فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 137

الكاذب على تقدير جهل السامع بما وراء الأكمة؟! فيجب أخذ هؤلاء بالرفق لتدريجهم إلى الحق من باطلٍ تورَّطوا فيه باسم السنة.

ومِنْ محققي أهل السنة من يشير إلى أنَّ العامي إذا بدر منه ما يوهم ظاهره التشبيه يُرجى من فضل الله أن يسامحه حيث يعلو التنزيهُ من الجهة ونحوها عن مداركه.

وأمَّا من جمع بين الرواية والدراية على زعمِه، وألَّف في ذات الله وصفاته، وصدر منه مثلُ هذا، فلا يوجد بين علماء أهل السنة من يعذر مثله، بل أطبقت كلماتهم على إلزامه مقتضى كلامه، وليس لعالم عذرٌ في الميل إلى شيء من التشبيه والقرمطة؛ لظهور سقوطهما لكل ناظر.

قال القاضي أبو بكر بن العربي في القواصم والعواصم: (ما لقيت طائفة إلا وكانت لي معهم وقفة عصمني الله منها بالنظر- بتوفيقه- إلا الباطنية والمشبهة فإنهما زَعْنَفَةٌ تحققتُ أنه ليس وراءهما معرفة، فقذفت نفسي كلامهما من أول مرة) اهـ.

بل لا يتصور أن يميل إلى أحدهما عاقل إلا إذا كان له غاية إلحادية، وأنَّى يستعجم على عالِمٍ باللسان العربي المبين ما في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الدلالة على تنزيه الله جل شأنه من الجسمية والجسمانيات والمادة والماديات، بخلاف العامي الذي هو قريب العهد من الجاهلية.

[فضل علماء أصول الدين في حراسة الدين]

جزى الله علماء أصول الدين عن الإسلام خيرًا، فإنَّ لهم فضلًا جسيمًا في صيانة عقائد المسلمين بأدلة ناهضة مدى القرون أمام كل فرقة زائغة، وإنما يكون التعويل في كل علمٍ على أئمته دونَ مَن سواهم؛ لأنَّ من يكون إمامًا في عِلْمٍ كثيرًا ما يكون بمنزلة العامي في علم آخر، فإذًا لا يُعَوَّلُ في العقائد إلا على أئمة أصول الدين لا على الرواة البعيدين عن النظر، وكم بينهم من يُرْثَى لمداركه حيث يقل عقله عن عقول الأطفال، وإن بلغ في السن مبلغ الرجال. ومن طالع ما ألَّفه بعض الرواة على طول القرون من كتب في التوحيد والصفات والسنَّة والردود على أهل النظر، يشكر الله سبحانه على النور الذي أفاضه على عقله حتى نبذ مثل تلك الطَّامات بأول نظرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت