29) .
وَأَمَّا تَعْيِينُ وَقْتِ قِيَامِ الْمُصَلِّينَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَفِيهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ.
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ مَا عَدَا زُفَرَ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ لِلإِْمَامِ وَالْمُؤْتَمِّ حِينَ قَوْل الْمُقِيمِ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، أَيْ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، أَيْ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ الأُْولَى؛ لأَِنَّهُ أُمِرَ بِهِ فَيُجَابُ، هَذَا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ حَاضِرًا بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، يَقُومُ كُل صَفٍّ حِينَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الإِْمَامُ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَإِنْ دَخَل الإِْمَامُ مِنْ قُدَّامٍ، قَامُوا حِينَ يَقَعُ بَصَرُهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ
أَقَامَ الإِْمَامُ بِنَفْسِهِ فِي مَسْجِدٍ، فَلاَ يَقِفُ الْمُؤْتَمُّونَ حَتَّى يُتِمَّ إِقَامَتَهُ (30) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي الْقِيَامُ حَال الإِْقَامَةِ أَوْ أَوَّلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، فَلاَ يُطْلَبُ لَهُ تَعْيِينُ حَالٍ، بَل بِقَدْرِ الطَّاقَةِ لِلنَّاسِ، فَمِنْهُمُ الثَّقِيل وَالْخَفِيفُ، إِذْ لَيْسَ فِي هَذَا شَرْعٌ مَسْمُوعٌ إِلاَّ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ صَحَّ هَذَا وَجَبَ الْعَمَل بِهِ، وَإِلاَّ فَالْمَسْأَلَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، أَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَرْعٌ، وَأَنَّهُ مَتَى قَامَ كُل وَاحِدٍ، فَحَسَنٌ (31) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ وَالإِْمَامِ أَنْ لاَ يَقُومَا حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الإِْقَامَةِ، وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ شَيْخًا بَطِيءَ النَّهْضَةِ أَنْ يَقُومَ عِنْدَ قَوْلِهِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، وَلِسَرِيعِ النَّهْضَةِ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، لِيَسْتَوُوا قِيَامًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
فَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ الإِْمَامُ مَعَ الْقَوْمِ بَل يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ الْمَأْمُومِينَ لاَ يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوُا الإِْمَامَ لِمَا رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ
تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ (32) .
وَرَأْيُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ الْمُصَلِّي عِنْدَ قَوْل الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ إِذَا قَال الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ (33) ".
الْقِيَامُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا:
17 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قِيَامِ الْخَطِيبِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفَيْنِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (34) وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلَى أَنَّ قِيَامَ الْخَطِيبِ فِي الْخُطْبَةِ سُنَّةٌ، لِفِعْلِهِ ﷺ وَلَمْ يَجِبْ؛ لأَِنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ، كَالأَْذَانِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ قِيَامَ الْخَطِيبِ حَال الْخُطْبَةِ شَرْطٌ، إِنْ قَدَرَ، وَذَهَبَ الدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأَْظْهَرَ أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، فَإِنْ جَلَسَ أَسَاءَ وَصَحَّتْ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ خَطَبَ قَاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا كَالصَّلاَةِ،
وَيَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِهِ، وَالأَْوْلَى لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ (35) .
وَاسْتَدَلُّوا لِلْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ (36) . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ حَال الْخُطْبَةِ مَشْرُوعٌ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَل أَهْل الْعِلْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الأَْمْصَارِ.
الْقِيَامُ فِي حَال تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالذِّكْرِ:
18 - تَجُوزُ تِلاَوَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَرْدَادُ الأَْذْكَارِ مِنْ تَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَغَيْرِهَا فِي أَيِّ حَالٍ، قِيَامًا وَقُعُودًا، وَفِي حَالَةِ الْوُقُوفِ وَالْمَشْيِ، قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِبًا، أَوْ جَالِسًا، أَوْ مُضْطَجِعًا، أَوْ فِي فِرَاشِهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْوَال، جَازَ، وَلَهُ أَجْرٌ (37) ، قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَل: {{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}} .
الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ عِنْدَ مُرُورِهَا:
19 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ عِنْدَ مُرُورِهَا:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ إِذَا مَرُّوا بِهَا عَلَى جَالِسٍ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ عَمَل السَّلَفِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْمُخْتَارُ أَنْ لاَ يَقُومَ لَهَا، وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: يُنْدَبُ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهَا وَيُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، إِنْ كَانَتْ أَهْلاً لَهُ (38) .
الْقِيَامُ عِنْدَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ:
20 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ قَائِمًا تَنْزِيهًا، وَاسْتَثْنَوُا الشُّرْبَ مِنْ زَمْزَمَ وَالشُّرْبَ مِنْ مَاءِ الْوُضُوءِ بَعْدَهُ، حَيْثُ نَفَوُا الْكَرَاهَةَ عَنْهُمَا (39) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُبَاحُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ قَائِمًا (40) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ شُرْبَ الشَّخْصِ قَائِمًا بِلاَ عُذْرٍ خِلاَفُ الأَْوْلَى (41) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ الشُّرْبِ
قَائِمًا، أَمَّا الأَْكْل قَائِمًا فَقَدْ قَال الْبُهُوتِيُّ: وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ لاَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ قَائِمًا، وَيَتَوَجَّهُ كَشُرْبٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ، قَائِمًا (42) .
وَسَبَبُ الاِخْتِلاَفِ أَنَّهُ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَارِضَةٌ فِي الأَْكْل وَالشُّرْبِ قَائِمًا.
مِنْهَا: عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا، قَال قَتَادَةَ: فَقُلْنَا: فَالأَْكْل، فَقَال: ذَاكَ شَرٌّ وَأَخْبَثُ (43) "، وَيَدُل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْعِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ قَائِمًا.
وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ أُخْرَى تُجِيزُ الأَْكْل وَالشُّرْبَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمَاشِيًا.
مِنْهَا: مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: كُنَّا نَأْكُل عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ (44) .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ (45) .
الْقِيَامُ حَال التَّبَوُّل:
21 - يُسْتَحَبُّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (46) أَنْ يَبُول الإِْنْسَانُ قَاعِدًا؛ لأَِنَّهُ أَسْتَرُ وَأَبْعَدُ مِنْ مُمَاسَّةِ الْبَوْل؛ وَلِئَلاَّ يُصِيبَهُ الرَّشَاشُ، فَيَتَنَجَّسَ، وَيُكْرَهُ الْبَوْل قَائِمًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ لِعُذْرٍ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءُ الْحَاجَةِ ف 9) .
الْقِيَامُ لِلْقَادِمِ وَالْوَالِدِ وَالْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ:
22 - وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ لِلْقَادِمِ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَالسُّمْعَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (47) ، وَثَبَتَ جَوَازُ الْقِيَامِ لِلْقَادِمِ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ إِكْرَامِ أَهْل الْفَضْل، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ أَهْل قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - سَيِّدِ الأَْوْسِ - فَأَرْسَل رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسْجِدِ، قَال لِلأَْنْصَارِ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ
