فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 137

توجب المكان اهـ ولعله آخر مؤلفاته بدليل أن امتحانه في الصفات كان سنة 429 قبل وفاته بنحو ثلاثين سنة.

فمن أثبت له تعالى جهة فقد أثبت له أمثالا وأشباها مع أنه لا مثل له ولا شبيه له تعالى، قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشوري:11] وقال تعالى: {أفمن يخلق كم لا يخلق} [النحل:17] فلعائن الله على من يثبت له تعالى ما لم يثبت له الكتاب ولا السنة من الجهة ونحوها.

وأما ابن رشد الحفيد ففيلسوف ظنين يسعى في إثارة وجوه من التشكيك حول آراء المتكلمين من أهل السنة لينتقم منهم بسبب ردودهم على الفلاسفة إخوانه ولا سيما من أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي. فمن طالع"فصل المقال"و"مناهج الأدلة"لابن رشد وخاصة في بحث قدم العالم قدمًا زمانيًا وعلم الله بالجزئيات والبعث الجسماني يتيقن ما قلنا في حقه على أنه يقول في فصل المقال (ص 13) : إن ههنا ظاهرًا من الشرع لا يجوز تأويله، فإن كان تأويله في المبادي فهو بدعة، وههنا أيضًا ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله؛ وحملهم إياه على ظاهره كفر في حقهم، وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم. ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول اهـ.

وهذا الكلام يهدّ على رأس ابن تيمية وتلميذه ما يريدان أن يبنيا على كلامه، ولو علما مغزى كلامه لأبيا كل الإباء أن يحوما حول كلامه في مثل هذه الأبحاث. فما يكون كفرًا في حق طائفة عند ابن رشد يكون إيمانا في حق طائفة أخرى عنده وبالعكس، وهذا هو الذي يحتج ابن تيمية في التأسيس وغيره بقوله في الجهة من غير أن يعقل مغزى كلامه الطويل في مناهج الأدلة.

وأما ما وقع في كلام ابن أبي زيد وابن عبد البر مما يوهم ذلك فمؤول عند محققي المالكية. ولو كان ابن عبد البر لم يكتف بالطلمنكي في أصول الدين ورحل إلى الشرق كالباجي لم يقع في كلامه ما يوهم.

ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا في لفظ صحابي أو تابعي ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة؛ وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلا فضلا عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة.

وأول من وقع ذلك في كلامه ممن يدعي الانتماء إلى أحد الأئمة المتبوعين- فيما أعلم- هو أبو يعلي الحنبلي المتوفي سنة 458 حيث قال عند إثباته الحد له تعالى في كتابه (إبطال التأويلات لأحاديث الصفات) :"إن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل؛ والعرش محدود؛ فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة له وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في اليمنة واليسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية فلذلك لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة. وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها"اهـ.

تعالى الله عما يقول المجسمة علوًا كبيرًا. وهو عين ما ينسب إلى المانوية الحرانية من تلاقي النور من جهة الأسفل مع الظلمة وعدم تناهيه من الجهات الخمس- سبحانك ما أحلمك- ثم تابعه أناس من الحنابلة في نسبة الجهة إلى الله سبحانه منهم أبو الحسن على بن عبيد الله الزاغوني الحنبلي المتوفي سنة 527 ووقع بعده في غنية الشيخ عبد القادر؛ وقد سبق رده. وإثبات ذلك له تعالى ليس بالأمر الهين عند جمهور أهل الحق بل قال جمع من الأئمة إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العلم العراقي، وقال إنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني اهـ فانظر قول ابن تيمية في التسعينية (ص 3) : أما قول القائل، الذي نطلب منه أن ينفي الجهة عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيًا =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت