بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الإمام الكوثري رحمه الله تعالى
الحمد لله القدوس المتعال، المنزه عن النظير والمثال، جلَّت ذاته وعَلَت صفاته عن أن يحوم حول اكتناهها وهْمٌ أو خيال، والعقولُ عن إدراك تلك المطالب في عقال.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث للتتميم مكارم الخلال، منقذًا لهذه الأمة من مخالب الوثنية وصنوف الضلال، وهاديًا إلى مراضي مولاه ذي الجلال والجمال، وعلى آله خير الآل، وأصحابه أصحابِ كرائم الخصال.
[انقشاع ظلمات الجاهلية بمبعثه - صلى الله عليه وسلم -]
وبعد ...
فلا يخفي على من دَرَسَ تاريخ الدين الإسلامي أنَّ الله سبحانه بعث خاتم رسله في بيئة عريقة في الوثنية، وقد أحدقت بتلك البيئة أمم يدينون بالإشراك والتشبيه وأنواع من التخريف والتمويه، فبمبعثه - صلى الله عليه وسلم - انقشعت تلك الظلمات الجاهلية، واستنارت بصائر الذين آمنوا به بأنوار التعاليم الإسلامية، حتى داسوا تحت أرجلهم تقاليد الوثنية، ونبذوا تلك الأساطير الهمجية، وخمدت عزائمُ أعداءِ الدين، وفترتْ مُواصَلتُهم العَداء إلى حين.
[تَحَيُّن الأعداء الفرص للكيد بالمسلمين]
لكنهم كانوا يتحينون الفرص لتفريق كلمة المسلمين، وتشويه تعاليم هذا الدين في الأخلاق والعمل والاعتقاد، حتى تذرعوا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - بشتى الوسائل إلى بَذْر بذور الفساد كلَّما ظنوا أن الفرصة سانحة. يلبسون في كل عصر ما يرونه أنجع في مخادعة الجمهور، وأغشى على بصائر الخاصة والدهماء، وأشد فتكًا بهم في صميم دينهم، إلى أن تمكنوا من إضلال طوائف في الأطراف، ورغم هذا بقيت بيضة الإسلام -بحمد الله جل شأنه- مصونة الجانب تحت كِلاءةِ الله سبحانه ورعايته، حيث لم يُمَكِّنهم من إبادة خضراء الملة، ولا من إحداث أحداث جوهرية في صميم الدين الإسلامي تشتت شمل الجماعة، بل بقى الإسلام في جوهره