خَيْرِكُمْ (48) . .
قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (49) مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: فِيهِ إِكْرَامُ أَهْل الْفَضْل، وَتَلَقِّيهِمْ بِالْقِيَامِ لَهُمْ، إِذَا أَقْبَلُوا، وَاحْتَجَّ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لاِسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ، قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَنْ يَقُومُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ، وَيَمْثُلُونَ قِيَامًا طِوَال جُلُوسِهِ، وَأَضَافَ النَّوَوِيُّ: قُلْتُ: الْقِيَامُ لِلْقَادِمِ مِنْ أَهْل الْفَضْل مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ صَرِيحٌ.
وَيُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لأَِهْل الْفَضْل كَالْوَالِدِ وَالْحَاكِمِ؛ لأَِنَّ احْتِرَامَ هَؤُلاَءِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا وَأَدَبًا.
وَقَال الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَإِكْرَامُ الْعُلَمَاءِ وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ بِالْقِيَامِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ (50) .
وَنَقَل ابْنُ الْحَاجِّ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ - فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيل - أَنَّ الْقِيَامَ يَكُونُ عَلَى أَوْجُهٍ:
الأَْوَّل: يَكُونُ الْقِيَامُ مَحْظُورًا، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ
إِكْبَارًا وَتَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إِلَيْهِ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا.
الثَّانِي: يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَهُوَ قِيَامُهُ إِكْبَارًا وَتَعْظِيمًا وَإِجْلاَلاً لِمَنْ لاَ يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إِلَيْهِ، وَلاَ يَتَكَبَّرُ عَلَى الْقَائِمِينَ إِلَيْهِ.
الثَّالِثِ: يَكُونُ جَائِزًا، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ تَجِلَّةً وَإِكْبَارًا لِمَنْ لاَ يُرِيدُ ذَلِكَ، وَلاَ يُشْبِهُ حَالُهُ حَال الْجَبَابِرَةِ، وَيُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ نَفْسُ الْمَقُومِ إِلَيْهِ.
الرَّابِعِ: يَكُونُ حَسَنًا، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ لِمَنْ أَتَى مِنْ سَفَرٍ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، أَوْ لِلْقَادِمِ عَلَيْهِ سُرُورًا بِهِ لِتَهْنِئَتِهِ بِنِعْمَةٍ، أَوْ يَكُونَ قَادِمًا لِيُعَزِّيَهُ بِمُصَابٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (51) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ قَال الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالإِْمَامِ الْعَادِل وَفُضَلاَءِ النَّاسِ، وَقَدْ صَارَ هَذَا كَالشِّعَارِ بَيْنَ الأَْفَاضِل. فَإِذَا تَرَكَهُ الإِْنْسَانُ فِي حَقِّ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَفْعَل فِي حَقِّهِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الإِْهَانَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ حِقْدًا، وَاسْتِحْبَابُ هَذَا فِي حَقِّ الْقَائِمِ لاَ يَمْنَعُ الَّذِي يُقَامَ لَهُ أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ (52) .
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَيُسَنُّ الْقِيَامُ لِنَحْوِ عَالِمٍ وَمُصَالِحٍ وَصَدِيقٍ وَشَرِيفٍ لاَ لأَِجْل غِنًى،
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الأَْزْمِنَةِ؛ لأَِنَّ تَرْكَهُ صَارَ قَطِيعَةً (53) .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَل عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا (54) .
وَوَرَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ قُمْنَا لَهُ حَتَّى يَدْخُل بَيْتَهُ (55) .
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا، فَقُمْنَا لَهُ، فَقَال: لاَ تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الأَْعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا (56) .
وَوَرَدَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانُوا
إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ (57) .
الْقِيَامُ فِي الْعُقُوبَاتِ:
إِقَامَةُ الْحَدِّ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا أَثْنَاءَ الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ:
23 - إِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ، فَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الرَّجُل قَائِمًا، وَلَمْ يُوثَقْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُحْفَرْ لَهُ، سَوَاءٌ أَثَبَتَ الزِّنَا بِبَيِّنَةٍ أَمْ بِإِقْرَارٍ، وَتُضْرَبُ الْمَرْأَةُ قَاعِدَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (58)) ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لِلْمَرْأَةِ، وَلِقَوْل عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُضْرَبُ الرِّجَال فِي الْحُدُودِ قِيَامًا وَالنِّسَاءُ قُعُودًا.
وَذَهَبَ الإِْمَامُ مَالِكٌ (59) إِلَى أَنَّ الرَّجُل يُضْرَبُ قَاعِدًا، وَكَذَا الْمَرْأَةُ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا، كَمَا فِي رَجْمِ الزُّنَاةِ الْمُحْصَنِينَ، فَتُرْجَمُ الْمَرْأَةُ بِالاِتِّفَاقِ قَاعِدَةً.
وَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَفْرِ لَهَا: إِنْ شَاءَ حَفَرَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الْحَفْرَ، أَمَّا الْحَفْرُ؛ فَلأَِنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَقَدْ رُوِيَ {أَنَّ الرَّسُول ﷺ حَفَرَ لِلْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ إِلَى ثَنْدُوَتِهَا (أَيْ
ثَدْيِهَا)
، وَأَمَّا تَرْكُ الْحَفْرِ فَلأَِنَّ الْحَفْرَ لِلسَّتْرِ، وَهِيَ مَسْتُورَةٌ بِثِيَابِهَا؛ لأَِنَّهَا لاَ تُجَرَّدُ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ.
وَهَذَا قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا بِالْحَفْرِ لِلْمَرْأَةِ إِلَى الصَّدْرِ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ، أَمَّا إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالإِْقْرَارِ، فَلَمْ يُحْفَرْ لَهَا.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اسْتِحْبَابُ الْحَفْرِ لِلْمَرْأَةِ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا ثَبَتَ زِنَاهَا بِالإِْقْرَارِ، لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الْهَرَبِ إِنْ رَجَعَتْ عَنْ إِقْرَارِهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الرَّاجِحِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ وَلاَ لِلرَّجُل، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: أَكْثَرُ الأَْحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحْفِرْ لِلْجُهَنِيَّةِ وَلاَ لِمَاعِزٍ وَلاَ لِلْيَهُودِيَّيْنِ.
وَأَمَّا الرَّجُل فَيُرْجَمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ قَائِمًا، وَقَال مَالِكٌ: يُرْجَمُ قَاعِدًا (60) .
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير.
(2) نهاية المحتاج 1 / 347، ومغني المحتاج 1 / 153 - 154.
(3) القاموس المحيط.
(4) الدر المختار 1 / 415، ومغني المحتاج 1 / 153، ونهاية المحتاج 1 / 347، وقواعد الفقه للبركتي.
(5) الصحاح، والقاموس المحيط.
(6) فتح القدير 1 / 192، وتبيين الحقائق 1 / 104، والدر المختار 1 / 414 - 415، والشرح الكبير للدردير 1 / 231، والشرح الصغير للدردير 1 / 307، ونهاية المحتاج 1 / 346، ومغني المحتاج 1 / 153، وكشاف القناع 1 / 450، والمغني 1 / 463، وغاية المنتهى 1 / 138.
(7) حديث عمران بن حصين: "
كانت بي بواسير. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 587 ط. السلفية) .
(8) الدر المختار ورد المحتار 1 / 414 ط. الأميرية والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 231، ونهاية المحتاج 1 / 347، ومغني المحتاج 1 / 153، 154، وكشاف القناع 1 / 451، والمغني 1 / 463.
(9) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 1 / 307، 309، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 255، والمهذب 1 / 72 - 73، 82، وكشاف القناع 1 / 451، وغاية المنتهى 1 / 138
(10) الدر المختار ورد المحتار 1 / 414 - 415، 422.
(11) انظر فقرة 5.
(12) الدر المختار 1 / 411، 414، 415، والكتاب للقدوري وشرحه اللباب 1 / 69.
(13) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 1 / 312.
(14) نهاية المحتاج 1 / 347، والمجموع 3 / 258 - 260.
(15) كشاف القناع 1 / 450 - 451، 587.
(16) حديث أنس: "
صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 197 - 198) وقال: حديث حسن صحيح.
(17) حديث عائشة: "
صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر في مرضه. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 196) وقال: حديث حسن صحيح.
(18) حديث: "
صلى آخر صلاته قاعدًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 173) ، ومسلم (1 / 311، 312) من حديث عائشة.
(19) حديث: "
لا يؤمن أحد بعدي جالسًا. . . ". أخرجه الدارقطني (1 / 398) من حديث الشعبي مرسلاً، وذكر الدارقطني أن فيه راويًا متروكًا.
(20) الدر المختار ورد المحتار 1 / 551، ومغني المحتاج 1 / 240، وحاشية الدسوقي 1 / 327، ومنار السبيل 1 / 124، وكشاف القناع 1 / 476، 477. ط. دار الفكر.
(21) حديث عمران بن حصين: "
من صلى قائمًا فهو أفضل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 586) .
(22) الدر المختار 1 / 468، 652 وما بعدها، وفتح القدير 1 / 328، والشرح الصغير 1 / 359 وما بعدها، والشرح الكبير 1 / 258، والقوانين الفقهية ص59، ومغني المحتاج 1 / 155، وكشاف القناع 1 / 451، 516، 517، 588، وغاية المنتهى 1 / 158.
(23) الدر المختار ورد المحتار 1 / 652، وفتح القدير 1 / 328، والشرح الصغير 1 / 359، ونهاية المحتاج 1 / 452، وكشاف القناع 1 / 517، ونيل الأوطار 3 / 83، وغاية المنتهى 1 / 158، والقوانين الفقهية ص 59.
(24) حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "
أنها لم تر رسول الله ﷺ يصلي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 589) .
(25) الدر المختار ورد المحتار 1 / 415، 713 - 717، والشرح الصغير 1 / 300، 302، 307، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 225، 228 - 230، ومغني المحتاج 1 / 153، وكشاف القناع 1 / 593.
(26) حديث ابن عمر: "
قم فناد بالصلاة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 77) ، ومسلم (1 / 258) .
(27) مغني المحتاج 1 / 140، وكشاف القناع 1 / 285.
(28) الدر المختار 1 / 371.
(29) حديث: "
إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 119) ، ومسلم (1 / 452) من حديث أبي قتادة واللفظ لمسلم.
(30) الدر المختار ورد المحتار 1 / 372، 447.
(31) الشرح الصغير 1 / 256، وبداية المجتهد 1 / 150. ط. دار المعرفة، والدسوقي 1 / 200.
(32) المجموع 3 / 255، 256 ط. السلفية.
(33) المغني 1 / 458.
(34) الدر المختار ورد المحتار 1 / 760، وفتح القدير 1 / 414، وكشاف القناع 2 / 43، 39، والمغني 2 / 302 وما بعدها.
(35) الشرح الصغير 1 / 499، والشرح الكبير 1 / 379، المهذب 1 / 285، ومغني المحتاج 1 / 287.
(36) حديث ابن عمر: "
كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 32 / 401) ، ومسلم (2 / 589) واللفظ لمسلم.
(37) التبيان في آداب حملة القرآن للنووي: ص43.
(38) حاشية ابن عابدين 1 / 598، والشرح الصغير 1 / 570، والبدائع 1 / 310، والقليوبي 1 / 330، وغاية المنتهى 1 / 246.
(39) ابن عابدين 1 / 387، 88.
(40) الفواكه الدواني 2 / 417، والقوانين الفقهية ص288.
(41) روضة الطالبين 7 / 340، ومغني المحتاج 1 / 250.
(42) كشاف القناع 5 / 177. والآداب الشرعية 3 / 175، 176.
(43) حديث أنس بن مالك: "
أن النبي ﷺ زجر (وفي رواية: نهى) عن الشرب قائمًا ". أخرجه مسلم (2 / 1600 - 1601) .
(44) حديث ابن عمر: "
كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي. . . ". أخرجه الترمذي (4 / 300) وقال: حديث حسن صحيح.
(45) حديث ابن عباس: "
شرب النبي ﷺ من زمزم وهو قائم ". أخرجه الترمذي (4 / 301) وقال: حديث حسن صحيح.
(46) الدر المختار 1 / 318، والشرح الصغير 1 / 87، والمهذب 1 / 26، ومغني المحتاج 1 / 40، والمغني 1 / 164.
(47) حديث: "
من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا. . . ". أخرجه الترمذي (5 / 91) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وحسنه الترمذي.
(48) حديث أبي سعيد الخدري: "
أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 7 / 411) .
(49) شرح مسلم 12 / 93.
(50) الآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 260.
(51) المدخل لابن الحاج 1 / 139 طبع. الإسكندرية سنة 1291هـ.
(52) مختصر منهاج القاصدين ص249.
(53) القليوبي 3 / 213.
(54) حديث: "
أن النبي ﷺ كان إذا دخلت عليه فاطمة. . . ". أخرجه الترمذي (5 / 700) من حديث عائشة، وقال: حديث حسن غريب.
(55) حديث: "
أن النبي ﷺ كان إذا خرج قمنا له. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزاوئد (8 / 40) وعزاه إلى البزار وقال: رجاله ثقات.
(56) حديث ابن أمامة: "
لا تقوموا كما تقوم الأعاجم. . . ". أخرجه أبو داود (5 / 398) ، ونقل ابن حجر في الفتح (11 / 50) عن الطبري ضعفه بالاضطراب في السند وجهالة فيه.
(57) حديث أنس: "
لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (5 / 90) وقال: حديث حسن صحيح.
(58) فتح القدير مع العناية 4 / 128، والمغني 8 / 158، وبداية المجتهد 2 / 429.
(59) بداية المجتهد 2 / 429.
(60) فتح القدير 4 / 129، والقوانين الفقهية: ص356، وبداية المجتهد 2 / 429، والمجموع 18 / 275، 283، ومغني المحتاج 4 / 153 - 154، والمغني 8 / 158 وما بعدها.
  • قِيَامُ اللَّيْل
التَّعْرِيفُ:
1 - (الْقِيَامُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الْجُلُوسِ) .
وَاللَّيْل فِي اللُّغَةِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ (1) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: قَضَاءُ اللَّيْل وَلَوْ سَاعَةً بِالصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لأَِكْثَرِ اللَّيْل.
وَيَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ يَحْصُل بِصَلاَةِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً وَالْعَزْمِ عَلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْل، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْل كُلَّهُ (2) » .
وَجَاءَ فِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ: مَعْنَى الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَغِلاً مُعْظَمَ اللَّيْل بِطَاعَةٍ، وَقِيل: سَاعَةً مِنْهُ، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ أَوْ
يُسَبِّحُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (3) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّهَجُّدُ:
2 - التَّهَجُّدُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْهُجُودِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّوْمِ وَالسَّهَرِ: يُقَال: هَجَدَ: نَامَ بِاللَّيْل، فَهُوَ هَاجِدٌ، وَالْجَمْعُ هُجُودٌ، وَهَجَدَ: صَلَّى بِاللَّيْل، وَيُقَال تَهَجَّدَ: إِذَا نَامَ، وَتَهَجَّدَ إِذَا صَلَّى، فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ، وَمِنْهُ قِيل لِصَلاَةِ اللَّيْل: التَّهَجُّدُ (4) .
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ: أَنَّ الْهَاجِدَ هُوَ النَّائِمُ، هَجَدَ، هُجُودًا إِذَا نَامَ، وَأَمَّا الْمُتَهَجِّدُ فَهُوَ الْقَائِمُ إِلَى الصَّلاَةِ مِنَ النَّوْمِ، وَكَأَنَّهُ قِيل لَهُ مُتَهَجِّدٌ لإِِلْقَائِهِ الْهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ (5) .
وَقَدْ فَسَّرَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَمُجَاهِدٌ، قَوْله تَعَالَى: {{نَاشِئَةَ اللَّيْل}} ، بِالْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ مِنَ النَّوْمِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِلتَّهَجُّدِ (6) .
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ التَّهَجُّدَ فِي
الاِصْطِلاَحِ هُوَ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْل بَعْدَ النَّوْمِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: يَحْسِبُ أَحَدُكُمْ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ أَنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ، إِنَّمَا التَّهَجُّدُ: الْمَرْءُ يُصَلِّي الصَّلاَةَ بَعْدَ رَقْدَةٍ (7) ، وَقِيل: إِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْل مُطْلَقًا (8) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (تَهَجُّدٌ ف 4 - 6) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ قِيَامِ اللَّيْل وَالتَّهَجُّدِ: أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل أَعَمُّ مِنَ التَّهَجُّدِ (9) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
3 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْل، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (10) .
وَاخْتَلَفُوا فِي فَرْضِيَّتِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اخْتِصَاصٌ ف 4) .
كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّ صَلاَةَ اللَّيْل أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ النَّهَارِ، قَال أَحْمَدُ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدِي أَفْضَل مِنْ قِيَامِ اللَّيْل، وَقَدْ صَرَّحَتِ
الأَْحَادِيثُ بِفَضْلِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْل، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِْثْمِ (11) .
الْوَقْتُ الأَْفْضَل لِقِيَامِ اللَّيْل:
4 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، سَوَاءٌ سَبَقَهُ نَوْمٌ أَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ، وَأَنَّ كَوْنَهُ بَعْدَ النَّوْمِ أَفْضَل.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَفْضَل الأَْوْقَاتِ لِقِيَامِ اللَّيْل عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل مُطْلَقًا السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنَ اللَّيْل، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْل، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (12) .
وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَل اللَّيْل نِصْفَيْنِ:
أَحَدَهُمَا لِلنَّوْمِ، وَالآْخَرَ لِلْقِيَامِ، فَالنِّصْفُ الأَْخِيرُ أَفْضَل، لِقِلَّةِ الْمَعَاصِي فِيهِ غَالِبًا، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَنْزِل رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُل لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الآْخِرِ، يَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مِنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (13) .
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ أَثْلاَثًا، فَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ ثُلُثَيْهِ، فَالثُّلُثُ الأَْوْسَطُ أَفْضَل مِنْ طَرَفَيْهِ؛ لأَِنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ أَتَمُّ، وَالْعِبَادَةَ فِيهِ أَثْقَل، وَالْمُصَلِّينَ فِيهِ أَقَل، وَلِهَذَا قَال النَّبِيُّ ﷺ: ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مِثْل الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ (14) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الأَْفْضَل قِيَامُ ثُلُثِ اللَّيْل الآْخِرِ لِمَنْ تَكُونُ عَادَتُهُ الاِنْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْل، أَمَّا مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ أَنْ لاَ يَنْتَبِهَ آخِرَهُ، فَالأَْفْضَل أَنْ يَجْعَلَهُ أَوَّل اللَّيْل احْتِيَاطًا (15) .
أَمَّا اللَّيْل كُلُّهُ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ قِيَامِهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا:
لاَ أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلاَ صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلاَ صَامَ شَهْرًا كَامِلاً غَيْرَ رَمَضَانَ (16) .
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْل؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، فَقَال: فَلاَ تَفْعَل، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنْ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (17) .
وَاسْتَثْنَوْا لَيَالِيَ مَخْصُوصَةً لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَل الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ (18) .
عَدَدُ رَكَعَاتِهِ:
5 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ افْتِتَاحُ قِيَامِ اللَّيْل بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، لِمَا رَوَى
أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْل فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (19) .
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مُنْتَهَى رَكَعَاتِهِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ (20) ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، أَوِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً (21) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ حَصْرَ لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ (22) لِخَبَرِ: الصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ فَلْيَسْتَكْثِرْ (23) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ صَلاَتِهِ ﷺ بِاللَّيْل (24) : قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (25) ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَا كَانَ
رَسُول اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا (26) ، وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: كَانَتْ صَلاَتُهُ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِاللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ (27) .
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ (تَهَجُّدٌ ف 6، وَصَلاَةُ التَّرَاوِيحِ ف 11) .
وَهَل يُصَلِّي أَرْبَعًا أَرْبَعًا، أَوْ مَثْنَى مَثْنَى؟
ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى، احْتِجَاجًا بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: صَلاَةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى (28) . . .؛ وَلأَِنَّ عَمَل الأُْمَّةِ فِي التَّرَاوِيحِ مَثْنَى مَثْنَى، مِنْ لَدُنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَدَل أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَل.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلَّى أَرْبَعًا أَرْبَعًا،
لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا السَّابِقِ (29) .
وَقَال الْمَوْصِلِيُّ: صَلاَةُ اللَّيْل رَكْعَتَانِ بِتَسْلِيمَةٍ، أَوْ سِتٌّ أَوْ ثَمَانٍ؛ لأَِنَّ كُل ذَلِكَ نُقِل فِي تَهَجُّدِهِ ﷺ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل (30) .
تَرْكُ قِيَامِ اللَّيْل لِمُعْتَادِهِ:
6 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ بِلاَ عُذْرٍ (31) ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَكُنْ مِثْل فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْل فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْل (32) ، فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ الأَْخْذُ مِنَ الْعَمَل بِمَا يُطِيقُهُ، وَلِذَا قَال ﷺ: أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (33) .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ
النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا (34) .
وَقَالَتْ: كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً (35) ، وَقَالَتْ: كَانَ إِذَا عَمِل عَمَلاً أَثْبَتَهُ (36) .
الاِجْتِمَاعُ لِقِيَامِ اللَّيْل:
7 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّطَوُّعُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل الأَْمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا.
وَالأَْفْضَل فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ الْمَنْزِل، لِحَدِيثِ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (37) .
وَفِي رِوَايَةٍ: صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (38) .
وَلَكِنْ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ مَا يَشْغَل بَالَهُ، وَيُقَلِّل خُشُوعَهُ، فَالأَْفْضَل أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ فُرَادَى؛ لأَِنَّ اعْتِبَارَ الْخُشُوعِ أَرْجَحُ (39) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّطَوُّعِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل التَّدَاعِي، بِأَنْ يَقْتَدِيَ أَرْبَعَةٌ بِوَاحِدٍ (40) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْجَمْعُ فِي النَّافِلَةِ غَيْرِ التَّرَاوِيحِ إِنْ كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي أُرِيدَ الْجَمْعُ فِيهِ مُشْتَهِرًا كَالْمَسْجِدِ، أَوْ لاَ كَالْبَيْتِ، أَوْ قَلَّتِ الْجَمَاعَةُ وَكَانَ الْمَكَانُ مُشْتَهِرًا، وَذَلِكَ لِخَوْفِ الرِّيَاءِ.
فَإِنْ قَلَّتْ وَكَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ فَلاَ كَرَاهَةَ، إِلاَّ فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِبِدْعَةِ الْجَمْعِ فِيهَا، كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَوَّل جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا (41) .
قِيَامُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ:
8 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى نَدْبِ إِحْيَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ (42) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ. أَيْ بِصَلاَةٍ (43) ، لِحَدِيثِ: لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي (44) .
أَمَّا تَخْصِيصُ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالصَّلاَةِ
أَوْ بِغَيْرِهَا، فَلاَ يُكْرَهُ.
وَكَذَلِكَ لاَ يُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ الصَّلاَةِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوِ الذِّكْرِ، أَوِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (45) .
قِيَامُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ:
