فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 137

[محاولة ابن تيمية بعث الحشوية من مرقدها]

وقد استمرت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط الله تعالى ولاستسخاف العقلاء، من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حرَّانيٌ تجرَّدَ للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية السخفاء، متظاهرًا بالجمع بين العقل والنقل على حَسَبِ فهمه من الكتب، بدون أستاذ يرشده في مواطن الزلل.

وحاشا العقل الناهض والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تخريف السخفاء، إلا إذا كان العقل عقل صابئ والنقل نقل صبي!!

وكم انخدع بخزعبلاته أناسٌ ليسوا من التأهل للجمع بين الروية والدراية في شيء، وله مع خلطائه هؤلاء موقف في يوم القيامة لا يغبط عليه، ومن درس حياته يجدها كلّها فتنًا لا يثيرها حاظٍ بعقله غيرُ مصاب في دينه.

وأنَّي يوجد نصٌ صريحٌ منقول، أو برهان صحيح معقول يثبت الجِهَة والحركة والثِّقل والمكان ونحوها لله سبحانه!!؟

وسيمرُّ بك سردُ بعض مخازيه مع نقضها إن شاء الله تعالى.

وكلُّ ما في الرجل أنَّه كان له لسان طلق، وقلمٌ سيَّال، وحافظةٌ جيدة، قلَّبَ -بنفسه بدون أستاذ رشيد- صفحات كتب كثيرة جدًا من كتب النحل التي كانت دمشق امتلأت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق، فاغتر بما فهمه من تلك الكتب من الوساوس والهواجس، حتى طمحت نفسه إلى أن تكون قدوةً في المعتقد والأحكام العملية، ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين، مما هو وصمة عار وأمارة مروق في نظر الناظرين، فانفض من حوله أناس كانوا تعجلوا في إطرائه بادئ بدء قبل تجريبه، وتخلوا عنه واحدًا إثر واحد على تعاقب فتنه المدونة في كتب التاريخ ولم يبق (1) معه إلا أهل مذهبه في الحشو من جهلَةِ المقلِّدة، ومن ظنَّ أن علماء عصره صاروا كلهم إلبًا واحدًا ضده حَسَدًا من عند أنفسهم فليتَّهِم عقله وإدراكه قبل اتهام الآخرين، بعد

(1) وثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه ووجوه الزيغ في مؤلفاته، ومنهم مَن ظنَّ أنه دام على توبته بعدما استتيب، فداوم على الثناء، ولا حجَّةَ في مثل تلك الأثنية، وأقواله الماثلة أمامنا في كتبه لا يؤيدها إلا غاوٍ غوى، نسأل الله السلامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت