العصر الذي ولد فيه المؤلّف-رحمه اللّه-كان مصابا بالنكبات التي حصلت من التّتار الذين أثخنوا القتل في أهل بغداد، وأحرقوا الكتب وأغرقوها ما لا تحصى، وكانت بغداد دار الخلافة، ومركز العلوم الإسلاميّة.
فلمّا حلّ بها ما حلّ، تفرّق أهلها ونزحوا إلى الشام ومصر، كما أصيبت الشام بعدها بنكبات التّتار وحملاتهم، ومنها حملتهم سنة تسع وتسعين وستّمائة (699 هـ) لكنّ الشام لم يكن التدمير فيها كما كان في دار الخلافة بغداد، ثمّ استطاع المسلمون في القرن الثامن دفع شرورهم وحملاتهم وهزموهم عدّة مرات، وبعد ذلك بدأ المسلمون في بناء ما دمّر، وتعمير ما خرّب، فبدأت الحياة تعود إلى نصابها الأول، وفي عصر السلطان ناصر الدين محمد بن قلاوون الصالحي كان المسلمون في ازدهار ورقي،
وكانت دور العلم تؤدي واجباتها نحو تعليم الناشئة وتخريج العلماء الذين يتولون المناصب في الدولة وكان فيه علماء بارزون لهم الإنتاج العلمي الغزير كشيخ الإسلام ابن تيميّة وشمس الدين الذهبي والسبكي وغيرهم.
وكانت الدولة تقوم بتعيين المدرسين في المدارس وتوقف أوقافا دارة عليها. ويظهر من هذا أنّ النهضة بدأت في حياة المؤلّف بعد بلوغه الحلم أي في أوائل القرن الثامن، وتكاثرت المدارس في الشام في عصره حتى صار عددها يربو على الثمانين، وسببها هجرة العلماء إليها بعد حملة التّتار على
بغداد-التي كانت مركز العلوم الإسلاميّة-و كذلك اهتمام أهل المذاهب بنشر مذاهبهم وذلك بطريق التعليم والتدريس والتأليف، وأعانت على ذلك كله