9 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ قِيَامُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ (46) لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ (47) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ اللَّيْل ف 11) .
قِيَامُ لَيَالِي رَمَضَانَ:
10 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُنِّيَّةِ قِيَامِ لَيَالِي رَمَضَانَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (48) .
وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ التَّرَاوِيحَ هِيَ قِيَامُ رَمَضَانِ، وَلِذَلِكَ فَالأَْفْضَل اسْتِيعَابُ أَكْثَرِ
اللَّيْل بِهَا؛ لأَِنَّهَا قِيَامُ اللَّيْل (49) .
قِيَامُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَالاِجْتِمَاعُ لَهُ:
11 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى نَدْبِ قِيَامِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (50) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا، وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِل فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُول: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلاَ مِنْ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقَهُ، أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ. . . أَلاَ كَذَا. . . أَلاَ كَذَا. . . حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ (51) .
وَالتَّفْصِيل فِي (إِحْيَاءُ اللَّيْل ف 13) .
قِيَامُ لَيَالِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ:
12 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِيَامُ اللَّيَالِيِ الْعَشْرِ الأُْوَّل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (52) ،
لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِل صِيَامُ كُل يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُل لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (53) .
قِيَامُ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ:
13 - يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِيَامُ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ؛ لأَِنَّهَا مِنَ اللَّيَالِي الْخَمْسِ الَّتِي لاَ يُرَدُّ فِيهَا الدُّعَاءُ، وَهِيَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَا الْعِيدِ (54) .
مَا يُسْتَحَبُّ فِي قِيَامِ اللَّيْل:
يُسْتَحَبُّ فِي قِيَامِ اللَّيْل مَا يَلِي:
أ - الاِفْتِتَاحُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ:
14 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَائِمِ اللَّيْل أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (55) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْل فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ
خَفِيفَتَيْنِ (56) ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: لأََرْمُقَنَّ صَلاَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. . . الْحَدِيثَ (57) .
ب - مَا يَقُولُهُ الْقَائِمُ لِلتَّهَجُّدِ:
15 - اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَقُولُهُ قَائِمُ اللَّيْل إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَتَهَجَّدُ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَقَال سُلَيْمَانُ الْجَمَل: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ الْمُسْتَيْقِظُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى السَّمَاءِ وَلَوْ أَعْمَى وَتَحْتَ سَقْفٍ، وَأَنْ يَقْرَأَ: {{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ}} إِلَى آخِرِ الآْيَاتِ (58) .
وَعَنْ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ تَعَارَّ اسْتَيْقَظَ (59) ، مِنَ اللَّيْل فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَال:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ (60) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَتَهَجَّدُ، قَال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: " وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ (61) ".
ج - كَيْفِيَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي قِيَامِ اللَّيْل:
16 - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ قَائِمَ اللَّيْل
مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالإِْسْرَارِ بِهَا، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الْجَهْرَ أَفْضَل مَا لَمْ يُؤْذِ نَائِمًا وَنَحْوَهُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ، أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا، فَالْجَهْرُ أَفْضَل، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَهَجَّدُ، أَوْ مَنْ يَسْتَضِرُّ بِرَفْعِ صَوْتِهِ، فَالإِْسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لاَ هَذَا وَلاَ هَذَا فَلْيَفْعَل مَا شَاءَ (62) ، قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، كَيْفَ كَانَ قِرَاءَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: كُل ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَل، رُبَّمَا أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ، وَرُبَّمَا جَهَرَ (63) ، وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي اللَّيْل يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا (64) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْجَهْرُ فِي صَلاَةِ اللَّيْل مَا لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى مُصَلٍّ آخَرَ، وَإِلاَّ حَرُمَ، وَالسِّرُّ فِيهَا خِلاَفُ الأَْوْلَى.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإِْسْرَارِ
وَالْجَهْرِ إِنْ لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ نَحْوِهِمَا (65) .
د - إِيقَاظُ مِنْ يُرْجَى تَهَجُّدُهُ:
17 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَامَ يَتَهَجَّدُ أَنْ يُوقِظَ مَنْ يَطْمَعُ فِي تَهَجُّدِهِ إِذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا (66) ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْل وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ (67) .
هـ - إِطَالَةُ الْقِيَامِ وَتَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ:
18 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ طُول الْقِيَامِ أَفْضَل مِنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، فَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلاً وَطَوَّل الْقِيَامَ أَفْضَل مِمَّنْ صَلَّى ثَمَانِيًا وَلَمْ يُطَوِّلْهُ، لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِطُول الْقِيَامِ، وَلِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَفْضَل الصَّلاَةِ طُول الْقُنُوتِ (68) وَالْقُنُوتُ: الْقِيَامُ.
؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَكْثَرُ صَلاَتِهِ التَّهَجُّدَ، وَكَانَ يُطِيلُهُ، وَهُوَ ﷺ لاَ يُدَاوِمُ إِلاَّ عَلَى الأَْفْضَل.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ قَوْلَهُمْ: هَذَا إِنْ صَلَّى قَائِمًا، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَالأَْقْرَبُ أَنَّ كَثْرَةَ الْعَدَدِ أَفْضَل، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُعُودِ الَّذِي لاَ مَشَقَّةَ فِيهِ، حَيْثُ زَادَتْ كَثْرَةُ الْعَدَدِ بِالرُّكُوعَاتِ وَالسُّجُودَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِرْدٌ فَطُول الْقِيَامِ أَفْضَل، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ وِرْدٌ مِنَ الْقُرْآنِ يَقْرَؤُهُ، فَكَثْرَةُ السُّجُودِ أَفْضَل (69) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً (70) ؛ وَلأَِنَّ السُّجُودَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَل وَآكَدُ، بِدَلِيل أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَل، وَلاَ يُبَاحُ بِحَالٍ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِخِلاَفِ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي النَّفْل، وَيُبَاحُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالْحَاكِمِ، وَسَيِّدِ الْقَوْمِ وَالاِسْتِكْثَارُ مِمَّا هُوَ آكَدُ وَأَفْضَل أَوْلَى.
وَلِلْحَنَابِلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِتَعَارُضِ الأَْخْبَارِ فِي ذَلِكَ (71) .
و - نِيَّةُ قِيَامِ اللَّيْل عِنْدَ النَّوْمِ:
19 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَنْوِيَ الشَّخْصُ قِيَامَ اللَّيْل عِنْدَ النَّوْمِ (72) ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَل (73) .
__________
(1) القاموس المحيط، والمصباح المنير.
(2) حديث: " من صلى العشاء في جماعة. . . ". أخرجه مسلم (1 / 454) من حديث عثمان بن عفان.
(3) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص219 ط. المطبعة العثمانية، وابن عابدين 1 / 460 - 461. ط. دار إحياء التراث العربي.
(4) مختار الصحاح، والمصباح المنير.
(5) لسان العرب.
(6) تفسير القرطبي 19 / 39.
(7) حاشية ابن عابدين 1 / 459. ومغني المحتاج 1 / 228.
(8) حاشية الدسوقي 2 / 211.
(9) حاشية ابن عابدين 1 / 460.
(10) حاشية ابن عابدين 1 / 460، الفواكه الدواني 2 / 360 - 361، والمجموع 4 / 47، وكشاف القناع 1 / 435.
(11) حديث: " عليكم بقيام الليل. . . ". أخرجه الحاكم (1 / 308) من حديث أبي أمامة الباهلي، وصححه ووافقه الذهبي.
(12) حديث عبد الله بن عمرو: " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 16) .
(13) حديث: " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 29) ومسلم (1 / 521) .
(14) حديث: " ذكر الله في الغافلين مثل الشجرة الخضراء. . . ". أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (6 / 181) وضعف إسناده العراقي كما في فيض القدير للمناوي (3 / 559) .
(15) ابن عابدين 1 / 460، والفواكه الدواني 1 / 234 دار المعرفة، وحاشية الجمل 1 / 495، ونهاية المحتاج للرملي 2 / 162، والمغني لابن قدامة 2 / 136، ونيل المآرب 1 / 162.
(16) حديث عائشة: " لا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة. . . ". أخرجه مسلم (1 / 514) .
(17) حديث: أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: " ألم أخبر أنك تصوم بالنهار. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 218) .
(18) حديث عائشة: " كان إذا دخل العشر أحيا الليل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 269) ومسلم (2 / 832) واللفظ لمسلم.
(19) حديث: " إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ". أخرجه مسلم (1 / 532) .
(20) ابن عابدين 1 / 460 ط. دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير 1 / 390 دار إحياء التراث العربي.
(21) الفواكه الدواني 1 / 234 ط. دار المعرفة، والمغني لابن قدامة 1 / 138.
(22) نهاية المحتاج للرملي 2 / 134 - 148.
(23) حديث: " الصلاة خير موضوع. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 249) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد المنعم بن بشير وهو ضعيف.
(24) المغني 2 / 138 ط. مطبعة الرياض الحديثة، وانظر نيل المآرب 1 / 163.
(25) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. ". أخرجه مسلم (1 / 531) .
(26) حديث عائشة: " ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 33) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1 / 282) .
(27) حديث: " كانت صلاته ﷺ في شهر رمضان وغيره. . . ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1 / 282) .
(28) حديث: " صلاة الليل مثنى مثنى. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 477) ، ومسلم (1 / 516) .
(29) بدائع الصنائع 1 / 294 - 295، وابن عابدين 1 / 460، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 / 255.
(30) الاختيار 1 / 67.
(31) حاشية ابن عابدين 1 / 460، والإقناع للشربيني الخطيب 1 / 107 ط. دار المعرفة، وحاشية الجمل 1 / 496، والمغني لابن قدامة 2 / 140 - 141 ط. الرياض الحديثة.
(32) حديث: " يا عبد الله لا تكن مثل فلان. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 37) ، ومسلم (2 / 814) .
(33) حديث: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 294) ، ومسلم (1 / 541) من حديث عائشة واللفظ لمسلم.
(34) حديث: " كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة دوام عليها ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 213) من حديث عائشة.
(35) حديث: " كان عمله ديمة ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 294) ، ومسلم (1 / 541) .
(36) حديث: " كان إذا عمل عملاً أثبته ". أخرجه مسلم (1 / 515) .
(37) حديث: " عليكم بالصلاة في بيوتكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 517) ، ومسلم (1 / 540) من حديث زيد بن ثابت.
(38) حديث: " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 632 - 633) .
(39) حاشية ابن عابدين 1 / 458 ط. دار إحياء التراث العربي، وحاشية الجمل 1 / 478، والمغني لابن قدامة 2 / 242.
(40) حاشية ابن عابدين 1 / 476.
(41) حاشية الدسوقي 1 / 136، 137.
(42) مراقي الفلاح ص219.
(43) حاشية الجمل 1 / 496، 497.
(44) حديث: " لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ". أخرجه مسلم (2 / 801) من حديث أبي هريرة.
(45) حاشية الجمل 1 / 497.
(46) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص218، وابن عابدين 1 / 460، والمجموع 4 / 45، وشرح المنهاج 2 / 172، الشرح الصغير 1 / 527، وكشف المخدرات ص86.
(47) حديث: " من قام ليلتي العيدين محتسبًا. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 567) من حديث أبي أمامة، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 313) .
(48) حديث: " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 92) ، ومسلم (1 / 523) من حديث أبي هريرة.
(49) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص218، وابن عابدين 1 / 460، والاختيار 1 / 69، وحاشية الدسوقي 1 / 315، وحاشية الجمل 1 / 496، ومغني المحتاج 1 / 227، والمغني لابن قدامة 2 / 166.
(50) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص219، ومواهب الجليل 1 / 74، والفروع 1 / 440، وإحياء علوم الدين 3 / 423.
(51) حديث: " إذا كانت ليلة النصف من شعبان. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 444) من حديث علي بن أبي طالب، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 247) : هذا إسناد فيه لين ابن أبي سبرة، واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة قال أحمد: وابن معين يضع الحديث.
(52) حاشية ابن عابدين 1 / 460، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص 219، والفروع 1 / 398.
(53) حديث: " ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد فيها. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 122) ، وأورده الذهبي في الميزان (4 / 100) في ترجمة أحد رواته، وذكر تضعيف ذلك الراوي وكذا ضعف راويًا آخر.
(54) مراقي الفلاح 219، والفروع 1 / 438.
(55) حاشية الجمل 1 / 496، والمغني 2 / 138، ونيل المآرب 1 / 163.
(56) حديث: " إذا قام أحدكم من الليل. . . ". تقدم تخريجه ف / 5.
(57) حديث زيد بن خالد " لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ ". أخرجه مسلم (1 / 531 - 532) .
(58) حاشية الجمل 1 / 496، والمغني لابن قدامة 2 / 137، ونيل المآرب 1 / 162.
(59) النهاية لابن الأثير.
(60) حديث عباد بن الصامت: " من تعار من الليل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 39) .
(61) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 3) ، ومسلم (1 / 532 - 533) واللفظ للبخاري.
(62) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 138، والمغني لابن قدامة 2 / 139.
(63) حديث عبد الله بن أبي قيس: " سألت عائشة رضي الله عنها: كيف كان قراءة النبي ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 311) وقال: " حديث حسن صحيح ".
(64) حديث أبي هريرة: " كانت قراءة رسول الله ﷺ في الليل يرفع طورًا ويخفض طورًا ". أخرجه أبو داود (2 / 81) ، والحاكم (م 1 / 310) وصححه ووافقه الذهبي.
(65) حاشية الدسوقي 1 / 313، وحاشية الجمل 1 / 496.
(66) حاشية الجمل 1 / 496.
(67) حديث: " من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 147) ، والحاكم (1 / 316) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(68) حديث: " أفضل الصلاة طول القنوت ". أخرجه مسلم (1 / 520) من حديث جابر بن عبد الله.
(69) بدائع الصنائع 1 / 295.
(70) حديث: " عليك بكثرة السجود. . . ". أخرجه مسلم (1 / 353) من حديث ثوبان.
(71) بدائع الصنائع 1 / 215، وحاشية الدسوقي 1 / 319، وحاشية الجمل 1 / 493، والمغني لابن قدامة 2 / 140 - 141، ونيل المآرب 1 / 163.
(72) حاشية الجمل 1 / 496، ونيل المآرب 1 / 163.
(73) حديث: " من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم. . . ". أخرجه النسائي (3 / 258) والحاكم (1 / 311) من حديث أبي الدرداء، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
* فضل قيام الليل:
قيام الليل من أفضل الأعمال، وهو أفضل من تطوع النهار؛ لما في سرِّيته من الإخلاص لله تعالى، ولما فيه من المشقة بترك النوم، واللذة التي تحصل بمناجاة الله عز وجل، وجوف الليل أفضل.
1 - قال الله تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) (المزمل/6).
2 - وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله عز وجل في تلك الساعة فكن، فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس .. )). أخرجه الترمذي والنسائي (¬1).
3 - وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال: ((أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل)). أخرجه مسلم (¬2).
¬_________
(¬1) صحيح/ أخرجه الترمذي برقم (3579)، صحيح سنن الترمذي رقم (2833). وأخرجه النسائي برقم (572)، وهذا لفظه، صحيح سنن النسائي رقم (557).
(¬2) أخرجه مسلم برقم (1163).

