عبد القادر وأبو الوليد (ابن رشد الفيلسوف) وأبو العباس الحراني (1) [ابن تيمية] وله اطلاع، لم يكن من قبله لسواه من متكلم
= التحديد في الذات والجهة فرق؟! وقد أطلق الشرع أنه القاهر فوق عباده وأنه استوى على العرش؛ فالتمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في العقل غيره وهي قوله تعالى {ليس كمثله شيء} [الشورى:11] عصمة لمن وفقه الله تعالى"اهـ. وقد تعقبه الأبي تعقبًا شديدًا، وقال ما نسب من القول بالجهة إلى الدهماء ومن بعدهم من الفقهاء والمتكلمين لا يصح ولم يقع إلا لأبي عمر في الاستذكار والتمهيد ولابن أبي زيد في"الرسالة"وهو عنهما متأول. ثم نقل عن الفقهاء التونسيين كابن عبد السلام وابن هارون والفاسيين كالسطي وابن الصباغ اتفاقهم على إنكار ذلك في مجلس الأمير أبي الحسن ملك المغرب. راجع شرح مسلم (2 - 241) للأبي."
أقول: إنما ذكر القاضي عياض من صار من الدهماء إلى القول بالجهة، وأين في ذلك نسبة ذلك إلى الدهماء؟! على أن لفظ الجهة لم يقع في كلام أبي عمر ولا في كلام ابن أبي زيد وإن كان ظاهر كلامهما يوهم ذلك. وقد تأول كلامهما المالكية ليكونا مع الجمهور في هذه المسألة الخطرة ولو ترك كلامهما على الظاهر لهويا في هاوية التجسيم وذلك عزيز عليهم أيضًا، وقول القاضي عياض ليس يشمل المشارقة حيث لم يرحل إلى الشرق؛ وإنما قوله بالنظر إلى معنى كلام بعض الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أهل بلاده من أصحاب الطلمنكي وابن أبي زيد وأبي عمر؛ بل لا أذكر وقوع لفظ الجهة في كلام أحد منهم، وإنما جرى ابن رشد الفيلسوف في المناهج على التساهل بذكر ما لم يجر على لسانهم باعتباره معنى كلامهم كما سبق. والحاصل أن التكييف غير جائز إجماعًا - ويمكن جمع جزء في الآثار الواردة في المنع من التكييف والتشيه- ولا شك أن القول بالجهة تكييف لم يقع إلا في عبارات أناس هلكى. وأما تأويل القائلين بالجهة ما يوهم كونه في السماء بمعنى على السماء، كما ذكر القاضي عياض، فلا ينجيهم من ورطة التجسيم لأن (في) في قوله تعالى {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] لم تزل تفيد تمكين المصلوب في الجذع كتمكين المظروف في الظرف، وكذلك قوله تعالى {قل سيروا في الأرض} [العنكبوت:20] فحمل لفظ (في) على معنى (على) لا يجدي في الإبعاد عن التمكن. وإنما التأويل الصحيح ما أشار إليه الباجي من استعمال العرب لفظ (هو في السماء) يعنون علو شأنه ورفعة منزلته بدون ملاحظة كونه في السماء أصلا كقول الشاعر:
علونا السماء مجدنا وجدودنا .... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرًا
وظاهر أنه لم يرد إلا علو الشأن. وليس قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} [الملك:16] من هذا القبيل بل الظاهر أن المراد خاسف سدوم وعد (في السماء) بمعنى على السماء ثم جعل على السماء بمعنى (على العرش) باعتبار أن السماء مأخوذة من السمو، غفلة عن شمولها للسقف والسحاب على هذا التقدير غير المتبادر وتخصيصها بالعرش عن هوى مجرد كما لا يخفى. وفيما ذكرناه كفاية لأهل التبصر.
(1) يوجد من يذكره بلقب شيخ الإسلام- وللمبتدعة افتتان بهذا التلقيب لزعمائهم- إيهامًا للضعفاء في العلم أن ما يدعو إليه هذا الزائغ هو الإسلام الصحيح. ويخاف على من يستمر على تلقيبه به بعد أن عرف مخالفاته لشرع الإسلام. ومن ذكره بهذا اللقب من أهل السنة إنما ذكره قبل أن يجاهر ذلك المبتدع ببدعه المعروفة، وأما من استمر على هذا التلقيب من المتأخرين فإنما استمر جهلا ببدعه التي نقلناها من أوثق المصادر أو ظنًا منه أنه تاب وأناب وحافظ على عهوده. وقد توسعنا في بيان ذلك فيما علقناه =