خامسا: أنتم َقصَرْتُم النظر إلى حالة الانخفاض فقط دون حالة الارتفاع، فلو أخذ بالقيمة لوجب
النظر إلى الزيادة والنقصان.
سادسا: لقد اتجهت أنظاركم إلى المدين بالذات ليتحمل فروق التضخم، مع أن القرض عقد إرفاق
له ثوابه من الله عز وجل وقد ينتهي بالتصدق! فما ذنب المقترض أن يتحمل مساوئ النظام
النقدي المعاصر؟!، وعليه فإن ذلك سيؤدي إلى أن يحجم الناس عن أخذ القرض، لأن المقترض
مسبقًا يكون على علم بأنه سيتحمل مساوئ التضخم وسيوقع الناس بالحرج.
سابعا: تغير قيمة النقود لا يظهر في القروض والديون فقط، وإنما يظهر أيضا في عقود أخرى،
فمؤجر العقار مثلًا في معظم البلاد الإسلامية ليس من حقه إنهاء العقد واسترداد ما عليه إلا
بموافقة المستأجر، ولهذا يمتد العقد إلى عشرات السنين، وقد تصبح قيمة الإيجار لا تزيد عن
واحد واثنين في المائة من قيمة النقود عند بدء العقد، فالنظرة إلى تغير قيمة النقود لابد أن تكون
شاملة عامة.
ثامنا: ومن الشمول والعموم أيضا، أن ننظر إلى من يلتزم بالقيمة أو المثل، فالأجير الخاص
الذي يأخذ راتبًا شهريًا محددًا، عندما تنخفض قيمة النقود فهذا يعني أن راتبه قد انخفض في
الواقع العملي، فإذا كان مقترضًا ومدينًا بثمن شراء ومستأجرًا، فكيف نطالبه بالزيادة العددية التي
تعوض نقص القيمة قبل أن نعوضه هو شخصيا عما أصابه من نقص في قيمة راتبه؟ (1) .
تاسعا: من حق المقرض أن يمنح ما يرى أنه أكثر ثباتًا وأقل عرضة للانخفاض، فمن حقه أن
يقرض ذهبًا أو فضة أو عمله يرى أنها أكثر نفعًا له، ولعل هذا يساعد على وجود مخرج لمن
يحجم عن الإقراض خوفًا من انخفاض قيمة النقود الورقية، فكأنه يدخر ما يرى أنه أنفع له،
ولكن ليس من حقه بعد هذا أن يطالب بغير المثل إذا جاء الأمر على خلاف ما توقع، فماذا يفعل
من انخفضت قيمة مدخراته في غير حالة الإقراض؟
(1) السالوس: الاقتصاد الإسلامي، ص 539.