الباب السابع قيام رمضان (التراويح)

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

الباب السابع: قيام رمضان (التراويح)
• الفصل الأول: تعريف التراويح لغة واصطلاحاً.
• الفصل الثاني: مشروعية صلاة التراويح وحكمها وفضلها.
• الفصل الثالث: صفة صلاة التراويح.

اجتناب الولايات، خاصة لمن كان فيه ضعف عن القيام بحقوقها

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* اجتناب الولايات، خاصة لمن كان فيه ضعف عن القيام بحقوقها:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). أخرجه مسلم (¬1).
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (1825).

7 - أهوال يوم القيامة

موسوعة الفقه الإسلامي

7 - أهوال يوم القيامة
- يوم القيامة يوم عظيم أمره، شديد هوله، ويدل على عظمة أهواله أمور:
الأول: أن الله عز وجل وصف ذلك اليوم بالعظيم .. والثقيل .. والعسير .. والعبوس .. وغير ذلك من الأوصاف المروعة:
1 - قال الله تعالى: {{أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}} [المطففين: 4 - 6].
2 - وقال الله تعالى: {{إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27)}} [الإنسان: 27].
3 - وقال الله تعالى: {{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)}} [المدثر: 8 - 9].
4 - وقال الله تعالى: {{إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)}} [الإنسان: 10].
الثاني: الرعب والفزع الذي يصيب الناس في ذلك اليوم:
1 - قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ
حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)}}
[الحج: 1 - 2].
2 - وقال الله تعالى: {{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)}} [إبراهيم: 42 - 43].

9 - أحوال الناس يوم القيامة

موسوعة الفقه الإسلامي

فَأخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا. ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا». قال أبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَؤُوا: {{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}} [النساء: 40]. «فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالمَلائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ أقْوَاماً قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأفْوَاهِ الجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أبْيَضَ. فَيَخْرُجُونَ كَأنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». متفق عليه (¬1).

9 - أحوال الناس يوم القيامة
- أقسام الناس يوم القيامة:
الناس يوم القيامة ثلاثة أقسام:
الكفار والمنافقون .. والمؤمنون المتقون .. وعصاة الموحدين.
الأول: أحوال الكفار يوم القيامة:
1 - أحوال الكفار عند خروجهم من القبور:
1 - قال الله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7439) , واللفظ له، ومسلم برقم (183).

7 - ثمرات القيام بهذه الواجبات الكبرى

موسوعة الفقه الإسلامي

7 - ثمرات القيام بهذه الواجبات الكبرى
كل من يقوم من المسلمين بهذه الواجبات الكبرى فإن الله يكرمه بكرامات عظيمة أهمها:
1 - السعادة في الدنيا والآخرة:
قال الله تعالى: {{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)}} [يونس:62 - 64].
2 - دخول الجنة يوم القيامة.
قال الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14)}} [الحج:14].
3 - القرب من الله عز وجل:
1 - قال الله تعالى: {{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)}} [القمر: 54 - 55].
2 - وقال الله تعالى: {{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)}} [الواقعة: 10 - 14].
4 - سماع كلام الله عز وجل:
قال الله تعالى: {{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)}} [يس:55 - 58].

قيام ثورات على مروان بن محمد وبني أمية في حمص وتدمر والكوفة وفلسطين والأندلس وغيرها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام ثورات على مروان بن محمد وبني أمية في حمص وتدمر والكوفة وفلسطين والأندلس وغيرها.
127 - 744 م
في هذه السنة ثار بعض اليمانية على مروان بن محمد في حمص وتدمر وكذلك في فلسطين فقام بإرسال من يقمعهم مستعينا بالقيسية، كما خرج في الكوفة عبدالله بن معاوية الطالبي على بني أمية وبايعه بعض أصحابه ثم هرب معهم إلى حلوان وغلب على الري وأصبهان وهمدان، وفي الأندلس ثار بعض القيسية بقيادة ثوابة بن سلمة الذي تولى بعد إمارة الأندلس.

