من بين التطورات الحديثة في مجال التنمية الاجتماعية و التي أصبحت تستقطب الموارد المالية من خلال سياسات الدعم التي تتبناها مؤسسات التنمية الدولية و المنظمات الغير حكومية الدولية، هي ما يعرف اليوم المشاريع الدقيقة أو التمويل المصغر، والتي تزايدت أهميتها باعتبار أن هذه المشاريع الصغيرة، تكون ضمن مكوناتها مشاريع لتشغيل الطاقات العاطلة. [1] و إن ما يشجع المؤسسات التنموية الدولية على تبني المشاريع الدقيقة فوائدها الكثيرة، و من ذلك أنها تؤدي إلى تحسين كبير في أوضاع الفقراء، ففي العادة تؤدي هذه المشاريع إلى تحسين أكثر من 20% من هذه الفئة و قد تصل النسبة إلى 100%.
و تعرف المشاريع الدقيقة بأنها تلك المشاريع التي تحتاج إلى استثمار بسيط لا تزيد قيمته على 15 ألف دولار و هي موجهة أساسا إلى الفئات الفقيرة و من خلال هذه المشاريع يمكن إيجاد مصدر رزق و توليد دخل كاف و مستمر للطبقات الفقيرة العاطلة.
وفي هذا الإطار أصبح كثير من الموارد المالية يوجه إلى مثل هذه المشاريع من خلال سياسات الدعم التي تتبناها مؤسسات التنمية في مختلف دول العالم، وبالتالي فهي مجال واعد للوقف ليحقق أثرا ملموسا في التنمية الاجتماعية، وبخاصة في الدول الإسلامية التي ينتشر فيها الفقر وتتسم بكثرة العاطلين عن العمل، مع ما يولده ذلك من مشاكل اجتماعية متعددة.
وبما أن مستلزمات المشاريع الصغيرة أن يعمل الإنسان في مهنة معينة بنفسه، ويشرف عليها مباشرة، فإن الوقف يمكن أن يكون له دور في هذا الإطار، حيث يتيح الوقف تمليك الفرد المحتاج لأدوات الإنتاج والعمل مما يساهم بشكل فعال في التنمية المحلية والاقتصادية. والوقف كما أثبتت الدراسات التاريخية لم يغفل أهمية المشاريع الدقيقة في محاربة الفقر و تحسين المستوى المعيشي حيث كانت هناك أوقاف نقدية مخصصة لتمويل أصحاب المهن والصناع و المزارعين والتجار عن طريق إقراض مبالغ لبدء مشاريع مهنية معينة أو شراء أدوات الإنتاج [2]
ولعل التجربة التركية خير دليل على اهتمام الوقف بالمشاريع الصغيرة، فقد كان"للأوقاف التركية النقدية- منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي دور متميز في مجال هذه"
(1) فؤاد عبد الله العمر، إسهام الوقف في العمل الأهلي والتنمية الاجتماعية، الكويت، مرجع سابق، ص 180.
(2) فؤاد العمر بناء المؤسسي للوقف في بلدان شبه الجزيرة العربية، الندوة الفكرية: نظام الوقف والمجتمع المدني في الوطن العربي، تحرير إبراهيم البيومي غانم، مركز دراسات الوحدة العربية والأمانة العامة للأوقاف، بيروت،2003، ص 614 - 615.