قيدت هذا الورى لتصير حرًا (1) لست تحت أوامر ولا نهي ولا فرقانا، لكن جعلت
=الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وكتب محمد الفارسي.
وفي تلك الفتاوى ما ينزجز به من يخاف مقام ربه من تلك البدع الشنيعة، وبها يعلم أيضًا أن أبا عمرو عثمان بن مرزوق الحنبلي وأبا عبد الله الكيزاني الحنبلي مشتركان في إثارة البدع المذكورة بمصر، ولا مانع من أن يكون بينهما بعض اختلاف في فرع من فروع تلك البدع، ومَنْ حاول تبرئة أحدهما منها فلا حجة عنده أصلًا.
وقد تكلف ابن رجب في طبقاته تبرئة ابن مرزوق عن ذلك بدون جدوى بعد أن أقر بذلك الناصح الحنبلي وابن القطيعي الحنبلي، ولو كان ابن رجب رأى تلك النصوص من فتاوى علماء عصر ابن مرزوق وابن الكيزاني المنقولة عن خطوطهم المحفوظة في خزانة الملك الظاهر بيبرس لما سعى في تبرئة ساحته من تلك البدعة الشنيعة.
ونسبة القول بتلك البدعة إلى ابن الكيزاني في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي لا تبرئ ابن مرزوق منها، على أن ابن رجب قال بعد ذلك: ثم وجدت لأبي عمرو بن مرزوق مصنفًا في أصول الدين، ورأيته يقول فيه إن الإيمان غير مخلوق، أقواله وأفعاله وإن حركات العباد مخلوقة، لكن القديم يظهر فيها كظهور الكلام في ألفاظ العباد اهـ.
هذا طراز آخر في التخريف!! يدل على أنه قائل بالحلول على مذهب السالمية؛ ومثله لا يمكن ترقيع كلامه.
ووقعت بين الفتنتين فتنة عبد الغني المقدسي الحنبلي في الصوت ونحوه كما في ذيل الروضتين لأبي شامة فليراجع هناك.
وما حدث في القرن الخامس ببغداد في عهد أبي نصر بن القشيري من فتنة الحشوية فمشهور جدًا. والمحضر الذي رفعه أبو إسحاق الشيرازي والحسين بن محمد الطبري ومحمد بن أحمد الشاشي والحسين بن أحمد البغدادي وعزيزي بن عبد الملك شيذلة، وغيرهم من أئمة العصر عن تلك الفتنة بخطوطهم إلى نظام الملك، مسجل في تبيين كذب المفترى لابن عساكر (ص 310) فيراجع هناك، ليُعلم مبلغ سعي الحشوية في إثارة الفتن في كل قرن وذلك مما يعرق به جبين الدهر خجلًا من تخريفاتهم التي يتبرأ منها العقلاء كلهم.
وأما ما أحدثوه من الفتن في أوائل القرن الرابع من الدعوة إلى القول بإجلاس محمد - صلى الله عليه وسلم - على العرش في جنبه تعالى، فمدوَّن في كتب التاريخ.
والمرسوم الذي أصدره الراضي العباسي ضد البربهاري الداعي إلى تلك البدعة مسجل في تاريخ ابن الأثير بنصه وفصه، فليراجع القارئ الكريم هذا وذاك ليعلم نصيب الحشوية من العقل والدين وكلا الكتابين بمتناول الأيدي، فنستغني عن نقل نصوص عنهما.
وفي كل ما تقدم عبر، ويالها من عبر، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل.)
(1) انظر هذا الخبث المضاعف، يصور الناظم أن القول بعدم استقرار الإله جل شأنه على العرش استقرار تمكُّن وبعدم كون كلام الله القائم بذاته حرفًا وصوتًا حادثين في ذاته تعالى يكون انحلالًا عن الدين وانسلاخًا من التكاليف!!
ولست أشك أن من يجترئ على هذا التصوير ويدور في خلده مثل هذا التفكير أمام جماهير أهل الحق المعتقدين للتنزيه من فجر الإسلام إلى اليوم في مشارق الأرض ومغاربها على طول القرون لا يكون إلا منطويًا على الانسلاخ الذي يرمي به أهل الحق- قاتله الله ما أجزأه على الله وما أوقحه!
فمن الذي نفى أن للعالم مدبرًا وأن القرآن كلام الله أنزل به الروح الأمين على قلب رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ ومن الذي =