قيام الدولة الرستمية في الجزائر وهم خوارج إباضية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الدولة الرستمية في الجزائر وهم خوارج إباضية.
160 - 776 م
قام جماعة من الخوارج الإباضية بقيادة عبدالرحمن بن رستم ببناء مدينة تاهرت وكانت مقرهم وهادن إمامهم عبدالرحمن ولاة القيروان مثل حكام الدولة الصفرية في سجلماسة.
قيام الدولة الزيادية.
203 - 818 م
غلب محمد بن إبراهيم الزيادي من أحفاد عبيدالله بن زياد بن أبي سفيان على اليمن فكان ذلك أول قيام الدولة الزيادية.

طاهر بن الحسين يستقل بخراسان ويعلن قيام الدولة الطاهرية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

طاهر بن الحسين يستقل بخراسان ويعلن قيام الدولة الطاهرية.
207 - 822 م
تنسب الدولة الطاهرية إلى طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق، وكان أبوه أحد وجهاء خراسان ومن سادتها في عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد، وقد ولاه الرشيد بوشنج – إحدى مدن خراسان - والتي تقع بين هراة وسرخس. وقد ولد طاهر في بوشنج سنة (159هـ = 775م) وبعد وفاة هارون الرشيد سنة (194هـ = 807م) حدث نزاع حول الخلافة بين ابنيه: الأمين والمأمون، وتصاعد الخلاف إلى حد الحرب والاقتتال، وفي ظل تلك الأجواء المشحونة بالقتال والصراع، وجد طاهر بن الحسين طريقه إلى الاستقلال بخراسان حينما استطاع إلحاق الهزيمة بجيش الأمين الذي أرسل عدة مرات ليقضي عليه وكل ذلك لا يستطيع، وأدت تلك الانتصارات المتتالية التي حققها طاهر إلى خروج عمال الأمين عن طاعته، والمسارعة إلى خلعه وإعلان الطاعة لأخيه، واتجه طاهر بجيوشه إلى بغداد فحاصرها مدة طويلة حتى ضاق الناس واشتد الجوع، فلما تمكن من دخولها قبض على الأمين ثم أمر بقتله. واستقر الأمر للمأمون بالخلافة سنة (198هـ = 813م) فأسند إلى طاهر ولاية خراسان وبقية ولايات المشرق، فلما توفي طاهر سنة (207هـ = 822م) عهد المأمون إلى عبد الله بن طاهر بولاية خراسان خلفًا لأبيه، ثم أخذ الطاهريون يفقدون السيطرة على مناطقهم لصالح الصفاريين. والذين استطاعوا أخيرا سنة (259هـ- 873 م) أن ينهوا حكمهم.

قيام المأمون بتوجيه ابنه العباس إلى أرض الروم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام المأمون بتوجيه ابنه العباس إلى أرض الروم.
218 جمادى الأولى - 833 م
وجه المأمون ابنه العباس إلى أرض الروم وأمره بنزول الطوانة وبنائها وكان قد وجه الفعلة والفروض فابتدأ البناء وبناها ميلا في ميل وجعل سورها على ثلاثة فراسخ وجعل لها أربعة أبواب وبنى على كل باب حصنا وكان توجيهه ابنه العباس في ذلك، في أول يوم من جمادى.

قيام الدولة اليعفرية بصنعاء.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الدولة اليعفرية بصنعاء.
225 - 839 م
هي ثاني دولة مستقلة، وينسب اليعفريون إلى الملوك الحميريين، ويعتبر يعفر بن عبد الرحيم المؤسس الفعلي لهذه الدولة، وكان الخليفة المعتمد قد عينه عاملاً على صنعاء قبل أن يستقل بالسلطة ويؤسس الدولة، ولكن الخلافات نشبت بين أفراد الأسرة اليعفرية فضعف مركزها لتنتهي لاحقاً وتدخل في طاعة دولة الأئمة. في آخر عهد المتوكل ابتدأت الدولة اليعفرية بصنعاء وكان جدهم عبد الرحيم بن إبراهيم الحوالي نائباً عن جعفر بن سليمان بن علي الهاشمي الذي كان والياً للمعتصم على نجد واليمن وصنعاء وما إليها ولما توفي عبد الرحيم قام في الولاية مقامه ابنه يعفر بن عبد الرحيم وهو رأس الدولة ومبدأ استقلالها إلا أنه كان يهاب آل زياد ويدفع لهم خراجاً يحمل إلى زبيد كأنه عامل لهم ونائب عنهم وكان ابتداء استقلال يعفر بن عبد الرحيم سنة247هـ واستمر ملك صنعاء في أعقابه إلى سنة 387هـ

قيام الخليفة المتوكل بالاحتيال على الأمير إيتاخ وحبسه حتى الموت.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الخليفة المتوكل بالاحتيال على الأمير إيتاخ وحبسه حتى الموت.
235 جمادى الآخرة - 850 م
كان إيتاخ قائد جيش المتوكل وإليه المغاربة، والأتراك، والأموال، والبريد، والحجابة، ودار الخلافة, فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب ذات يوم فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه ثم وضع عليه من يحسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل، فأذن له, فلما عاد من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه فاحتال عليه إسحاق حتى حبسه وقيد إيتاخ، وجعل في عنقه ثمانين رطلا فمات.

بداية قيام دولة الزيديين في صعدة وصنعاء باليمن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

بداية قيام دولة الزيديين في صعدة وصنعاء باليمن.
246 - 860 م
تزعم بني الرسي بصعدة وصنعاء وقام الحسن بن قاسم الرسي بتأسيس دولتهم وهم من الأئمة الزيديين، والقاسم الرسي هو القاسم بن إبراهيم المعروف بطباطبا بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان بويع بالإمامة بعد موت أخيه محمد وبقي متخفيا مدة هاربا من بلد لآخر حتى استقر بأرمينية في الرس وفيها مات فعرف بالرسي.

قيام الدولة الطولونية بمصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الدولة الطولونية بمصر.
254 - 867 م
كانت ديار مصر قد أقطعها بابكيال، وهو من أكابر قواد الأتراك، وكان مقيماً بالحضرة، واستخلف بها من ينوب عنه بها، وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضاً من الأتراك، وقد نشأ هو، بعد والده، على طريقة مستقيمة، وسيرة حسنة، والتمس بابكيال من يستخلفه بمصير، فأشير عليه بأحمد بن طولون، لما ظهر عنه من حسن السيرة، فولاه وسيره إليها. وكان بها ابن المدبر على الخراج، وقد تحكم في البلد، فلما قدمها أحمد كف يد ابن المدبر، واستولى على البلد؛ وكان بابكيال قد استعمل أحمد بن طولون على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالإسكندرية وغيرها فلما قتل المهدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي، وكان بينه وبين أحمد ابن طولون مودة متأكدة استعمله على ديار مصر جميعها، فقوي أمره، وعلا شأنه ودامت أيامه.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت