الأصول فألّف كتابه «الرسالة» ، وضمّنها قواعد الاستنباط ومعرفة الناسخ والمنسوخ وغيرها وهو أوّل من دوّن هذا العلم على أرجح الأقوال.
ثمّ بدأ الناس في تشييد قواعده، وإحكام مبانيه تفصيلا وإجمالا واهتموا به لكونه أشرف العلوم وأعلاها، قال الغزالي عنه: «و أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه، وأصوله من هذا القبيل» .
ومن ثمّ كانت عناية العلماء به تامّة مع الكتاب والسنّة فألّفوا فيه كتبا بسيطة ووسيطة ووجيزة، وقاموا بشرحها مختصرا ومطولا.
وكانت الحصيلة العلميّة جيدة، حيث ألّف جميع أهل المذاهب كتب الأصول وبيّنوا فيها نهج مذهبهم والمختار لديهم مع الاستدلال والردّ على المخالف. فذخرت المكتبات بها.
ولا زالت أغلب الكتب الأصوليّة رهينة المكتبات والخزانات مخطوطة، لم يخرج إلى عالم القرّاء، ليقفوا على ما فيها من كنوز، وفقد منها بعضها، وبعضها لا توجد له إلا نسخة فريدة، وقد تكون متآكلة ومخرومة، ولو لم تمدّ إليها يد التحقيق والنشر لازدادت سوءا.
وهناك بعض الكتب الأصوليّة وغيرها قد طبعت، ولكن الطابع التجاري عليها واضح جلي، حيث لا يعتنى فيها بجمع النسخ ومقابلتها، وإكمال الناقص منها، وإذا لم تتيسّر النسخ فتحقيقها تحقيقا علميا مع مراجعة الكتب المساعدة حتى يأتي الكتاب على أقرب صورة وضعه عليها المؤلّف أولى من تركها.
ولا داعي لذكر الكتب التي طبعت طباعة تجاريّة، فهي معلومة عند الجميع وفضل الكتب المحقّقة جليّ لا يخفى على أحد يريد العلم للعلم والعمل.